الأربعاء، يونيو 25

سامية عطعوط وأسلوب القصة القصيرة جدا


نظرة نقدية تحليلية لقصة " قحطان"

بقلم اياد نصار

يمتاز أسلوب القاصة سامية عطعوط بالايجاز والرمزية العالية المكثفة واستخدام اسلوب الفانتازيا الغرائبية لنقل مشهد متحرك موجز ، لكنه يغطي مساحة زمانية طويلة قد تمتد قرونا وقد يقصر الى موقف موجز هو في حد ذاته اكتشافي يدرك فيه الانسان فلسفة الحياة في لحظات. وبرغم ابتعادها الدائم عن تصوير التفاصيل الصغيرة لخلق الاحساس بمكان الحدث او عدم التركيز على تحليل الحالة النفسية للشخصية، الا أن التفاصيل القليلة والعبارات الموجزة تنجح في خلق الجو العام الذي يجسد القضايا الرئيسية او الفرعية التي تشغل بال شخصياتها. كانت بداية الانتاج القصصي باصدار مجموعتها القصصية الاولى عام 1986 بعنوان جدران تمتص الصوت ،ثم فوزها بالمركز الاول مناصفة في مسابقة الابداع الفكري لدى الشباب العربي عام 1990 بمجموعتها القصصية بعنوان طقوس أنثى والتي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة، كما صدر لها مجموعة أخرى في عام 1998 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت بعنوان طربوش موزارت. كما صدر لها مجموعة بعنوان سروال الفتنة في عام 2002 عن وزارة الثقافة. وما يزال لها قيد الطبع مجموعة بعنوان راحيل الغجرية وقارع الاجراس. والكاتبة عضو رابطة الكتاب الاردنيين، واتحاد الادباء العرب

في قصة قحطان التي نشرت ضمن مجموعة طربوش موزارت، يبدأ استخدام الرمز المكثف منذ العنوان وحتى اخر كلمة في القصة بأسلوب الفانتازيا التي تستوحي أجواء الف ليلة وليلة. فهناك مصباح علاء الدين وهناك الكهف الذي يعيش فيه قحطان منذ قرون مع عملاق مخيف يخشى مواجهة نور الشمس التي تصبح مرادف عري الحقيقة ودليل الواقع الذي يخشى العملاق مواجهته كي لا يذوب فيصير قزما. وهكذا يصبح قحطان أكثر من مجرد بطل للقصة، فالاسم له دلالة لغوية وتاريخية تستحضر في الذهن تاريخ الانسان العربي وماضيه البعيد. ولكن قحطان يعيش مفارقة تاريخية فهو يحس بعقدة النقص والتلاشي لانه مجرد قزم صغير بشع، بينما يقبع وحيدا أسيراً لظل عملاق يسيطر عليه ويبقيه لديه أسيرا في سجنه او كهفه قرونا طويلة. بل ان قحطان يشعر بالحسد لهذا العملاق المسترخي ، وهو اشارة الى الماضي الذي يعيش فيه العربي حالة من العشق المرضي تجعله ينفصل عن واقعه، والظل يوحي بأن العملاق قد اختفى عن الوجود ولم يبق سوى شبحه او ظله في ذاكرة قحطان.

ويعيش قحطان بين حدين غريبين، ففي الاسفل يقبع هذا العملاق الذي يقبع مسترخيا بليدا لا يقوى على الحركة، وبين مصباح علاء الدين الذي يتعلق به قحطان ليوقظ العملاق من سباته. وهكذا يصبح علاء الدين الامل الذي يتطلع اليه قحطان، ولكن هذا الامل لا يخلو من الغرائبية والاماني الخرافية والاسطورية والاوهام كما يدل على ذلك مصباح علاء الدين يعبر عن الاحلام العاجزة التي تنتظر المجهول ليبعث فيها الحياة. وهكذا يمضي قحطان عمره بين تاريخ عظيم قد تحول الى شبح نائم بل ظل لا وجود له الا في خيال قحطان، وبين مصباح سحري للدلالة على تعلق قحطان بالاوهام والخرافات وانتظار المعجزات.

وحينما يبدأ قحطان يدرك أنه قد قضى فترة زمنية طويلة يصفها بأنها مائة عام بعد مائة عام وهو في سبات مع ظل العملاق في اشارة الى تخلف الانسان العربي عن ركب الحضارة والعلم والحقائق والعيش على أوهام الماضي، فانه يسعى الى بعث هذا الماضي من جديد. ولكن العملاق يرفض الخروج الى دائرة الشمس الساطعة. ومن كثرة إلحاح قحطان فإنه يوافق اخيرا، ولكنه يصبح كالتائه الذي يبحث عن طريقه. يشعر قحطان بالضياع مثلما يشعر العملاق، وينادي عليه، ليكتشف انه قد تحول الى قزم مثله كتوأم له! بل اصغر حتى من قزم ، بل أن اسمه هو الاخر قحطان. وهكذا يعيش الانسان العربي هذه الازدواجية والانفصام في الشخصية المنفصلة عن حاضرها . وهذه لحظة ادراك الذات التي تكتشف مدى غربتها وعزلتها وعيشها في الاوهام.

يلاحظ القدرة الفنية العالية التي تمكنت من طرح موضوع حضاري بايجاز ولغة مكثفة تعتمد توظيف الرموز التاريخية لنقل وتعزيز الفكرة، التي تتعلق بحاضر وتاريخ الانسان العربي الذي يعيش في جمود وفي عزلة عن نور الحقائق دون أن يدري كم فاته، وعندما يستدرك ذلك فانه يسقط لانهما زال يعيش فجوة كبيرة. فهناك مصباح علاء الدين، وهناك كهف يعيد الى الذاكرة قصة أهل الكهف الذين وعوا على أنفسهم في مفارقة تاريخية، وهناك نور الشمس، وهناك العملاق الهائل الذي تحول الى مجرد ظل، وهناك قحطان، وهناك الفترة الزمانية التي توحي باشارة الى ألف ليلة وليلة .


القصة:


كنت أرى ظلّه فانحني له.

كان عملاقاً هائلاً. ظلّه يغمر المساحات باتساعها والمدى بهروبه. بينما كنت مجرد قزم قميء. اعتدت على وجوده في الاسفل وسط المكان، كعملاق. وعلى تعلّقي بمصباح علاء الدين المثبت في السقف كعقلة إصبع صغيرة.


هو يجلس مسترخياً متثائباً يراقب المصباح يهمر له من أشعته. ينظر الى ظلّه يكبر يوما بعد يوم ومائة عام بعد مائة عام، وأنا أتدلى تعباً، حاسداً، أرقب انتشاره كظلٍّ وانكماشي كحيوان.


ألحّ عليّ يوم أمس هاجس أن أوقظه من ذهوله، وتحديقه الى اللون المنسكب حولنا.

- قحطان، استيقظ . آن لنا أن نصحو . مرَّت مدة طويلة دون أن نحرك ساكناً أو يحركنا متحرك.

- أوووف تبّاً لك. أنا مرتاح هكذا.

أجاب مزمجراً . هزّ صوته أرجاء كهفنا. لكنني أصررت.

- تعال معي نر الشمس في الخارج. مرةً واحدة فقط ونعود. أرجوك . انهض. تعال.

- أوووه . يا لك من شخص لحوح. حسناً. سوف أتزفت معك، شرط أن تصمت.


قال هذا ونهض متثاقلاً، عابساً. سُررت لاقتناعه. ترجلّت عن مصباحي. سبقته للخارج مسرعاً. بهرني نور الشمس. أغمضت عيني وناديت على توأمي.

- قحطان . قحطان . اين أنت؟

- ها أنذا خلفك.


التفتّ اليه، وما كدت ألمحه حتى فزعت. بدا لي توأمي مجرد قزم، ضئيلٍ، هرم. كان أصغر حجماً من ظلّي المنكمش على ظلّه ... بكثير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق