2008/07/14

سيلفيا بلاث


سيلفيا بلاث والآمال الضائعة

بقلم اياد نصار

كان لي أثناء دراستي الجامعية صديقة بريطانية ذات أصول أسكتلندية وإسبانية مختلطة. كانت صداقة رائعة للفكر والابداع. كانت "آن" تحب الأدب العربي وبخاصة الشعر الحديث، وتحب قراءة الشعر العربي لمحمود درويش ونزار قباني وبدر شاكر السياب وسميح القاسم. وكنا نجلس لساعات نقرأ بعضاً من قصائدهم ونتذوقها ونحللها ونعيش في عالم الشاعر وإبداعاته. وكان يأخذنا النقاش الى مناحي مختلفة من الادب العربي قديماً وحديثاً. كانت أسئلتها تنم عن تذوق رفيع واهتمام عميق بالقصائد المعاصرة وكان يثير حبها لتعلم اللغة العربية والاطلاع على قدرتها الاسلوبية والبلاغية في التعبير عن معاني الشعر فيّ الاعجاب. وقد اتبعنا اسلوباً جميلاً في النقاش يقوم على ترشيح عمل أدبي بالتناوب ليقرأه كل واحد منا على انفراد ، ثم فتح النقاش حوله. وقد استمر هذا الاسلوب بيننا فترة طويلة حتى بعد سفرها واقامتها بشكل دائم في برشلونة من خلال المكاتبات. وقد رشحت "آن" ذات يوم لي رواية الناقوس الزجاجي The Bell Jar للروائية والشاعرة الامريكية سيلفيا بلاث Sylvia Plath . لم أكن قد قرأت لها شيئاً من قبل.

إستطعت الحصول على الرواية وبدأت قراءتها، وفي أثناء ذلك أخذت أقرأ باهتمام عن حياة كاتبتها ، فراعني ما مر بها من أحداث إنتهت بموتها المأساوي. ورغم أنها حققت شهرة كشاعرة ربما أكثر منها كروائية حيث لم تصدر سوى هذه الرواية بينما أصدرت عدة دواوين، إلا أن الرواية نالت بعد وفاتها شعبية وشهرة كبيرتين. وللتشابه الكبير بين حياتها الخاصة وبين حياة بطلة الرواية يعتبر بعض النقاد أن الرواية تندرج في باب رواية السيرة الذاتية، رغم أنها نشرت الرواية باسم مستعار هو فيكتوريا لوكاس.
تخللت حياة سيلفيا بلاث المرأة الشابة ذات الجمال الجذاب التي ولدت عام 1932 وتوفيت عام 1963 أزمات نفسية وعاطفية أدت الى انفصالها عن زوجها الأديب والشاعر البريطاني المعروف تيد هيوز الذي كان رفيق دراستها في الجامعة فأحبته واقترنت به ورزقت منه بطفلين. وقد انتقلت للعيش معه من الولايات المتحدة الى لندن. وهناك نشرت ديوانها الاول بعنوان التمثال العظيم. وقد دفعها الخلاف والتأزم في علاقتها الأسرية مع تيد الذي كان يمثل الجانب الذكوري الذي يقمع طموحاتها في اثبات الذات وتحقيق مشاريعها وآمالها العديدة وخاصة بعد اكتشافها أن زوجها كان على علاقة عاطفية بامرأة أخرى الى ترك البيت والانفصال عن زوجها والاقامة لوحدها مع طفليها. ثم بدأت تعاني من مرض نفسي واضطرابات ذهنية حيث كانت تأتيها نوبات من الانهيار العصبي. وقد توفيت منتحرة بالاختناق بالغاز وهي في عز شبابها في سن الواحدة والثلاثين. وقبل أن تموت فقد قامت بترك خبز وحليب لاطفالها، وقامت بسد منافذ المطبخ بالمناشف المبللة، وتركت شبابيك الغرفة التي كانا نائمين فيها مفتوحة. ثم عرضت نفسها للغاز في المطبخ حتى اختنقت! ومن القصص الغريبة ان المرأة التي أحبها تيد هيوز قد ارتكبت الانتحار هي أيضا بعد وفاة سيلفيا بست سنوات مما عزز الشكوك بأن زوجها كان يسيء معاملتها. ولهذا تعرض شاهد قبره للتخريب والكتابة عليه من قبل مريديها بما يفيد إتهامه بأنه السبب في وفاتها!

أصبحت سيلفيا بلاث وخاصة بعد وفاتها رمزاً أدبياً في نظر الكثيرين من الشباب والشابات لتمردها على قيود المجتمع في سبيل تعزيز قيمتها كأنثى ، وحريتها كفتاة ، وابداعها النسوي حيث أصبحت رمزا من رموز المدرسة النسائية المطالبة بحرية المرأة وحقوقها ومساواتها مع الرجل والاعتراف باستقلاليتها وابداعاتها.

كما نالت قصائدها شهرة كبيرة وحظيت باهتمام كبير من النقاد وترجمت دواوينها الى لغات عديدة. وقد أوجدت ما يسمى بالشعر الذاتي الاعترافي بالاشتراك مع أخرين. كان شعرها يحمل الكثير من الملامح الفلسفية والتأملية التي تميل للسوداوية والاستسلام للموت واستحضار النهايات ، ولكنها تناولت أيضا موضوعات عديدة. وقد استلهمت الاساطير القديمة والاشارات الدينية في قصائدها. وامتاز شعرها بمسحة حداثية صوفية فلسفية. ومن دواوينها التي أصدرتها: التمثال العظيم ، وأرئيل، وعبور الماء ، وأشجار شتائية.

تدعى بطلة روايتها "الناقوس الزجاجي" إيسثر جرينوود، وهي أديبة موهوبة حققت شهرة كبيرة في سن مبكرة. حيث حصلت على بعثة للعمل في مجلة مرموقة في مدينة نيويورك. وقد أصيبت باحباط نتيجة عدم قدرتها على التكيف مع نمط الحياة في نيويورك فعادت الى بلدتها التي جاءت منها. وخلال اقامتها في نيويورك فقد سعت الى الحصول على منحة أخرى بدل المجلة لحضور دورة في الكتابة يشرف عليها كاتب معروف. ولكن طلبها جوبه بالرفض مما جعلها تقضي الصيف في كتابة رواية. ولكن كل حياتها كانت تتركز حول الدراسة والمدرسة ولم يكن لديها خبرة كافية بالحياة حتى تستند اليها في كتابة الرواية ولكنها كانت ثورية تواجه قيم المجتمع المحافظ في الخمسينيات من القرن العشرين الذي يعرض عليها إما الامومة او الالتحاق بوظائف تقليدية للمرأة بالتمرد. أصيبت إيسثر باكتئاب مما دفع أمها لعرضها على طبيب الذي تسرع في تشخيص حالتها بالاضطراب الذهني وتعريضها لصدمات كهربائية. وقد بدأت تعاني من الأرق وساء وضعها الصحي. وقد وصفت حالتها بأنها كالانسان المحتجز تحت ناقوس زجاجي يصارع لاجل التنفس. وقد حاولت الانتحار عدة مرات مثل الدخول في عرض البحر حتى تغرق أو تناول حبوب منومة بكميات كبيرة. وقد اكتشف أمرها وأرسلت لمصحة عقلية. ولكن خلال تلقيها للعلاج فقد بدأت تسترد عافيتها واستقرارها الذهني رغم أنها مرت بأحداث مهمة مثل انتحار زميلتها وفقدانها لعذريتها. وتنتهي الرواية نهاية مفتوحة حيث أن إيسثر على وشك الخضوع لمقابلة في المصحة النفسية من أجل مراجعة وضعها العقلي وتقرير فيما اذا كانت حالتها تستدعي اقامتها بالمصحة او السماح لها بالمغادرة. عاشت بطلة الرواية مراحل عديدة من اضطراب حياتها وتشظيها واصابتها باضطرابات نفسية وذهنية كانت تؤدي أحياناً الى اصابتها بانهيار عصبي.
في المقطع التالي من الرواية تجلس إيسثر جرينوود مع كونستانتين ، صديقها المترجم الذي يعمل في الامم المتحدة في نيويورك في أحد قاعات المحاضرات، وقد كان يدور في رأسها رؤية لما ستتفرع عنه حياتها مثل شجرة تين:

" في أعلى كل غصن حيث كانت هناك حبة تين بنفسجية كبيرة، فقد لاح لي مستقبل رائع. فثمة حبة تين كانت تمثل زوجاً وبيتا سعيداً وأطفالاً ، وثمة حبة تين أخرى كانت تمثل شاعرة مشهورة ، وحبة تين أخرى كانت تمثل استاذة لامعة ، وحبة تين أخرى إي جي المحرر الموهوب ، وحبة تين أخرى أوروبا وافريقيا وأمريكا الجنوبية ، وحبة تين أخرى كانت الامبراطور قسطنطين وسقراط وأتيلا الهوني ومجموعة من العشاق بأسماء غريبة ووظائف لا تضاهى ، وحبة تين أخرى كانت بطلة أولمبية . وخلف وفوق حبات التين هذه كانت هناك حبات أخرى أكثر منها لم أستطع عدها . ورأيت نفسي أجلس في وسط الشجرة أكاد أموت من الجوع ، لأنني لم أستطع أن أقرر أي حبات التين هذه سوف أختار . لقد أردت الحصول عليها جميعها ، واختيار واحدة منها يعني خسارة الباقي . وبينما كنت أجلس هناك غير قادرة على اتخاذ القرار بدأت حبات التين تذوي وتصبح سوداء، وبدأت تتساقط واحدة بعد الأخرى الى الارض عند أقدامي."

* اللوحة أعلاه بعنوان "خطيئة" من ريشة الفنانة السورية مها بيرقدار الخال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق