الأربعاء، نوفمبر 26

الموشحات الاندلسية


الموشحات الاندلسية: يا زمان الوصل

بقلم: اياد نصار

هذا الفن الرائع الذي انفردت الاندلس بابتداعه يمثل قمة في النضوج الفني والشعري والموسيقى، ويعكس حالة من الاهتمام بالجانب الروحي والجمالي كما يدل على مدى الاهتمام بتطوير الغناء والطرب. الموشحات كلمات غنائية مفعمة بحب الحياة ومضمخة بعبق الطبيعة الاندلسية الجميلة في قالب شعري وينظمها تركيب موسيقي قصير قابل بكل سلاسة للتلحين والغناء ويحلق بها خيال مفعم بالهوى والعشق والوجد والعتاب في مجالس الحبيب في قاعات القصور وبين الرياض والنوافير ومجالس العزف والشراب. والموشحات يبدو أنها اشتقت من الوشاح أو القلادة التي تزين الوجه والصدر.، وقيل بل من التوشيح أي ترصيع الكلام وتنميقه على ألحان وأوزان سلسلة يجري بها اللسان بكل عفوية وتلقائية.

نقلت الموشحات الشعر العربي من التكلف والرسمية والمواضيع التقليدية للشعر في الفخر والمديح والرثاء والجزالة التي تكاد تقتصر على دارسي اللغة والنحو والصرف الى الاجواء الشعبية التي تفوح بروائح الزهر والخمر والموسيقى، فاصبح أكثر عذوبة وانتشاراً وتجاوباً مع حالات النفس المختلفة. كما ساهمت الموشحات في ازدهار شعر الغزل والوصف وحب الطبيعة والحياة.

ومما يذهل القاريء أن هذا الفن الرفيع الذي تنظمه أوزان خاصة به وقوافي متعددة وتركيب بنيوي منتظم لم يعرفه الشعر العربي من قبل، يكاد يغيب ذكره في بعض أهم المصادر الاندلسية، الا من إشارات على إستحياء، مما دفع بعض النقاد للقول أن الموشحات فن نشأ في المشرق العربي ووصل الاندلس. فقد تجاهله إبن بسام في كتابه الموسوعي " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"، كما أغفله كتاب "العقد الفريد" لإبن عبد ربه، وغاب نهائياً عن كتاب" قلائد العقيان في محاسن الاعيان" للفتح بن خاقان. ولكن أدباء آخرين أفاضوا بالحديث عنها وايراد أمثلة كثيرة عليها مثل المقري في كتابه "نفح الطيب في غصن الاندلس الرطيب"، وإبن دحية صاحب كتاب "المطرب من أشعار أهل المغرب".. ومما عزز النظرة لدى بعض النقاد أنه قد يكون من ابتكار الشرق العربي في العراق أن أشهر الموشحات على الاطلاق وهي:

أُّيها الساقي اليك المشتكى -------- قد دعوناكَ وإن لم تسمع ِ

قد نُسبت للشاعر العباسي ابن المعتز، ولكن أغلب الظن أنها لإبن زهر الاندلسي الحفيد. ويتفق كثير من الدارسين وكتب المصادر التاريخية على أن الموشحات فن أندلسي النشأة وأن من إخترعه كان مقدم بن معافر، وقيل محمد بن حمود القبري. وأنا ممن يعتقدون أن هذا الفن الرائق والراقي الذي يقدم مقطوعات شعرية تنساب مع أحاسيس النفس في غنائية واضحة ولحنية جميلة وكلمات في قمة التأثير التي تجعل من الموشحات متعة الكثيرين في الاستماع اليها وقراءتها لم يكن ليظهر في بيئة فنية وأدبية غير الاندلس بما إمتازت به من حرية الفكر والابداع واختلاط الاعراق والشعوب والثقافات في بوتقة واحدة. ولهذا نرى عناصر إسبانية محلية في الموشحات. وهناك رأي يورده كثير من الباحثين والنقاد الذين يتناولون الادب الاندلسي يقول أن الشعراء الجوالين (التروبادور) الذين ظهروا في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا ونشروا شعرهم في أنحاء أوروبا هم تأثروا أصلا بالادب الاندلسي.

ولن أتحدث بتفصيل عن بناء الموشح وأقسامه. ولكن يمكننا التوقف عند تعريف الشاعر ابن سناء الملك للموشح حينما قال أن: " الموشح يتألف في الاكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات . ويقال له التام، وفي الاقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويقال له الاقرع". وأول هذه الاقفال يسمى المطلع، وآخرها يسمى الخرجة. فإذن يتكون الموشح في العادة من قفل يدعى مطلع يبدأ به الموشح وينقسم الى غصنين، ثم يأتي الدور وهو مجموعة من ثلاثة أسماط يعرف مفردها بإسم سمط. ثم قفل آخر يتكون من غصنين ينتهي بقافية هي ذات القافية في المطلع، يلحقه القفل الاخير ويسمى الخرجة بذات القافية المطلع.

ويطرب الانسان المتذوق للشعر والموسيقى عند سماع الموشحات لما تمتاز بها من الرقة والعذوبة والصفاء والسهولة والتأثير العاطفي والبعد عن الزخرفة والمحسنات اللفظية المفرطة وحضور المرأة بشكل بارز في الاداب الاندلسية، ومن الاحتفاء بالطبيعة الساحرة، والتعبير عن شدة الوجد والعذاب والعتاب. ومن الموشحات الذائعة تلك التي ألفها إبن سناء الملك:

يا شقيق الروح من جسدي ......... أهــوى بـي منــك أم ألــم

ضعت بين العَـذْلِ والعَذََل ِ

وأنا وحـــــدي علـى خبل ِ

ما أرى قلبــــي بمحتـمــل ِ

ما يريـد البيـن من خلــدي ............. وهو لا خصمٌ ولا حكـمُ

أيها الظبي الذي شردا

تركتني مقلتاك سدى

زعموا أني أراك غدا

وأظنُّ المــوتَ دون غـدي .......... أين مني اليوم ما زعموا

اُُدن شيئاًً أيها القمــــــرُ

كادَ يمحو نورَك الخفرُ

أدلال ذاك أم حــــــــذرُ؟

لا تخفْ كيدي ولا رصدي .......... أنت ظبيٌ والهوى حـَرَمُ

يا هِشامَ الحُسْنِ أي جوى

يا هوى أزرى بكل هوى

لم أجدْ مذ غبـتُ عنه دوا

علّمتـْـكَ النفثَ في العقـــدِ ............. لحظــاتٌ كـلـُّـها سقـــمُ

هل بشوقي ردعُ كلِّ صبا

تجتـليــها آيــــة ٌ عـجبـــــــــا

حين أشــــدوها بـكم طربــا

يا نسيم الروح من بلـــدي ........ خبّر الأحبابَ كيف هُـــــمُ

هذا الموشح الجميل الذي أبدعت في أدائه فيروز مختلف عليه. فبعض الدارسين من يعتبره للشاعر الأندلسي إبن زُهرِ الإشبيلي، نسبة إلى اشبيلية ؛ مدينة الغناء والطرب في الأندلس. ومنهم من يعتبره لابن سناء المُلك. وهو شاعر قاهري مشهور بديوانه ونظمه البديع، وأحد شعراء العصر الأيوبي في القرن الثاني عشر الميلادي، أي في ذات الفترة التي كانت الاندلس تشهد إزدهاراً أدبياً وفنياً وقد ذاعت الموشحات فيها. ومن آثاره كتاب دار الطراز في عمل الموشحات، و هو أول كتاب تناول الموشحات بالدراسة التاريخية والادبية عبر تاريخ الأدب العربي الى عصره. كما قام إبن سناء الملك بوضع أصول وقواعد نظم الموشحات كما فعل الخليل بن أحمد الفراهيدي مع الشعر. ويضم كتاب دار الطراز عدداً كبيراً من الموشحات الأندلسية القديمة، وموشحات ابن سناء الملك نفسه. ومن أشهر الوشّاحين الذين ظهروا في الاندلس كان عبادة بن ماء السّماء، والأعمى التُّطيليّ، وإبن زهر الإشبيليّ، وإبن سهل، ولسان الدين بن الخطيب الذي كان يلقب بذي الوزارتين: المنصب والشعر.

* اللوحة أعلاه من رسم الفنان الفرنسي بيير لويس بوشار (1831-1889)

هناك تعليقان (2):

  1. روعة الاحساس9:47 م

    كلام رائع جدا اخي اياد
    اكيد نابعة من شخص شفاف رائع بمعنى الكلمة

    اشكرك اخي

    تقديري

    متمنية الخير لك
    من فلسطين

    ردحذف
  2. شكرا لكلماتك الرقيقة التي أعتز بها ولمرورك الجميل. إنها بلا شك تعكس جانباً من شخصيتك التي تتمتع برقي وباحساس مرهف وتذوق رفيع لكل ما هو جميل في فضاءات الادب والفن والابداع.

    ردحذف