2008/05/09

إميلي ديكنسن (Emily Dickinson)


مبدعة في عالم العزلة

بقلم اياد نصار

لم تشتهر أديبة أمريكية في تاريخ الشعر الامريكي مثلما اشتهرت الشاعرة اميلي ديكنسن (1830-1886). أنها شاعرة القرن التاسع عشر بلا منازع. ومن غرائب القدر أنها عاشت في عزلة شديدة معظم حياتها، وكتبت ما يزيد عن ألفي قصيدة، الا أنها لم تنشرفي حياتها سوى سبع قصائد. بل انها تركت وصية الى أختها بأن تحرق كل أشيائها ورسائلها. ولحسن الحظ أن أختها لم تنفذ وصيتها بخصوص أشعارها، اذ أعجبت بمستوى القصائد بعدما عرضتها على متخصص. واجتهدت في تفسير عدم تنفيذ الوصية بأن أختها لم تذكر القصائد بالاسم ضمن الاشياء التي طلبت التخلص منها.

ولدت أميلي ديكنسن في أواخر عام 1830 في بلدة هادئة تدعى أمهيرست بولاية ماساشوسيتس في أسرة محافظة. ولم تحظ بحنان أمها مثلما يحدث عادة بين الام وابنتها، وقد كان لذلك تأثير كبير على شخصيتها.

نشأت اميلي في أسرة متدينة، وعاشت في ولاية عرف عنها التزمت في التدين في القرن التاسع عشر، من خلال ما عرف في التاريخ الامريكي باسم حركة المتطهرين (The Puritans). وقد اتخذت موقفا معارضا ومتحديا لوجهات النظر الدينية التقليدية تلك لاحقا، وقد ساهم موقفها الداعي للتساؤل والمثقل بالشكوك في جودة شعرها وقوة تأثيره. وبعكس عائلتها التي كانت معروفة في المجتمع المحلي، فان اميلي لم تحظ بالمعرفة الواسعة أو الفرصة لممارسة العمل العام في بلدتها، ومن هنا بدأت بالانسحاب من الحياة العامة.

لم تتبع أميلي مذهب والدها الديني، ولذلك أخذ والدها يراقب الكتب التي تقرأها خشية أن تبعدها عن الدين. تلقت اميلي تعليما جيدا، ولكنها كانت من النوع الخجول الصامت الذي يتجنب الغرباء. ولم تمكث في الكلية التي انتقلت للدراسة فيها في بلدة أخرى سوى عام واحد، وما لبثت أن عادت لبلدتها لتبدأ حياة العزلة. ولم تتزوج أبدا، رغم أنه كان لها بضع علاقات مع مجموعة محدودة من الاشخاص. ثم توقفت عن استقبال الناس الذين يأتون لزيارتها. ونادرا ما كانت تغادر بيت والدها. ولم تقم سوى برحلات قصيرة لتلقي العلاج في بوسطن وواشنطن .

بدأت اميلي تكتب الشعر وهي في سن العشرين رغم أنها لم تقع أو تتعرض لأي تأثير خارجي. وقد كان حولها عدد محدود كثيرا من الاشخاص الذين كان لهم تأثير مباشر عليها. ولكن ورغم أن اتصال الناس بها كان محدودا جدا، الا أن من اختلطت بهم تركوا تأثيرا على أفكارها وشعرها، وخاصة تشارلز وادزورث الذي التقت به في رحلتها الى فيلادلفيا. كان تشارلز أقرب صديق مقرب لديها. وقد كان أديبا رومانسيا فوجدت فيه متنفسا لتربيتها الدينية المتزمة. وكتبت فيه الكثير من قصائد الحب. وقد رحل بعد ذلك الى الساحل الغربي، بعد زيارة قصيرة الى منزلها عام 1860. وقد سبب رحيله لها أزمة عاطفية عبرت عنها في فيض القصائد التي تنم عن حزنها العميق جراء ذلك. وبدءا من عام 1860 فقد عاشت في عزلة تامة عن العالم الخارجي، ولكنها استمرت بالمراسلة وقراءة الكتب بشكل كبير. كان للحرب الاهلية الامريكية تأثير على شعرها وعلى ذلك الاضطراب العاطفي فيه. ولكن كانت هناك أحداث أخرى أكثر أهمية تركت أثرا بالغا يتجلى في تأليف ما يزيد على 800 قصيدة خلالها. تمكنت اميلي من توجيه نظرتها لداخل ذاتها وأفكارها في محاولة استشراف مواضيع جديدة للشعر أكثر مما كتبته للحرب الامريكية.

قضت اميلي أغلب السنوات التالية في جو من الحزن والحداد بسبب وفاة عدد من أقراد عائلتها ومعارفها. حيث توفي والدها اولا، ثم أصدقاؤها وخاصة صديقها تشارلز وادزورث، ثم والدتها. وهذا ما جعل الموت يستحوذ على مضامين شعرها كثيرا. توفيت اميلي وهي في سن السادسة والخمسين عام 1886. وكنتيجة لحياتها المنعزلة، فقد أمعنت النظر في التفكير بعالمها الداخلي أكثر مما كانت تقرأ من أعمال الكتاب الاخرين. وقد لاحظ النقاد ان الكثيرمن قصائدها غير مكتمل وعلى قصاصات متناثرة من ورق. وقد صنف النقاد والمهتمون شعرها حسب موضوعاته كالاصدقاء، والطبيعة، والحب والموت.

تركت اميلي بصمة كبيرة أثرت كثيرا في الشعر الحديث، حيث يكثر استعمال الفواصل واستخدام الاسماء بالحروف الكبيرة، وغياب القافية، والاوزان المكسورة والصور غير المألوفة. كما تمتاز قصائدها بموسيقيتها العالية. وللعلم لم تستخدم اميلي ديكنسن عناوين لقصائدها وانما وضع ذلك بعد موتها النقاد والناشرون الذين أطلعوا على القصائد الاصلية التي كانت بحوزة أختها.فيما يلي نموذج رائع لقصائدها بعنوان" لأنني لم أستطع التوقف للموت"من ترجمة: خالد العوض في المجلة الثقافية العدد 7 لشهرابريل 2003 . وقد أوردت القصيدة باللغة الانجليزية عقب الترجمة للمقارنة والتذوق.


لأنني لم أستطع التوقف للموت،

تلطف هو وتوقف لي،

حملتنا العربة وحدنا فقط

مع الخلود.

سرنا ببطء، فهو لا يعرف السرعة،

وأنا تركت جانبا

تعبي وراحتي معا لتأدبه.

مررنا بالمدرسة، حيث الأولاد يتنزهون

في الملعب وقت الفراغ.

مررنا بحقول القمح المحدّقة،

مررنا بالشمس الغاربة، أو قل، هو مرّ بنا،

بعث الندى فيّ الرجفة والقشعريرة،

إذ كان ردائي شفافاً

ومعطفي من تول

وقفنا أمام بيت بدا كانتفاخ للأرض،

السقف لا يكاد يظهر؛

والجدران تحت الأرض.

مضت قرون مُنذ ذلك الوقت

ومع ذلك .. فكأنما هي أقصر من يوم

حسب رؤوس الجياد فيه

متجهة الى الخلود.

Because I could not stop for Death-
He kindly stopped for me-
The Carriage held but just Ourselves-
And Immortality.

We slowly drove-He knew no haste
And I had put away
My labor and my leisure too,
For His Civility-

We passed the School, where Children strove
At Recess-in the Ring-
We passed the Fields of Gazing Grain-
We passed the Setting Sun-

Or rather-He passed us-
The Dews drew quivering and chill-
For only Gossamer, my Gown-
My Tippet-only Tulle-

We paused before a House that seemed
A Swelling of the Ground-
The Roof was scarcely visible-
The Cornice-in the Ground-

Since then-'tis Centuries-and yet
Feels shorter than the Day
I first surmised the Horses' Heads
Were toward Eternity-

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق