كيف كانت الحياة في بيوت فلسطين؟
وكيف كانت تبدو المدن والقرى
الفلسطينية في اواسط القرن التاسع عشر؟
نظرات في كتاب الرحّالة البريطانية ماري اليزا
روجرز
بقلم: ايـاد نصـار
زارت هذه المرأة Mary Eliza Rogers فلسطين في أواسط القرن التاسع عشر وتحديداً في سنة 1855 أي قبل مئة وسبعين عاماً وكان عمرها سبعة وعشرين عاماً. ويبدو أن وجود أخيها الذي كان نائب القنصل البريطاني آنذاك في فلسطين لدى الدولة العثمانية وصار فيما بعد قنصلا في حيفا ودمشق والقاهرة، شجعها على القيام بها حيث جاءت معه من لندن عندما عاد لعمله في المشرق، وقد عاشت في فلسطين أربع سنوات ، تنقلت خلالها في المدن من الشمال الى الجنوب وزارت الكثير من القرى وتعلمت خلالها اللغة العربية ، وكانت تلتقي بحكام ووجهاء وشيوخ وتجار المدن والقرى ، وأحيانا كثيرة تزورهم في بيوتهم وتلتقي بزوجاتهم وأطفالهم فيما يعرف بجناح الحريم، حتى تكون لديها معرفة واسعة بطبيعة الحياة في بيوت الفلسطينيين في المدن والقرى ، كما ذهبت الى مناطق البدو وتعرفت الى أسلوب حياة الرجال والنساء في المجتمع البدوي.
وقد ألفت كتاباً ضخماً قيماً للغاية
بعنوان الحياة في بيوت فلسطين Domestic
Life in Palestine ويتألف من 447 صفحة ونشرته في لندن عام 1865
بعد ست سنوات من عودتها من فلسطين سنة 1859. والحقيقة أن الكتاب مصدر مهم لوصف حال
المدن والقرى في تلك الفترة حيث وصفت الشوارع والطرقات والساحات والاسواق والبازارات
والمباني والبيوت والبساتين والحدائق والبيارات وعيون الماء وغيرها الكثير ، وكانت
دائما تبدي وجهة نظرها فيما تشاهده وتدوّن انطباعاتها. وأشارت انها
تجنبت وصف المباني والمعالم الشهيرة المعروفة في القدس لأن غالبية الرحّالة وصفوها
وكانت معروفة للقراء الاوروبيين ، بينما هي ركزت على أنماط حياة الفلسطينيين سواء
أكانوا مسلمين أم مسيحيين في داخل وخارج بيوتهم وفي مجتمعاتهم المحلية ، ونقلت
صورة بانورامية واسعة عن طبيعة حياة النساء في بيوتهن. وقد نشر الكتاب
عدة مرات منذ ذلك الحين حينما اكتشفت قيمته التاريخية والاجتماعية.
وتحدثت عن بعض
الجوانب الدينية في حياة المسلمين والمسيحيين في تلك الفترة من منظور اجتماعي ، بالاضافة
الى بعض النزاعات والخلافات العائلية وكانت أحيانا تسعى بصحبة أخيها الى التوسط لحل
هذه الخلافات. وروت في الكتاب تفاصيل كثيرة عن مراسيم الوفاة والزواج والاعراس
والولادة وتربية الاطفال وأساليب الطبخ واعداد الطعام والخياطة وطراز الملابس والزينة
وتنجيد الاثاث وغيرها في كل قرية او مدينة
ذهبت اليها من خلال زيارتها واقامتها في بيوت الفلسطينيين. لذلك يعتبر
كتابها شهادة مهمة عن الحياة في فلسطين في القرن التاسع عشر وقد كان يرافقها دائما
ما يشبه الحارس الشخصي هذه الايام وكان يدعى "القواس" ، بل إنها تذكر كلمة "قواس" كلما تحدثت عن مرافقها الشخصي والذي كان يتغير من حين
لاخر حسب الزيارة والمكان.
وأود الاشارة الى أنها وفي مواضع كثيرة جدا من الكتاب تحدثت عن جوانب الحياة الاجتماعية في بيوت فلسطين وعن العلاقات بين الرجل والمرأة وركزت على طبيعة حياة النساء التي كانت تتسم بالانغلاق الشديد والعزلة والخصوصية وعدم الظهور في الاماكن العامة وابتعادها عن كل النشاطات الاجتماعية التي يشارك فيها الرجال او الاعمال التجارية سواء في المدن او القرى. وعرفت عندما وصلت ميناء يافا وهي على ظهر السفينة أن الكوليرا قد انتشرت ، ووُضعت هي وأخوها وكل من كان على ظهر السفينة في الحجر الصحي. وقد لفت انتباهها منذ اليوم الذي نزلت فيه أنه لا تعمل أي امرأة في الميناء أو ضمن الخدم في مرافق الحجر الصحي. وفي المقابل نقلت بعض جوانب اعجابها بالمرأة الفلسطينية من حيث حسن تدبيرها وملابسها وجمالها وطريقة تفكيرها التي لا تخلو أحيانا من التساؤلات البريئة أو الساذجة حول معاني الحياة والدين وغيرها. وأكدت أن النساء العربيات يتشبثن بدرجة كبيرة للغاية بالعادات والتقاليد القديمة ولا يتركنها.
وقالت في
مقدمة كتابها أن النساء الفلسطينيات خاصة أثرن اهتمامها وأنها كونت الكثير من
الحقائق عنهن وربما هذه لم تنشر من قبل أبدا ، أو لربما حتى لم تجمع من قبل.
وأشارت الى أن
عزلة النساء هي بسبب غيرة أزواجهن مما يجعل الامر صعبا للغاية على المسافر العابر
أن يستطيع الدخول الى الفناءات الداخلية للبيوت الشرقية. إن الحديث مع سيدات
الحريم مسألة مستحيلة، كما أن زوار البعثات المقيمين ليسوا بأفضل حالاً من الزوار
الطارئين ، فهم بنظهرن حملة دين عدائي مختلف ويجب اغلاق أبواب الحريم أمامهم. وعن
ظروف العيش في أماكن الحريم فقد رأت ان النساء كن يعشن حياة غير سعيدة ولا شغل لهن
سوى التجسس على بعضهن ، في نقد للبيوت التي كان فيها تعدد للزوجات رغم أنها أكدت أن
تعدد الزوجات نادر في فلسطين. وفي أحد المرات جلست مع زوجات رجل من حيفا، وكانت
الاقرب الى جانبها زوجته التي تدعى حلوة وعمرها ستة عشر عاما فأخذت دفتر اسكتشاتها
ورسمت صورة وجهها، فتعجبت باقي النسوة من ذلك حيث أنها اول مرة يشاهدن أحدا يرسم
صورة وجه لشخص، وأخبرنها أن الدين الاسلامي يحرم التصوير، ولما رأت حلوة صورتها
سألت بغرور طفولي: هل رسمتيني لأنني الاحلى؟!! فردت عليها بقولها أن من عادتها
ان ترسم من يجلس بجانبها.
وذكرت أنها في كل المرات عندما كانت تجلس للاكل مع صاحب البيت الذي يدعوهم للطعام لم تكن
المرأة تجلس الى جانب الرجل على المائدة ، بل تأكل النساء بعد أن ينتهي الرجل من
الاكل ويقوم من مكانه ، باستثناء العائلات التي كانت متأثرة كثيرا بالمجتمع
الاوروبي.
ونقلت عن
مشاهداتها في السوق أو البازار أنه كان هناك الحرير من حلب ودمشق ، والقطن من
مانشيستر ، وأقمشة من القسطنطينية وسويسرا معروضة للبيع، وكان أصحاب المحلات كلهم
من الرجال، ولم تر أية سيدة في السوق، فالرجال والاولاد هم من يتولى التسويق
والبيع.
وفي أحد
حواراتها مع شخص من علية القوم في حيفا واسمه محمد بك ، فقد سألته لماذا تظل
النساء حبيسة جناح الحريم، فقال: "إن النساء غير مناسبات للمجتمع ، ولا يعرفن
كيف يتصرفن بوجود الغرباء ، ولو أعطيناهم الحرية فإنهن لا يعرفن كيف يتصرفن".
وقدم مقارنة أرى أنها تدعو للضحك من سذاجة تفكيره، فقد قال: "إن رؤوسهن
مصنوعة من الخشب. إنهن ليسوا مثلك، عندما تتكلمين لا نعود نتذكر أنك فتاة، بل
نعتقد اننا نستمع الى شخص حكيم". وأضاف "لكي تعيش في هذا العالم لا بد لك من المعرفة
والحكمة. إن زوجاتنا وبناتنا ليس لديهن لا الحكمة ولا المعرفة. أعطهن الحكمة وأنا
سأعطيهن الحرية"! فصمتت. ولكن كانت نظرتها الى الموضوع مختلفة ومتقدمة وخاصة عندما تعبر عن قناعاتها الداخلية فقد كان يبدو واضحا أنها تعتقد أن النساء قادرات على
الكثير ولكن المشكلة تكمن في النظام السائد.
ومن الاشياء الطريفة
التي ذكرتها أن النساء العربيات يخفن من النوم لوحدهن في الظلام ، لهذا ينمن مع
بعض أو يشعلن مصابيح الممرات لكي تبدد حلكة الظلام ، وأنهن كن يتعجبن عند رؤية
ماري روجرز تنام لوحدها في الظلام.
وذكرت أن
النساء العربيات كن يضحكن عندما تخبرهن أنه لا توجد جِمال في انجلترا، ولكن توجد
بضع جِمال في أماكن خاصة للرؤية مثل حديقة، فحاولت أن تشرح لهن عن العربات وعن
خطوط سكة الحديد ولكنها كانت تجد صعوبة تمنعها من ذكر ذلك لهن، فهن لم يشاهدن عربة
واحدة في حياتهن.
إن اللغة التي
كتبت بها ماري روجرز عن فلسطين هي لغة مراقب لديه حب الفضول والمعرفة بروح مرحة لا
تخلو من اضفاء انطباعاتها الصريحة ورأيها عندما يختلف عن الانماط والقيم التي نشأت
عليها. ومن أكثر الاشياء التي يتكرر ذكرها في كتابها هو اعجابها بمستوى الكرم
والضيافة العربية وحسن الاستقبال طيلة مدة إقامتها ، ومستوى حفظ الامن والنظام ، بالاضافة
الى ذكاء الافراد الذين التقت بهم، ولكنها عبرت عن تبرمها أحيانا من انتشار
الخرافات وغياب تعليم المرأة وعزلة النساء الشديدة وعدم مشاركتهن في الامور العامة.
كما أثار اعجابها
ارتجال الناس بعبارات واغانٍ تعبر عن الترحيب بها واعتبارها مثل ابنة لهم لدرجة أن
الناس كانوا يطلقون على اسم عائلتها كلمة نرجس بدلا من روجرز! ولكنها في المقابل
أشارت الى أن عملية السيطرة على الخدم الشرقيين كانت من أصعب الاشياء التي واجهت
النساء الاوروبيات!
وتطرقت بشكل
متكرر في الكتاب الى أكوام القمامة والفوضى وفقر الجوانب الصحية في شوارع المدن ، كما
نقلت صورة سيئة عن الساحات في المباني الاثرية من فترة الحروب الصليبية في القدس حيث
كانت تُجرُّ جثث الحيوانات النافقة وتوضع فيها ، ووصفت شوارع حيفا ويافا انها كانت
ضيقة ومتسخة ومتعبة ، وروت كيف أن عملية تنظيف شارع الباشا بطريقة جديدة قد رحب
بها الاوروبيون وذوي الطبقة الغنية بينما استاء منها الكثيرون من السكان المحليين
الفقراء الذين تنبؤا بأن الاذى والخراب سوف يحل بالمدينة إذا سُمح باستخدام الطرق الجديدة.
واشارت أن العربات ذات العجلات لا تستخدم أبدا في فلسطين لدرجة أنها لم تر فيها
ولو عربة واحدة! وأن حال الطرق مزرية بحيث تصبح معها هذه الوسائل عديمة الفائدة،
وأن الناس تتنقل بواسطة الجمال أو الحمير أو البغال أو الخيول.
كما لاحظت أن
هناك أكوام كبيرة من التراب عند شاطيء البحر، وأصبحت مثل حواجز عريضة ، وكانت تُرمى
عندها بقايا الخضراوات وكل أنواع القمامة. وفي حادثة أخرى روت قصة زيارة مدرسة في
بيت لحم والخروج منها بسرعة كبيرة ، حيث كان الاولاد في المدرسة "غير نظيفين وغير مرتبين ومزعجين" كما كتبت مما اضطرهم للمغادرة بسرعة. وذكرت أنه كان يتم
اهمال الساحات والاراضي المفتوحة التي كانت تتحول الى مكب للنفايات.
ومن الجدير بالذكر أنه تم حجرها
منذ اليوم الاول الذي وصلت فيه الى فلسطين بسبب انتشار مرض الكوليرا ، مما دعاها
للقول أنه انتزعت الروح الرومانسية من رحلتها!! وعندما سمح لها بعد ذلك بالخروج من
الحجر الصحي والتنقل فقد منعت تماما من ملامسة او مصافحة أي كان بشكل صارم الى ان
أعلنت السلطات بعد عدة ايام عن رفع الحجر. ومن الاشياء الطريفة التي ذكرتها خلال
الحجر أنها لم تستطع أن تسلم على أخيها سوى من خلال تبادل الابتسامات من بعيد، كما
أن عملية دفع النقود كانت تتم عبر وضع النقود في كأس من الماء.
يكاد لا يخلو
فصل أو باب من الكتاب من الاشارة الى جمال طبيعة فلسطين وتنوع أشجارها وثمارها وأزهارها وورودها وعذوبة مياه عيونها وينابيعها، ويبدو من إسهابها في وصف الاماكن والبيوت
والحدائق والبساتين والحقول والبيارات وأنوع الاشجار والفواكه وحتى نباتات الزينة وغيرها
مدى تأثرها بجمالها ووفرة خيراتها وظلالها عداك عن مناخها اللطيف المعتدل.
لقد أعجبت
ماري روجرز ببعض جوانب الشخصية العربية وامكانياتها الكامنة التي لو أتيح لها
الانطلاق لغيرت الكثير من الواقع. فقد قالت في الفصول المتأخرة من كتابها بعد أن
اختمرت التجارب واللقاءات وخصوصا مع النساء "يبدو لي ان كل ما نستطيع فعله هو
التعاطف مع النساء المسلمات ، وأن نحاول أن نوقظ فيهن وننمي أقصى المشاعر لديهن عن
طبيعتهن ، وان نجعلهن يفهمن ويشعرن بقدرتهن على التحكم بأنفسهن ورفع مستواهن وأن
نشجعهن على ممارسة ذلك والتفكير بجدية دونما حاجة للكتب وبدون تشويش عقولهن
بالنظريات والاشياء الغامضة". وقد وقالت عن رجل اسمه صالح صيقلي نزلت في بيته
وتعهد بتخصيص وقت كل يوم ليعلمها اللغة العربية: "أصبحت اكثر معرفة بدرجات كبيرة بامكانيات العقل العربي
وخصوبة البلد الرائعة" وتقصد بها أن هناك الكثيرين الذين يمكن أن يكون لهم
مستقبل كبير لأنهم يمتلكون هذه الامكانيات الذهنية التي يمكن أن تقوى وتزدهر لو
أتيح لها ظروف مواتية".
لقد أثار
اعجابها أناقة بيوت الفلسطينيين من الداخل فقد كانت تحتوي على آرائك ومقاعد فخمة،
بل واسترعى انتباهها التصميم الجميل لمفاصل ومقابض وأقفال الابواب كأنما هي أعمال
فنية ايطالية من القرن السادس عشر، واسترعى انتباهها أثواب نساء فلسطين بأناقتها
الشرقية.
ومن
القصص الطريفة المحزنة التي روتها أن رجلا ثريا رب أسرة كبيرة جمع خلال حياته
مبالغ طائلة من النقود ولكنه خبأها في مكان سري ولم يخبر أحدا عنها ولا حتى
ابناءه، ثم مات فجأة خلال إحدى جولاته وهو عائد من طبريا فمات ومات سره معه. وتشير
على هامش هذه الحادثة الى قانون اكتشاف الكنوز في فلسطين الذي يعطي الثلث للمكتشف
وثلث لصاحب الارض التي وجد فيها الكنز بينما يذهب ثلث للحكومة.
ومن أكثر المشاهد ايلاما في حياتها كما ذكرت فقد كانت رؤية المساكين المصابين بالجذام حيث كانت وجوههم مشوهة ويصعب تمييزهم كآدميين أو منتفخة بشكل مخيف، ولكنها استدركت في موضع آخر من كتابها أن الاشخاص ذوي العاهات الخلقية تندر رؤيتهم في فلسطين.
وقد زارت
قرية المالحة الفلسطينية التي تقع جنوب غربي القدس ، وهناك شاهدت نافورة حجرية
صغيرة تسمى عين يالو او ينبوع أيالون. وترد في الكتاب وبشكل متكرر وفي مواضع كثيرة
أوصاف عيون الماء العذبة الصافية والبساتين والبيارات وأشجار الفاكهة من مختلف
الاصناف وشجيرات الورد التي تظل تطالعك في كل فصل من الكتاب حيثما ذهبت في فلسطين.
وهناك احصائية جديرة بالتوقف عندها أوردتها في كتابها عندما زارت حيفا وبعد أن سألت عددا من الناس فقد ذكرت أن عدد سكان حيفا في عام 1854 بلغ 2012 نسمة موزعين كالآتي: المسلمون 1200 نسمة ، أما المسيحيون 780 نسمة ، وأما اليهود 23 شخصا فقط. وقس عليها باقي مدن الساحل الرئيسية. لا بل إنها ذكرت في موضع اخر "لم التق من قبل بيهودي واحد لا في الناصرة ولا في بيت لحم". ومما يؤلم أن هذه الشرذمة القليلة استطاعت بعد أقل من مئة عام من العمل السري المنظم والتحضير والتدريب ومن خلال التحالف مع القوى الغربية وعلى رأسها بريطانيا القوة العظمى آنذاك أن تستولي على البلاد بأكملها وتهجر سكانها الفلسطينيين الاصليين مسلمين ومسيحيين على السواء.
وقد استوقفني
ما كتبته في الفصل الثالث عشر من الكتاب بعنوان من القدس الى حيفا. فقد سافرت في
أحد رحلاتها من القدس الى حيفا مرورا بيافا وبالعديد من القرى بين القدس ويافا إذ نزلت في قرية القباب وفي قرية العنب اللتين تبعدان بضعة كيلومترات عن يالو. ووصفت بالتفصيل المكان والسكان
في قرية العنب التي كانت تدعى "ابو غوش" ووصفت كرم الاستقبال والضيافة
وتناول الطعام والمبيت هناك. وأود أن أقتطف هذه الفقرات بعد
أن غادرت قرية العنب لما يحمله من نقد ودلالات وابداء نظرة ناقدة للشعر العربي في تلك الفترة التي رأت أنه مغرق في التكلف والزخرفة
الشكلية على حساب عفوية الاحاسيس والمشاعر فيه، حيث تطرقت الى جانب مهم يتعلق
بروحية الشعر ومدى صدق التعبير بما ينعكس على تلقائية الشعر ، وتطرقت الى فن الارابيسك والزخرفة والكتابة والخط وقدمت رؤيتها فيما يتعلق بفن
وجماليات الشعر والكتابة في مقابل فن وجماليات لغة الناس العاديين البسيطة وأدوات
حياتهم اليومية. قد يكون النقد حادا ، وقد يثير حفيظة البعض في بعض الجوانب ،
لكنها لم تقتصر في كتابها على النقد والتبرم ووصف الاشياء السلبية ولكنها كانت
واقعية وفي أحيان كثيرة تذكر الكثير من الاشياء الايجابية في الوقت نفسه الذي تذكر
فيه الجوانب التي كانت تزعجها والتي برأيها تعطي صورة سلبية عن الناس والمكان بحكم
نشأتها في بريطانيا وبحكم سنها.
كتبت تقول:
"في الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي انطلقنا مجدداَ، وتغدينا في حديقة
فاكهة في قرية القباب حيث كانت أشجار الكمثرى جيدة ووفيرة، ووصلنا الرملة الساعة
الحادية عشرة، واسترحنا خلال حرارة النهار في شهر آب في البيت الذي زرناه سابقاً،
وقد بُني فيه غرفة جلوس او ديوان جديد، وكانت الجدران البيضاء عليها زخارف آرابيسك
زرقاء اللون عبارة عن أشكال مصنوعة من حروف اللغة العربية. القصص الطويلة كانت
مكتوبة بحروف عربية مزخرفة، مرتبة بطريقة تجسد حيوانات سواء حقيقية أم خيالية.
وكان هناك صورة أسد معمولة بطريقة فنية. وعند الاقتراب منها تبين أنها مجرد صورة
مرسومة بالحبر والدواة ، رغم أنه في الحقيقة كل خط فيها هو عبارة عن جزء من كلمة.
العرب يحبون كثيرا هذه المصنوعات المملة غير الفنية التي تستغرق الكثير من الوقت،
وفي الغالب فإن الشعر العربي الحديث المنشور يستلهم نفس هذه الروح من الاعمال
الفنية البارعة الفارغة، لأن الهدف الرئيسي على ما يبدو هو تأليف أشعار بحيث تبدو
فيها بعض الاسماء أو العبارات متداخلة فيما بينها بطريقة ملفتة للنظر وبعناية
مفرطة لكن بدون أي شعور شعري حقيقي".
"إن الشعر
الحقيقي للبلد لم يكتب. إنه لغة الناس اليومية. وهم كلهم وخاصة البدو والفلاحين
شعراء من غير أن يعوا ذلك. إن احساسهم الفني الطبيعي وحاسة الجمال والتناسق لديهم
تبدو في أدواتهم والتي هي دائما متناسقة ومنسجمة في لونها وليست مزخرفة ولكنها ذات
تصميم حقيقي رفيع المستوى. إنهم يظهرون مهارتهم وذوقهم في الاشكال البسيطة
المناسبة من حياتهم اليومية كالمصابيح والاواني والصحون والمواقد وأدوات الاستعمال
البيتي الاخرى والتي يصنعونها من الطين والفخار ويعرضونها للشمس حتى تجف".
واضح أنها
ترى الشعر الحقيقي في مدى عفويته واقترابه من التعبير عن حاجات ومشاعر الناس
العاديين والتعبير عن أسلوب حياتهم. وينبغي القول وكما هو معروف لدى الكثيرين فإن
الشعر العربي شهد أكثر تراجع في العهد العثماني. ومن يطالع اسماء الشعراء العرب في
تلك الفترة الطويلة التي امتدت قربة أربعة قرون لا يجد من الشعراء المشهورين الا قلة
مثل عبد الغني النابلسي واحمد الكيواني. لم تكن العربية لغة الدولة ولم تحظ كثيرا
بالاهتمام ، فالخلفاء والسلاطين وحكام المناطق والولايات من الاتراك ولهم لغتهم
التي هي اللغة الرسمية ولغة المكاتبات والقوانين، بل ان الكثير الكثير من مفردات
الحياة اليومية التركية دخلت العربية مما يدل أن التأثير الاكبر كان من التركية
للعربية. ويجمع النقاد ان هذا العصر وخاصة في أواخره أي في القرن التاسع عشر كان
عصر ركود كبير للشعر العربي. لم يكن هناك مهرجانات او محافل للشعر العربي ، أو
تشجيع للشعراء أصحاب المواهب كما كان في الماضي ،
بل إن الدولة العثمانية في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ضيقت على
أدباء العربية ومفكريها وكانت نظرتها لهم يشوبها الشك والارتياب في ولائهم ، ونعرف
ما حصل لمفكري العرب قبل بدء الثورة العربية الكبرى في دمشق وبيروت. كما لا ننسى
مدى انتشار الامية وخاصة في القرى في الفترة التي زارت فيها ماري روجرز فلسطين، ولهذا
كان من الطبيعي في هذا الجو الراكد أن يتوجه الاهتمام لزخرفة الحروف والخط وابتداع
الاشكال كجزء من فن الارابيسك.
ولكي تكتمل
الصورة حول طبيعة الحياة بالنسبة للمزارعين الفلسطينيين وأصحاب الاراضي لا بد من التطرق الى نظام الضرائب غير العادل الذي كان يعاني منه الفلسطينيون تحت
الحكم التركي والذي برأي ماري روجز جعل المزارعين لا يحاولون تنمية اراضيهم كما ينبغي كما لو كان هناك تشجيع ودعم من
الحكومة. وفي مناطق واسعة من البلاد فإن الناس لم يكونوا راغبين بالمخاطرة في تحسين
أراضيهم ، أو زراعة أشجار زيتون جديدة أو توسيع بساتينهم أو كرومهم أو تشغيل عمال
كثيرين خشية إثارة رغبة الحاكم التركي في اغتصاب أراضيهم ، وعندما يكون الرجل
غنيا، فإنه يتم اختراع الذرائع سريعا لافقاره، حيث يتم تزييف الديون او تقديم
الاتهامات الباطلة ويوضع في السجن حتى يدفع الدين المزعوم او الغرامة الباهظة. وفي
أحد الامثلة المعروفة فإن حاكم إحدى القرى المسلمة قد تجاوز مقادير الضرائب
المعتادة مما دفع الاهالي الى تقديم شكوى للباشا ، فقام الباشا بعزله وتعيين حاكم
جديد. وسجن الحاكم الظالم، ولكنه سرعان ما عقد ترتيبات معه وأطلق سراحه بعد عدة أيام بعد أن اتفق معه على مقدار الرشوة وحصة كبيرة من الاراضي التي استولى عليها بلا وجه
حق. وذكرت أنها سمعت الكثير من مثل هذه التصرفات ومن أناس تعرفهم جيدا مما أتاح
لها ان تسمع القصة من كلا الطرفين. وقالت ان من عرفتهم من الحكام الاتراك كانوا
يتباهون بقدرتهم على الذكاء والمكر والصرامة، وأضافت أن الحكام الاتراك لم يكن
لديهم أي تعاطف مع العرب.
يحتوي الكتاب
على الكثير من المشاهدات في كل المجالات والمواقف والتجارب الشخصية ، وحري بمن
يريد ان يكوّن صورة أوضح عن طبيعة الحياة في بيوت فلسطين وكيف كانت تبدو المدن
والقرى في تلك الفترة أن يقرأ الكتاب
بلغته الاصلية او مترجماً حيث ترجمه الاستاذ جمال ابو غيدا بلغة دقيقة جميلة مع بعض الشروحات أحيانا في عام 2012. ولا يمكن لهذه المقالة أن تفي الموضوع حقه أبدا ولا يمكن أن تنقل صورة كاملة عن الكتاب وإنما هي
محاولة للتعريف به والقاء الضوء على بعض الجوانب من حياة الفلسطينيين في داخل بيوتهم
وفي مدنهم وقراهم في تلك الفترة من خلال عيون سائحة شابة جاءت من بريطانيا وأتيح
لها المجال للتنقل في طول البلاد وعرضها وأن تكتب مذكراتها ومشاهداتها عما رأته
وسمعته ، وينبغي ان نتذكر أن كل هذه المشاهدات والانطباعات والاستنتاجات والاراء
التي ذكرتها تمت قبل فترة طويلة نسبيا تزيد عن مئة وسبعين عاما.
يرى بعض
القراء والكتّاب أن كتاب ماري روجرز كتب بعقلية استشراقية رومانسية يبدو فيها
الفارق الحضاري والتعليمي هائلا على مستوى المجتمع الفلسطيني مقارنة بالمجتمعات
الاوروبية ، وعلى صعيد المرأة يبدو الفارق صارخا أكثر عند المقارنة بين فتاة شابة
تتمتع بكل هذه الحرية للسفر والتنقل والاختلاط بالرجال وكبار القوم ومناقشة شتى
المواضيع مقابل المرأة الفلسطينية حبيسة البيت المحرومة من حقوق التعليم والسفر
والمشاركة في الحياة العامة ، وحين كانت تعقد المقارنات لم تكن تنفذ عميقا الى
الاسباب الحقيقية لهذا التخلف والفارق الحضاري. ولكنها كانت دائما حذرة حينما تتطرق الى المواضيع الدينية والاجتماعية
، حتى أنها قالت "نادرا ما تكلم أخي مع المسلمين عن دينهم، وقد نبهني الى
توخي الحذر عند القيام بذلك، وعليه فلم أبادر بطرح الموضوع سواء بشكل مباشر او غير
مباشر نهائيا الا عندما اجد نفسي مع رجل شديد الذكاء والحكم على الامور، كنت حينها
فقط اتطرق للموضوع بحذر ، كباحثة عن المعرفة بدلا من الاستاذة او المبشرة".
ولعل هناك
مسألة أخرى يمكن النظر اليها للقاريء المتمعن والمحلل وهي دراسة وتحليل القيم
والمقدمات والبنى الاجتماعية والادارية والثقافية التي قادت للنكبة فيما بعد بعد
تسعين عاماً من زيارتها وخاصة أنها تحدثت في كتابها عن جوانب من حياة اليهود
ومجالات عملهم ونشاطاتهم في تلك الفترة مما يتيح مجالا للمقارنة.
