الجمعة، مايو 30

الأسيرة والتنين


الأسيرة والتنين
شعر:اياد نصار

قلبي النازفُ يسافرُ في الغيابْ
يمعنُ في الرحيلِ بلا سكنْ
يسائلُ عنكِ الحروفَ والصورَ
والزمنْ
فيردُ الصدى
لم يبقَ لدي سوى
الذكرى
وفراشاتِ المساءِ عندَ الايابْ

يرحلُ الكلامُ مع الغيومِ في اضطرابْ
فتحملهُ الريحُ المجنونة ُ
أنّاتٍ حائرة ْ
يعبرُ سمائي كطيورٍ مهاجرة ْ
من مشرقِ الارض الى حوافِ المياه ْ
ويذبلُ على الشفاهْ
في ليالي الهوى كهمس ِ الخاطرة ْ
كخمودِ الشجنْ
وكنسيانِِ الزمنْ
طالَ الحنينُ لعينيكِ واستبدَ العذابْ

ورأيتُكِ تركضينَ خلفَ امواج ِ السرابْ
حلمٌ غادرٌ بدَّد فينا السكونَ والفرح
واغتالَ اللقاءْ..
يا لقسوةِ القدرِ والعقابْ
هذا الحلم خرافة ٌ صدقناهْ
واغتالَ أملا ً في القلبِ
بنيناهْ
فسرقَ الهة َ النارِ من معبدِها
وحورية َ العشقِ من بحرِها
ماذا جنينا كي يستوطنَنا
خوفٌ وارتيابْ؟

تغفو أهدابُكِ عند شاطيءٍ مسوّرٍ بلا ابوابْ
في جزيرةٍ يحاصرُها تنين ٌ
ينشرُ حولَها امواجاً من دم ٍ ونارْ
يتربّصُ بمن يفكرُ أن يكسرَ الحصارْ
يحرقُ من يفكرُ منكِ بالاقترابْ
متى تستفيقُ الهة ُ النار؟
متى تعودُ حورية ُ البحار؟
كم يثورُ الظنّ ُ في الصدرِ ويدبّ ُ الوهنْ
وينكسرُ القلبُ من قسوةِ الزمنْ
فتسيلُ بالدمع ِ عيونُ الشوقِ والعتابْ

هل ابتعدت بنا المسافات؟
هل رأيتِ الحنينَ ينسكبُ من المقلتين؟
حين يكبرُ الانتظارُ عامين
يأتي ليلٌ
يرحل ليلْ
يطلع نهارٌ
يغيب نهارْ
ولا يبقى سوى أنينِ الصمتِ والاغترابْ

وأرى ربةَّ الشعرِ تنشدُ على وقْعِ المطرْ
هل ضاع الكلامُ والنداءُ والأه ؟
يا أسيرةَ الحلمِ الضائعِ .. أواه
هل ماتَ الزهرُ ولم يبقَ الا الترابْ؟
يا سجينةَ التمردِ والحلمِ المعاندْ
لن تقتلَ سيوفُ الصحراءِ لنا حلما
لن تطفيءَ عيونُ الظلامِ فينا الظما
حين تلتقي الروحُ ننسى المصابْ

ويعودُ الى الدنيا هديلُ الحمامْ
وتعودُ للجفونِ حين تغمضُ الاحلامْ
وتشرقُ إبتسامتُنا فيطلعُ قمرٌ
وينزل مطرٌ
ويلتمعُ في العينِ الدمعُ كالشهابْ
هذا الجوابُ للسؤالِ والشكوى
بلا إرتيابْ

ايـاد

الثلاثاء، مايو 27

عجوز فوق الجسر


عجوز فوق الجسر

قصة: ايرنست همنجواي
ترجمة وتقديم: اياد نصار

لقد إستوحى الروائي وكاتب القصة القصيرة الامريكي الشهير ايرنست هيمنجواي أغلب قصصه ورواياته من واقع الاحداث والاماكن التي خدم بها وأحبها وارتبط اسمه بها. ومن مصادفات القدر أنه عاش الحربين العالميين الاولى والثانية والتي أثرت تأثيرا مباشرا على حياته وأدبه وفلسفته في الحياة. أحب عالم الصحافة فاصبح مراسلا صحافيا وهو في سن الثامنة عشر بعد تخرجه من المدرسة مباشرة. لقد اراد التطوع في الجيش في الحرب العالمية الاولى ، ولكنه فشل بسبب ضعف بصره، فالتحق كسائق عربة اسعاف مع الصليب الاحمر في أوروبا على الجبهة الايطالية حيث اصيب في ساقه مما اضطره للعمل في المستشفى. كما أقام في باريس فترة من الزمن وارتبط اسمه بما عرف انذاك ب" الجيل الضائع". وبعد الحرب عاد الى الولايات المتحدة حيث بدأ بكتابة اولى قصصه ورواياته والتي توجت بروايته "وداعا للسلاح". ثم عاد مرة أخرى الى اسبانيا في ثلاثينات القرن العشرين ليكون مراسلا صحافيا خلال فترة الحرب الاهلية الاسبانية. وعندما انتهت الحرب بدأ بكتابة روايته "لمن تقرع الاجراس". ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية فقد شارك بها. كان يعشق الثقافة الكاتالونية وأقام في برشلونة وفي أماكن أخرى من اسبانيا كمدريد. ولكن حبه لحلبة مصارعة الثيران لم يكن له حد.

كان شديد الانتباه الى التفاصيل الدقيقة لتلك الامكنة التي عاش بها واستوحى منها أغلب أعماله. كما سيطرت أجواء الحرب على العديد من أعماله. كانت رواية "الشيخ والبحر" التي نال بسببها جائزة نوبل للاداب عام 1954 تتويجا لمسيرته والتي عكست الروح الانسانية التي تقهر المستحيل وتتحدى القدر لينتصر الامل بالحياة وينتصر معه الانسان. فالامل والتصميم هما اساس قوة الانسان الذي تكاد تقهره الظروف ويعانده الحظ ويشعر بالخوف والعزلة فينكفيء على نفسه منبوذا. فكانت الشيخ والبحر هو الامل واستمرار الحياة كرد على الدمار والاضطراب الذي اصاب المجتمعات الغربية نتيجة الحرب العالمية.

امتاز باستخدام لغة رشيقة تميل الى الاختصار والبساطة في قصصه القصيرة ورواياته، فكانت مواضيع البشر العادية اليومية تثير اهتمامه، فكيف عندما تكون في ظروف الحرب كما يظهر من القصة التي اخترتها (عجوز فوق الجسر). وبرغم بساطة الاحداث والحوار، الا أن هيمنجواي وظف التفاصيل الصغيرة للاحداث كالحيوانات مثلا لاضفاء ابعاد رمزية ، كما اعتمد دائما في قصصه ورواياته اسلوب الحوار المباشر البسيط بشكل مكثف لتحديد ملامح شخصياته وهمومها لنقل اشارات ضمنية عن المغزى الاكبر للقصة. وفي كل اعماله ركز على المعاناة الانسانية بصورها المختلفة.

ولد عام 1899 وتوفي منتحرا عام 1961 .

القصة:

على جانب الطريق جلس رجل عجوز مغبر الثياب، يلبس نظارة ذات اطار معدني، وكان هناك عربات تجرها الدواب وشاحنات ورجال ونساء وأطفال يعبرون الجسر العائم الذي أقيم فوق النهر.

كانت العربات التي تجرها البغال تترنح صاعدة الضفة الشاهقة من الجسر، والجنود يدفعونها ويمنعونها من التقهقر، والشاحنات تصعد متحركة للأعلى بضجيجها المزعج.. ثم تبتعد حتى تتلاشى.. وكان الفلاحون يعبرون بتثاقل قد هدَّهم التعب، وغطى التراب والغبار أقدامهم. لكن الرجل العجوز جلس هناك وحده دون حراك فوق الجسر.. كان منهكا من التعب فلم يعد قادراً على المسير.

كان واجبي أن أعبر الجسر، وأتفقده من الامام والخلف، واستكشف الى أي حد قد تقدم العدو.. وقد قمت بذلك وقفلت عائدا فوق الجسر.. في ذلك الوقت كانت العربات التي تجرها الدواب قد قلّت.. ولم يبق سوى أعداد بسيطة من اؤلئك الماشين على أقدامهم.. لكن الرجل العجوز كان ما يزال جالسا هناك.

اقتربت منه وسألته: من أين أتيت؟

- من سان كارلوس. أجاب وقد ندت عنه ابتسامة.

كانت تلك بلدته الاصلية .. شعر بالسرور والفخر وهو يذكرها فكانت الابتسامة. واضاف قائلا: لقد كنت أعتني بالحيوانات.

- أوه.. قلتها ولم أفهم تماما مقصده.

- نعم ، وأضاف "لقد عشت عمري فيها كما ترى أرعى الحيوانات.. كنت آخر شخص يترك سان كارلوس.

لم يكن يبدو عليه أنه راعٍ. فقلت وأنا أنظر الى ملابسه الرثة السوداء تنوء بالغبار الذي عليها ووجهه الرمادي والنظارت ذات الاطار المعدني التي علاها الغبار أيضا:

- أية حيوانات كانت؟

هز رأسه وأجاب: حيوانات مختلفة. اضطررت لتركهم.

كنت أراقب الجسر والريف ذي الملاح الافريقية الذي يضم مصب نهر" ايبرو"، وتساءلت في نفسي متعجبا كم يا ترى سيطول بنا الوقت حتى نقابل العدو.. وكنت طوال الوقت أصغي بانتظار الصرخات الاولى.. الصرخات التي تقول أن حدثا رهيبا غامضا قد بدأ اسمه المواجهة.. والرجل العجوز ما زال جالساً هناك.

سألته ثانية: أية حيوانات كانت؟

- كان هناك ثلاثة حيوانات معاً.. عنزتان وقطة، وفيما بعد أصبح هناك أيضا أربعة أزواج من الحمام.

- صار عليك أن تتركهم الان.. أليس كذلك؟

- نعم.. بسبب المدفعية.. لقد أخبرني القائد أن علي أن أرحل بسبب قصف المدفعية.

- أليس لديك عائلة؟ سألته وأنا أراقب الطرف البعيد من الجسر حيث كانت عربات معدودة باقية تغذ المسير مسرعة، وهي تنزل الطريق المنحدرة الى الضفة الاخرى.

- كلا.. وأردف قائلا: فقط الحيوانات التي ذكرتها.. القطة بلا شك تستطيع أن تعتني بنفسها وأن تجد ما تأكله! لكنني لا أستطيع أن أتخيل ماذا يمكن أن يقع للاخرين.

- ما هي سياستك؟

- إنني بدون سياسة.. قد بلغت السادسة والسبعين من العمر، ولقد مشيت حتى وصلت هذا المكان الان آثني عشر كيلومترا، وأعتقد أنه لم يعد بمقدوري أن أذهب أكثر من ذلك.. تعبت

- لكن هذا المكان غير جيد للتوقف فيه.. من الافضل أن تغادره. ان هناك بعض الشاحنات على الطريق تستطيع أن تقلك الى "طرطوشة"

- سانتظر هنا لبرهة قصيرة ثم أذهب.. اين تمضي هذه الشاحنات؟

أجبته: نحو برشلونة.

- لا أعرف أحدا بذلك الاتجاه.. وعلى كل حال انني اشكرك كثيرا.. شكرا جزيلا مرة اخرى

نظر الي مشدوهاً، قد خلا وجهه من أي تعبير، وقد ارتسمت عليه امارات التعب.. وقال كمن يود أن يشاركه شخص ما في محنته: القطة ستكون بخير، انني متأكد، لا داعي للاضطراب بشأن القطة. لكن الاخريات. ماذا تظن بشأن الاخريات؟

- لماذا؟ من المحتمل أن يخرجوا من الحرب سالمين!

- أنت تظن ذلك؟

- لم لا؟ أجبته وكنت لا أزال أراقب الجهة البعيدة من الجسر حيث لم يتبق هناك أية عربة

- ماذا سيفعلون تحت قصف المدفعية اذا كنت أنا قد أبعدت بسببها؟!

- هل تركت باب قفص الحمام مفتوحاً؟

- نعم

- إذن ستطير.

- نعم .. بالتأكيد ستطير .. لكن الباقي. ويبدو أنه من الافضل الاّ أفكر بالباقي!

قلت وانا استعجله على الانصراف: اذا استرحت سأذهب. وتابعت بإلحاح: انهض وحاول أن تمشي الان.

- شكرا.. قالها وهو يقف على قدميه ويتأرجح من التعب والكبر من جهة لأخرى.. ثم انحنى للخلف وجلس مرة أخرى في الغبار، وقال بخمول: لقد كنت أعتني بالحيوانات. وما لبثت أن سمعته يستدرك: لقد كنت أعتني بالحيوانات فقط.

لم يكن هناك ما أستطيع فعله من أجله. كنا في يوم عيد الفصح والفاشيست يتقدمون نحو "ايبرو". كان يوما كئيبا ملبدا بالغيوم الكثيفة التي تراكمت على ارتفاع منخفض، فلم تظهر طائراتهم في السماء.

كان ذلك اضافة الى حقيقة أن القطط تعرف كيف تعتني بنفسها هو حسن الحظ الوحيد الذي يمكن أن ينتظر ذلك الرجل العجوز!

السبت، مايو 24

نحو عالم آخر

نحو عالم ٍ آخر
قصة قصيرة
بقلم: ايـاد نصار

دفع البوابة الخارجية الحديدية السوداء الثقيلة بيديه فانزلقت على مسارها .. لم يدق الجرس الخارجي فقد كان يعرف الفيلا جيداً .. مشى فوق الممر المرصوف بالرخام وهو يتطلع حواليه .. ما تزال الورود المتفتحة من مختلف الانواع والالوان الزاهية تزين المكان بحسنها ورونقها والنباتات والحشائش تملؤه إخضراراً يبعث على الاحساس بالروعة والهدوء. كانت رائحة الورود والحشائش تنشر عبيراً قوياً يزكم الانف بالشذى الذي يمكنك أن تشمه حتى بمجرد مرورك حول السور الخارجي للفيلا. كانت الاشجار العالية تحيط بها من كل جانب، والشجيرات الخضراء اليانعة تقف في كل زاوية. كانت الحديقة الخلفية آية ً في التنسيق والجمال. وصل الى المدخل العالي الكبير ذي الاعمدة ذات الطراز الروماني والتاجيات المنقوشة المزركشة والواجهات الحجرية المنحوتة بأشكالٍ جماليةٍ شتى والمقاعد الرخامية التي وضعت عليها أصايص الزهور.

كلما جاء لهذا المكان شعر بالمفارقة العجيبة بين واقعه وأمنياته الحالمة. دقّ الجرس .. فُتح الباب وأطلت ماري ذات الملامح الاسيوية السمراء .. كانت تبتسم كعادتها .. قالت بلغةٍ ركيكةٍ ونبرةٍ غريبةٍ: تفضل مستر فكري .. ماما عايده ستنزل بعد قليل .. دخل فكري الى الداخل وهو يبتسم. قال بصوتٍ خفيضٍ: أوكي. سأل ماري التي تتزنّر دائما بمريول التنظيف إن كانت السيدة عايده قد استيقظت من النوم. قالت نعم. مشى نحو المقاعد الوثيرة والتحف الفضية والكريستال التي تنتصب في كل مكان من البهو .. جلس قليلاً ووضع المغلف الذي كان يحمله جانباً .. أخذ يتفحص المكان بنظره .. لم يتغير شيء منذ ستة أشهر .. ما تزال براويز الصور الفضية الثمينة والرسومات المعلقة على الحائط وقوائم الانارة والقطع الزجاجية المنحوتة الصغيرة وآنية الورد الخزفية والشمع والاشكال والمجسمات المعدنية اللامعة على حالها .. وما تزال مزهريات الورد وأواني النباتات المتسلقة والممتدة الخضراء كما شاهدها آخر مرة. ولم يطل تأمله في المكان فقد قطع عليه رجلٌ قصيرٌ القامةِ مربوعُ الهيئةِ أسمرُ البشرةِ تبدو عليه ملامحُ عربيةٌ إفريقيةٌ إستغراقَه في تذكّر تفاصيل المكان في الخريف الماضي. لم يكن هذا الرجل هنا المرة الماضية. لا بدّ أنه جديد. يعرف فكري أن هناك عدداً من الخدم والفراشين يقيمون بالمكان عدا عن السائق. يراهم دائماً في حركة دائبة. مهمّتهم أن يبقى المكان نظيفاً يشع أناقةً وترتيباً! بدت علامات الابتسام والترحيب في وجهه وكلماته. قال: أهلا سيد فكري. المدام ستكون هنا بعد ربع ساعة. ماذا تحب أن تشرب؟ لقد حانت اللحظة التي يتمناها دائماً! فقد قدموا له مرة كركديه مثلجا بلونه القرمزي الفاتح. فصار يطلب الكركديه كل مرة! وهو لم يشربه منذ أن سافرت مدام عايده آخر مرة قبل ستة أشهر. قال: كركديه .. وأضاف متسائلاً: عفوا ما اسمك؟ أجاب: هاني.

تذكر فكري الشاب سيد ذا الثلاثين عاماً .. كان شاباً لطيفاً هادئاً، ولكنه تحول فجأة الى شخص غريب الاطوار .. أراد الانتحار وحمل السكين وهو يهدّد بقطع وريديه اذا لم تسمح له مدام عايده بالسفر. حدث ذلك العام الماضي. لم يطق أن يبقى هنا في الصيف من غير أن يرى أهله. كان خاطباً أيضاً. ولكن مدام عايده لم تأذن له، فقد سافر عدد من زملائه ممن صار لهم فترة طويلة، وأبقته هو كونه لم يكن قد مرَّ عليه سنة. لم تكن تتخيل ان يسافر كل الخدم وتبقى هي لوحدها .. كيف ستتصرف عندها، وهي سيدة معروفة في المجتمع وبيتها دائما عامر بالزوار والصديقات! أصيبت مدام عايده بالخوف والهلع من تصرفاته. وأحست بالرعب لو فكر أن يقتلها! فأدركت خطورة أن يبقى في منزلها. فاحتالت عليه حتى وصلت الشرطة. ولم يعد بعدها هنا نهائيا! بقيت مدام عايده تحت تأثير الخوف تحكي قصته لكل من تعرفه شهرين كاملين!

بعد لحظات جاءت كاميليا ذات الملامح الاسيوية السمراء الداكنة وهي تحمل الكركديه بكأس ٍ نفيسةٍ جميلةٍ على صينية فاخرة. كانت امرأةً كبيرةَ السن ، سمينة ً ، ولكنها ذات طاقة على الحركة الدائبة .. كانت لغتها العربية ركيكة جداً ولغتها الانجليزية بالكاد تفهمها. ولكنها دائما تضحك! كانت بارعة كما تقول عنها دائما مدام عايده بالطهي واعداد المأكولات والحلويات. كانت مدام عايده من الطبقة الارستقراطية التي ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب . ولكن الشيء الجميل أنها لم تنس يوماً قصة كفاح والدها الذي خرج من قريتهم لا يملك ما يدفع به أجرة الطريق حتى وصل العاصمة. وهناك عمل كأي صبي ترك المدرسة في مهنٍ شتى حتى انفتح له باب الحظ وابتسم له. بل ضحك له بملء شدقيه! فصار من أعيان البلد ومن كبار التجار فيها. كانت مدام عايده تحب ان تعكس الفخامة والثراء في كل قطعة تضعها في بيتها. يبدو أنها قضت عمرها كلها تجمعها. يوجد لديها ما يمكن أن يصنع متحفا بأكمله أو يؤثث قصراً من قصور أوروبا من العصور الوسطى!

كان فكري يعمل محاسباً في مؤسسة صغيرة للخدمات المكتبية والتجارية تديرها امرأة أعمالٍ كانت في بداية عهدها بالعمل التجاري. كانت قد حولت جزءا من منزلها ليكون مكاتبا للمؤسسة. لم تكن متزوجةً ويبدو أنها استسلمت للقدر واعتقدت أن القطار قد فاتها، لهذا قررت أن تفتح مؤسسة ً تعيش من ورائها. و كان أبواها كبيرين في السن ولم يعودا قادرين على مساندتها. فصارت تفكر كيف تعتمد على نفسها وتستقل بحياتها لو حصل لهما شيء. كان لديها حس فني تكتشفه بمجرد دخولك المؤسسة. اللوحات والتحف والقطع والهدايا المكتبية والعبارات ذات المعاني الذكية المعلقة هنا وهناك. كانت تعتبر نفسها من الاسر البرجوازية التي جعلت المناصب الحكومية والدها ذا شأن ٍ في البلد. وكانت دائما تحرص على مظهرها أن يكون متميزاً! كانت شهلا تدير المؤسسة بعقلية مهنية فيها شيء من السذاجة بعض الشيء. ولكنها كانت تتقاضى مبالغ كبيرةً لقاء خدماتها لتبقى تعيش في مستوى حياتها الذي تعودت عليه! وكانت تبرر ذلك بجودة ودقة ما تقدمه للزبائن من خدمات. لم تكن تطيق الخطأ والتأخير! ولهذا تغير الموظفون عندها مراراً! كانت تؤنب موظفيها بطريقةٍ لا ترحم اذا لم يراعوا الدقة والوقت! وبرغم رقة مظهرها، الا انها كانت قوية وذات قدرة عالية على الاحتمال والعمل لساعات طويلة. وبسبب قصر عهدها بالسوق وخفاياه وممارساته، فقد كانت تتعامل مع الاخرين ببساطة وصرامة، ولا تتقن فن المماطلة والوعود الكاذبة. ولهذا لم يكن لديها سوى زبائن قلة بالسوق، ولكن الذين كانوا يتعاملون معها كانوا يكفونها لبقاء المؤسسة على قدميها! ولكن بعد فترة كثر المنافسون وتطورت وكثرت أساليب الدعاية وجذب الانظار وصار الدخلاء يعرضون أسعاراً محروقةً لمجرد الحصول على الزبائن! كانت سوقاً شرسةً لا ترحم ولم تكن شهلا قادرة على التكيف معها. ولهذا حملت عصاها ورحلت الى البرازيل بمجرد أن تزوجت!

قبل أن ترحل قالت شهلا لفكري: لا أعرف ماذا أفعل مع مدام عايده. قال: ما بها؟ هل رجعت من السفر؟ وهل عادت تطلب منا ما كانت تطلبه سابقا قبل سفرها؟ قالت: كما تعرف فإنها صديقة قديمة وتتعامل معنا منذ فترة طويلة، وتعتمد علينا بكل شيء . كما أنك أنت من يعد لها سجلاتها وقيودها المحاسبية. ولا تعرف غيرنا ليقوم بهذه الاعمال. قالت شهلا لقد اتصلت بي مدام عايده عندما عرفت أنني سأغلق المكتب قلقة ًولا تعرف من سيتولى إعداد ما نعمله لها حالياً، وخصوصا أن هناك مناسبة على الابواب ستحتفل بها ، ولا بد من التحضير لها خلال أسبوع . كان فكري في خضم افكاره حينما كانت شهلا تسرد الموقف. فقد بقي معها حتى النهاية عندما ترك باقي الموظفين. بعضهم لم ينتظر بمجرد ان عرف نواياها فقد بحث عن فرصة أخرى في مكان آخر وإستقال من عندها، وبعضهم جاء اليوم الذي سلمتهم فيه آخر شيك وودّعتهم بكلمات مقتضبة، فكان وداعاً حزيناً بائساً. سيعودون للبحث عن مكان آخر في وقت عزّت فيه الوظائف! كانت هناك سهام التي تزوجت حديثاً. كانت تحتاج الوظيفة كي تساعد زوجها، وربما إقترن بها زوجها لانها تعمل! فقد انتشرت هذه الظاهرة هذه الايام بمجرد أن تعمل الفتاة يأتيها الخطّاب. تبقى سنوات في بيت أهلها من غير عمل ولا يتقدم لها أحد! فكر فكري في علياء إبنة جيرانهم. تخرجت من الجامعة بشهادة إمتياز في التاريخ ، وقعدت في بيت أهلها ثلاث سنوات، ولم يتقدم لها أحد لا من الاقارب ولا الغرباء رغم أنها جميلة. ولكن إستطاع والدها بعد جهدٍ جهيدٍ وبفضل علاقاته أن يحصل لها على وظيفة حكومية براتبٍ عالٍ وفي مؤسسة مرموقة. فتقدّم إبن عمّها لخطبتها في نفس الاسبوع وصار يُلحّ على والدها لعقد القران!

استغرب فكري من اهتمام شهلا بمدام عايده ولم تفكر به ولم تقل له كلمة واحدة أو تناقش معه شيئاً عن مصيره. هل كانت ستنتظر اليوم الاخير الذي تغلق فيه المؤسسة وتصفي اعمالها نهائياً وتتخلص من أثاثها والآتها وتسلّم الاعمال الباقية لاصحابها لتقول له شكراً؟! لم ينبس ببنت شفة في هذا الموضوع، فقد كان ينتظر منها أن تفتح معه الموضوع لكي تظهر على الاقل إهتماماً به يحتم الواجب عليها أن تفعله بعد أن خدمها طوال هذه السنوات. لم يكن فكري يتولى أعمال المحاسبة للمؤسسة وحسب، بل كان عملياً يقوم بكل شيء: الشراء والدفع وتسجيل الطلبيات والبحث عن اللوازم والادوات التي تحتاجها المؤسسة وإيصال بعض الاعمال الى أصحابها. وكان يتولى الاشراف على تجهيز طلبات مدام عايده حتى تكون حسب المواصفات التي طلبتها ويقوم بإيصالها لمنزلها. ولكن شهلا لم تفعل لغاية الان. وبدأ يردد بينه وبين نفسه المثل القائل سبع صنايع والبخت ضايع! صار يحس فكري أنها تتجاهل مسئوليتها، وربما لو ابدت تعاطفا معنويا بكلمات تطيّب خاطره بها لما أحس بغضب وغبن في داخله. من يوم أن تزوجت شهلا لم يعد العمل مصدر إهتمامها الاول، ولم تعد تهتم بأخبار موظفيها كما في السابق. الجميع بدأ يحس ويلاحظ قلة إهتمامها، وقالوا ربما لانها مشغولة بزوجها بعد سنوات طويلة من الانتظار!

قالت شهلا لفكري أنها وعدت مدام عايده أن تبحث لها عن شخص بديل، ولكنها لا تجد شخصاً مناسباً أكثر منه. وقالت بشيء من الشفقة عندما تتوقف المؤسسة عن العمل بامكانك العمل معها بشكل مؤقت حتى تجد لنفسك مكانا اخر. إستغرب فكري من الطريقة التي طرحت فيها مصيره، ولكنه بأعماقه لم يتوقع منها اكثر من ذلك فعلاقاتها محدودة وأصحاب المؤسسات التجارية وموظفو الدوائر والزبائن الاخرون الذين التي يتعاملون معها قليلون، ولم تَبْنِ عبر سنواتٍ من التعامل معهم أية صداقة تتيح لها مساعدته في البحث عن مكان مناسب عند أحد منهم. فلم تكن تحب الاختلاط بالناس كثيراً، ولم تكن من طبيعتها أن تخلط بين العمل والامور الشخصية، ولم تكن تحب أن تعرف عنهم أكثر مما تعرف لاغراض العمل. قالت له أرجوك اذهب اليها في الغد اذا أحببت وأخبرها أنك تستطيع القيام بتأمين كل طلباتها من خلال معارفك الخاصة ومعرفتك بالمكاتب الاخرى التي تقدم نفس الخدمات التي تطلبها والتي يمكن أن تساعدك في انجاز كل ما تطلبه، وبالتأكيد ستكافئك على ما تقوم به لاجلها.
وبينما هو مستغرقٌ بالتأمل في الاشياء الجميلة والنادرة التي تحيط به من كل زاوية في الفيلا الواسعة كأنها قصر، وبينما كان يفكر في كلام شهلا له بالأمس، سمع صوتَ خطواتٍ قادمة. كان هاني مرة أخرى يرجو منه أن يتفضل الى قاعة غرفة الجلوس حيث مدام عايدة بانتظاره. لما رأته أخذت ترحب به ترحيباً كثيراً على غير عادتها التي يعرفها. سألته عن أحواله وعمله. كانت تتكلم بسرعة دائما بالكاد يستطيع من يحدثها أن ينتهز فرصة للرد أو إبتداء الكلام. وقد عانى فكري من هذه الناحية ولكنه يبدو تعود عليها. لهذا إنتهز أول فرصة وقطع أسئلتها! قال لها: "الحمد لله على السلامة من زمان طويل لم نرك. أتمنى أن تكوني بخير. كيف كانت نتائج زيارتك للعلاج في بوسطن؟ ماذا قال الاطباء؟" رنّ جرس الهاتف فردت مدام عايده. كانت سوسن صديقتها تطمئن عليها. أخذت تروي لها رحلة السفر والعودة وطبيعة إقامتها في بوسطن. لا تتوقف الهواتف في بيتها عن الرنين. يعرف فكري ذلك منذ أن دخل بيتها للمرة الاولى قبل أكثر من أربع سنوات. بالكاد يستطيع أن يكمل معها حواراً قصيراً قبل أن يرن الهاتف. أحست مدام عايده أنها لم تجب بعد على أسئلة فكري التي يطمئن بها عليها. فقالت الكل يتصل للاطمئنان علي. ولكن كل شيء يسير على ما يرام وهناك تحسن كبير. ولكن مرحلة الخطر قد زالت. وأضافت لقد عدت الاسبوع الماضي. قال نعم أتذكر آخر مرة كنت أجلس هنا في شهر نوفمبر الماضي.

اتصلت بكاميليا فلما حضرت، قالت لها أحضري بعض الحلوى والقهوة لفكري. كانت السيجارة في يدها. لم تكن السيجارة لتنطفيء من يدها في السابق. كانت تدخن نوعاً نسائياً رفيعاً رقيقاً. وكلما طلب منها أحد أن تتركه أو تخفف منه، قالت هذا نوع قليل النيكوتين! تدخن منذ زمن طويل بعد أن تركها زوجها ورحل، وكان إبنها وإبنتها صغيرين في بداية حياتهما. تدل الصور الكثيرة بالابيض والاسود التي تملأ البراويز في أرجاء الغرفة لها معه ومع أطفالهما على السعادة التي يبدو كانت تظلل حياتهما. تتذكر سيرته دائما ولكنها لا تنسى أن تضيف اليها دائماً كيف تحملت المسؤولية لوحدها صغيرة في سبيل أولادها. لقد ترك زوجها ثروةً كبيرةً وراءه فقد كان رجل أعمال مشهور، كما أنها نشأت في أسرة ثرية إستطاع ابوها أن يبنيها ويجمع حوله أولاده. تناولت قدحاً من القهوة. تعشق القهوة مع السيجارة، ولا تنتهي أباريق القهوة عن طاولتها التي تكتب عليها ولا من أركان المنزل المختلفة. فحيثما جلست تحب أن تصب القهوة وتشرب مع السيجارة. يغلب على حديثها الحزن والشكوى فتشعر عندما تخبرك بما مرّ بحياتها من أحداث أنها رفيقة الاحزان طوال حياتها.

سرح فكري قليلاً وتذكر كيف كان وضعها النفسي قبل سنة من الان. لقد كان في زيارة عمل لها لتحضير بعض المواد والتجهيزات التي طلبتها في الصيف الماضي. كانت في غاية الاكتئاب والحزن والخوف. شعر بحالتها تماماً. فقد كانت ملامح الخوف والقلق بادية في تصرفاتها وفي كلامها، فأحس أن في الامر شيئاً ما. فقالت بكل شجاعة لقد أخبرها الاطباء انها مصابة بالسرطان. أصيب فكري بالذهول، ولم يصدق ما سمع. قال كيف ذلك؟ من أخبرك؟ قالت له الاطباء عندما كانت تقوم بعمل فحوص روتينية للضغط الذي تعاني منه. ورغم انها أفصحت عن مرضها بجرأة ولم تخف الامر عنه، إلاّ أنه كان يحس بمدى القلق والخوف الذي يعتمل في صدرها. كانت شديدة الاهتمام بكل ما يقع تحت يديها من طرق للعلاج ونشرات طبية. شعر فكري انها ربما تريد أن تتعلق بأي أمل مهما كان ضئيلاً كالغريق الذي يتعلق بقشة، فقد غيرت من أسلوب حياتها في الطعام والنوم، وصارت تقبل على تناول المكونات الطبيعية والوصفات العشبية.

وبينما كان فكري يتناول بعض الحلوى التي أحضرتها كاميليا، فقد دخل مجدي. فتوقف للسلام القصير على فكري كما يفعل دائماً. أهلا بك كيف أحوالك؟ صار لي فترة طويلة لم أرك. كيف الشغل معك؟ كان مجدي ابن مدام عايده. كان يدير مؤسسة خاصة به ساعدته أمه على افتتاحها .. كانت أمه لا ترفض له طلباً، وتحرص على تلبية رغباته وتدليله بشكل يفوق الوصف. ثم خرج. قالت مدام عايده لا أعرف من أين تأتيني المصائب. مجدي طلق زوجته. حاولت كثيراً أن اوفق بينهما لكنهما لم ينسجما مع بعضهما. ثلاث سنوات وهما تحت رعايتي وفرت لهما خلالها كل ما يطلبانه ليكونا سعيدين، ولكنهما لم يتفاهما. وأضافت غريب هذا الجيل الطالع. في زماننا لم نكن نعرف كلمة الطلاق. كانت المرأة تتحمل المر مع زوجها وتبقى الى جانبه. ماذا ينقصهم؟ عقولهم صلبة لا تلين وعندهم أنانية، كل واحد يفكر بنفسه قبل غيره. رنّ جرس الهاتف. تبين فكري من ردودها ان صديقة لها على الطرف الاخر تهنئها بالعودة.

أخذت مدام عايدة تشرح لفكري ما تحتاج الى اعداده هذه المرة. وهو يسجل ما تريد. في كل مرة يكون لديها طلبات معينة بخصوص ما ترغب عمله وهو يسجل مواصفات المواد والاغراض التي تحتاج الى تصميمها أو إعدادها ، فقد كان يعرف نوعية الاعمال التي يتم تحضيرها عند شهلا وكان يقوم هو بتجهيزها أحياناً وإيصالها اليها. لاحظ هذه المرة أن نظرتها المتشائمة الحزينة قد تلاشت قليلاً وأنها أصبحت أكثر إيجابية وتفاؤلاً. عادت الى حيويتها التي أطاح بها المرض. شعر فكري أن مدام عايده قد عادت بروح جديدة ولديها عزم على الاستمرار. شعر أن رحيل شهلا وإغلاق المؤسسة قد جاء في أوانه. إستشعر أن عودة مدام عايده ورغبتها في إستئناف نشاطها القديم سيعوضه عن ذلك. شعر بقليل من الارتياح.

في صباح اليوم التالي كان فكري يودع شهلا ويحزم أغراضه. سألته عن لقائه بمدام عايده فأخبرها بما حصل من اللقاء. ابتسمت وشعرت بالرضا ان فكري سيستمر بخدمة صديقة عمرها القديمة، وانه سيجد ما يعمل به بعد سفرها. تمنى لها التوفيق في حياتها الجديدة في البرازيل مع شريك حياتها الجديد. وعندما كان يغادر المكان تطلع في أرجائه حيث شهدت كل زاوية فيه وكل غرفة وركن منه ذكريات جميلة ومريرة معاً في السنوات الماضية. وبرغم النهاية التي لم يكن يتوقع ان تقع بهذه السرعة، فانه سيبقى يتذكر ما مر به. وأغلق بالباب خلفه بهدوء وهو ينظر الى اللوحة الصغيرة عند مقبض الباب:" معنا نحو عالمٍ آخر"!

الجمعة، مايو 23

النافذة المفتوحة


النافذة المفتوحة

قصة: هكتور مونرو "ساكي"

ترجمة وتقديم: ايـاد نصار

عرف بين أدباء عصره باسم ساكي او بالاصح ساقي في اشارة الى الساقي الذي ورد في رباعيات الخيام. وقد وردت عدة إشارات في بعض القصص التي كتبها الى الرباعيات للدلالة على أصل هذا الاسم المستعار الذي اختاره. يقول احمد رامي في ترجمته للرباعيات:

عيشي مِن أجلِ الطلى مستحيل
فإنَّها تشفـي فــؤادي العليـــــــل
ما أعــذب السـاقــي إذا قالَ لي
تنـاول الكـأس ورأسـي يميــل

وقال الشاعر المصري بدر توفيق أيضا في ترجمته للرباعيات:
حين تمر أيها الساقي كهذا القمر،
بين الندامى المنتشرين فوق هذا العشب كالنجوم،
إذا وصلت في طوافك البهيج مجلسي القديم،
أدر إلى التراب كأسا فارغة!

عاش الاديب الانجليزي هيكتور مونرو في الفترة بين عامي 1870 و1916 وقد عرف عنه أنه كان شديد النقد والسخرية من نمط الحياة في المجتمع الانجليزي في عهد الملك ادوارد انذاك. وكان قد ولد في ما يعرف الان باسم ميانمار (بورما سابقا) حيث كان والده يخدم بمنصب المفتش العام للشرطة في بورما التي كانت تحت الانتداب البريطاني . كما ماتت أمه بعد ولادته بسنتين من ضربة بقرة هائجة تسببت باجهاضها وموتها لاحقا. وقد ترك ذلك تأثيرا عليه بدا واضحا في قصصه. وقد عاش في لندن في بيت جدته لامه حيث عملت خالاته غير المتزوجات على تربيته، وقد عكس ذلك أيضا في قصصه. وقد مات شابا خلال وجوده على الجبهة الفرنسية في الحرب العالمية الاولى برصاص قناص ألماني.

أتهمه بعض النقاد أنه كان لديه ميول لمعاداة السامية حينما ذكر في احدى قصصه على لسان احد الشخصيات انه كان يخطط لمؤامرة لقتل كل يهودي!! كان شديد النقد لاسلوب الحياة المليء بالنفاق والشكليات الزائفة بين الاسر في المجتمع الانجليزي الادواردي في تلك الفترة ، ولكثير من التصرفات والمفاهيم الاجتماعية النسائية كما يظهر في هذه القصة ، كما امتاز باسلوب النهايات المفاجئة.

القصة:

قالت شابة يبدو عليها الهدوء ورباطة الجأش في الخامسة عشر من عمرها: " خالتي سوف تنزل حالاً، سيد نتل. وفي اثناء ذلك عليك أن تحاول وتتحمل معي".

حاول فرامتون نتل أن يقول الشيء الملائم الذي يستطيع أن يتملق به ابنة أخت السيدة هذه اللحظة كما ينبغي، من غير أن ينتقص من أهمية الخالة التي ستأتي. كان ينتابه شك بينه وبين نفسه أكثر من اي وقت مضى بجدوى هذه الزيارت الشكلية المتتابعة للغرباء في المنطقة أن يكون لها أثر يذكر في علاج الاعصاب الذي يخضع له حاليا.

" أنا أعرف كيف ستكون الامور" هكذا قالت له أخته عندما كان يستعد للهجرة الى هذا المعتزل الريفي.. أنك سوف تدفن نفسك هناك. ولن تجد كائنا تكلمه.. ستصبح أعصابك اسوأ مما كانت عليه من الكآبة. ولكن على كل حال ساعطيك رسائل تقدمك الى كل الاشخاص الذي أعرفهم هناك. ان بعضهم ان لم تخني الذاكرة كانوا جد لطيفين".

تعجب فرامتون ان كانت السيدة (سابلتون) المرأة التي يقدم لها الان واحدة من رسائل التعريف التي معه تندرج ضمن المجموعة اللطيفة.
تساءلت ابنة اخت السيدة سابلتون بعدما شعرت أن فترة صمت طويلة قد خيمت على حديثهما:" هل تعرف أناسا كثيرين هنا؟"

- بالكاد أعرف واحدا.. واضاف:" أختي كانت تقيم هنا.. في بيت القسيس قبل حوالي أربع سنوات. وأعطتني رسائل تقديم الى بعض الناس هنا". قال فرامتون نتل جملته الاخيرة بنبرة تنم عن اسف بالغ.

- اذن عمليا انت لا تعرف شيئا عن خالتي؟؟ سألته الشابة الصغيرة المعتدة بنفسها

- قال معترفاً: "اسمها وعنوانها فقط"

كان نتل في غمرة من العجب.. هل السيدة سابلتون متزوجة؟ أم ارملة؟ شيء ما غير محدد في الغرفة يعطي احساسا بأن هذا مسكن للرجال.

قالت الشابة: "مأساتها الكبيرة حدثت منذ ثلاث سنوات خلت فقط .. وأردفت:" لا بد أن ذلك حدث ايام كانت أختك هنا".

- مأساتها؟؟؟ سأل نتل بدهشة. المآسي في هذه البقعة الريفية الهادئة تبدو عديمة الحدوث!

- "ربما تتعجب لماذا نبقي تلك النافذة مفتوحة على مصراعيها دائما بعد الظهر في اكتوبر" قالت الفتاة وهي تشير باصبعها الى شباك فرنسي ضخم [من النوع الذي يستخدم كشباك وباب في آن معا] يطل على مرج أخضر.

أجاب فرامتون: الجو دافئ تماما في مثل هذا الوقت من السنة، لكن هل لتلك النافذة علاقة بالمأساة؟؟
- "الى الخارج عبر تلك النافذة رحل زوجها واخواها الشابان لعدة أيام للصيد كعادتهم قبل ثلاث سنوات في مثل هذا اليوم تماما ... لكنهم لم يرجعوا أبدا.. لقد غاص ثلاثتهم في جزء غادر من المستنقع بينما كانوا يقطعونه الى بقعة الارض المفضلة لديهم حيث طيور البكاسين الصغيرة الجميلة .. لقد كان صيفا رطبا ومروعا .. والاماكن التي كانت دائما آمنة في السنوات الاخرى تغيرت فجأة دون تحذير .. لقد ابتلعت أجسادهم فغابوا فيها الى الابد.. كان ذلك الجزء المروع منها".

وفقدت الفتاة نبرة الصوت الواثق، وتحول الى صوت متلعثم مضطرب: " مسكينة خالتي.. تعتقد أنهم سيرجعون يوما.. هم والكلب البني الصغير الذي ضاع معهم، وسيمرون عائدين عبر تلك النافذة كما فعلوا دائما. لهذا السبب تبقى النافذة مفتوحة كل مساء حتى تغرق الدنيا في الظلام .. مسكينة خالتي العزيزة .. لقد أخبرتني مرارا كيف رحلوا. كان زوجها يحمل معطفه الابيض المقاوم للماء فوق ذراعه، وأخوها الاصغر رونيه يغني: (بيرتي، لماذا تقفزين)*؟؟ كلما أراد أن يضايقها ويعذبها لأنها قالت ذات مرة أن هذه الكلمات تثير أعصابها. هل تعلم أنه ينتابني احساس داخلي مخيف أحيانا في الامسيات الهادئة الساكنة كهذه يقول أنهم جميعا سوف يرجعون عبر تلك النافذة".

وتوقفت فجأة عن الكلام، وانتابتها رعدة خفيفة ..

كان شيئا يبعث على الارتياح بالنسبة لفرامتون عندما دخلت الخالة الى الغرفة باستعجال وجلبة وهي تكيل الاعتذار عن تأخرها في ترتيب مظهرها.

قالت: " أرجو أنك تسليت بعض الشيء بحديث فيرا"

- لقد كانت ممتعة جدا.

-أتمنى أنك لا تكترث او تمانع لهذه النافذة المفتوحة. واضافت السيدة سابلتون برشاقة: سيعود زوجي واخواني الى البيت مباشرة من الصيد، وهم يأتون عادة من هذه الطريق .. لقد خرجوا لصيد طيور البكاسين في المستنقعات اليوم .. وبالتأكيد سيرسمون خطى جميلة بأقدامهم فوق السجاد المسكين!! مثلما تحبون أن تفعلوا ذلك ايها الرجال، اليس كذلك؟!

وراحت تثرثر بمرح وابتهاج عن الصيد وندرة الطيور، وامكانية العثور على البط في الشتاء.. بالنسبة لفرامتون كان كل ذلك رعبا محضا. وبذل جهدا مستميتا في تحويل الحديث الى موضوع آخر اقل اثارة وترويعا، ولكنه لم ينجح تماما. أحس أن مضيفته توليه جزءا يسيرا من انتباهها، وأن عيونها تتجاوزه لتبقى تحدق في التافذة المفتوحة والمرج الأخضر خلفها. كانت بالتأكيد مصادفة تعيسة الحظ تلك التي جعلته يقوم بزيارته هذه في يوم الذكرى المأساوية.

- "وافق الأطباء على اعطائي استراحة تامة، والابتعاد عن أي نشاط ذهني، وتجنب أي تمرين بدني ذي طبيعة عنيفة" صرح فرامتون الذي احتمل الوهم الشائع على نحو كبير بأن المعارف العابرين والغرباء على السواء تواقون الى معرفة الحد الادنى من التفاصيل عن علة أحدهم اذا مرض أو ضعفه في كبر السن: السبب والعلاج فقط. وتابع قائلا:" أما بشأن الحمية فان الاطباء غير متفقين تماما".

- كلا؟ قالت السيدة سابلتون بصوت أعقب تثاؤبا في اللحظة الاخيرة. ثم أشرقت ملامحها فجأة في انتباه يقظ، ولكن ليس الى ما كان يقوله فرامتون. وصاحت:" هاهم عادوا أخيرا .. في موعد تناول الشاي.. ولا يبدو عليهم أنهم كانوا غارقين في الطين حتى آذانهم"!

ارتعش فرامتون قليلا، واتجه نحو ابنة الاخت بنظرة تحمل مشاعر التعاطف واستيعاب الموقف.. كانت الفتاة تحملق هي الاخرى النظر الى الخارج عبر النافذة المفتوحة والرعب العميق باد في عينيها. وانتابت فرامتون قشعريرة مفاجئة من خوف غامض، فاذا به يستدير في مقعده وينظر في نفس الاتجاه.. كانت تبدو في حمرة الافق التي تغطي الكون، والشمس في آخر لحظات الوداع مع الدنيا ثلاثة خيالات تمشي .. تقطع المرج الاخضر نحو النافذة.. كانوا جميعهم يحملون بنادق تحت أذرعهم.. وواحد منهم يحمل معطفا أبيض على كتفه.. وكلب بني صغير يمشي متعبا في أعقابهم.. اقتربوا من المنزل بدون اي صوت أو ازعاج.. ثم دوى صوت قوي أجش يغني عند الغسق:" أنا قلت ..(بيرتي.. لماذا تقفزين؟)"

شد فرامتون قبضته بعصبية على عصاه، وتفحص قبعته وخرج مسرعا هائجا عبر باب حجرة الجلوس والممر المرصوف بالحصى والبوابة الخارجية التي أصبحت معتمة قليلا.. فاضطر راكب دراجة كان يسير في الشارع أن يقتحم بها السياج ليتجنب اصطداما كان وشيكاً... " ها نحن هنا يا عزيزتي" قال الذي يحمل معطفا أبيض واق من المطر، وهو يدخل من النافذة الكبيرة... وأردف:" الطين يغطينا تماما.. لكن معظمه قد جف.. من كان ذاك الذي اندفع خارجا عندما وصلنا؟؟

أجابت السيدة سابلتون: "رجل غير عادي جدا.. السيد نتل". واضافت قائلة: "لايتكلم الا عن مرضه فقط .. وانطلق خارجا بعنف دون أن يقول كلمة وداع واحدة أو يعتذر لك عندما وصلت. يكاد المرء يظن أنه رأى شبحاً".

قالت ابنة الاخت بهدوء: "أنا أتوقع أنه الكلب الصغير.. لقد أخبرني أنه يخاف من الكلاب .. فقد حاصرته ذات مرة مجموعة من الكلاب المتشردة في مقبرة في مكان ما على ضفاف نهر الجانج بالهند .. فلم يكن أمامه سوى أن يمضي الليل بطوله في قبر فارغ يبدو أنه قد حفر حديثا بينما بقيت الكلاب تعوي وتزمجر وتكشر عن أنيابها وتزبد فوقه، وهذا كاف لأي انسان كي يفقد أعصابه"!

كان ابتداع المغامرات الخيالية في وقت قصير لعبتها!
* بيرتي، لماذا تقفزين؟: كان عنوان أغنية شائعة في مطلع القرن العشرين. ولكن هناك تلاعب مقصود بالالفاظ . فالمقصود ليس تقفزين ولكن لماذا تسيئين ادب التصرف مع الاخرين!

الخميس، مايو 15

صورة على الحائط


صورة على الحائط

قصة قصيرة
اياد نصار

- كل عام وأنتِ بخير عمتي.
- ومن أين يأتي الخير؟ .. ألا ترى حالتي كالميت الذي لا يقوى على الحركة؟ .. آخ .. آخ .. ما قيمة هذه الحياة البائسة وحيدة هنا .. لو وقعت ومت فلن يدري بي أحد .. أتمنى الموت .. لعلي أجد فيه راحة ً لم أعرفها في حياتي .. لقد نشأت على الشقاء والعذاب.

كان قلب خالد يحدثه طوال الطريق أن هذا الحوار سيقع لا محالة، وسيسمع الشكوى التي صارت تؤرقه .. فحال عمته خيرية يرثى لها، وهو لا يستطيع أن يفعل لها شيئا. كانت تنظر وهي تخاطب خالد بعيون فيها الحزن والحسرة الممزوجة ببصيصٍ ضئيلٍ من الأمل الى الصورة المعلقة على الحائط .. الله يرحمه عمك جمال .. كان زينة شباب البلد .. كان طيباً ووطنياً ويحبه كل الذين عرفوه.. نظرت الى الصورة .. حدقت فيها .. كانت صورته باهتة الجوانب باللونين الاسود والابيض وقد صارت أرضيتها مصفرةً بفعل الزمن ويبدو عليها كأنما أُخرجت من تحت أكوام التراب والغبار .. اه كم مرت سنوات عليها وهي معلقة مكانها..ولكن ملامح عينيه ووجهه ما تزال واضحة ً. صارت صورة جمال جزءاً لا يتجزأ من حياة خيرية .. لقد سمَّى إبنها الاوسط عدنان عندما ولد له أول صبي بعد انتظار سنوات على إسمه .. الكل ينادي عليه جمال ويذكره بالراحل الذي لم يعد .. يشعر أنه اكتسب محبة ً خاصة ً بين إخوانه بسبب الاسم. الكل يتحدث عنه بافتخار ومرارة.. لقد انتظرت وصفية سنواتٍ لأجله .. كانت ترفض من يتقدم لها .. تقول لهم إن جمال سوف يعود .. كانت تصر على لبس خاتم الخطوبة رغم مرور سنوات على غيابه .. صار الكل يعرف قصتها .. كانت كلما تذكرته، تشرع في البكاء بصوت مكتوم خشية أن تبدو على وجهها عواطفها واضحة .. كان هذا علامة ضعف غير مقبول وشيئاً إجتماعياً غير مألوف أن يصدر من البنت بين الناس!

- خالد، إن عمك جمال كان بطلاً درس في الكلية العسكرية بحلب .. قالت خيرية ذات السبعة وسبعين عاماً بصوت أجش مكتوم تبدو فيه نبرات الاسى. ليست هذه المرة الاولى التي تروي له قصة عمه جمال. في كل مرة تضيف شيئاً جديداً لم يكن يعرفه من قبل. آه لو حدث لها شيء لا سمح الله، فكم من الذكريات ستضيع معها. وأضافت بنبرة إفتخار .. التحق بقوات الثورة مبكراً. ترك دراسته.. لم يكن سيدك يرغب أن يفعل هكذا .. كان أمله أن يبقى معنا ليهتم بأحوالنا بعد أن تشردنا .. لقد تفتح ذهنه على النكبة مبكراً فصارت همّاً يؤرقه .. بدأ يدرك عذاب التعاسة والتشرد والفقر الذي نعيشه.

- أنظر الى بزته العسكرية، أنظر الى ملامح وجهه .. كان زينة شباب البلد .. وبدأت تبكي وتمسح دموعها .. شعر خالد بالحزن والاسى يملأ صدره .. كل مرة يزداد إحساسه بالمرارة والفخر في هذا الغائب الذي رحل قبل أن يراه.
" لقد ذهب سيدك الى بيروت عدة مرات دون جدوى .. لقد ذهب عمك عبدالله الى حلب والى دمشق .. بحثوا في كل مكان.. لم يجدوا له أثراً .. لقد كلفوا أشخاصاً عديدين للبحث عنه، دفعوا مبالغ طائلة لأجل خبرٍ صغيرٍ علّه يدلهم على مكانه. كانوا يعرفون أناساً لهم صلات بأجهزة الثورة، وآخرين في الشرطة والجيش والمخابرات من غير جدوى .. لقد سمعوا قصصا عديدة متناقضة" .. وأضافت: كان أبي رحمه الله كلما سمع طرف خيط من أحد يبدو أنه ربما يعرف عنه شيئاً أو رآه الاّ وبحث عنه واستفسر منه .. كان كل واحد يروي قصة مختلفة .. كانت تقوده الى البحث مرة اخرى. صار المسؤولون عن الامن والسجون والشهداء يعرفونه .. كغريق يتعلق بقشة .. يقولون له يا حاج لقد أتعبت نفسك كثيراً .. ألم تتعب من هذا السفر المتواصل؟ .. وهو يقول لهم جمال كان زينة شباب البلد".

كان الحاج حسين كلما عاد من رحلة البحث والعناء والنهايات المقطوعة يمر ببيت إبن عمه سالم ليطمئن على وصفية .. يحاول أن يطمئنها .. يقول لها لا بدّ أن نجده في يوم قريب .. يرى في عينيها حزناً يزداد كلما عاد من رحلة بحث خالي اليدين .. ولكن الامل ما زال ينبض في قلبها أنها ستلقاه في يوم من الايام. يخشى الحاج حسين أن يدب اليأس في قلب وصفية، فقد بدأ يلاحظ أن أهلها صاروا يلمحون باسلوب غير مباشر إن كانت ستطول هذه الفترة وكم يجب عليها الانتظار. يؤكدون إنها مكتوبة لجمال منذ كانت صغيرة، وستبقى له، ولكن شبابها يمضي، فالى متى تبقى الاحلام مؤجلة؟!

تحاملت الحاجة خيرية على نفسها ونهضت .. غابت في المطبخ قليلاً ثم عادت تحمل صحناً وقد وضعت فيه تفاحة ً وبرتقالة ً وسكيناً .. قالت لخالد خذ قشر وكل .. انا يا عمتي مريضة وليس بي حيل أن أصنع لك شيئاً .. زيارتك عزيزة علي. كان بيتها عبارة عن شقة صغيرة في بيت متواضع قديم البناء وقد تم بناؤه بشكل عشوائي عبر مراحل مختلفة. كان واضحاً أن بعض أجزائه أُضيفت فيما بعد في مخيم بالقرب من مدينة الزرقاء. أغلب البيوت هكذا .. تقف شواهد على المراحل المختلفة من سنوات التشرد والحرمان وبدء ظهور أصحاب الاموال ممن ذهبوا للخليج وعادوا يبنون بيوتاً وعماراتٍ كبيرةً ويقيمون مصالح ومؤسسات تجارية مختلفة. كانت أغلب البيوت تدل على الاضافات اللاحقة العشوائية. كلما كان يزيد عدد الاولاد والبنات وتكبر العائلة كانت تزداد الغرف والطوابق والمداخل والبلكونات والازقة بشكل فوضوي حتى صارت الاحياء مكدسة بكتل الاسمنت الباهت الكئيب التي لا ينظمها أي نسق نهائياً!

يعيش في هذا الحي غالبية ممن ألقت بهم النكبة في مهب الريح. كلما جاء لزيارة عمته خيرية، يرى في ملابسها تاريخاً يكاد يندثر. تلبس على رأسها أوكاة من القماش المطرز الثقيل كالقبعة المستديرة التي تحفها من كل جوانبها الدنانير العصملية، وثوبها الاسود الطويل المطرز على الصدر باشكال هندسية ونباتية بألوان شتى من خيطان الحرير والقصب المختلفة. لا تنسى دائماً أن تحكي له عن بيتهم الذي تركوه في سَلَمة. حملت أمها المفتاح معها حين هربوا من يافا. إستقر بهم المقام في مخيم جنين. ولكن أحلام العودة وصور الذكرى الحزينة بقيت تداعب خيالهم!

ولكن الحلم صار أبعد وأبعد. وكما قالت فيروز "غاب نهار آخر .. غربتنا زادت" ولم تقترب عودتهم!! فقد رمت بهم الاقدار مرة أخرى الى مخيم من الطوب والصفيح في الزرقاء. في الشتاء كانت طرقاته تصبح اوحالا ومستنقعات وتدخل مياه الامطار الى داخل البيوت المتكدسة. لم يكن للفقر والبؤس صوراً أبلغ من تلك التي رأوها طوال هذه السنوات.

قالت : رحم الله عمك جمال .. أصر أن يترك المدرسة ويلتحق بالفدائيين .. حاول سيدك الحاج حسين أن يقنعه أن يبقى، أو أن يمنعه، ولكنه ركب رأسه. قال كيف يبقى يعيش في مخيم بائس كهذا. وفي يوم من الايام بحثوا عنه فلم يجدوه في البلدة كلها .. ترك وصفية التي لم يكن قد اقترن بها سوى ثلاثة أسابيع.

توقفت قليلاً وهي تذكر إسمه .. أخذت تبكي .. تناولت محرمتها من جيب ثوبها على صدرها وأخذت تمسح دموعها وهي تنشج بحرقة.. قال لها خالد: يكفي عمتي .. الله يرحمه لن ننساه، ولكنك مريضة وصحتك لا تساعدك .. نخاف عليك ان بقيت هكذا تبكين.

قالت: هذا قدري .. تعودت على المآسي .. كم فقدت من أخوة وأخوات وأنا صغيرة نتيجة المرض والفقر، ولكن حزني على جمال لا يوازيه أي حزن .. مات أخوان إثنان وأخت لي ونحن صغار بالكاد نعي من الدنيا شيئاً من شدة الحرارة ولم يكن أبي و أمي يستطيعان فعل أي شيء لهم .. وماذا عسانا نفعل لهم ؟.. لم يكن هناك طبيب في بلدتنا .. كان الطبيب في المدينة .. ولم يكن باستطاعة الناس الوصول اليه بسهولة .

سألها خالد: وكيف أولادك؟ لماذا تعيشين هنا لوحدك ولا أحد يرعاك؟ لماذا لا تعيشي عند أحد منهم؟ أخذت تبكي بصوت أعلى وهي تمسح دموعها.
قالت: كل واحد مشغول بعائلته .. لا أجد راحتي إلاّ هنا في بيتي .. عدنان يتمنى أن أبقى عندهم في مدينة اربد .. ولكني لا أريد أن اثقل عليه.. لقد انتقل مع عائلته الى هناك ليكون قريباً من مكان عمله .. ووضعه بالكاد يكفي أسرته .. لقد أثقلت عليه كثيراً.
وتابعت: الله يرحمه ابو محمود كان سندي في هذه الحياة .. منذ أن رحل وانا أتنقل من بيت لآخر .. ألا يكفينا التشرد الذي عشناه؟ .. لهذا قررت أن أعيش وأموت في بيتي لوحدي .. لم يصدق خالد ولكن ما رآه هو ما حصل فعلاً .. إنها تعيش لوحدها في هذا البيت .. حاول أن يحذرها أنه قد يحدث لها شيء ما ولا تجد أحداً يدري بها .. قالت أهلاً بالموت .. لم أعد أطيق الحياة. وهل أنا احسن من أبي وأمي واخواني .. كلهم رحلوا عن هذه الدنيا .. ألم يرحل أبوك يا خالد .. ماذا نفعه الناس؟ وجمال سبقه .. لقد كان غياب جمال الجرح النازف في بيتنا طوال سنوات طويلة .. لقد بقي أبي يبحث عنه بلا كلل في كل مكان .. لقد ذهب معه ابوك مرة الى بيروت .. ذهبوا الى كل مقرات المنظمة هناك .. ذهب الى دمشق وحلب .. بعض رفاقه الذين عرفوه في اوقات سابقة قالوا إنهم سمعوا إنه إستشهد في اشتباك مسلح على مقربة من الارض التي عشقها .. لم يكل أبي من البحث عنه .. أخيراً لما رأوا إصراره .. أخذوه الى أحد المقرات في بيروت .. فتحوا صندوقاً وأفرغوا محتوياته على الطاولة .. نظر أبي اليها غير مصدق .. أجهش في البكاء .. كان عنده أملٌ حتى تلك اللحظة أن يراه حياً .. أن يقال له إنه معتقل عند الاسرائيليين أو في سجن ما من شرقنا المتوسط العزيز .. أمسك ساعته وأخذ يتحسسها .. تناول بطاقته وأخذ يقبل صورته.. أخذ ملابسه العسكرية وعليها بقع الدماء المتحجرة التي صارت سواداً مع الايام كالحقد الاسود .. كانت هناك بعض الحاجيات التي كانت معه.. أخذ أبي يبكي ويقول لماذا لم تخبروني عنه من قبل.. لماذا أخفيتم عني طوال هذه السنوات .. قال له الضابط وهو يضع يده على كتفه وأخذ يواسيه ويربت على كتفه.. رحمه الله يا حاج .. لقد مات شهيداً في إشتباك مع دورية اسرائيلية وهو يحاول التسلل للدخول للارض المحتلة.. خرجت كلمات متحشرجة من بين البكاء والدموع .. جمال كان زينة شباب البلد. عاد الحاج حسين ومعه بقايا الذكريات المختلطة ببقع الدماء .. خيم علينا حزن شديد وألم عاش معنا طوال هذه السنوات. أصيبت وصفية بصدمة عاطفية.

إغرورقت عيني خالد بالدموع .. تمالك نفسه .. أدار وجهه قليلاً كي لا ترى عمته دموعه .. قال لها مودعاً يجب أن يذهب الان .. مررت للسلام عليك .. انت تعرفي زيارة العيد قصيرة .. حاولتْ أن تبقيه عندها فترة أطول .. قال لها يجب أن أذهب ولكنه وعدها أن يأتي لزيارتها قريباً .. ندت عنه التفاتة الى صورة جمال على الحائط .. كان ينظر الى خالد بعينين فيهما الرضى والأمل .. خرج خالد من الباب وهو لا يزال يفكر فيما حدث...

الأحد، مايو 11

في البدء كنتِ أنتِ


في البدء كنتِ أنتِ

في البدءِ كان الهوى في القلبِ يبددُ سكونَ الأمسياتْ
لم يكنْ غيرُ الصمتِ وصوتُك .. لم يكنْ غيرُ أنينِ الأغنياتْ
كانت الأنغامُ تبعثُ حرَّ الوجدِ إذا تروي للحبِّ حكاياتْ
كانت كلماتُكِ خجلى كسفينةٍ تتهادى مع الرياحِ العاتياتْ
رأيتُ في عيونِكِ من الترددِ والشّكِ ظلالاً خائفاتْ

تلتقي الأرواحُ على وحي القصائدِ برغمِ المسافاتْ
كم يحنُّ القلبُ المعنّى شوقاً إلى تلك الرّبى الزاهياتْ
كم طافَ بنا الخيالُ فذبْنا مع أنغامِكِ الحالماتْ
يرحلُ الهوى كلَّ ليلةٍ إلى مواني عيونِك الساحراتْ
يَتَضَوّعُ عبقُ الوردِ من يدي وترقصُ فرحاً الكلماتْ

حينَ يرحلُ البشرُ لا يبقى سوى عيونِكِ الساهراتْ
وحينَ تغيبُ شمسُك عن بحرِنا يسودُ صمتُ الكائناتْ
بين الرجاءِ واليأسِ ضاعَ المركبُ مع السفنِ الغارقاتْ
فهل أراكِ يوما يا فتنةَ القلبِ العميدِ ويا حنينَ الأمنياتْ
أدمتْ الحيرةُ قلبي فخلِّ قلبَكِ يحيي الأملَ الذي ماتْ

أَعيريني يا سرَّ الهوى اسماًً للذكرى من محارِك الدفيناتْ
هذي يدي تحملُ إليكِ الوردَ لهوىً سيعيشُ برغمِ الأناتْ
طيفُك صار عنواني وأحلامي وآلامي وروعةَ الذكرياتْ
قدرُنا أن نكونَ هنا يا حبيبي حين كانتْ في البدءِ الحياةْ
فاحضنيني حباً أو موتاً كادتْ أن تختنقَ من الشوقِ الآهاتْ


ايـاد

الجمعة، مايو 9

وليم بليك


أغاني البراءة

بقلم اياد نصار


لا يمكن لأي دارس أو مهتم بالأدب الانجليزي عموما، والشعر منه على وجه الخصوصُ، الا أن يتوقف عند الشاعر المرهف صديق الطفولة المعذبة المدافع عن براءتها والرسام والنحات والنقاش وليم بليك. وتهدف هذه المقالة الى تقديم تعريف موجز بالشاعر لدى قراء العربية ومتذوقي الشعر المترجم من الاداب الاخرى. كما أنها محاولة لسبر غور قيم الشعر وعالمه الفني وخاصة عند أحد أهم الشعراء الانجليز المعروفين الذين تركوا بصمات واضحة في مسيرة تطور الشعر الانجليزي.

ولد الشاعر وليم بليك في لندن عام 1757 وتوفي عام 1827. لقد كان شاعرا ورساما ونحاتا. وعلى الرغم من أنه أثر تأثيرا واضحا في شعراء المدرسة الرومانسية في الشعر الانجليزي، الا أنه من الصعب وضعه ضمن اطار مدرسة أو حركة أدبية ضمن فترة زمانية معينة.
أرسله والده الذي كان صانع جرابات ميسور الحال الى مدرسة لتعلم الرسم وهو في سن الرابعة عشرة. وهناك تعلم على يد فنان حرفي يصنع اللوحات المنحوتة في المعدن حتى سن الواحدة والعشرين. ثم التحق بالاكاديمية الملكية وما لبث أن ثار على الجو المحافظ الخانق المقيد للحرية فيها. وفي سن الخامسة والعشرين تزوج من امراة علمها القراءة والكتابة والرسم حتى أصبحت رفيقته الدائمة في كل أعماله التي أبدعها.

وضع بليك رسومات كتبه ومنقوشاته بنفسه .. ولم ينشر في حياته الا كتاب واحد. ونشرت كتبه بعد وفاته. كما أن كتبه التي تفنن في وضع الرسوم لها والخلفيات المنقوشة البارزة كأرضية للنص فيها لم تلق رواجا في عصره ، وانما أقبل النقاد والمهتمين عليها بعد سنين على وفاته حتى صار واحدا من الشعراء الانجليز المرموقين.

أشهر ديوانين خلفهما هما "أغاني البراءة" عام 1789 و" أغاني الخبرة" عام 1794 . في اغاني البراءة ينظر الى العالم من خلال عين وفهم طفل صغير مباشرة وببراءة ولكن دون ابداء أي وجهة نظر وانما تقف مشاعر الحزن والاسى والعنصرية التي تفيض بها قصائد الديوان على لسان الاطفال وثائق ادانة للمجتمع بأكمله. يطرح في قصائد هذا الديوان مواضيع الجمال وآلآم الحياة. ومن أشهر قصائده التي يحتويها "الحمل" و "فرح الصغير" و "أغاني الضحك". أما الديوان الآخر وهو أغاني الخبرة فهو يكشف عن الوعي بالقسوة والظلم في هذا العالم، وأن الناس وليس القدر مسئولين عن هذا الظلم وهم الذين يقترفونه. ومن أشهر قصائد هذا الديوان هي "النمر" و "حزن الصغير" و "الوردة المريضة" و "لندن" .

وقد مجد بليك الحب والحرية وكان يبغض فلسفة المنطق الذي كان يجتهد في تبرير عدم المساواة السياسية والاقتصادية والذي ظهر مع قيام الثورة الصناعية. كان بليك يرى أن خيال الانسان وقدرته تصارع قوى الظلم والقمع ، سواء المادية أو الفكرية.

قصائد وليم بليك في قمة الشفافية والاحاسيس المكثفة التي تحرك الوجدان ليفكر بالعذاب الذي يعاني منه الانسان على يد الانسان، واثارة التعاطف معه. كما أنها توظف لغة سهلة ممتنعة لنقل معاني أكبر وأعمق. وقد اخترت له قصيدة من اشهر قصائده وأوردت معهما ترجمة بالعربية لتمكين الاطلاع والتذوق.

هذه قصيدة له بعنوان " منظف المداخن " The Chimney Sweeper نشرت مترجمة في مجلة الاداب الاجنبية الفصلية في العدد 114 لعام 2003 . وقد ترجمها الكاتب جهاد عارف الاحمدية. وقد أوردت القصيدة بلغتها الاصلية بعد المترجمة مباشرة للاطلاع عليها والمقارنة.


منظِّف المداخن

شعر: وليم بليك


‏لمَّا ماتَتْ أمِّي

‏كنتُ صغيراً جدَّاً.

‏وحين تخلَّى الوالدُ عنِّي‏

كان لساني يعرفُ، بالكادِ،

‏أن يبكي؛‏

"واءٍ!" "واءٍ!" "واءٍ!" "واءْ!"‏

وها أنذا أنظِّفُ مداخنَكمْ،

‏وأنامُ على قدري الأسودْ.

‏كانَ (توم دايكرُ) الصَّغيرُ،

‏يبكي وهم يحلِقُون له

‏شَعرَهُ المتجعِّدَ كفروِ الحَمَلْ.‏

فقلْتُ لهُ:‏

"اصمتْ يا (تومُ) الصَّغيرُ،‏

ولا تكترثْ؛‏

لأنَّ رأسَكَ الحليقَ‏

سيمنعُ السُّخامَ من‏

أن يفسدَ شَعرَك الأشيبْ".‏

فكفَّ عن بكائِهِ‏

والتزمَ الهدوءْ.‏

وفي اللَّيلةِ اللَّيلاءِ ذاتِها‏

شاهَدَ في المنامِ‏

آلافاً من المنظِّفين؛‏

(ديك) و (جو) و (نِد) و (جاك)‏

قد أُقفِلَ عليهمُ‏

في توابيتٍ سوداء.‏

وشاهدَ ملاكاً‏

يمرُّ في الجوارِ

‏يحملُ مفتاحاً لامعاً،

‏يفتَحُ التَّوابيتَ‏

ويحرِّرُ الجميعْ.

‏وبعدها توزَّعوا‏

في المرجِ يمرحونْ،‏

يغتسلونَ في مياهِ النَّهرِ،

‏يلمعونَ تحتَ أشعَّةِ الشَّمسِ،

‏يعتلونَ ناصيةَ الغيومِ

‏تاركينَ خلفَهم‏

حقائبَ عاريةً بيضاءَ،‏

وفي مهبِّ الرِّيحِ يعبثونْ.‏

واستفاقَ (تومُ)‏

بعدَ أن أخبرَه الملاكُ‏

بأنَّهُ إن أصبحَ غلاماً طيِّباً‏

فإنَّ الإِلهَ‏

سيمنُّ على والدِه بالرَّحمةِ،

‏ولن يحرمَهُ من السَّعادةْ.‏

استفقنا جميعاً‏

وكان الظَّلامُ يلفُّ المدى،‏

حملنا حقائبَنا ومكانسنَا‏

ورحْنا نشقُّ دروبَ العملْ.‏

على الرُّغمِ من بردِ ذاكَ الصَّباحِ‏

فقد كان (تومُ) سعيداً ودافئاً.‏

وهكذا.. إن أنجزَ الجميعُ ما عليهم‏

فلن يظلَّ داعٍ‏

للخوفِ من أيِّ أذىً.


The Chimney-Sweeper

by William Blake


When my mother died, I was very young,

And my father sold me while yet my tongue

Could scarcely cry 'weep! 'weep! 'weep! 'weep!

So your chimneys I sweep, and in soot I sleep.


There's little Tom Dacre, who cried when his head,

That curled like a lamb's back, was shaved: so I said,

"Hush, Tom! never mind it, for when your head's bare,

You know that the soot cannot spoil your white hair."


And so he was quiet; and that very night,

As Tom was a-sleeping, he had such a sight, -

That thousands of sweepers, Dick, Joe, Ned, and Jack,

Were all of them locked up in coffins of black.


And by came an angel who had a bright key,

And he opened the coffins and set them all free;

Then down a green plain leaping, laughing, they run,

And wash in a river, and shine in the sun.


Then naked and white, all their bags left behind,

They rise upon clouds and sport in the wind;

And the angel told Tom, if he'd be a good boy,

He'd have God for his father, and never want joy.


And so Tom awoke; and we rose in the dark,

And got with our bags and our brushes to work.

Though the morning was cold, Tom was happy and warm;

So if all do their duty they need not fear harm.

إميلي ديكنسن (Emily Dickinson)


مبدعة في عالم العزلة

بقلم اياد نصار

لم تشتهر أديبة أمريكية في تاريخ الشعر الامريكي مثلما اشتهرت الشاعرة اميلي ديكنسن (1830-1886). أنها شاعرة القرن التاسع عشر بلا منازع. ومن غرائب القدر أنها عاشت في عزلة شديدة معظم حياتها، وكتبت ما يزيد عن ألفي قصيدة، الا أنها لم تنشرفي حياتها سوى سبع قصائد. بل انها تركت وصية الى أختها بأن تحرق كل أشيائها ورسائلها. ولحسن الحظ أن أختها لم تنفذ وصيتها بخصوص أشعارها، اذ أعجبت بمستوى القصائد بعدما عرضتها على متخصص. واجتهدت في تفسير عدم تنفيذ الوصية بأن أختها لم تذكر القصائد بالاسم ضمن الاشياء التي طلبت التخلص منها.

ولدت أميلي ديكنسن في أواخر عام 1830 في بلدة هادئة تدعى أمهيرست بولاية ماساشوسيتس في أسرة محافظة. ولم تحظ بحنان أمها مثلما يحدث عادة بين الام وابنتها، وقد كان لذلك تأثير كبير على شخصيتها.

نشأت اميلي في أسرة متدينة، وعاشت في ولاية عرف عنها التزمت في التدين في القرن التاسع عشر، من خلال ما عرف في التاريخ الامريكي باسم حركة المتطهرين (The Puritans). وقد اتخذت موقفا معارضا ومتحديا لوجهات النظر الدينية التقليدية تلك لاحقا، وقد ساهم موقفها الداعي للتساؤل والمثقل بالشكوك في جودة شعرها وقوة تأثيره. وبعكس عائلتها التي كانت معروفة في المجتمع المحلي، فان اميلي لم تحظ بالمعرفة الواسعة أو الفرصة لممارسة العمل العام في بلدتها، ومن هنا بدأت بالانسحاب من الحياة العامة.

لم تتبع أميلي مذهب والدها الديني، ولذلك أخذ والدها يراقب الكتب التي تقرأها خشية أن تبعدها عن الدين. تلقت اميلي تعليما جيدا، ولكنها كانت من النوع الخجول الصامت الذي يتجنب الغرباء. ولم تمكث في الكلية التي انتقلت للدراسة فيها في بلدة أخرى سوى عام واحد، وما لبثت أن عادت لبلدتها لتبدأ حياة العزلة. ولم تتزوج أبدا، رغم أنه كان لها بضع علاقات مع مجموعة محدودة من الاشخاص. ثم توقفت عن استقبال الناس الذين يأتون لزيارتها. ونادرا ما كانت تغادر بيت والدها. ولم تقم سوى برحلات قصيرة لتلقي العلاج في بوسطن وواشنطن .

بدأت اميلي تكتب الشعر وهي في سن العشرين رغم أنها لم تقع أو تتعرض لأي تأثير خارجي. وقد كان حولها عدد محدود كثيرا من الاشخاص الذين كان لهم تأثير مباشر عليها. ولكن ورغم أن اتصال الناس بها كان محدودا جدا، الا أن من اختلطت بهم تركوا تأثيرا على أفكارها وشعرها، وخاصة تشارلز وادزورث الذي التقت به في رحلتها الى فيلادلفيا. كان تشارلز أقرب صديق مقرب لديها. وقد كان أديبا رومانسيا فوجدت فيه متنفسا لتربيتها الدينية المتزمة. وكتبت فيه الكثير من قصائد الحب. وقد رحل بعد ذلك الى الساحل الغربي، بعد زيارة قصيرة الى منزلها عام 1860. وقد سبب رحيله لها أزمة عاطفية عبرت عنها في فيض القصائد التي تنم عن حزنها العميق جراء ذلك. وبدءا من عام 1860 فقد عاشت في عزلة تامة عن العالم الخارجي، ولكنها استمرت بالمراسلة وقراءة الكتب بشكل كبير. كان للحرب الاهلية الامريكية تأثير على شعرها وعلى ذلك الاضطراب العاطفي فيه. ولكن كانت هناك أحداث أخرى أكثر أهمية تركت أثرا بالغا يتجلى في تأليف ما يزيد على 800 قصيدة خلالها. تمكنت اميلي من توجيه نظرتها لداخل ذاتها وأفكارها في محاولة استشراف مواضيع جديدة للشعر أكثر مما كتبته للحرب الامريكية.

قضت اميلي أغلب السنوات التالية في جو من الحزن والحداد بسبب وفاة عدد من أقراد عائلتها ومعارفها. حيث توفي والدها اولا، ثم أصدقاؤها وخاصة صديقها تشارلز وادزورث، ثم والدتها. وهذا ما جعل الموت يستحوذ على مضامين شعرها كثيرا. توفيت اميلي وهي في سن السادسة والخمسين عام 1886. وكنتيجة لحياتها المنعزلة، فقد أمعنت النظر في التفكير بعالمها الداخلي أكثر مما كانت تقرأ من أعمال الكتاب الاخرين. وقد لاحظ النقاد ان الكثيرمن قصائدها غير مكتمل وعلى قصاصات متناثرة من ورق. وقد صنف النقاد والمهتمون شعرها حسب موضوعاته كالاصدقاء، والطبيعة، والحب والموت.

تركت اميلي بصمة كبيرة أثرت كثيرا في الشعر الحديث، حيث يكثر استعمال الفواصل واستخدام الاسماء بالحروف الكبيرة، وغياب القافية، والاوزان المكسورة والصور غير المألوفة. كما تمتاز قصائدها بموسيقيتها العالية. وللعلم لم تستخدم اميلي ديكنسن عناوين لقصائدها وانما وضع ذلك بعد موتها النقاد والناشرون الذين أطلعوا على القصائد الاصلية التي كانت بحوزة أختها.فيما يلي نموذج رائع لقصائدها بعنوان" لأنني لم أستطع التوقف للموت"من ترجمة: خالد العوض في المجلة الثقافية العدد 7 لشهرابريل 2003 . وقد أوردت القصيدة باللغة الانجليزية عقب الترجمة للمقارنة والتذوق.


لأنني لم أستطع التوقف للموت،

تلطف هو وتوقف لي،

حملتنا العربة وحدنا فقط

مع الخلود.

سرنا ببطء، فهو لا يعرف السرعة،

وأنا تركت جانبا

تعبي وراحتي معا لتأدبه.

مررنا بالمدرسة، حيث الأولاد يتنزهون

في الملعب وقت الفراغ.

مررنا بحقول القمح المحدّقة،

مررنا بالشمس الغاربة، أو قل، هو مرّ بنا،

بعث الندى فيّ الرجفة والقشعريرة،

إذ كان ردائي شفافاً

ومعطفي من تول

وقفنا أمام بيت بدا كانتفاخ للأرض،

السقف لا يكاد يظهر؛

والجدران تحت الأرض.

مضت قرون مُنذ ذلك الوقت

ومع ذلك .. فكأنما هي أقصر من يوم

حسب رؤوس الجياد فيه

متجهة الى الخلود.

Because I could not stop for Death-
He kindly stopped for me-
The Carriage held but just Ourselves-
And Immortality.

We slowly drove-He knew no haste
And I had put away
My labor and my leisure too,
For His Civility-

We passed the School, where Children strove
At Recess-in the Ring-
We passed the Fields of Gazing Grain-
We passed the Setting Sun-

Or rather-He passed us-
The Dews drew quivering and chill-
For only Gossamer, my Gown-
My Tippet-only Tulle-

We paused before a House that seemed
A Swelling of the Ground-
The Roof was scarcely visible-
The Cornice-in the Ground-

Since then-'tis Centuries-and yet
Feels shorter than the Day
I first surmised the Horses' Heads
Were toward Eternity-

السبت، مايو 3

رحلة

رحلة

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار


إلتقينا بعد غياب. كان لقاءً جميلا واحساساً رائعاً بتلك الذكريات التي تحلق فيها الارواح في سماء أخرى من معاني الجمال والابداع الذي تحس به في داخلك ولا تستطيع أن تصفه. كانت هادئة رقيقة وفي كلامها مسحة من الانطواء والتأمل الصوفي. كانت تستمع لموشحة أندلسية وتحس بالطرب يملأ عالمها فتردد كلماتها وتفكر في مفرداتها التي تعبر عن حالة الوجد والعشق التي يبدو انها تلاشت من عالم اليوم. أخبرتني انها صارت عندما تقرأ شعراً أو تستمع لغنائه تدرك بحسها وتستشف بإحساسها إن كان أندلسيا أم لا. صارت تربطها به علاقة روحية فريدة من نوعها. وتزيدها الموسيقى رونقاً والهاماً وتسامياً.

تعشق جمانة العود وألحانه عشقاً فريداً، وقد حاولت مراراً أن تتعلم العزف على العود ولكن الظروف لم تواتها قط، ولكنها تعشقه منذ أن تفتحت عيناها على الحياة وهي ترى العود في البيت ينتقل بين يدي عشاق يضمونه كما يضمون حبيبة، وكبرت وهي تسمع اغاني الزمن الجميل والطرب الاصيل. والان زاد حنينها لتلك الايام. عندما تفكر بها تكاد تهمي دمعة من الفرح والحزن في آن معاً. يملؤها الحزن. تشعر بقسوة القدر الذي حرمها من أعز الاشياء قبل اوانها. تتذكر الماضي الذي ضاع وتتذكر الذين رحلوا، وهل يعود الراحلون؟ قالت : كلما قرأت أبياتا من الشعر الاندلسي أو إستمعت للغناء كالموشحات أشعر أنها تحملني الى دنيا أخرى من البهجة والسحر والشعور اللذيذ الذي لا يخلو من احساس غامض بالحزن على شيء ما لن يعود. وأشعر بنشوة خاصة وحالة روحية لا تعرف الكلمات أن تصفها. كانت تتكلم بطريقة مؤثرة تجعلك ترى ما تصفه وتحس به كأنه يجري الان أمام ناظريك. ولعل هناك سببا اخر يدفعنا للحنين الى تلك الايام. ربما البحث عن عالم آخر غير هذا الذي نحس فيه بالالم من قيمة الانسان وواقعه البائس. لعله البحث عن شيء جميل وسط محيط من البشاعة والكآبة والفوضى.

شعرْتُ بولعها بهذه الاجواء وحنينها الذي يعيش بداخلها لتلك الفترة .. أحببت أن ادعها تعيش فيها وتشعر بتفاصيلها كما لو كانت هناك .. تذكرت فيلماً شاهدته واستهوتني فيه راوية للقصص كانت تجلس مع صديقها ذات مساءٍ حالمٍ حين قال لها سأبدأ الجملة الاولى وعليك أن تكملي. قال "كانت هناك فتاة جميلة ولكنها حزينة تعيش في حي من أحياء شنغهاي".. فابتدأت حكايتها من هناك واستمرت ساعات وهي تحكي وهو مصغ لها ويعيش بخياله مع قصتها. أردت أن أجعلها تعيش يوما واحدا من تلك الفترة التي تعشقها من غير أن تدري.

قلت لها تعالي نذهب لقصر الامير المنصور بن ابي عامر ونستمع لمجالس الطرب عنده. أنا أعرف كم تحبين كل ما يذكرك بالاندلس. فلطالما استهوتني حكايته وشدتني سيرته .. إنها صورة مصغرة عن الاندلس كلها. قصة تجمع بين حالاتها المتناقضة من ضعف وقوة وإنقسام وإزدهار وحروب ومكائد وسلام واستقرار وسياسة وأدب. حكايته تمثل هذا الفصل الغريب من التاريخ .. طوائف وإمارت .. انقسامات ومؤامرات .. وفي ذات الوقت إزدهار أدبي وعلمي وفكري. غريب كيف تحقق ذلك .. ربما يجب أن نعيد النظر بكثير من مفاهيمنا.

خطر لي أن أصطحبها الى القصر الكبير في ضاحية الزاهرة شرقي قرطبة. ذهبنا معا فأوقفنا الحراس وسألونا عن غايتنا، فلما أخبرتهم عن لقائنا رحبوا بنا وأذنوا لنا بالدخول . لا أعرف كيف اصف العظمة والمهابة والروعة التي رأيناها منذ اللحظة التي دخلنا فيها من بوابة القصر. ملأ العشب الاخضر والرياحين والورود والنرجس والنيلوفر حواف الممرات وحول صحن النافورة التي يتدفق منها الماء . ومررنا من تحت الاقواس والاعمدة البديعة الزاهية الالوان. آه من جمال قصورك ومنازلك البيضاء ذات السقوف الحمراء بين الرياض الخضراء وأشجار البرتقال واللوز والزيتون .. صرت أعرفك يا قرطبة. وآه من روعتك يا غرناطة .. وقبل أن يستبد بي الحنين مثل جمانة أسرعنا ودخلنا الى قاعة المجلس الكبرى والحراس يرافقوننا بكل ترحاب.

فلما دخلنا رأينا هناك مجموعة ً من العازفات والمغنيات والراقصات..

أسمع غناءهن الآن ، يغنين فنوناً من الطرب الاندلسي والموشحات .

القاعة جميلة ومهيبة ومزدانة بأجمل ما يكون على حسب الطراز الاندلسي بالمقرنصات والثريات والتحف والطنافس. جاء مضيف بلباسه الاندلسي الجميل وألوانه الملوكية الزاهية وهو يضع عمامة ً تعطي شعوراً بالدفء والمهابة مبتسما وهو يشير لنا ان نجلس، وجلسنا على المساند الوثيرة من الحرير والدمقس والرياش. إبتسمت جمانة وقالت: كأنك تروي قصة ً نعيشها الآن.

وأمر مضيفُنا الساقي أن يهتم بنا . فحضر وصار يدور علينا بأبرد الشراب من الماء الزلال والنبيذ، وجاءت جارية جميلة تشف عن ابتسامة كلها حياء ودفء وهي تتمتم بكلمات ترحب بنا، وهي تحمل صحناً واسعاً من الفاكهة من كل نوع وصنف مما تشتهي عيونك أن تراه.

انسجمنا في هذا الجو الرقيق الساحر وسمعتُ جمانة تغني مع المغنيات وتحرك يديها طربا فصرت أغني معها ونحن ننظر الى الراقصات بملابسهن البراقة المزركشة وهن يلبسن الخلاخيل في ارجلهن. كنا نجلس أنا وجمانة الى جانب بعضنا ونحن ننظر اليهم بكل إستمتاع وأحيانا تتلاقى عيوننا فنضحك ونشعر بالروعة والبهجة تملأ القاعة كلها.

ثم دخلت امرأة في غاية الحسن كالبدر من صفاء وجهها وجماله. انحنت لنا قليلا وفردت وشاحها بيدها علامة على الترحيب بنا وندت عنها ابتسامة. انبهرنا من روعة ملابسها ومن تناسق الوانها ومن الحلي والاحجار الكريمة التي كانت تزين جيدها وغطاء رأسها. ملت برأسي قليلاً الى مضيفنا وسألته عمن تكون هذه المرأة؟ قال هذه حمدونة ستغني شعراً لابن درّاج القسطلي. وأخبرنا أن إبن دراج هو شاعر الامير الذي يحضر مجالسه ويلقي الشعر في حضرته. كان صوتها جميلاً حنوناً راقياً. ومن حولها جلس رجال يعزفون على المعازف والدفوف والعود والناي وآلات أخرى لم نعرف اسماءها.

ثم دخل علينا حاجب بسيفه فوقف في هيبة وانضباط عند باب القاعة فصمت الكل لاستقباله. قال بصوت مرتفع إن الامير المنصور إبن أبي عامر قد شرّفنا بحضوره. ثم وإن هي الاّ لحظات حتى أطل الامير بلباسه الفاخر ومحياه وهو مبتسم فرحاً بحضورنا، فاردنا الوقوف فأشار الينا بيده أن نبقى جالسين. لم نكن نتوقع حضوره. كان شيئاً عظيماً أن يكون الامير في استقبالنا.

دارت في رأسي أفكار كثيرة وألحّت علي قراءاتي الكثيرة عنه وشعرت بوَجَلٍ من حضوره وحوله حراسه ومستشاريه وخاصة إنه كان دائماً مشغولاً بتدبير مؤامراته وحيله ليتولى الخلافة بعد أن حجب الخليفة الجديد هشام بن الحكم وألهاه بألعاب الصبيان كونه كان صغيراً ولم يكن هناك أحد تعتمد أمه "صبح" عليه لادارة شؤون الامارة غيره بعد وفاة زوجها الخليفة الحكم. وقد تخلص من كل منافسيه بحيلته وذكائه بدءاً من شقيق الخليفة الطامع في الامارة بمساعدة الحاجب وقائد الجيش حيث تخلص ثلاثتهم منه وعينوا ابن الخليفة الصبي ليكون ألعوبةً بأيديهم ثم تخلص هو منهم!! بل وصل به الامر أنه تخلص من إبنه الذي شكّ انه يدبر مؤامرة للاستيلاء على السلطة، وتخلص من كل المتآمرين معه. هذا المنصور بدأ مشواره كاتباً للعرائض عند بوابة قصر الخليفة، ثم أصبح الخليفة! ولكنه حكم فترة طويلة زادت عن ربع قرن توسعت فيها حدود دولته وأظهر فيها حباً للفنون والاداب والعمران!

نظرت الى جمانة فأحسست انها تفكر بذات الشيء. الصراعات والحروب الكثيرة .. الفنون والقصور.. روائع الشعر والمؤلفات .. اجواء الغزل والحب والتمتع بالطبيعة المتألقة .. الموشحات بموسيقاها وكلماتها ومجالسها .. محاورات الفلسفة. في كثير من لقاءاتنا كنا دائماً نتعجب من هذا الصراع الذي لا ينتهي بين الامراء والخلفاء والولاة ومنافسيهم، كما أذهلتنا الصراعات والحروب بين الطوائف والامارات المختلفة، فضلا عن حروبهم المتواصلة مع الاسبان بين كرٍ وفرٍ الى أن بدأت تتساقط هذه الممالك الواحدة تلو الاخرى، ولكنها كانت فترة غنية بالابداع في كل جوانب الفنون الانسانية. كانت دائما مصدرسعادة للقاء .. كم أبهجت امسياتنا بالغناء والشعر والاحاديث .. وكان لدى جمانة سبب اخر للاعجاب بها .. في تلك الفترة تعلمت المرأة البوح بهواها بجرأة شفافة وترنمت باشجانها الحانا وقصيدا .. كنا نعبر في أحاديثنا عن الاعجاب والعشق حينما يعشق التاريخ وتعشق المدائن .. وعشنا معها وتخيلنا أنفسنا نمشي في شوارعها ونتجول بين قصورها ومجالسها ونسمع الشعر والغناء والموشحات!

ابتسم الامير ورحب بنا اجمل ترحيب
وقال : لقد حللتم أهلاً بين أهلكم وظهرانيكم ووطئتم سهلاً من بلاد الاندلس الزاهرة ناحية قرطبة أنتم أحفادنا القادمون من وراء البحار.
واشار الى جمانة وقال ما هذا الجمال يا ست الحسن ؟ كم يطيب لنا ان نكون في استقبالك في قصرنا الزاهر. وأشار اليّ وقال وأنت أهلا بك أيها القادم من بلاد الزيتون والزعتر.

وقال لمن حوله: هولاء ضيوفنا الاعزاء أطربوهم فهم يعشقون غناءنا وشعرنا وفنوننا .. يموتون من شدة الوجد حبا في موشحاتنا .. ثم لا تنسوا أن تقدموا لهم طعام الغداء بعد جلسة الموسيقى .. قدّموا لهم أجمل الطعام والثريد والزعفران والارز والحساء المعطر بماء الورد .. وفي المساء اصطحبوهم الى جنة الرياض ليروا النوافير والازهار التي نبتت حول البركة .. وفي الليل خذوهم الى مجلس الشعر والزجل ليسمعوا شعراءنا ويستمتعوا بقصائدهم.

ثم خرج الامير وعادت النساء الى الغناء والرقص والعزف. كنا نستمع اليهن ونحن نشعر بالسعادة تملأ قلوبنا من شدة جمال وحسن كلماتهن وادائهن. نظرت الى ساعتي .. حان وقت إنصرافي .. شعرت أنني كمن فاق وعاد من الماضي .. كانت فيروز تغني بالذي أسكر من عرف اللمى ... إستأذنت من جمانة وودّعتها وقلت لها يكفي عودي للواقع!! أخذنا نضحك .. تركتها وهي مستغرقة بسماع فيروز تغني .. ضع على صدري يمناك فما أجدر الماء باطفاء اللهب...