الجمعة، يونيو 17

كثير من الحظ - نضال برقان


كثير من الحظ
نضال برقان*

* كتب الشاعر ومحرر القسم الثقافي بجريدة الدستور الأردنية نضال برقان المقالة التالية التي نشرت بتاريخ 13/6/2011

 أن تنال «شيئا» من الحظ، خير من ألا تناله أبداً.

ذلك هو ما انتابني وأنا أقرأ مجموعة القاص إياد نصار الجديدة، «قليلٌ من الحظ»، لما انطوت عليه من انحياز فعلي، وجمالي، إلى فعليّ: السرد والقص، عبر لغة رشيقة، ومكثفة، تميزت بتخلصها، بشكل داهش، للحمولات الزائدة.

في المجموعة نفسها ثمة نأي، متقصد، ربما، عن الشعر وفضاءاته، الأمر الذي يعكس احتراما للقصة، وإيمانا بها، بوصفها جنسا إبداعيا حيّـا، وقادرا على سبر أغوار الذات، المفردة والجمعية، ونقل شجونها وشؤونها بجمالية عالية، الأمر نفسه لم يستطع استيعابه الكثير من كتاب القصة، محليا وعربيا، حيث يتكئون على لغة الشعر، واستعاراته، وتشابيهه، بحجة أنهم يكتبون نصوصا مفتوحة.

ويبدو جليا، في مختلف قصص المجموعة، انحياز كاتبها للمفهوم الكلاسيكي للقصة القصيرة، ما يعيد إلى الأذهان تلك النماذج العليا التي كتبت بها، خلال فترة ازدهارها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، من دون أن يعني ذلك أن نصار نفسه غير معني بالتجريب، وهو ما كان حاضرا من خلال القص وأدواته، من مثل حركة السرد والروي، التي كانت تنتقل من شخصية إلى أخرى بخفة ورشاقة، في غير قصة من قصص المجموعة.

وثمة ما يجدر الالتفات إليه في المجموعة، وهو تقارب قصصها من حيث الحجم، على صعيد الشكل، وانحيازها للجوهر الإنساني، عبر قراءة شجون الذات المفردة في مرآة الذات الجمعية، والعكس، على صعيد المضمون، وهو ما يؤكد اشتغال كاتبها عليها بتؤدة، من دون أن يكون ثمة تفاوت فيما بين قصصها، وهو ما يعكس، من ضمن ما يعكس، وفاء نصار إلى القصة القصيرة، واحترامه لها.

وإذا كان كثير ممن يكتبون القصة القصيرة بوصفها تمرينا لكتابة رواية لاحقة، فإن نصار كتب القصة تقديرا وإجلالا لذاتها، وإيمانا بها، محترما أدواتها، ومستمتعا كذلك بتلك الكتابة، من دون شعور بالنقص، وهو ما يستطيع القارئ تلمسه في مختلف فضاءات المجموعة.

ولعلي لا أجانب الحقيقة إذا قلت إن المجموعة تبدو غريبة إذا نظرنا إليها من خلال مشهد القصة القصيرة الراهنة، محليا وعربيا. إنها كتابة تسير بالاتجاه المعاكس للسائد والراهن على صعيد القص. إنها كتابة (محترمة)، ورصينة، وجميلة، وجليلة، وأعتقد أنها تمتلك من الأدوات ما يؤهلها لأن تكون علامة بارزة على صعيد مسيرة القصة القصيرة، بخاصة على الصعيد المحلي.

وتعكس المجموعة نفسها، كذلك، دراية ومعرفة بتاريخ القصة القصيرة، واتجاهات نقادها، وهو ما جعلها تخرج بصورة بهية، بعيدة، كل البعد، عن تلك الأخطاء التي ما زال يقع فيها كتاب قصة (مرموقون).

نصار، الذي أصدر مجموعته القصصية الأولى، «أشياء في الذاكرة»، وهو في الرابعة والأربعين، قبل ثلاث سنوات، ومجموعته الثانية، «قليل من الحظ»، قبل سنتين، صاحب شخصية هادئة، ورزينة، على الصعيد الإنساني، وهو كذلك على الصعيد الإبداعي، ما يؤكد صدق تجربته، وارتباطها بشخصيته.

وبعد؛ هي تحية إجلال وإكبار من قارئ محب للقصة القصيرة وكتابها الحقيقيين، بعيدا عن النقد وتشعباته.

رابط الموضوع بصحيفة الدستور

رابط الصفحة الكاملة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق