الجمعة، يوليو 23

الابرياء في الخارج: فلسطين في عيون مارك توين


الابرياء في الخارج: فلسطين في عيون مارك توين
نظرة استشراقية طافحة بالسذاجة والسخرية والكراهية
بقلم: اياد نصار

هذا كتاب قديم في أدب الرحلات ، ولكنه خطير بمحتواه وأحكامه ، التي تكتنفها السذاجة والمبالغات الانفعالية والسخرية المقيتة والكراهية من كاتب مشهور ، عرف عنه التحول في مواقفه وتوجهاته من تأييد الإمبريالية إلى معاداتها ، ومن النقد الديني إلى النزعة المحافظة المدفوعة بتأثير ديني. وللدلالة على خطورة الكتاب ، يكفي أن نعلم أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ، كما ذكرت صحيفة هآرتس ، حمل معه فقرتين من الكتاب ، في عام 2009 ، إلى واشنطن ، لتقديمهما إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما ، عل اعتبارهما دليلاً دامغاً ، ومن كاتب أمريكي مشهور ، له وزن كبير في تاريخ الأدب الأميركي ، وينتمي إلى مرحلة تاريخية تسبق الصراع العربي ـ الإسرائيلي ، ونشوء القضية الفلسطينية ، ما يشي بموضوعيته ، حيث لم يكن النزاع قائماً ، آنذاك ، لإقناعه ، كما يزعم ، بزيف الحق الفلسطيني وتهافت الاتهامات التاريخية لليهود باغتصاب فلسطين وتهجير الفلسطينيين ، على اعتبار أن فلسطين كانت مهجورة ، كما تردد الحركة الصهيونية ، قبل وصول المهاجرين اليهود الذين أقاموا المستعمرات الزراعية الاستيطانية.



قام الأديب الأميركي المشهور مارك توين 1835-1910 ، واسمه الحقيقي صامويل لانجهورن كليمنس ، برحلة إلى الأراضي المقدسة مع مجموعة من الحجاج الأميركيين (حوالى أربعين شخصاً) ، في عام 1867 ، مروراً بمدن شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، كطنجة في المغرب ، ومرسيليا في فرنسا ، ومنها ـ براً ـ إلى باريس ، وجنوة والبندقية وفلورنسا وروما ، ثم ـ جنوباً ـ إلى صقلية في إيطاليا ، وأثينا والقسطنطينية (إسطنبول) ، مروراً بمضيق البوسفور ، حتى وصل مدينة أوديسا ، على البحر الأسود ، في روسيا ، آنذاك ، ثم ـ عودةً ـ إلى مدينة سميرنا (أزمير) في تركيا ، ومنها إلى سوريا ولبنان ، حيث زار دمشق وبيروت وبعلبك ، حتى وصل فلسطين. وقد دأب مارك توين على إرسال مشاهداته في هيئة مقالات أسبوعية لزاوية في صحيفة ألتا كاليفورنيا. وعندما عاد إلى الولايات المتحدة نشر مقالاته في كتاب سماه "الأبرياء في الخارج" The Innocents Abroad ، وأصبح من أكثر كتبه انتشارا ، رغم شهرته روائياً وقاصاً ، خاصة بعد روايته "مغامرات توم سوير" ، التي يروي فيها مغامرات طالب مدرسة ذكي ومتمرد على القيم الاجتماعية المحافظة ، ومغامرات زميله المتشرد ، واسمه هاكلبري فًن. وفي ما بعد ، عاد مارك توين وكتب رواية "مغامرات هاكلبري فن" ، التي جعل هاكْ بطلها عندما صار رجلاً ، فكانت رواية كبرى في تاريخ الأدب الأميركي المعاصر في نقد واقع الحياة في المجتمع الأميركي المحافظ ، بسخرية ، وطرح مشكلات العبيد ومعاناتهم ، والمعاملة المهينة التي كانوا يلاقونها ، ونقد النفاق الاجتماعي.


قام مارك توين بعد عودته بعدة من جولات في عدد من المدن الأميركية ، وألقى محاضرات حول مشاهداته ، وكان مجرد الإعلان عن أنها حول زيارته ، إلى الأراضي المقدسة ، سبباً للحضور الكثيف للجمهور ، ولانتشار واسع للكتاب. وفي إحدى المحاضرات التي ألقاها ، وكانت بعنوان "مخرب أمريكي في الخارج" ، انتقد تلك الطبقة من الأميركيين البسطاء ، الذين يسارعون إلى زيارة المعالم الرئيسة في المدن ، ويجمعون بقايا من حجارتها ، فقال متهكماً: "ما تم جمعه من حجارة من بيت كولومبس في إيطاليا يكفي لبناء بيت من أربع عشرة ألف قدم"، ولكن المدن الحقيقية ، كما يقول ، لم تعد كذلك ، فهم إنما يحملون معهم أساطير الماضي ، وليس الواقع الحالي.


وسجل توين ، في الكتاب ، مشاهداته خلال الرحلة ، بلغة ساخرة جارحة ، أحياناً ، وضمنه القليل من جوانب الإعجاب ، والكثير من النقد لنمط الحياة والثقافة والتقاليد والفن في المدن التي زارها ، وعقد المقارنات بينها وبين نمط الحياة والثقافة في الولايات المتحدة ، بما يعكس ثقافته ونمط حياته في مواجهة أنماط لم يعتد عليها من قبل ، وشكلت تجربة جديدة غير مألوفة بالنسبة له.


يحتوي الكتاب ، الذي يجمع ما بين السيرة الذاتية والسرد الروائي ، على كثير من المقارنات التي تنطوي على تصورات وقناعات متناقضة بين تجارب مارك توين ومشاهداته الأماكن المشهورة ، وما كتبه آخرون عنها والرد عليهم. وقد امتاز بأسلوبه المعروف في السخرية المضحكة والنقد المر والإسهاب ، مع الاقتباس من الكتاب المقدس ، وخاصة في الجزء المتعلق بفلسطين ، التي زار جانباً من مدنها وقراها وسهولها وجبالها ووديانها وكنائسها وأديرتها ، حتى غادرها إلى الإسكندرية ، عائداً إلى الولايات المتحدة.


وكما هو مألوف في النقد الأدبي في تفسير معاني الرحلة في الأدب الروائي ، فإن الرحلة تصبح رمزاً يشير إلى رحلة اكتشاف الذات والآخرين ، وتجربة خوض الحياة ، بعيداً عن رتابتها واعتياديتها في الوطن ، واتساع الأفق نتيجة المؤثرات الجديدة ، وتكوين خبرات مغايرة خلالها ، حتى تصبح الرحلة بمعنى الولادة الفكرية للمؤلف ، والسفر في أعماقه لاكتشاف الذات وأوهامها السابقة. إلاّ أن الكتاب لا يعكس تطوراً فكرياً كبيراً ملحوظاً طرأ على أفكار مارك توين نتيجة الرحلة ، بل بقي ينطلق من سذاجة الصدمة أمام كل ما هو مختلف في المدن التي مر بها ، ومن كثير من الكراهية والاستغراب من ممارسات السكان المحليين ، وعدم تفهم أسبابها ودوافعها أو إدراك التباين في التطور الصناعي والحضري بينها ، واستمر في استخدام اللغة الجافة الجزافية التي تعمم الأحكام.


يظهر توين ، كما قال أحد النقاد ، بمظهر الأبله البريء ، خاصة في عدم تقديره منجزات الحضارات السابقة ، أو أعمال الفنانين العظام ، مثل مايكل أنجلو ، التي لم يبد تجاهها أي تقدير. بل إنه عاد باكتشاف جديد ، يقوم على أن الكثير من الرحالة الأميركيين لا يقولون الحقيقة عما يجري في الخارج ، ويجمّلون الصورة ، وينقلون إلى القارئ الأميركي ما يرضي تشوقه ، وليس ما هو واقع فعلاً. كما عكست أفكار توين بعضاً من التصورات التي كانت شائعة في الغرب عن الأراضي المقدسة ، والتي اشار إليها المؤلف في معرض حديثه عن بعض كتب الرحالة ، سواء اتفق معها أو اختلف ، ولكن مجمل الصورة التي قدمها عن بلاد الشام عامةً ، وفلسطين خاصةً ، كانت بالغة السوء. وفي أحيان كثيرة يتحول السرد إلى السخرية من سكان المدن والقرى التي زارها ، والذي يستحوذ على جانب كبير من الكتاب. كما يلجأ كثيراً إلى اسلوب المبالغات في إظهار ضيقه بما يشاهده ، فتجده يصف فلسطين بأنها المكان الأكثر وحشة وعزلة وبشاعة.


لا بد من الإشارة إلى أن مارك توين قام بالرحلة عقب انتهاء الحرب الأهلية الأميركية 1861-1865 بسنتين ، وكان ، آنذاك ، في الثانية والثلاثين من عمره. ولا شك أن أجواء الحرب ، والقلق على مستقبل الوطن والتمسك به وبقيمته ومنجزاته وتاريخه ، مقارنة بغيره ، والدفاع عنه أمام نهضة البلدان الأوروبية الأخرى ، وهدوء الحياة فيها أثرت فيه ، علاوة على انطباعات الشباب ، التي غالباً ما تميل إلى ردة الفعل الانفعالية المتطرفة.


تتحدث الفصول ، من السادس والأربعين إلى السادس والخمسين ، عن ذلك الجزء من رحلته ، الذي شمل فلسطين ، منذ لحظة دخولها ، من عند منبع نهر الأردن في دان وبانياس ، ومن ثم منطقة باشان ، التي تضم الجولان والعرقوب جنوب سوريا ولبنان ، عند التقائهما بفلسطين.


ولم يكن ما قاله من نقد تهكمي مرير يقتصر على فلسطين وحدها ، فسوريا التي وصلها من قبل ، وصف قراها بطريقة تنم عن التعصب والكراهية والاستعلائية. وحتى لو سلمنا أن بعض المشاهد حقيقة ، فإنه لم يحاول التعرف على أسباب هذه الحالة البائسة ، التي كان يعانيها السكان العرب في ظل حكم الدولة العثمانية المريضة المنهكة بالحروب والبيروقراطية والسلطة الهرمية المتخلفة ، والتي أدت إلى إفقار السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتها ، وتخلفهم. قال ، في وصف حياة قرية سورية: "ترى ، فجأة ، طفلاً عارياً يمد يده للاستجداء ويقول بغشيش. إنه لا يتوقع سنتاً واحداً ، ولكنه تعلّم أن يشحد قبل أن يتعلم أن يقول أمي ، ولا يستطيع ترك ذلك ، الآن... القرية السورية أكثر منظرْ مؤذْ في العالم".


يمعن توين في الوصف بطريقة تنم عن التعالي والازدراء. "جلس ، هذا الصباح ، خلال الإفطار ، التجمع المعتاد للبشر القذرين ، وانتظروا أن تلقي إليهم الفتات ، نظراً لبؤسهم. لقد ذكروني بالكثير من الهنود الحمر. جلسوا في صمت وصبر لا يكل ، يراقبون حركاتنا بتلك الوقاحة المقيتة ، التي هي ، فعلاً ، من صفات الهنود ، والتي تجعل الرجل الأبيض عصبياً وهمجياً يود إبادة القبيلة بكاملها". ويضيف: "لهولاء البشر صفات أخرى. فالحشرات تأكلهم ، والأوساخ قد غطت أجسادهم تماماً. والأطفال في حال يرثى لها. فعيونهم ، جميعاً ، ملتهبة". ويعلق بكلمات تفوح منها العنصرية قائلاً: "هل تتخيلون أن أما أميركية يمكن أن تجلس ، مدة ساعة ، وطفلها في يديها ، وتدع المئات من البعوض تدور ، حول عينيه ، كل هذا الوقت ولا تفعل شيئاً؟"


ورغم أنه يروي في كتابه تفاصيل رحلة الحج إلى الأراضي المقدسة ، إلا أنه يتطرق ، بين حين وآخر ، إلى الكثير من حوادث التاريخ ، ومرجعيته ـ في ذلك ـ هي نصوص الكتاب المقدس ، خاصة العهد القديم. كما يتطرق إلى بعض الأحداث والمعارك المهمة التي جرت في فلسطين خلال الحروب الصليبية ، تحت جزء يسميه "أسطورة". حيث يقول إنه اجتاح أوروبا الاقطاعية ، آنذاك ، هوس ديني ، يتعلق برغبة كل قادة أوروبا في السيطرة على كنيسة القيامة ، وخوض حروب دينية من أجلها.


يتحدث مارك توين عن مشكلة المواصلات والتنقل ، التي شكلت مبعث قلق بالنسبة له عندما علم أنه لا توجد ، في فلسطين ، خدمة نقل الركاب المسافرين ، وأن من الصعوبة الحصول على مترجمين فوريين ، أو الحصول على دواب للمرافقين. "في القسطنطينية أبرق الجميع إلى القناصل الأميركيين في الإسكندرية وبيروت لإخبارهم أننا سنكون في حاجة إلى مترجمين ووسائل نقل. لقد كنا فاقدي الأمل ، وكنا سنأخذ خيولاً ، أو حميراً ، أو جمالاً أو كناغر ، أو أي شيء".


ينم حديث مارك توين عن نوع من خيبة الأمل ، التي أحس بها ، هو والحجاج الذين معه ، نتيجة تصوراتهم الخاطئة التي حملوها معهم قبل الزيارة ، فلم يشعروا بابتهاج أنهم اقتربوا من دخول الأرض التي قطعوا كل هذه المسافات لزيارتها. كتب ، يقول عن رفاقه: "كانوا على مبعدة ساعة واحدة من حدود الأرض المقدسة ، غير أنهم بالكاد بدؤوا يقدرون أنهم يقفون على الأرض التي طالما قرؤوا عنها ، وبدأت الأسماء التاريخية تنفض عنها الغبار". وفي رأي مارك توين فإن دان هو حد فلسطين من الشمال ، وبئر السبع حدها في الجنوب ، ويقول: "إن هذا هو ما يدل عليه القول المعروف: من دان إلى بئر السبع. وهذا شبيه بقولنا: من ماين إلى تكساس "أي من الشمال إلى الجنوب" ، ومن بالتيمور إلى سان فرانسيسكو ، "أي من الشرق إلى الغرب". وذكر أنه لو تم تقسيم ولاية ميسوري فإنها تساوي ثلاث فلسطينات.


شعر توين بالذهول أمام مساحة فلسطين الصغيرة مقارنة بالولايات المتحدة ، ولكن الذي أثار دهشته وعكس سذاجة تفكيره واحتكامه إلى معايير ثقافته التي تحكم على الآخرين والعالم من خلالها ، هو أن لفلسطين هذا التاريخ العريق ، برغم مساحتها الصغيرة. "لقد كانت أفكاري جامحة كثيراً. لقد ارتبطت الكلمة فلسطين ، في ذهني ، على الدوام ، بصورة غامضة لبلد كبير بحجم الولايات المتحدة. لا أعرف لماذا ، ولكن هكذا بدا لي الأمر. وأغلب الظن أن سبب ذلك كان ، باعتقادي ، أنني لم أتخيل أن بلداً صغيراً يمكن أن يكون له مثل هذا التاريخ العريق". غير أنه يستدرك ، فوراً ، لينقلب إلى التهكم الساخر: "لم تتغير فلسطين ، منذ تلك الأيام ، لا في أخلاقها ولا عاداتها ولا عمارتها أو شعبها".


ومن المقارنات الغريبة التي يوردها قوله: "إن الرجال العرب حسنو المظهر ، ولكن النساء العربيات لسن كذلك، نحن كلنا نؤمن بأن مريم العذراء كانت جميلة ، ومن غير الطبيعي أن نفكر في غير ذلك. ولكن هل يفترض ذلك فينا أن نسير على المنهج نفسه ، ونعد نساء الناصرة الحاليات جميلات؟"


ترد كلمة بغشيش ، بلفظتها ، في الكتاب ، للإشارة إلى أشياء لم يكن من الممكن تحقيقها من دون إعطاء مبلغ من المال نظير الحصول عليها ، وإنه لم يكن سوى البغشيش من سبيل لذلك. ويستخدم الكلمة كثيراً عند حديثه دائماً عن العرب الذين يمر بهم في سوريا وفلسطين ، وإنه لا همّ لديهم سوى استجداء المال من الزوار.


وفي صورة تدعو إلى الضحك من سذاجته ، فقد تفاجأ عندما رأى أن السلطان العثماني رجل عادي في حجمه. يقول: "إن الملوك هنا غير أولئك في أوروبا وروسيا وإنجلترا. هنا تفقد العبارة كل أولئك الملوك عظمتها". ويشبه الملوك ، هنا ، برؤساء قبائل الهنود الحمر المتوحشين ، كما يصفهم ، الذين يعيشون على مرأى من بعض ، والذين يعدون ممالكهم كبيرة إذا بلغت خمسة أميال مربعة، ولهذا اعترف بأنه لا بد أن يحجم تصوراته عن فلسطين لتكون واقعية أكثر. "يكون المرء انطباعات ضخمة في اليفوع ، والتي يبقى يكافح من أجلها طيلة حياته". غير أنه لم يتمكن من أن يتخلص منها ، حتى بعد عودته.


وحول تجربته مع الأديرة الكاثوليكية في فلسطين ، والتي هزت قناعاته التي نشأ عليها ، فقد كتب: "لقد نشأت على كره أي شيء كاثوليكي ، وأحياناً ، ونتيجة لذلك ، فقد وجدت أنه من الأسهل أن تكتشف الأخطاء الكاثوليكية أكثر من الفضائل". ويقول: "لكن هناك شيئاً واحداً لا أود نسيانه أو التغاضي عنه ، وهو العرفان بالجميل الذي ندين به ، أنا وكل الحجاج ، إلى آباء الكنيسة في فلسطين ، فأبوابهم دائماً مفتوحة ، وهناك ، دائماً ، ترحيب بمن يدخل... ومن دون هذه الملاجئ المضيافة فإن السفر في فلسطين متعة لا يجرؤ أقوى الرجال على القيام بها.


ولم تنج كنيسة المهد ، في بيت لحم ، من نقده المتعسف ، حيث ذكر أن "طراز بناء مغارة الميلاد كان يفتقد الذوق ، وتلك هي السمة البارزة في كل الأماكن المقدسة في فلسطين". ولم ينج ، كذلك رعاة الكنيسة ، من نقده: "ومثلما هو الحال في كنيسة القيامة ، فإن الكهنة في كنيسة المهد كانوا يعبرون عن الشعور بالحسد ويفتقدون لمسة الإحسان". وقال ، مصوراً الجو العام على نحو يفيض بالشكوى ، ويبتعد بالمكان عن الروح الإيمانية التأملية: "لا يمكن أن تستطيع أن تفكر ، هنا ، على نحو يثير فيك الإلهام والتأمل مثل أي مكان آخر في فلسطين ، فالشحادون والمقعدون والرهبان يحوطونك ، ولا يجعلونك تفكر سوى في البغشيش". ولهذا لا يخفي سعادته الكبيرة بمغادرة بيت لحم إلى القدس ، بعد أن زار قبر راحيل ، وابتعد عمن وصفهم بـ"جيوش الشحادين وباعة القطع الأثرية".


لم تكن هذه المرة الأولى التي يلجأ مارك توين فيها إلى السخرية من العرب ، فقد ذكر في روايته "هاكلبري فن" ، التي كتبها بعد سنوات عدة من الرحلة ، أنه تم طلاء العبد الأسود الهارب عبر نهر المسيسبي باللون الأزرق ، وتصويره مهرجاً في السيرك كي يتمكن من الهرب ، وقد وضع عليه لوحة تقول "العربي المريض" ، وإلى جانبها كتب يقول: "ليس مؤذياً عندما لا يفقد عقله".


وما يلفت الانتباه هو ميل مارك توين إلى التشكيك ، دائماً ، في ما كتبه الرحالة الآخرون ، وتسفيه قناعاتهم ، واستغرابه منها بناء على تجربته هو. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الدافع لكذبهم جميعاً؟ وما الذي حصل لمارك توين حتى فرح بمغادرة فلسطين غير آسف أو متحسر على مغادرتها ، برغم كل ما فعله وتحمله للوصول إليها؟ "ربما تقتضيني الحكمة الشائعة أن أصطنع كذبة لطيفة وأقول إنني تركت فلسطين عن غير رغبة مني. إنهم يتظاهرون بقولها. ولذا أشك في كلام كل من يقول ذلك. وأقسم إنني لم أسمع أياً من حجاجنا الأربعين يقول شيئاً من هذا القبيل". تفيض الكراهية من كلماته بطريقة فجة ، حتى في لحظة وداعه الأض المقدسة ، في قوله: "فلسطين مقفرة وغير جميلة. ولماذا تكون غير ذلك؟ هل يمكن للعنة الرب أن تجمّل أرضاً؟".


وأنا أعتقد أن الحالة النفسية لمارك توين ، بسبب البعد عن الوطن ، خاصة أنه قضى سنتين بعيداً عن نمط الحياة والثقافة التي تعودهما ، يضاف إلى ذلك حالة الفقر والتخلف التي كانت سائدة في المنطقة تحت الحكم العثماني ، والمفارقة الشديدة بين حال مدنها وقراها ، وحال المدن الأوروبية التي زارها ، لعبت ، كلها ، دوراً في شعوره بالصدمة استناداً إلى تصوراته غير المنطقية ، التي حملها معه ، ما جعله يلجأ إلى اللغة التهكمية ، كقوله: "من بين كل البلدان التي تمتاز بالمشاهد الكئيبة الفظيعة ، فإن فلسطين هي رائدتها، تلالها مقفرة ، وخاملة الألوان ، وبلا ملامح جميلة الشكل. وديانها صحاري يرثى لحالها المزرية ، والبحر الميت وبحيرة طبرية يقعان في منتصف أرض ممتدة وواسعة من التلال والسهول ، حيث لا تقع العين على أي منظر حسن. كل تضاريسها قاسية خشنة ، إنها أرض كئيبة ، بلا أمل ، ينفطر لها القلب".


إن وصف فلسطين ، على اعتبارها أرضاً يباباً ، بهذه الطريقة ، لا يمكن أن يكون صحيحاً أبداً ، خاصة في ظل ازدياد رحلات الحج إلى الأراضي المقدسة في عصره ، والتي كان مارك توين نفسه أحد حجاجها.


بعد كل هذا ، لا عجب أن وجدت الحركة الصهيونية في الكتاب كنزاً توظفه لإظهار أن فلسطين كانت مهجورة من السكان ، وأن من عاشوا فيها ليس سوى مجموعات متناثرة من الفقراء البؤساء ، الذين تركوها خراباً آلاف السنين. ولهذا احتفى اليهود بالكتاب كثيراً ، لاسناد دعاويهم في أن بريطانيا "منحت أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض".


يحتاج دحض المزاعم في الكتاب إلى الكثير من الجهد والبحث التاريخي ، وتقديم الأدلة التي تفند الادعاءات الصهيونية. ويكفي ، في عجالة ، أن نقول إن الفترة ما بين زيارة مارك توين فلسطينَ في عام 1867 ، وقيام أول مؤتمر وطني فلسطيني في سنة 1919 ، ضد اليهود وسلطات الانتداب البريطاني ، في إشارة إلى بروز وعي واسع بخطورة الهجرة اليهودية ، وسلب الأراضي.. هذه الفترة تبلغ حوالى خمسين عاماً. فهل تحولت فلسطين ، فجأة ، من بلاد مقفرة من السكان إلى بلاد تمور بالحراك وبالثورات التي تعبر عن استشعار الخطورة ورفض المخططات للاستيلاء على فلسطين؟ كما أنه من المعروف أن فلسطين تشتهر بكثرة القرى والبلدات والتجمعات الزراعية ، من شمالها إلى جنوبها ، بشكل كبير جداً ، حتى لا تجد شبراً إلا وهناك قرية فلسطينية وبإسمها العربي. ومن ينظر إلى خارطة فلسطين يدهشه هذا الكم الهائل من مواقع القرى التي ، لو رمينا إبرة ـ عشوائياً ـ على الخارطة ، لوقعت ـ في كل مرة ـ في موقع قرية فلسطينية. إن حجم القرى الفلسطينية والبيوت التي استولى عليها اليهود ، على إثر نكبة عام 1948 ، يدل على كثرتها الهائلة ، وعلى مدى الكثافة السكانية فيها ، والدليل على ذلك أن عدد الفلسطينيين قبل النكبة بلغ مليوناً ونصف المليون نسمة.


إن معظم شعب فلسطين ، قبل النكبة ، كان من الفلاحين المرتبطين بالأرض والزراعة ، وبيوت الحجر والبيارات والبيادر ، وليسوا متنقلين أو طارئين على المكان. والمفارقة أن اليهود ، وبرغم هجراتهم الهائلة بالألوف ، التي سهلها الانتداب البريطاني ، خاصة من أوروبا ، وشجعتها الحركة الصهيونية ، وقدمت لها المال ، لم يبلغوا حجم سكان البلاد الأصليين وقت النكبة. كما لا يذكر التاريخ أن هذا العدد الضخم من الفلسطينيين قدم إليها مهاجراً من دول أخرى ، كما فعل اليهود. فمن أين ، إذن ، جاء الفلسطينيون لولا أنهم عاشوا على أرضها عبر التاريخ؟ إن الأبرياء الذين اغتصبت أراضيهم ، فعلاً ، في الخارج.

* بورتريه مارك توين بريشة جيمس بكويث
* نشرت المقالة في ملحق جريدة الدستور الثقافي ليوم الجمعة 23/7/2010 .

رابط المقالة

رابط الصفحة الكاملة pdf





الأحد، يوليو 4

ثقوب سوداء



قصة قصيرة
ثـقـوب ســـوداء


إياد نصار

منذ الصباح وأنا أتخيل شكل لقائي بها الليلة في رأس السنة. أفكر ماذا سنقول من أمنيات وأشعار. شعرت قلَقاً يدب في أعماقي. كيف سنودع العام ونستقبل آخر كعاشقين يبحثان عن دفء في حروف باردة؟ مرّ اليوم طويلاً والمطر ينهمر خفيفاً بين حين وآخر. غيوم سوداء تتلبد في الجو وبرودة تتسرب من النافذة. في خضمّ لحظة شرود تأملية أصابتني أول المساء ، كما يحدث عادة عندما أخلع عني التعب في الأريكة الوثيرة. رنّ الهاتف. قالت ، والحزن بادْ في نبراتها: "قرأتك على الطائرة ، ونظرت من النافذة ، فلم أر سوى كثبان الرمال الجرداء" ، ثم صمتتْ. تخيّلتُ في تلك اللحظة أنها أشاحت بوجهها وقد علته ملامحُ عتابْ ممزوجة بالغضب. أعرف "لبنى" عندما تكون غاضبة من شيء ما. أدركت سبب حزنها من غير أن تبوح به. صرت خبيراً في فهم فلسفتها. حاولت أن أوضح لها الأمر ، ولكن النغمة المتقطعة دوّت فجأة ، وغاب صوتها في الفراغ ، فتلعثم صوتي ومات على شفتي.


أمس ، حينما التقيت بالشلة ، ردّد جمال وجهاد وهدى وفاتن الأمر ذاته بعتب واضح يفيض من الكلمات. ولكن غضب لبنى فاجأني: فلم أكن أتوقعه. جلست أنتظرها في الليل ساعاتْ طويلةً ، علّها تعود. بادرني النعاس بالهجوم على حين غفلة. أصابتني هزة ، وشعرت كأنني أسقط عن الكرسي. نظرت إلى شاشتي ، فأحسست أنّ النوم قد سرقني للحظاتْ ، قبل أن يعيدني إليها. وأخيراً لمع اسمها في زاوية الشاشة ، والساعة تشارف الثانية عشرة والنصف بعيد منتصف الليل. فتحت عيني وفركتهما كمريض يصحو من إغماءة. يبدو أنني استيقظت من الوسن على صوت إطلاق الألعاب النارية ، التي كانت ما تزال تبدد سكون الليل ، ورأيت قطراتً المطر تسحّ على زجاج النافذة. اقتحمتُ خصوصيتها:
ـ عمتً صباحاً يا سيدتي.
ـ "صباحُك فاكهة للأغاني" الحزينة. ماذا تفعل؟
ـ أجملُ أغانينا دوماً حزينة. أتجول في حقول ألغام الكلمات.
ـ ستنفجر الكلمات عيوناً مالحةً في واحاتي اليابسة.
ـ أما زلتً غاضبةً؟
ـ بل مقهورة. تخامرني شكوك أكبر من شك ديكارت.
ـ لنتفائل فليس سواه من دواء للقلوب المتعبة.


لم تردْ. بقيتُ أنتظر ملولاً. لكنها توقفت عن الكتابة. طال انتظاري. تشاغلت أسمع أغنيتها التي تحبها.. "بيقولوا الوقت بيقتل الحب..".. بقيت أسمع وأنتظر. وفجأة ، عاد المطر ينهمر على زجاج النافذة. لمعت حروفها مرة أخرى:
ـ لقد راح زمن المعجزات.. ولم يبق فارس لهذا الزمان،
ـ شككتُ في اعتقادي قدومَكً. انتظرتًك ورصدتُ احتمالاتْ بائسة،
قالت: أحاول ألا أخذلك وأنت تنعم في تجاهلي. فماذا عساي أقول؟
ـ ......هل ينفع صمتي رداً؟
ـ ليلى محظوظة.. تذكرها وتنساني. أنسيتَ كل أحاديثنا ولقاءاتنا؟ ألم أستحق منك اشارة في مقالك؟ وسعد ، هل صار أقرب إليك مني؟
ـ لم تكن ليلى سوى مثال فقط.
ـ ولماذا لم أكن أنا ذلك المثال؟ هاشم ، هل هناك أحد أقرب مني اليك؟
ـ أنت قريبة وهم بعيدون. لم يكونوا سوى أمثلة من زوايا العالم المختلفة لأقول كم غيرت الإنترنت من حياتنا وأعادت صياغتها.
ـ لا يزول الحزن ، بسهولة ، مثلما يأتي.

صمت كلانا فترة وأنا أفكر في حزنها الغامض حين بادرتني فجأة: ما جديدُكَ؟
ـ كلماتّ كالسراب لا تتقن سوى التلميح وتفجير النهايات.
ـ سلاحك الذري الذي تشهره في وجهي فأرحل إلى عالم الغياب والنسيان.
ـ تؤلمني كلماتُكً ، ولكن تنتظرك حروفي كل مساء. لم أسمع أحداً يحلل شخصياتي مثلك. لربما تنتظرك هي الأخرى بشغف لترى نفسها في مرآتك.
ـ هل رصدتَ فرحاً في ليلة وداع العام؟
ـ ليس سوى ثقوب سوداء على أعتاب عارْ جديد،
ـ واحزناه.. كل عارْ ونحن بخير.


ساد صمت.. فعدت إلى الانتظار الملول ، وفيروز تغني: "بديت القصة تحت الشتي بأول شتي..." لم يطل انتظاري. عادت إلى فلسفة الحياة من جديد. أعطتها الحياة كل قواميس الدنيا لتصنع من أفكارها لوحاتْ وتماثيلَ غامضةً حزينة كأنها خارجة من تحت ركام الحرب. كتبتْ:
ـ المجهول أكبر من أن ندركه. شعور يتربص خلف اليقين الزائف والإيمان الخائف.
ـ لبنى ، أحس كأني بقايا إنسان. آن لي أن أحطم جدار العزلة ولكني أضعت مفتاح بابي،
ـ إلى متى سأنتظرَكَ خارج سجن كلماتك لنحتفل ، وأنت لا تفكر سوى في ليلى.
ـ لا بد من الاحتفال معاً وشرب الأنخاب.
ـ أنخابي توقظ عقلي فأشقى بقدومًكَ أكثر وأنثاي عاقر،
ـ بل فاتنة في براري الليل،
ـ هل ضللتُ طريقي أمام وحي كلماتكَ؟
ـ لبنى ، الكلمة زورق لعبور درب الحياة. وكيف تضل طريقها من كانت مثلكً تعشق الوطن؟
ـ ضاع مني الوطن فصرت مثل بحارْ تائه بلا قرار.
ـ وطنكً هو إبداعُكً.. هو الوطن الذي تعيشين به ، أما الذي تعيشين فيه فهو منفى.
ـ وإن كان بعيداً عنا هاشم؟ أيكون شقاءً مزمنا؟
ـ تذكرت أبي الذي مات وعينه على الوطن. بكيت حزناً كما بكيت عندما كنت طفلاً في ليل حكاية أمي عن الغول.


أحسست أنها كانت شاردة الذهن ، لكنها قطعت أفكاري بملاحظتها: ذكرتَ الأنثى غير مرة الليلة. كان واضحاً أن الغيرة والشكوك تمور بداخلها. احترت ماذا أكتب لها ، وأخيراً تجاسرت:
ـ لا بد للشاعر أو الرسام أو الصعلوك من إمرأة في حياته.. الابداع دون أنثى لا يكتمل.
ـ لي من العشق آياتّ ، ولكن فارسي لا يأتي. آياتي صارت أكثر مرارة من شيطان مجروح،


أحببت أن أبعد الحوار عن جو الملام ، فقلت مستدركاً:
ـ لم تخبريني عن رحلتكً. كيف كانت؟
فقالت: الآن تذكرت لتسألني؟ لا بأس. رأيت اسمكَ ، فجأة ، فوق السطور في الجريدة ، وأنا أخفي خوفي وتوتري وراء صفحاتها فوق الغيم. تهللت أساريري وسال الفرح في واحات روحي. شعرت أنكَ ظهرتَ لتنقذني من خوفي كلما اهتزت الطائرة. سكنت نفسي قليلاً من توترها ، وأنا كريشةْ في مهب الريح في أعالي السماء. لم أكن ساعتها وحيدة. عشت مع حروفكَ.. كنت سعيدة حتى وقعت عيني على اسمها. لما رأيته مات الإحساس فجأة في صدري. سقطتُ من علْ في الهاوية. وصار قلبي كجذع شجرة يابسة. رأيت الدنيا من حولي جرداء.


ساد صمت بيننا.. لم أعرف ماذا أكتب لها.. وهي بقيت ساكتة. انتبهت إلى الصوت الذي كان يتردد في بهاء.. "وخلصت القصة بتاني شتي.." شعرت أن لقاءنا في ليلة رأس السنة قد مات قبل أوانه. انطفأ وهج شاشتها وانقطع الاتصال. أحسست بغصة مريرة. نظرت إلى زجاج النافذة ، كان المطر قد توقف. مر عام الآن ولم أرها منذ تلك الليلة. يبدو أنها رحلت مع السنة ذاتها.

* اللوحة أعلاه بعنوان ثقب اسود للفنانة الامريكية سيسيل هيرنغ
** نشرت القصة في جريدة الدستور الملحق الثقافي ليوم الجمعة 2/7/2010

رابط القصة بموقع الصحيفة

رابط الصفحة الكاملة pdf



الجمعة، يونيو 18

الاتجاهات الفكرية للحداثة في العمارة


لو كوربوزيه: العمارة أو الثورة!
الاتجاهات الفكرية للحداثة في العمارة
اياد ع. نصار

ظهرت منذ بداية القرن العشرين عدة مدارس للفكر لم تكن راضية عن الاوضاع السائدة، على ضوء الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الاولى، وانتشار القلق والخوف، وغياب اليقين، وسقوط مقولات الحقائق الثابتة، وتداعي منظومة الافكار والاخلاق التقليدية المحافظة، وتراجع القيم الفنية الكلاسيكية، وبروز روح التمرد الفردي، والانشغال في البحث عن حلول لأزمات الانسان والتعبير عنها في الثورة لا في وعود الميتافيزيقيا، وأخذت تدعو الى نشر أفكار جديدة في الفن والادب والفلسفة والعمارة وغيرها، فكانت هذه الاتجاهات الفكرية بمثابة نذر الدعوة الى عمارة جديدة تعبر عن روح الحداثة، ليس في أوروبا وحدها، ولكن في العالم أجمع.



ويرى بعض المؤرخين بأن تطور العمارة المعاصرة مرتبط بمشروع التحديث والتنوير، وقد تطور الطراز الحديث بحسب رأيهم نتيجة للثورات الاجتماعية والسياسية. بينما يرى البعض الاخر بأنها تطورت أساساً بسبب التطورات التقنية والهندسية، كما أن توفر مواد جديدة للبناء، مثل الفولاذ والحديد والزجاج، أسهم في اختراع تقنيات بناء جديدة. كما عدّ بعض المؤرخين الحداثة مسألة ردة فعل ضد الطراز المفرط في الاناقة والزخرفة للعهد الفيكتوري.


وسعى الرواد من المعماريين الحداثيين الى ايجاد طراز جديد يعبر عن النظام الاجتماعي والاقتصادي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى، وذلك بالتركيز على احتياجات الطبقتين العاملة والوسطى. وقد رفضوا فكرة تطوير الطرز التاريخية والتي خدمت النظام الارستقراطي المتداعي.


كان المنهج الذي سار عليه الحداثيون يقوم على اعتبار المباني أشكالا أو كتلاً مجردة وازالة كل الاشارات التاريخية والزخرفية لصالح التفاصيل الوظيفية. وصارت المباني تظهر هيكلها الانشائي وجسور الحديد والاسطح الخرسانية بدلاً من تخبئتها خلف أشكال تقليدية. وقد صارت هذه العناصر ذاتها محل اعتبار جمالي. ومع حلول عشرينيات القرن العشرين كانت هناك أربعة أسماء معمارية قد حققت شهرة واسعة هي لو كوربوزيه في فرنسا، ولودفيغ ميس فان دي روهي وولتر غروبيس في ألمانيا، وفرانك لويد رايت في أمريكا. ترك رايت الذي نادى بأن تكون العمارة جزءا عضويا من البيئة تأثيراً كبيراً على دي روهي وغروبيوس. وصرح غروبيوس بأن رسومات رايت كانت الكتاب المقدس الذي استمد منه أفكاره.


في العام 1932 أقيم معرض مهم هو المعرض الدولي للعمارة الحديثة. وظهر فيه وجود اتجاهات معمارية متشابهة من حيث الطراز ولها هدف عام مشترك. قام المعماريان هنري هيتشكوك وفيليب جونسون بجمعها تحت طراز واحد أطلقا عليه اسم "الطراز الدولي" في كتاب مشترك حددا فيه خصائص وسمات الحداثة على مستوى العالم، والتي كان الطراز الدولي أحد أبرز صفاتها.


بدأ المعماريون يتجهون الى الخطوط الهندسية المستقيمة وينزعون الى بساطة الشكل، وأصبحت المخططات وظيفية ومنطقية وسهلة. وهكذا انتشرت عمارة الحداثة التي صارت تعبر عنها ناطحات السحاب. ومن أشهر الامثلة على ذلك مبنى الامم المتحدة في نيويورك الذي صممه لوكوربوزيه.


تعكس فلسفة لوكوربوزيه بعض أهم ملامح التوجهات الفكرية للحداثة المعمارية. يعد لو كوربوزيه Le Corbusier أشهر معماري في القرن العشرين على الاطلاق. وقد امتد تأثيره الطاغي الى فلسفة تخطيط المدن أيضا. بلغت شهرته حدا جعلت بلده الاصلي سويسرا تضع صورته على عملتها. كما أشاد به الرئيس ليندون جونسون الذي قال إنه كان له تأثير عالمي واضح في العمارة.


كما وصف الاتحاد السوفياتي موته في العام 1965 بأن "العمارة الحديثة فقدت بموته سيدها". صمم لوكوربوزيه الكثير من المعالم المعمارية الحديثة في كافة أنحاء العالم من الولايات المتحدة الى الهند الى روسيا الى أمريكا الجنوبية، ومنها مدينة الجمباز في بغداد. ومن أشهر أعماله فيلا سافوي في فرنسا، والمباني الحكومية الكبرى في شانديغراه في مقاطعة البنجاب في الهند. وقد عمل لوكوربوزيه جاهدا من خلال أفكاره المعمارية على توفير ظروف معيشية أفضل لسكان المدن المكتظة، وخاصة الاحياء الشعبية، فإهمال مسألة البناء برأيه يمكن أن يؤدي الى مشكلات اجتماعية وقلاقل، فكأن الامر "اختيار بين العمارة أو الثورة".


توصل لوكوربوزيه الى وضع مخططات لمدينة سماها مدينة الاشعاع. واهتم بالتناسق والانسجام كمكونات أساسية في فلسفة تصاميمه، ورفض أي شكل من اشكال الزخرفة، وخاصة المباني الضخمة ذات التماثيل المنحوتة التي تزينها.


كان لوكوربوزيه في نظر أتباعه نبياً لا ينازع، رغم أن نقاده قالوا إنه كان مغرماً بالصروح المعمارية والتماثيل الضخمة بلا روح. ولكن مع بزوغ الخمسينيات بدأت تظهر المقالات الناقدة لاعماله.


عمارة ما بعد الحداثة:
يشير المصطلح الى طراز العمارة الذي بدأ يظهر للوجود منذ بداية خمسينيات القرن العشرين والذي ما يزال تأثيره مستمراً حتى اليوم. وقد ظهرت عمارة ما بعد الحداثة في رد على الرسمية التي كان يتسم بها الطراز الدولي، الذي بدأ بالتراجع على إثر النقد الذي وجه له من أنه عالمي بلا هوية وموجه للنخبة. كتب المعماري السويسري سيجفريد غيديون في مقدمة كتابه "الفراغ والزمن والعمارة" في العام 1961: "في الوقت الراهن هناك ارتباك قائم في العمارة المعاصرة، مثلما هو الحال في الرسم، نوع من التوقف، أو نوع من الانهاك".


كما ناقش مؤتمر عقد في العام نفسه في متحف ميتروبوليتان للفن السؤال التالي: العمارة الحديثة: موت أم تحول؟ وقد تحول الانقلاب على هذا المذهب الى واقع من خلال الجدل الذي ثار حول مبنى (بان أم) الذي بني فوق المحطة المركزية الكبرى في نيويورك. وقد كان النقد يدور حول فكرة أن المبنى قد دمر نسق شارع بارك أفينيو. تطورت عمارة ما بعد الحداثة كرد فعل ضد تزمت الحداثة. لقد تم استبدال الاشكال والسطوح الوظيفية الرسمية لحركة الحداثة بالخطوط الدائرية والمنحنية والمائلة ذات الاضافات الجمالية الحركية والرمزية واللونية والتاريخية مع المحافظة على الوظيفية. وتعزز انتصار عمارة ما بعد الحداثة في الثمانينيات.


من الامثلة المعمارية المعروفة على عمارة ما بعد الحداثة بناية سيجرام في نيويورك التي أقيمت سنة 1958 وتعتبر أحد أجمل الامثلة على الوظيفية الجمالية، ومن الامثلة المشهورة بناية بورتلاند في ولاية أوريجون ذات الواجهة التي تتسم بالخطوط الرأسية والافقية والنوافذ العديدة المتناظرة.


تيارات الحداثة المعمارية وما بعدها:
العمارة المستقبلية:
بدأت العمارة المستقبلية مبكرا مع مطلع القرن العشرين كنموذج يتصف بمعاداة أية توظيفات او اشارت تاريخية في المباني واستخدام خطوط أفقية طويلة تدل على السرعة والحركة والفورية. ركز المستقبليون على توظيف التقنية في البناء. أسس الحركة الشاعر الايطالي فيليبو مارينيتي المولود في الاسكندرية الذي نشر بيانه الاول في العام 1909، وقد جذبت الحركة شعراء وموسيقيين وفنانين ومعماريين مثل أنطونيو سانتا ايليا الذي حول المستقبلية الى طراز يتصف بالجرأة في التجريب.


العمارة التعبيرية:
تطورت في شمال أوروبا خلال العقود الاولى من القرن العشرين بموازاة تطور الفنون البصرية والادائية التعبيرية. واتسم هذا الطراز بالتوظيف الحداثي للمواد الجديدة، والابتكار المتعلق بالشكل، والكتل الضخمة المستوحاة من ظواهر طبيعية. لقد قاتل عدد من معماريي التعبيرية في الحرب العالمية الاولى، فأدت تجاربهم الشخصية اضافة الى الاضطرابات السياسية والتغيرات الاجتماعية الى بروز نظرة مثالية وتوجهات رومانتيكية. حدّت الظروف الاقتصادية السيئة بسبب الحرب كثيرا من التوسع في بناء المباني العامة خلال الفترة 1914 و1920، مما أدى أن يبقى الكثير من المشاريع التعبيرية مجرد رسومات على الورق. ومع مجيء النازية في اوائل الثلاثينيات فقد تم حظرها، وبدأ أغلب روادها بالتحول عنها آنذاك بسبب الحدة العاطفية فيها.

مدرسة باهاوس:
كان لها تأثير واضح في عمارة الحداثة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وقد جمعت بين الحرف والفنون الجميلة واشتهرت بتعليم التصميم. استمرت المدرسة التي اسسها والتر غروبيوس في ألمانيا بين عامي 1919 و1933. كانت الهزيمة في الحرب العالمية الاولى، وسقوط الملكية الالمانية، والغاء الرقابة تحت التوجهات الحرة الجديدة، العوامل التي أعطت قوة للتجريب في الفنون المختلفة. وهكذا صار طراز باهاوس يتسم بغياب الزخرفة وبالانسجام بين وظيفة المبنى وبين تصميمه. تم في العام 1933 اغلاق المدرسة بضغط من النظام النازي وملاحقة رموزها.


غادر غروبيوس الى الولايات المتحدة، وأخذ يدرس التصميم في هارفارد. وقد بقيت أفكار المدرسة مستمرة هناك حتى العام 1968. كانت باهاوس تهدف الى قيام طراز عالمي يركز على التصميم والتقنية والمواد الصناعية والوظيفية والغاء مظاهر الزخرفة.


عمارة غوغي:
يشير الاسم الذي اشتقه الكاتب وليم جبسون في احدى قصصه الى نوع من العمارة التي تأثرت بدخول عصر الفضاء وثقافة السيارة والحركة، ويمزج بين السطوح الحادة والمستديرة. وقد ظهرت هذه المدرسة في كاليفورنيا في الاربعينيات واستمرت حتى منتصف الستينيات. ركزت عمارة غوغي على الاشكال المعلقة والحادة والاسطح المنحنية والاستخدام الجريء للزجاج والفولاذ وغاز النيون، وقد ظهر ذلك في بناء الفنادق والمطاعم والصالات في تلك الفترة وقد جسدت روح العصر من خلال الاشكال والتقنية والمواد المستخدمة.


عمارة الاقليم:
يمثل مبنى دار الاوبرا الشهير على حافة خليج سيدني الذي صممه المعماري الدنماركي يورن اوتزون أحد اشهر الامثلة على عمارة تستلهم روح المكان أو المنطقة وخصوصيتها وتعكسها في الشكل والسطوح الخارجية على نحو رمزي يعطي للمكان روحا معمارية تعبر عنه. تستلهم دار الاوبرا في عمارتها شكل الحلزونة الموجودة على الشاطىء. تمثل عمارة الاقليم ردا على غياب هوية المكان أو معنى شكل المبنى في عمارة الحداثة. وقد اشتق الاسم المعماري اليوناني تسونيس وزميله ليفيفر المتخصص في دراسة تاريخ العمارة ومكوناتها. ولكنه اكتسب شهرة على يد المعماري والناقد البريطاني كينيث فرامبتون.


العمارة البنائية:
ازدهرت في الاتحاد السوفياتي في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. وقد جمعت بين التقنية والغرض الشيوعي الاجتماعي وقد استمرت حتى العام 1932. شكلت المسابقة التي أقيمت لبناء قصر السوفييت، وهو مشروع ضخم أقيم لمنافسة مبنى الامبير ستيت في الولايات المتحدة، حدثاً مهما في تاريخ العمارة السوفيتية. وقد رافق ذلك نقد شديد للحداثة وخاصة في بلد زراعي مثل الاتحاد السوفياتي. وقد شكل المشروع الفائز للمعماري بوريس ايوفان بداية مرحلة جديدة تعكس الابعاد التاريخية لما عرف بالعمارة الستالينية، حيث اتهم المعماريون الحداثيون بالافراط في العمارة ذات الملامح العالمية و"البشاعة واللاانسانية". أخذ هذا الاتجاه بالتركيز على الاشارات والرموز التاريخية واقامة مباني الاسكانات الجماعية.


آرت ديكو:
حركة تصميم فنية عالمية ظهرت خلال الفترة ما بين منتصف العشرينيات والاربعينيات، وكانت تركز على الاشكال الهندسية الرياضية، واستخدام تماثيل ومنحوتات من الاثار والرموز التاريخية المكتشفة حديثاً من أماكن مختلفة مثل افريقيا. تمتاز المباني التي بنيت بتأثير منها بوجود زخارف ملونة أو مجسمات على أضلاعها الرأسية العالية، كأن تجد مجسمات فرعونية على الاعمدة الرأسية التي تشكل مدخل البناء، أو رموزاً بابلية أو آشورية، مع بقاء الاهتمام بالجانب الوظيفي للمبنى. امتد تأثير الحركة الى الهند والفلبين وأندونيسيا واسبانيا والارجنتين والبرازيل واستراليا. شهدت الحركة تراجعاً في أوائل الاربعينيات. وعاد الاهتمام بها يتجدد مرة أخرى مع نشوء تصميم الغرافيك في الثمانينيات.


مدرسة شيكاغو للعمارة:
انتشر طراز معماري على مستوى العالم في نهاية القرن التاسع عشر عرف باسم الطراز التجاري، والذي يشار اليه باسم مدرسة شيكاغو الاولى للعمارة. كانت من أوائل من دعا الى استخدام تقنية الانشاء باستخدام هياكل الفولاذ في المباني التجارية، وادخال المساحات الزجاجية العريضة. ومن هنا نشأت فكرة "نافذة شيكاغو" وهي نافذة من ثلاثة أجزاء: جزء مركزي زجاجي كبير محاط بشباكين أقل حجما.


مدرسة شيكاغو الثانية: ظهرت في ستينيات القرن العشرين ووظفت مبدأ البناء باستخدام الابعاد الثلاثية مختلفة الارتفاعات، التي أطلق عليها اسم عمارة الانبوب، حيث تتكون من ثلاث أو أربع كتل معمارية. ابتكر الاسم المعماري فضل الرحمن خان الذي كان يعمل في مكتب للتصميم في شيكاغو في العام 1963، ويشار الى الافكار التي وضعها خان باسم مدرسة شيكاغو الثانية، واشتهرت ببناء ناطحات السحاب مثل برج ويليس الذي اكتمل بناؤه في العام 1973 وكان أطول بناية في العالم حتى العام 1998.


الواقعية الاشتراكية:
طراز من الفن الواقعي والذي وجده غايته في نشر أهداف الاشتراكية. كانت الى حد ما ردة فعل ضد الطرز البرجوازية "البائدة". أصبحت الواقعية الاشتراكية الطراز المعتمد للاتحاد السوفياتي في عام 1932 وقد تمت معاقبة الفنانين والادباء الذين خرجوا عن الخط الرسمي أو غردوا خارج السرب.


رفض بعض أعضاء الحزب الشيوعي بعض الطرز الفنية والمذاهب الفكرية مثل الانطباعية والتكعيبية لكونها ظهرت قبل الثورة وبالتالي فقد ارتبطت بـ"الفن البرجوازي".


ركزت المنشآت التي أقيمت على التعبير عن أهمية العمال والفلاحين والجنود وبطولاتهم في اطار الثورة. ومن الاعمال المعروفة قصر الثقافة والعلوم في وارسو في بولندا، ومركز المعرض الفني لعموم السوفييت في موسكو.


على طريق عمارة عربية حداثية:
ظهر منذ أوائل القرن العشرين عدد قليل من المعماريين العرب المتميزين الذين اسهموا في التمهيد لظهور عمارة عربية حداثية جديدة. فقد ظهر حسن فتحي شيخ المعماريين العرب، الذي وُلد في الاسكندرية بمصر في العام 1900. وترجع أهميته إلى كونه أول من دعا الى استخدام مبادىء العمارة المحلية وبمواد رخيصة لاقامة قرى للفقراء ذات طابع مصري ريفي خلال الاربعينيات والخمسينيات وطبقها عملياً.


نفذ أول مشروع استخدم الطين في بنائه وبسببه اتجه إلى اكتشاف تقنيات البناء النوبية لإنشاء القبة والقبو. وفي العام 1948 نفذ أحد أبرز مشاريعه وهو تصميم وإقامة قرية القرنة على هذه المبادىء التي رواها في كتابه "عمارة الفقراء". فاز حسن فتحي بعدة جوائز معمارية عالمية مثل الميدالية الذهبية لاتحاد المعماريين الدولي وجائزة الآغا خان للعمارة الاسلامية. وما تزال نظرياته تُدرس في كليات العمارة في جامعات العالم المختلفة.


وفي العراق برز رفعت الجادرجي الذي كان يعد أشهر معماريي العراق وفنانيه في العصر الحديث. مزج بين العمارة الحديثة وتوظيف النحت والاشكال التجريدية ومواد البناء المحلية. صمم عدداً من الاعمال المعروفة مثل نصب الجندي المجهول في الستينيات في ساحة الفردوس.


استخدم الجادرجي عناصر عراقية محلية تقليدية واسلامية ضمن المباني التي تأثر فيها بخصائص عمارة الحداثة، فأدخل استخدام المشربيات والشناشيل والطابوق العراقي. حصل على جائزة الآغا خان في العام 1986.


ولكن الاسم الابرز عالمياً هو المعمارية العراقية زها حديد. وهي من أشهر المعماريين على مستوى العالم هذه الايام في تبني العمارة الحداثية الجريئة. ولدت في العام 1950 في بغداد ودرست في الجامعة الامريكية في بيروت وفي الجمعية البريطانية للمعماريين وتقيم بشكل دائم في بريطانيا. نالت زها قبل عدة سنوات جائزة بريتزكر التي تعد أرفع الأوسمة المعمارية العالمية التي تكافىء جائزة نوبل، وتحظى باحترام واسع بين معماريي العالم أمثال كنزو تانغي الياباني.


تمتاز عمارة زها بتوظيف التجريد والبعد عن الأشكال التراثية التقليدية، أو العناصر العربية الاسلامية كما هو الحال لدى أغلب المعماريين العرب. ومن أعمالها فوزها بمسابقة لتصميم ناد في كاولوون في هونغ كونغ في العام 1982، ومشروعها الجرىء المثير للجدل مرسى السفن في باليرمو في صقلية 1999، ومتحف الفنون الإسلامية في الدوحة.


ولا بد أن نتوقف عند جعفر طوقان، وهو من أشهر معماريي الحداثة في الاردن والعالم العربي. كانت انطلاقته من بيروت حين صمم مسجد عائشة بكار في العام 1970 بطريقة غير تقليدية في بناء المساجد.


له عدد من المشاريع المعروفة في الاردن والعالم العربي، وقد تعاون مع الياباني كنزو تانغي لتصميم جامعة العلوم والتكنولوجيا في الاردن. كما صمم قرى الاطفال SOS في العقبة، ومبنى بنك الاردن في الشميساني، وضريح الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله. نال جائزة الآغا خان في العام 1999، وجائزة منظمة المدن العربية للمعماريين العرب عن مبنى قاعة المدينة التابع لأمانة عمان في العام 2002.


وختاماً، لا بد من الاشارة الى راسم بدران، أحد أبرز المعماريين الاردنيين والعرب حالياً حيث يمزج في عمارته التراث الذي يوفر إطاراً للهوية مع التجديد في توظيف المساحات والفراغ والاشكال ضمن المحافظة على روح العمارة العربية الإسلامية. نال جائزة الآغا خان على أحد أعماله المهمة وهو مشروع قصر الحكم بالرياض. ومن أعماله المشهورة المكتبة الحسينية في جامعة اليرموك في اربد، ومبنى أمانة عمان الكبرى بالاشتراك مع جعفر طوقان، وجامع الدولة الكبير في بغداد.

* الصورة أعلاه لمشروع مبنى الواجهة المائية في Regium في ايطاليا من تصميم المهندسة العراقية البريطانية زها حديد

* نشرت المقالة في الملحق الثقافي بجريدة الرأي الاردنية ليوم الجمعة بتاريخ 18/6/2010
رابط المقالة في صحيفة الرأي

رابط الصفحة الكاملة pdf




الخميس، يونيو 17

أدب الطفل: من حكايات يعسوب الى هاري بوتر

الكتاب الفائز بجائزة ترومان كابوت للنقد الادبي لعام 2010
تاريخ نقدي تجاهل الف ليلة وليلة وحكايات الاطفال العربية

اياد ع. نصار

فاز أستاذ الأدب وعميد الفنون والانسانيات في جامعة كاليفورنيا في سانت دييغو ، سيث ليرر ، بجائزة ترومان كابوت للنقد الأدبي لعام 2010 ، عن كتابه "أدب الطفل: تاريخ القارئ من حكايات يعسوب إلى هاري بوتر". وتعد جائزة ترومان كابوت أرفع جائزة للنقد الأدبي المكتوب بالانجليزية ، وقد منحت أول مرة في عام 1996 ، وتبلغ قيمتها ثلاثين ألف دولار. ارتبطت الجائزة في الأساس باثنين من الأدباء في الولايات المتحدة ، هما: الروائي والقاص والمسرحي الأميركي ترومان كابوت ، تقديراً لأعماله ، والناقد نيوتن آرفن ، الذي فقد مستقبله الوظيفي في الأربعينيات ، بعد أن اكتشف أنه كان مثلي الجنس. وقد حصلت عليها في عام 2008 الناقدة البريطانية وأستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد ، هيلين سمول ، عن كتابها "حياة طويلة" ، الذي يتناول موضوع كبر السن في الفلسفة والأدب الغربيين. وقد سبق أن نشرت الدستور مقالتي عنها وعن كتابها الفائز بالجائزة في حينها. وفي عام 2009 حصل عليها الشاعر والناقد البريطاني المعروف ، جيوفري هيل ، الذي يعمل أستاذاً للأدب الإنجليزي في جامعة بوسطن عن كتابه "كتابات نقدية مختارة".



أما المؤلف فهو متخصص في جانب من فقه اللغة المعني بالتحليل التاريخي للغة الانجليزية. وقد نال درجة الدكتوراة من جامعة شيكاغو في عام 1981 ، وبدأ حياته الأكاديمية بالتدريس في جامعة برنستون خلال الفترة من عام 1981 حتى عام 1990 ، حيث انتقل بعدها إلى جامعة ستانفورد وبقي فيها حتى عام 2008 ، وبعد ذلك انتقل إلى جامعة كاليفورنيا حيث يعمل الآن.


يهتم ليرر في دراسة أدب العصور الوسطى وعصر النهضة ، وقد ساعده تخصصه في موضوع دراسة التطور التاريخي المقارن للغات ، في تطبيق مناهج فقه اللغة في نقد تاريخ أدب الطف ، ودراسته. ويجيد ليرر القراءة بلهجات أدب القرون الوسطى ، كما ألف كتاباً عن مؤسس الأدب الإنجليزي الحديث جيفري تشوسر في القرن الرابع عشر. وفاز كتاب سيث ليرر ـ موضوع المقالة ـ في العام الماضي بجائزة حلقة نقاد الكتاب الوطني.


يعد الكتاب ، الذي نشر في عام 2008 ، إلى حد ما ، "سيرة ذاتية ثقافية" للمؤلف: إذ يتطرق إلى حياة المؤلف الخاصة حينما كان طفلاً ، وتجربته مع القراءة ، وولعه في الكتب بعد ذلك خلال فترة الشباب ، ومن ثم ، تجربته مع القراءة حينما صار أباً. "لقد فكرت في الأمر من وجهة نظر شخصية ، وأنا أراقب طفلي كيف كبر وأصبح قارئاً". يتناول الكتاب الأعمال التي تعد من كلاسيكيات أدب الطفل عبر التاريخ. وقيل عن الكتاب إنه ابتعد عن الطريقة التقليدية في عرض كتب الأطفال المعروفة وتقويمها ، وتقديم النصح للكبار في كيفية اختيار مقتطفات منها للأطفال: لأنه يقدم نقداً تاريخياً لهذا النوع الأدبي برمته.


يقسم الكتاب ، الذي يقع في 396 ، صفحة إلى خمسة عشر فصلاً. وطرح الكاتب ، في المقدمة ، أهمية تأسيس نظرة جديدة إلى تاريخ أدب الطفل. أما في الفصل الأول ، فتناول أدب الطفل في الأعمال الكلاسيكية القديمة اليونانية والرومانية ، وهو بعنوان "تكلم أيها الطفل". وتناول في الثاني حكايات يعسوب ، تلك الحكايات الرمزية عن الحيوانات وعلى ألسنتها ، بهدف تربية الأطفال الأخلاقية ، والتي وضعها الإغريقي يعسوب في القرن السادس قبل الميلاد. وتناول في الفصل الثالث أدب الطفولة في العصور الوسطى ، وفي الفصل الرابع تأثير حركة المتطهرين المتزمتين البيورتانز ، الذين ظهروا في أوروبا وأمريكا في القرنين: السادس عشر والسابع عشر. ويتطرق في الفصول التالية إلى تأثير جون لوك والقديس أغسطين في أدب الطفل ، وتأثير رواية روبنسون كروزو ، التي يفرد لها مساحة كبيرة. وبدءاً من الفصل الثامن ، ينتقل للحديث عن أدب الطفل منذ العصر الفيكتوري حتى العصر الحديث ، كما يتطرق إلى حكايات الجنيات والكائنات الخيالية بشكل مقارن بين اللغات. كما يخصص الفصل الحادي عشر للحديث عن أدب البنات الصغيرات ، وهو من أمتع الفصول في الكتاب. أما الفصل الثاني عشر فهو عن خصائص العهد الإدورادي في كتب أدب الطفل ، وفي الفصل الثالث عشر يتحدث عن مظاهر أدب الطفل في أمريكا وتمثيلاته ، من خلال الجوائز والمكتبات والمؤسسات المعنية بذلك. وفي الفصلين الأخيرين يتحدث عن الأسلوب والطفل ، وعن مستقبل أدب الطفل في عصر ساخر يقوم على توظيف الغريب والمضحك في سياق له معنى. أما خاتمة الكتاب ، فتتحدث عن العلاقة بين أدب الطفل وظهور الكتاب بمفهومه العام عبر مراحله التاريخية ، حيث يؤكد أن أدب الطفل زخم قوي مع ظهور أول ناشر لكتب الأطفال في الولايات المتحدة ، واسمه جون نيوبري ، في القرن الثامن عشر.


تنبع أهمية الكتاب من أنه من الكتب القليلة التي تعد عملاً موسوعياً في مجاله ، ومزيجاً ، في الوقت ذاته ، من البحث الجاد والأصالة التي تتمثل في إضافات الكاتب ، وليس مجرد السرد التاريخي ، والتي ـ كما ذكرت المراجعة النقدية للكتاب في صحيفة سان فرانسيسكو كرونيكل ـ تضم ، بلغة نقدية شيقة ، تاريخاً يمتد على ما يزيد 2600 عام هي عمر حكايات الأطفال وقصصهم. ولهذا يفتتح المؤلف الكتاب بعبارة تحمل الكثير من المعنى: "منذ أن تعلم الأطفال القراءة ، وجد أدب الطفل". يحاول الكتاب أن يقدم إجابة شافية لتفسير سبب تلك الرغبة الجامحة لدى الإنسان عبر القرون وفي مختلف القارات ، لاكتشاف لماذا ، وكيف ، نقع في حب الكلمة المكتوبة أول مرة في حياتنا.


كما يتطرق الكتاب إلى الأعمال الموجهة للفتيان ، والتي صدرت في السنوات الأخيرة ، وحققت شهرة ، حتى صارت جزءاً من ذاكرة أدب الطفل الحديث ، مثل رواية "ويتزي بات" للأميركية فرانشيسكا ليا بلوك ، الصادرة عام 1989 ، أو ثلاثية "تداخل الزمن" لجون شيزكا ، والتي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني ، وتحكي عن جوانب من عالم الخيال العلمي والرحيل عبر الزمن ، حيث تجري أحداث بعض القصص في العام ,2095


ولا يقتصر الحديث في الكتاب على أدب الطفل في القصص والروايات ، بل يتعدى ذلك إلى المسرح ، مثل مسرحيات شكسبير ، وخاصة "حلم ليلة صيف" ، التي تنطوي على مشاهد مناسبة للطفل ، خاصة تلك المشاهد التى تقدم حكايات رمزية أو مخلوقات خيالية. إن مسرحيات شكسبير وشخوصها ، كما يؤكد المؤلف ، هي السبب في قيام مسرح الطفل الحديث.


ورغم أن الكتاب يتناول اشهر أعمال أدب الطفل عبر العصور ، منذ الحضارة اليونانية ، مروراً بالقرون الوسطى ، ثم عصر النهضة ، مع التركيز على الأدب الإنجليزي في القرن الثامن عشر ، وكذلك الأدب الأميركي ، حتى لا يترك قصة ولا رواية للأطفال فيه إلا ويذكرها ، إلا أنه يتجاهل كتب الأدب الشعبي التي أثرت كثيراً في وعي الطفل ، حول العالم ، من الثقافات الأخرى ، مثل حكايات ألف ليلة وليلة ، التي أصبحت من كتب التراث العالمي. وأستغرب أنه ليس هناك ذكر في الكتاب للحكايات العربية المشهورة التي صارت جزءاً من ثقافة الأطفال في أوروبا بعد أن ظهرت ترجماتها ، مثل: "البساط السحري" ، و"الحصان الطائر" ، و"ياسمينه والسندباد البحري" ، و"علي بابا" ، و"علاء الدين والمصباح السحري" ، وهي جميعاً حكايات اكتسبت شهرة واسعة ، وصارت رموزاً تركت تأثيراً كبيراً في أدب الطفل العالمي. ولا يقتصر الأمر على الثقافة العربية ، فهو يتجاهل الأدب الصيني والياباني والهندي ، وحتى بعض الأعمال المشهورة ، مثل: حكايات لافونتين على ألسنة الحيوانات ، أو قصص السويسرية جوهانا سبايري مثل "هايدي".


يؤكد الكتاب أن شخصية الطفل هي ما يقرأ ، وهكذا فنحن تصنعنا الكتب التي نقرؤها. يقول المؤلف: "لا ينفصل تاريخ أدب الطفل عن تاريخ الطفولة: لأن الطفل ليس إلا صنيعة الكتب والنصوص والحكايات التي قرأها أو سمعها أو رويت له". يرصد الكتاب التحولات الجذرية والدائمة التي تصيب الطفل خلال تجربته التي يتعلم فيها القراءة حينما تؤثر فيه بعض الكتب ، وتترك أثراً لا يمحى في شخصيته. كما يتحدث الكتاب عن التحولات في بيئة الأسرة ، والتطور الإنساني ، والتمدرس ، وصناعة الكتب والنشر ، التي تؤثر ـ بمجملها ـ في شخصية الطفل من خلال الأدب. ويلفت الكاتب النظر إلى نقطة مهمة حين يؤكد أن "صعود نجم أدب الطفل الأميركي كان مرتبطاً ، إلى حد كبير ، بانتشار فكرة إعارة الكتب في المكتبات العامة".


يشتمل الكتاب على تحليلات مختلفة لعدد من المؤلفين في مراحل سابقة ، رغم أن بينهم تفاوتاً كبيراً وتنوعاً في الأساليب السردية ، مثل حكاية "رحلة الحاج من هذا العالم إلى العالم الآخر" لجورج بنيان من القرن السابع عشر ، وهي عبارة عن حكاية رمزية دينية ، ومن أهم الأعمال في تاريخ الأدب الإنجليزي ، وجي تولكين ، الروائي الأميركي من القرن التاسع عشر ، الذي ألف رواية "سيد الخواتم" ، والذي يعد رائد أدب الفنتازيا الحديث ، ودكتور سويس جيزل الكاتب ورسام الكرتون للأطفال الذي توفي في بداية التسعينيات من القرن الفائت ، والكاتبة لورا إنجالز وايلدر ، التي كتبت سلسلة "البيت الصغير في البراري" ، وهيلين بياتركس بوتر الكاتبة الأميركية التي توفيت في الأربعينيات ، والتي اشتهرت بقصص الأطفال التي تجسد الظواهر الطبيعية والأجسام غير الحية على هيئة البشر. كما يتناول الكتاب الأعمال التي تحفظها ذاكرة الناس وأسهمت في صنع خيال الطفل ، مثل: "حكاية أمي الإوزة" ، و"أليس في بلاد العجائب" ، و"بيتر بان" ، وسلسلة "هاري بوتر". ويتطرق الكتاب إلى عدد من الأعمال الأدبية الموجهة للفتيات الصغيرات ، مثل رواية "آن من غرين غيبلز" للكاتبة الكندية لوسي مود مونتجمري ، والتي وضعتها في عام 1908 ، وأصبحت من أشهر الكتب الأطفال في العالم.


لقد تعرضت قصص هاري بوتر التي كتبتها جي. كي. رولينغز إلى نقد شديد بسبب نبرتها النمطية ، واستعاراتها البلاغية التقليدية ، غير أن ليرر وجد في هذه الجوانب الشائعة بغية دارسي فقه اللغة ، ليس على صعيد اللغة وحسب ، ولكن على صعيد شخوص القصص ، أيضاً.


يؤكد المؤلف أن أغلب كتب الأطفال المشهورة ، منذ عهد اليونان والرومان حتى زماننا المعاصر ، تجعل من غرفة الصف ومكتبة المدرسة وساحتها المسرح الذي تجري عليه أغلب أحداث القصص. ولهذا فإن أحد أسباب نجاح عمل مشهور ، مثل "روبنسون كروزو" ، بالنسبة للطفل ، هو مدى اللعب الذي يوفره من خلال الأدوات والأشياء: فالبطل في "روبنسون كروزو" يتقن التعامل مع مختلف الأدوات في حياته الخطرة ، وحيداً مع السكان الأصليين على تلك الجزيرة الكاريبية البعيدة. وقد تحول هذا الاهتمام ، في عصر الصناعة ، إلى معرفة البطل بطرق عمل الأسلحة والخرائط ، وميكانيكا المحركات البخارية والمتفجرات والسجائر والبضائع المعلبة وغيرها. وفي العصور اللاحقة ، ومع تحول سبب خروج البطل الأوروبي إلى العالم الجديد ، من الاستكشاف الجغرافي إلى الاستعمار الإمبراطوري ، فقد حصل تحول على صعيد القصص والروايات ، فلم يعد البطل هو المغامر حاذق الأشياء والأدوات الذي يتمكن من البقاء على قيد الحياة بفضل مهاراته ، بل صار هو صاحب الخبرة العسكرية والعارف بمتطلبات الحياة العامة ، الذي يستطيع السيطرة على قبائل الشعوب الأخرى. وباختصار: انتقل الاهتمام من الجزيرة إلى القارة.


أما نظرة كتب أدب الطفل إلى الطفل ذاته ، فقد كان التركيز ـ على الدوام ـ منذ أيام يعسوب ، مروراً بالأدب الكلاسيكي والقروسطي حتى بوادر العصر الحديث.. كان التركيز يقوم على تقديم النصح للفتى كيف يتصرف جيداً ، ويراعي نظافته ، ويتكلم بوضوح ، ويهتم بدراسته. بل إن الأدب في القرن الثامن عشر اهتم في أن يكون لكل طفل أسلوب في تفاعله الاجتماعي والأخلاقي. وقد عكست أعمال تلك الفترة المبدأ الذي يقول: "كيف تتكلم هو ، بحد ذاته ، معنى كيف تكون". وهكذا صار هدف أدب الطفل تعليم مبادئ التصرف الاجتماعي. وفي منتصف القرن التاسع عشر صار اهتمام الأدب يعكس واقع التغيرات الجديدة كالاتصال المتمثل في التلغراف ونقل أخبار الحروب. وهكذا تحول كتاب الطفل من مثل سفينة غارقة في "ربنسون كروزو" ، إلى عالم يمتد فوق القارات ويهتم في البناء وتفاصيل الحياة اليومية.


وإذا كان هدف أدب الطفل هو تعليم الطفل ، وإدخال البهجة إلى نفسه ، فإن الكتاب يحمل قيمة كبيرة للمهتمين في تعليم الأطفال على مختلف المستويات ، وواضعي السياسات ، وعلماء النفس ، والباحثين ، والآباء. إنه جهد موسوعي في دراسة أدب الطفل من منظور نقدي لغوي مقارن منذ أن وجد أدب الطفل وحتى اليوم.

* نشرت المقالة في جريدة الدستور - الملحق الثقافي ليوم الجمعة 18/6/2010

رابط صفحة المقالة في الدستور

رابط الصفحة الكاملة pdf

الأحد، يونيو 13

استطلاع حول أسباب العزوف عن النشاطات الثقافية

عدم القدرة على التفاعل مع المجتمع يعزز عزلة المؤسسات الثقافية

نص كلمات المشاركين في استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة الدستور مع عدد من الكتاب من ضمنهم اياد نصار:
عمان - الدستور - اعداد عمر أبو الهيجاء
غياب الجمهور ، عن كثير من فعاليات الحراك الثقافيّ والفنيّ الذي تشهده عمان ، يدعو إلى التساؤل عن مكمن هذا الخلل. وربما كان الأمر يتعلق بنوعية النشاطات التي تقام وأهميتها ، أو بعدم التنسيق ما بين الهيئات الثقافية المنظمة للأنشطة في أوقات تتضارب بعضها مع بعض. وما هو لافت في هذا السياق ، عزوف المثقفين ، بل عزوف منظمي الفعاليات أنفسهم عن حضور هذه الفعاليات. طرحنا هذه المسالة أمام عدد من المثقفين المهتمين ، وتالياً آراؤهم:

د. محمد عبيد الله:
في تصوري أن الجمهور المحلي ، من حيث العدد والنوع ، جيد ومتفاعل ومتابع ، ولكن المشكلة في إدارة الفعاليات الثقافية والتخطيط لها: فعندما يغيب الجمهور عن بعض الأنشطة فإن هذا الأمر يعبر عن رأي الجمهور في ذلك النشاط. ينبغي علنيا أن نتساءل عن نوعية النشاط ، وعن المحاضرين والمتحدثين ، وتوقيت الفعالية ومكانها. وأما بخصوص أنشطة الرابطة ، فالمتابعة الجماهيرية لها مناسبة من حيث العدد والنوع ، فبعض النشاطات تستقطب جمهوراً متنوعاً ومناسباً ، وبعضها الآخر ذو طبيعة تخصصية ، فتستقطب جمهوراً متخصصاً قليل العدد. ويمكن القول إنّ مسألة العدد ليست مهمة ، في هذا المجال: فليس بالضرورة أن تكون جميع الأنشطة شعبية جماهيرية ، كما أن شهرة المحاضر وأهميته عامل مهم يؤثر في نوعية الجمهور وعدده. لذلك يتفاوت المحاضرون والمتحدثون في لفت انتباه الجمهور واستقطابه ، ثم إن مكان الرابطة لا مشكلة في الوصول إليه ، فهو في موقع متوسط من المدينة.

د. خالد الجبر
ظاهر تماماً أنّ الإجابةَ تشتمل على شقّين: فهي أزمة مثقّف بالأصالة ، وأزمة جُمهور ثقافيّ في النّهاية ، لكنّ كليهما يؤدّي إلى الآخر بالضّرورة. المطلوب من الثقافي أن ينهض بالمجتمع ، ويحسّن أوضاعَه ، ويعينه على تحديدً توجّهاتًه في خضمّ الأزمات ، ويبيّن أصلح السُّبل لتخطّي الرّاهن وتجاوُز المُعيق: فهل تؤدّي الحركة الثقافيّة في بلدنا هذا الدّور؟ وهل تحقّق للشّارع والجُمهور شيئاً من تخفيف معاناتًه ، وتذليلً العقباتً التي تعترضُ طُرُقَه في التعليم والحياة السياسيّة والعَيش ، والتباساتً الحاضر بالماضي ، والأصيل بالوافد؟

إنّ ما نعيشُه تجسيدّ حقيقيّ لضياعً الثقافيّ والفكريّ والأدبيّ في مساربَ لا يريدُها إلاّ حفنَةّ من المنتفعين من تكريسً الأحوال الواهنة الرّاهنة ، ومجموعةّ أُخرى من المرتزقة التي تعيشُ حياةً طُفَيليَّةً (رُمًّيَّة) على هامش الفكر والثقافة والأدب ، وتلك الحفنةُ وهذه المجموعةُ خرَّبَتا الوسطَ ، وسدَّتا بأَغلاقْ مصطنَعةْ كلَّ الدّروب والمسارب التي يمكنُ أن تُعيدَ إلى الجسدً المتهالكً شيئاً من الحياة. تراهُما تُهاجًمانً كلّ شيء جيّد نافعْ حقيقيّ أصيل يمتلكُ آليّاتً التّأثير ، وتنفُخانً لتضخيمً كلًّ تافهْ عقيمْ منبتّْ ضارّْ لا يمتلكُ من آليّاتً التأثير شيئاً. ألا يضرُّ هذا بالوسطً الثقافي والفكري والأدبيّ؟ ألا يجعلُ الجُمهورَ يعتزلُ المحاضرات والنّدوات والأمسيات والمؤتمرات؟ ما الذي نفعلُه في غاية النّهاية؟ ألسنا إمّا مطبًّلين مزمًّرين للقبيحً الفارغً الغَسيلً من كلّ فائدة ، ومُهاجًمين حاقدينَ للجَميل الممتلئ النّافع؟ أليسَ المثقّفون والأدباء والمفكّرون الحقيقيّون قد اعتزلوا هذا الوسطَ وأسلموا الرّايةَ للغربانً والببّغاوات؟ حينَ نأى هؤلاء بأنفسهًم عن هذا الوسط ، وأسلمَ بعضُهم أمرَه لمن لا يمتلكُ القدرة أو الخبرة أو الموهبة ، خرَّبوا على أنفسهم وعلى غيرًهم ، وقد أسهمَت المؤسسةُ الرّسميّة في تحقيق هذا كلًّه ، لن أقولَ: رغبةً في التّخريب ، ولكن ـ على الأقلّ: إمّا جَهلاً أو غباءً ، وإمّا تسليمًا ورًضىً،


إذا لم يتنبّه السّياسيّ على ما أصابَ الثقافيّ من وَهَن نتيجة تلاعُبًه به ، ولم يتنبّه الثقافيّ على راهنًهً العقيم ، ولم يعُدْ أولئكَ الذين نأوْا بأنفسهم بعيدًا: فإنّ المجتمعَ سيظلُّ فاقداً البوصلة ، وقد يجدُ نفسه ، بعدَ حينْ ، يتهاوَى عن جُرُفْ هارْ.

اياد نصار:
هناك تراكمات تاريخية اصابت المؤسسات الثقافية في الاردن، حتى فقدت قدرتها على التفاعل مع المجتمع، فصارت تعاني من عزلة دائمة، لا تنفك تندب الحظ ولا تحاول تغيير الحال. وصارت نشاطات الادباء التي تعقدها تعاني من غياب الحضور، الذي يصل في بعض الاحيان الى حدٍّ مزر ومخجل، لا يزيد عن عدد اصابع اليد الواحدة. والأدهى هو غياب الادباء أنفسهم عن حضور نشاطات بعضهم، إلا أن تكون في الغالب تلبية واجب المعرفة، أو تبادل المنفعة، أو تجنب الحرج، أو بغرض المجاملة.


هناك تقصير من الادباء أنفسهم، وخاصة أولئك الذين حققوا شهرة، تتمثل في ابتعادهم عن حضور الفعاليات، أو في حضورهم الصامت! فللأسف، بمجرد أن يحقق الاديب الاردني نوعا من الشهرة على الصعيد العربي، حتى يصبح تفكيره منصباً على النشاطات الخارجية، وتصبح عينه على العواصم الاخرى. هناك أسماء معروفة في الوسط الادبي والتي بلغت شهرة، ومن حقها الانتشار عربيا وعالميا، ولكنها للاسف معتكفة، فلا تراها في أي مكان على مدى العام. هذا نوع من نكران الجميل. فهل أصبح الادب حرفة المعتكفين الذين يعيشون بعيداً عن نبض الشارع، ولا هم لهم سوى التأليف للنشر خارج الحدود؟

هناك مؤتمرات وندوات ولقاءات وحلقات نقاش وحفلات تواقيع كتب وأمسيات بشكل يومي. فليس الامر ندرة في الفعاليات، ولكن كثيرا منها يتسم بالتقليدية التي ملها الادباء أنفسهم، وبالخمول الفكري، الذي لا يثير قضايا للنقاش أو الحوار لأنها تبتعد عن المواضيع الاشكالية، بل وترسخ أعرافاً تقوم على تجنب النقد الصارم أو التنويري، وتعمد الى تكريس مبدأ الاستماع والسكوت، من باب أن المناسبة للاحتفاء الذي يتطلب لغة المديح، وللعرض الذي يستوجب التهنئة والتكريم.

هناك غياب للتخطيط المؤسسي الذي يضع برنامجاً مسبقاً بشكل دائم، ومن ثم يبادر للاعلان عنه بشكل مكثف ومستمر لتأمين حضور جماهيري. فأغلب النشاطات عشوائية ووليدة اللحظة، يتم ترتيبها قبل أيام قليلة، وبهذا فهي لا تمتلك رؤية للعمل بأسلوب منظم طويل المدى. وهناك تقصير واضح في استثمار القنوات الاعلامية، والاعلان عن النشاطات في كل ركن أو مكان بشكل بارز، بما يسهم بشكل مكثف في الدعوة الى حضور النشاطات. إن غياب الجمهور ينعكس على قلة اهتمام الادباء بالحضور، مثلما يزيد غياب الادباء، وخاصة الاسماء المرموقة، من عزوف الجمهور.

أعتقد أن الاردن صار بحاجة الى الاستثمار في محطة فضائية ثقافية عربية مهنية عالية المستوى، وتعمل ضمن معايير صارمة بعيدا عن المزاجية والشللية، وتطرح القضايا الخلافية، وتذكي المعارك الادبية بجرأة قادرة على جذب الادباء للمشاركة، ومن ثم تستقطب المشاهدين، مما يؤدي عندها الى أن تحظى نشاطاتها بالحضور الجماهيري.
رابط الاستطلاع في صحيفة الدستور

رابط الصفحة الكاملة pdf

* اللوحة بعنوان حائكة السجاد المراكشية، للرسامة الاسكتلندية الاصل ايفون أيوب.

الجمعة، يونيو 4

ترمي بشرر لعبده خال والتاريخ السري للمدينة


ترمي بشرر... لعبده خال والتاريخ السري للمدينة
أخطاء بالجملة وتساؤلات حول الرواية الفائزة بالبوكر
اياد نصار

حالما أذيعت نتائج الدورة الثالثة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) للعام 2010 ، والتي شكلت مفاجأة للكثيرين ، أسرعت إلى مكتبات وسط عمان لأشتري الرواية التي أعجبت لجنة التحكيم بصفحاتها الـ 416. أقبلت على الرواية في حماسة انطباعية ظاهرة لكونها الفائزة أولاً ، واستناداً لمعاينة أولية للنواحي الأسلوبية السردية وبنية الرواية ثانياً ، ولكني وبعد أن فرغت من قراءة الرواية ، وجدت نفسي محتاراً إلى الآن في معرفة الأسباب التي بنت اللجنة أحكامها عليها، وتسعى المقالة إلى الغوص في أعماق الرواية ، في بحث عن إجابة للسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا "ترمي بشر..." بالذات؟ وبقدر ما تسعى هذه المقالة أن تكون موضوعية ومتوازنة في عرض الرواية ، فانها في الوقت نفسه تعرض لجوانب فيها تنطوي برأيي على مشكلات سردية ولغوية ، لتطرح تساؤلاً حول المعايير التي اعتمدتها لجنة الجائزة في الاختيار.

تبدأ الرواية إيقاعها السردي منذ الغلاف، فالإهداء ليس ، كما جرت العادة ، من لدن المؤلف ، بل على لسان الراوي وأحد "أبطال" الرواية ، الذي يقدمه إلى "هنو" ، أو تهاني ، التي سلبها براءتها ، وأرسلها إلى الموت. يبدأ الراوي كلمات إهدائه الأولى بالحديث ضمناً عن الاعتراف والاعتذار إلى الضحايا الذين ارتكب بحقهم الآثام ، ولكننا نكتشف ، في ما بعد ، أن الاعتذار لم يكن بحجم هول الظلم ، وانتهاك كرامة الإنسان ، واستغلال المرأة واستباحة وجودها ، وكذلك الخيانة ، والشهوة ، وطغيان النفوذ وسطوة الثروة ، و"البوح القذر" ، كما يسميه ، وهذه محاور الرواية الأساسية.

بنية الرواية فريدة من نوعها: تتكون من جزء روائي طويل مألوف يقوم على توظيف تعدد الأصوات في إطار ضيق للغاية ، بالإضافة إلى عدة نصوص قصيرة مختلفة في طبيعتها ملحقة به، وتعد جزءاً لا يتجزأ من بنيتها. تبدأ الرواية من داخل أحد قصور مدينة جدة ، الذي يصبح تجسيداً لعالم غامض شرير قذر. وإذا كان من المفروض أن يمثل ما يجري في القصر عالم الحياة ، فاننا نكتشف أن هذا العالم الذي يشغل معظم صفحات الرواية ، هو في حقيقته عالم القهر والموت السفلي ، حيث تجري كل فظائع الانتقام والشهوة والتعذيب. ويلاحظ القارئ أن هذا الجزء الروائي ينتهى بالمقطع ذاته الذي ورد في متن بدايته ، وتحديداً في ما سمّاه المؤلف عتبة أولى. "قراري بقتل السيد نضج تماماً ، لقد مضى زمن طويل ، وأنا أحمل جثته في مخيلتي ، ولا أعرف كيف أواريها ، فحينما آوي إلى فراشي أستجلب النوم بخيالات مقتله ، وفي كل ليلة أقتله بطريقة مغايرة عن الليلة السابقة ، آه كم هي المسافة بعيدة بين الواقع والخيال". وتلي هذا الجزء الذي يشكل أغلب جسم الرواية عدة من إضافات تعد تكملة له وجزءاً أساسياً من الرواية ، حتى ولو كتب المؤلف في نهاية الصفحة 379 انتهت بتاريخ 1 ـ 1 ـ 2009 ، غير أن هذا من التقنيات الأسلوبية التي وظفها بما يخرج الرواية عن الشكل الكلاسيكي المألوف.

تتكون الرواية التي يجري أغلب أحداثها في القصر من عتبة أولى وثانية. وقد أضاف المؤلف إلى الرواية فصلاً قصيراً سمّاه البرزخ ويقع في ست صفحات ، وقد قسمه إلى مقطعين ، الأول بعنوان "هياكل لأحداث ميتة لم تستوعبها حياة السرد" ، والثاني بعنوان "مقطع من جلسة سبقت كتابة هذا السرد". ويلي ذلك مقتطفات من مانشيتات وعناوين صحفية سعودية عن أبطال الرواية أو أحداثها. وتبدو من الوهلة الأولى أنها مقتطفات صحفية حقيقية تستند إلى وقائع فعلية ، ولكننا نكتشف أن فيها نوعاً من ايهام القارئ ، وأنها جزء أصيل من النص الروائي.

وتنير هذه المقتطفات الصحفية عالم الرواية ، ففيها اسقاطات من زاوية أخرى ، كانما تقدم التفسير السري المغّيب لكثير من الأحداث التي تسوّق على أنها لصالح المجتمع ، بينما تكمن خلفها مؤامرات ، تكشف أنها ليست سوى لعبة لمصلحة فئة متنفذة. ومن ناحية فنية ، فانها جزء من توظيف وسائط الاتصال المختلفة في العمل الروائي ، وشبيه بما تم من إيراد نص رسالة بهيئتها كما كتبتها صاحبتها. تفصح الرسالة عن اسم الراوي لأول مرة في الصفحة 88، حيث نرى رسالة تهاني إلى حبيبها بشكل حروفها كما كتبتها وبرسوماتها العاطفية المراهقة.

وهناك فصل للتعريف بنساء القصر أو بالأحرى ، الحريم اللواتي وقعن ضحايا المجتمع ، ووهم محاولتهن البحث عن الخلاص من خلال الجسد ، فانتهى بهن المطاف خادمات لمتعة الرجل في القصر ، ويشتمل هذا الجزء على نبذة مختصرة عن كل واحدة منهن ، مع صورة بالنقاب الأسود للدلالة على فقدان الذات ، مجرد جسد أنثوي بلا هوية ، ليس أكثر من تجسيد للفتنة والجنس في قصر الحريم، يلي ذلك في خاتمة الرواية فصلان قصيران يعيدان إلى الأذهان أسلوب كتب التاريخ العربية القديمة ، بعنوانيهما: "ثم دخلت سنة 1428 هـ وحدثت فيها الأحداث العابرة والغائرة" ، و"ثم دخلت سنة 1429هـ". يرسم هذان الفصلان أفق النهاية في حياة أبرز الشخوص ، مما يكمل الصورة الكلية في ذهن القارئ.

وبالإضافة إلى دلالتها اللغوية ، فان تقسيم الرواية إلى الأجزاء المذكورة ، وخاصة "عتبة" الرواية الأولى ، توحي بأن القارئ يوشك أن يدخل قصراً أو سرداباً أو قبراً أو مرحلة فارقة من الزمن. وتصدمنا عبارة الراوي التي يستهل بها حديثه "خسئت روحي ، فأنزلقت للإجرام بخطى واثقة" بهذا الاعتراف المدوي الذي يدل على مدى العذاب الذي يرزح تحته حتى أفضى بهذا التصريح ، وفي الوقت ذاته يدل على مدى انحطاط الإنسان وسقوطه ، ولكنها بداية تنذر باعتراف خطير ينم عن ضعف يصدر عن بقايا إنسان. وحينما نشرع في الرواية نجد أننا ندخل من العتبة إلى مستويات مختلفة من الدلالات: ندخل إلى القصر الذي يرمز إلى مطلق السلطة والثراء والنفوذ والعزلة عن عامة الناس ، وإلى سرداب الظلم وممارسات التعذيب والجحيم السفلي التي تمتهن كرامة الإنسان ، وإلى قبر كبير تموت بداخله كل مظاهر الحياة الحقيقية ، وقد رأينا فيه نهاية العديد من الشخوص لأسباب مختلفة ، وندخل أيضا إلى مرحلة فارقة من تاريخ المدينة ما قبل القصر وما بعده.

تضع العتبة مسرح الأحداث وزمانه. قصر لسيد يمتلك عدة من قصور على شاطيء مدينة جدة يمارس السادية وامتهان الكرامة والتشفي بالآخرين من خلال شخص وضيع يدعى طارق فاضل ، أو الراوي ، كل قيمته أنه فحل يستطيع فعل اللواط بالرجال خصوم السيد الذين يأمره بتعذيبهم وتوثيق تعذيبهم بالصور كي يضمن سكوتهم. "في معظم الأوقات أكون داخل القصر آلة عديمة الجدوى حتى إذا جلب السيد ضحيته غدوت المفتاح الضائع الذي يخرج كل من بداخل القصر للبحث عنه". ص8.

تتسم لغة السرد التي تعكس ذهنية الراوي المضطربة والمشوشة تحت واقع العذاب النفسي والصراع الداخلي الذي يمر به بالإفراط في تقديم تحليلات نفسية فلسفية يغلب عليها جو الكآبة والتشاؤم وفلسفة الموت التي لا ترى في الإنسان سوى مستودع للقذارة والشر. ويفاجأنا الراوي بهذه القدرة المذهلة على النظر إلى كل حدث بمنظار تحليلي فلسفي كأنه فيلسوف وجودي، تعززها رغبته المفرطة في تقديم نظرات تأملية للحياة ومصير الإنسان ، رغم أنه لم يتوفر على قدر من التعلم أو الثقافة ، فهو كان مجرد طالب في زمرة أشقياء، نجح بالصدفة وهرب من بيته ودخل القصر وصار جلاد السيد في تعذيب ضحاياه ، ولم يذكر مرة واحدة أن له علاقة بالقراءة والكتب ، أو تفسير ولعه بتحليل الأحداث على هذا النحو التأملي. لم يكن الراوي مقنعا في هذا الجانب ، وخصوصاً أن كل هذا الكم الهائل من التعليقات والتحليلات الفلسفية التي تقحمها الرواية مع كل حدث مهما كان بسيطا على مدى الصفحات جميعها لم تقدم في نهاية المطاف رؤية متكاملة ، بل بقيت انطباعات وتحليلات مجزوءة ، كانها لازمة فنية أقحمها عبده خال لإعطاء الرواية بعداً فلسفياً ونفسياً.

هناك تكرار واضح في الوصف للشيء ذاته بشكل غير مبرر ، ويبدو لي أن الانقطاع في كتابة صفحات الرواية وعدم مراجعة ما كتب كان يؤدي إلى إعادة التعبير نفسه أكثر من مرة. يقول مثلاً في وصف مصابيح القصر: "يزداد بهاء القصر ليلاً حين تسرج مئات المصابيح الكهربائية ، فتثير تحدياً حامياً بين صبيان الحي ليخرجوا متراهنين أيهم أقدر على إحصاء تلك المصابيح ، وغالباً ما يفشل المتراهنون حيث تكون نتيجة العدد متفاوتة" ص 29، في حين نجده يعيد الشيء ذاته في ص 31 "وكما نخرج نهاراً لرؤية سيد القصر ، كنا نخرج ليلاً نتطلع لأنوار القصر المشعة في كل الاتجاهات ، ونتراهن على إحصاء المصابيح المختلفة الألوان والأحجام ، ومع عجزنا عن بلوغ إحصائها تراخى رهاننا".

هناك تداخل وتكرار في السرد بشكل ملفت للنظر ، ما يؤدي إلى الملل ، فالراوي يذكر الأحداث ثم يعود اليها مرة أخرى ويكررها أو يضيف اليها أشياء جديدة غير ذات قيمة ، ولكن القصة الأساس تبقى هي ذاتها. وقد حدث ذلك في عدة مواضع. فمثلاً ، قصة زواج وليد الخنبشي من مرام ذكرت عدة من مرات في أزمان مختلفة. أما التكرار الأكثر وضوحاً فكان قصة مرام منذ أن وجدت نفسها يتيمة في هذه الدنيا ، وما مر بها من أحداث ورجال غيروا مسار حياتها ، وفي المقابل غيرت مسار حياتهم بشكل دراماتيكي كعيسى الرديني.

في الصفحة 109 من الراوية نلحظ أن هناك أنقطاعاً قسريا مفاجئاً في السرد ، وتحويلا لمجراه دون مقدمات للحديث عن والد الراوي ومهنته. تسبر الصفحات التي تسبق ذلك التحول المفاجئ غور الكراهية بين خيرية عمة الراوي وأمه سنية ، وتعرج على اصل عائلة الأم وعائلة الأب ، في محاولة لتهيئة القارئ ليفهم أسباب العداء الراسخ بينهما ، والذي كان طيلة الفترة الماضية من السرد من دون سبب ظاهر يبرر حصوله قبل معرفة التفاصيل. وأعتقد أن السرد لم يكن موفقاً كثيراً عند هذه النقطة من تطور الأحداث حينما أقحم موضوع الأب فجأة.

لم يكن التنويع في لغة السرد من خلال تقنية تعدد الأصوات واضحاً ، بل استمرت اللغة السردية على وتيرة واحدة. كما لم يكن توظيف الأصوات الأخرى باعتقادي ناجحاً ، فتوظيفها تم بشكل ضيق جداً لإنقاذ السرد من أزمة تغطية الحدث من زاوية تاريخية ماضية ، حيث إن هذه الأصوات قليلة وقصيرة للغاية تظهر فجأة لملء الثقوب في السرد. يروي الرواية كلها طارق فاضل ، باستثناء فصلين قصيرين يرويهما أسامة البشري ومرام. يروي أسامة في الأول تفاصيل قتل تهاني ـ الفتاة التي سلبها الراوي عذريتها ـ على يد أبيها ودفنها سراً ، ووفاة أبيها بعد عشرين عاماً وبوحه بالسر وهو على فراش الموت.

تبدو الراوية المتعلقة بقتل تهاني كما يرويها ابن خالتها وكتم خبر مقتلها مفتعلة ، بل إن الصوت نفسه يبدو مقحماً ليسرد علينا القصة الحقيقية لغياب تهاني عن ساحة الأحداث. وتبدو الحكاية التي اخترعها أبوها صالح خيبري عندما أخبر أمها أنه وجد اللص الذي اعتدى عليها وزوّجها له كي لا تنتشر الفضيحة مفتعلة. فهل يعقل أن الأم نسيت ابنتها بكل بساطة مدة عشرين عاماً متزوجة من شخص غريب لا تعرفه ولم ترها خلالها؟ أما الرواية الحقيقية فتبدو غير مقنعة ومفتعلة أكثر. فقد رحل بها أبوها إلى قريته وقتلها في اليوم التالي لوصوله رغم أن في القرية أعمامها وأبناء أعمامها ، وكلهم صدقوا خبر موتها ، بل والأدهى أنهم كلهم سكتوا على خبر موتها عندما أخبرهم أنها تحشرجت بالاكل وماتت وطلب منهم ألا يخبروا أمها المريضة. ولكن هل يعقل أن الأقارب أخفوا خبر موتها عن أمها عشرين عاماً؟ وهل يعقل أنهم لم يتصلوا بصالح خيبري طيلة هذه المدة ، ولم يروا أهل بيته؟

مما يثير الاستغراب هذا الكم الكبير من الأخطاء المعرفية والطباعية والنحوية التي حفلت بها الرواية ، خاصة أنه مطبوع على زاوية غلافها بالأحمر "طبعة جديدة" ، ما يلقي ، باعتقادي ، بظلال الشك على مسألة جدارة الفوز ، كما يثير التساؤل حول طبيعة المعايير التي راعتها اللجنة في اختيار العمل الفائز. وإذا لم يكن لكل هذه الأخطاء الواردة في الرواية أي تأثير على قيمتها الإبداعية والفنية ، فهل يقبل من جائزة لها هذه المكانة ألا تراعي معايير سلامة اللغة وجودة العمل المقدم وخلوه من الأخطاء؟ أعتقد أن جمالية الشكل والأسلوب واللغة الفنية العالية لا تقل أهمية عن المضمون ، بل إن ما يميز الإبداع عن التقرير هو هذه الجماليات والأساليب اللغوية والفنية. وقد أوردت هذه الأخطاء وتغاضيت عن عدد آخر من الأخطاء الاخرى ، كي لا تتحول المقالة إلى مجرد سرد بالأخطاء. واذا كانت الطبعة الأولى الجديدة الصادرة عن دار الجمل فيها كل هذه الأخطاء ، فكيف كان حال الطبعة الأصلية؟

هناك أخطاء في أسماء الشخصيات ، ففي الصفحة رقم 11 يرد اسم عيسى الدريني الذي حمى الراوي من التعرض لتحرش جنسي وهو صغير ، ولكنه حين يذكره مرة أخرى ابتداءً من صفحة 31 عندما هرب من الحارة يصبح عيسى الرديني، ويذكر حارس بوابة القصر أول مرة في ص 33 بإسم حمدان غبيني ، وحينما يورد اسمه بعد ذلك يصبح حمدان الغبيني، وفي الصفحة قبل الأخيرة من الرواية 415 يصبح اسمه حمدان البغيني، أما محمد الركابي ، الذي كان يعذب ضحايا والد السيد وقد شاخ فطرده سيد القصر بطريقة مهينة ، فيرد اسمه عدة من مرات هكذا ، ولكنه في ص 43 يصبح محمد الركيبي.

وهناك أخطاء نحوية مثل "يعظ أصابع الندم" ص 34 ، و"لم يكن يدر (بدلاً من يدور) بخلد بعضهم.." ص ,34 وفي بداية الصفحة 61 يقول الراوي "غدت حكايات وأخبار الأعمال المنهمكين بتسوير الشاطيء..". بدلاً من العمال. وفي ص 116 كتب "يخبىء نجمة في نافذة ما ، ويوقد ضوأها بلوعة العمر الغض" ، بدلاً من ضوءها. كما لا تخلو الرواية من لغة أكلوني البراغيث: "وجلسوا رجالاته لتقديم العزاء لأسرتها" ص ,119 وفي الصفحتين 129 ، 137 نقرأ ما يلي على التوالي" يا أخي استحم وارتدي أفضل ما عندك" ، و"لم تواتيني الجرأة.." بدلاً من وارتدِ، وتواتني على التوالي. وسقطت كلمة حصان من العبارة "خطف لعبة خشبي كانت تلعب بها" ص 142 وفي 147 ص استخدم كلمة سوداوتان لوصف العينين بدلاً من سوداوان. وفي العبارة على لسان خيرية في ص :162 "ما دمتم أنت في الوجود". بدلاً من دمت. وفي ص 165 تجده يقول "يفوق من ارتشاف خمرته" بدلاً من كلمة يفيق.

وفي ص 238 يستخدم خبر إن منصوباً بدلاً من الرفع "فتيقن أن حكمك على الاشياء صائباً حتى اذا هويت". في صفحة 289 أورد خطأ كلمة طالباً في الجملة التالية ، والأصل أن تكون طالبة: "ورفعت سماعة الهاتف طالباً من نادل الفندق إحضار فطور يكفي لشخصين". وفي ص 315 نقرأ "لم يحضره الا القلة القلية" بدلاً من القلة القليلة. ونرى أن فعل الأمر المسبوق بلا الناهية (تخش) لم يجزم بحذف حرف العلة من آخره ، فبقي كما هو "اسمع ، لا تخشى من شيء"، ص 363 ، وفي الجملة نفسها صار الفاعل منصوباً بقدرة قادر "فما دمت تسلك الطرق الآمنة فلن يصلك شيئاً"، وفي ص 391 كُتب الفعل "انهار" في الجملة "فنهار انهياراً يوازي الخسائر" هكذا "فنهار" ص 391، وفي الجملة التي تتحدث عن خروج تسع من نساء القصر "وقد غادرن القصر لكبر سنهما ، وبقيت بعضهن". بدلاً من "لكبر سنهن" ص 409، وفي ص 413 تحولت كلمة متيقن إلى ميقن في الجملة: "أصيب - في آخر أيامه - بحالة قلق مرضية جعلته غير ميقن من أي شيء". وفي ص 414 هناك خطأ في كلمة صحيحة في الجملة: "اتهمت بأنها تدعو لعقيدة غير صحيحية". وفي الصفحة ذاتها نقرأ: "نهى ونهلة أختا تهاني تجاوزا الثلاثين" بدلاً من تجاوزتا، وفي ص 415 كتب انتقل إلى جوار بيت الله الحرام تائباً من مما اقترفته لسانه"، ونلاحظ الخطأ في قوله "من مما" ، وفي قوله أيضاً "اقترفته لسانه" بدلا من "اقترفه".

تقدم الرواية وبخط موازْ من خلال سرد الأحداث معاناة الراوي وقلقه النفسي وعذابه وصراعه الداخلي ، حيث لا يستطيع فكاكاً من هذه الوظيفة خشية انتقام السيد منه ، فيشعر أنه يشارك الضحية عذابها واحتراقها وسقوطها نحو الهاوية. وفي إحدى لحظات صحوة الضمير القليلة التي لم تكن تكتمل ، بل تقف عند مجرد الشكوى من الواقع وقذارته ، والحنين إلى الماضي قبل أن تتلوث أرواحهم بدناءة جو القصر ، يسأل أسامة البشري الراوي: "من يعيدنا للفطرة الأولى؟ ، فيجيبه الراوي: "نحن نتلوث كلما أوغلنا في الحياة ، في كل خطوة نقطعها تتمرغ أرواحنا بدناسة الأرض ، هذه الأرض المعجونة بوحل الرغبات لا تسلمنا لنهاية الطريق إلا كومة زبالة نتنة" ص 119

يظهر مدى الجهد الروائي القائم على توظيف تقنيات السرد الحديث من خلال التنقل بين العوالم الداخلية والخارجية للشخوص والأمكنة ، وتوظيف الرموز ، والمفارقة بين الظاهر والباطن للأشياء ، ودرجة التلامس بين الشخصيات القائم على الصراع والكراهية والاستعباد والاستغلال ، والخضوع المطلق للشر في داخل الإنسان ، والأفكار المثيرة للجدل دينياً واجتماعياً ، وتحدي التابوهات الدينية والسياسية والقفز عن أسوارها العالية ، وتلوينات الحالات النفسية ، ورصد التحولات الاجتماعية المغذية لحركية الرواية ، والتعبير عن الأوهام والخلجات النفسية والتأويلات الفلسفية بلغة تنقل هواجس العالم الجواني للشخصيات.

تعتمد الرواية كثيراً على توظيف تقنية المفارقة ، والتناقض بين الظاهر والباطن. سكان القصر يتمنون الهروب منه لأنه صار الجحيم بالنسبة لهم ، بينما يتمنى سكان الحي دخول القصر. ومن المفارقة أن الناس سموا الحي باسم حي القصر في حين أنه كان يعرف باسم حي الحفرة ، أو جهنم أو النار. وفي لحظة إدراك عالية أن حياته في القصر ليست سوى ضياع وعبث ، يشير الراوي إلى القصر على أنه الجنة التي دخلها من غير روية ، ويتوق الآن إلى النار، أطلق حمدان الغبيني حارس البوابة تسمية الجنة على الجهة الغربية من المدينة حيث القصر ، والنار على شرقها البائس ، ودعا أهلها إلى استخدام هذه التسميات علها تصل المسؤولين فتكون رسالة ذات مغزى. وفي نهاية الرواية يعود حمدان بعد أن صار كبيراً في السن إلى عكس التسميات، دعا إلى تغيير اسم حي الحفرة "جهنم" إلى حي الجنة ، لأن جهنم ترمي بشرر كالقصر - من هنا جاءت تسمية الرواية ، ولكن لم يحفل باقتراحه أحد.

وتظهر المفارقة واضحة في شخصية صاحب القصر أو السيد كما ينادونه. وتجسد ملامح شخصيته مزيجاً من المتناقضات ، فهو صاحب نزوات غريبة. ذو طبيعة انتقامية بوليسية لا تثق في أحد. ملأ القصر والسيارات وبيوت العاملين معه سراً بآلات مراقبة ، مهووس بالنساء والسلطة والتشفي بالآخرين وإيقاع العذاب بخصومه ، سادي غريب الأطوار. كرس حياته للمتعة وكلما نال واحدة بحث عن أخرى. ينظر إلى نفسه على أنه ملاك هبط ليمسح عذابات أهل الأرض ، في حين أنه جعل من القصر قفصاً لعشرات النساء البائسات ممن لم يجدن سوى طريق الجنس للبقاء.

يعد الجنس محوراً مهماً من محاور الرواية. وتنتقد الرواية بلغة غير مسبوقة في الرواية السعودية ممارسات استغلال النساء ، واعتبار الرجولة مسألة تتعلق بالجنس والفحولة. وكل قصص الحب التي تقدمها تنطوي على الجنس الذي يعصف بها ، ويحولها إلى مقابر للروح. ويعتقد الراوي أن الفحولة الجنسية هي سبب تمدد الحي ونموه بسرعة ، فقد صار الرجال يتباهون بها من خلال تعدد الزوجات ، في نقد لمجتمع يقوم على ثقافة الجنس ، والشهوة ، والرغبة التي يغلفها بمسميات مختلفة.

تنطوي الرواية على نقد اجتماعي مكثف للكثير من ممارسات الزواج عندما تصبح المسألة مساومة وابتزازاً وفوزاً لمن يدفع أكثر ، مثل قصة زواج رجل كبير في السن على حافة القبر "أبو مشرط" من فتاة صغيرة اسمها سميرة ، والذي أغرى أهلها بعرض مالي لم يقدروا على رده. وفي سخرية رمزية مريرة ، يفشل أبو مشرط في الوصول إلى اثبات فحولته ، ولكنه ينقل اليها جرثومة مرض الجذام، فتموت سميرة بعد أسبوعين. وهكذا يصبح الزواج المعادل الموضوعي لموتها ملوثة بقذارة الرجل والمجتمع.

تنتقد الرواية جرائم الشرف بجرأة حيث تعتبر أن كل أنواع الفض مقبولة بل وخير عميم إلا ذلك الشيء المقصود. "ولا يسقط الشرف بخرق وافتضاض الوعود ، والمواثيق ، أو بخيانة الامانة ، أو السرقة ، أو الرشوة ، هذا الافتضاض الهائل ، لا ينال حظوة إسقاط الشرف ، كما تفعل طفقة دم تنسل كخيط زهري من فرج فتاة"، ص 125.

وبرغم انغماس الراوي في جو قذر من استغلال المرأة والرجل على السواء ، فإنه يحلل طبيعة هذه العلاقة بشكل جميل ، ويتعاطف مع النساء الضحايا. ولكنها قليلة جدا هي النماذج التي حافظ على نظرة إنسانية تجاهها. تنم نظرته عن احتقار للمرأة من خلال نماذجها المختلفة التي سقطت في مخططات القصر. بل إن موقفه من غيرهن مثل عمته خيرية ، وحتى أمه لم يكن بأفضل من نساء القصر. "وهل فعلا اقتصيت لأمي ، أم اقتصيت من النساء مجتمعات في صورة عمتي بتقطيع أجزاء منها ، أو في تهاني بهتك عذريتها ، أو أمي بنسيانها ، أو بإتيان الرجال كاكتفاء وعدم الحاجة للمرأة؟" ص 237.

تحكي الرواية قصة نشوء مدينة جدة من أحياء صغيرة مكتظة فقيرة في الأربعينيات والخمسينيات إلى ما صارت عليه الآن ، والاستيلاء على الشاطىء من المتنفذين أمثال صاحب القصر ، وشعور قطاع كبير من الناس بالتهميش ، كالصيادين الذي فقدوا بحرهم الذي كانوا يصطادون فيه. يسأل الصياد حامد أبو جلمبو: "متى سيسرقون آخر موجة من البحر؟" ص 51، حاول حامد الاعتراض على الالات التي كانت تردم شاطيء البحر لتقيم عليها المباني الإسمنتية وخاصة حينما أرادت أن تردم مرسى قاربه الصغير ، فأصيب ووقع ميتاً ولم يثر موته انتباه أحد.

للقصر قيمة رمزية وعلامة فاصلة في تاريخ المدينة ، فيقولون عن أية حادثة حدثت قبل بناء القصر ، أو بعده. "في حارة الحفرة تاريخ سري تواطأ الجميع على كتابته" ص 139، توظف الرواية الرمز في حركات البحر والنسيم والهواء لتشير إلى تأثير القصر الطاغي على مستقبل المدينة ، فهو يمنع بواجهته الكبيرة وصول نسيم البحر إلى الأحياء ، فيشعر السكان بالضيق. فكأنما لا يستعبد القصر الناس في داخله وحسب ، بل يستعبد المدينة بكاملها ، في إشارة إلى عبودية الإنسان والمكان.

* نشرت في الملحق الثقافي في جريدة الدستور ليوم الجمعة الموافق 4/6/2010

رابط المقالة بموقع الجريدة

رابط الصفحة الكاملة pdf





الأحد، مايو 23

حوار مع صحيفة القبس الكويتية

في حوار نشر في صحيفة القبس الكويتية بتاريخ 23/5/2010:

القاص والناقد إياد نصار: القصة القصيرة اقتصاد وتكثيف وأشياء أخرى

عمان - القبس
القاص والناقد الاردني اياد نصار من الاقلام المتوهجة على الساحة الاردنية الذي أخذ يتابع نشر انتاجه بانتظام، ويداوم على حضور الكثير من النشاطات والفعاليات الابداعية المختلفة. يتقد شعلة حماسة كما قال الناقد فخري صالح. يقدم اياد نصار عالمه القصصي المشحون بقلق الانسان العربي الراهن أمام صدمة المتغيرات وقسوة الواقع وايقاع الحياة الجديد، في إطار أسلوبه السردي الخاص به في مجموعتيه القصصيتين «أشياء في الذاكرة» التي صدرت في عام 2008 ومجموعة «قليل من الحظ» التي صدرت مطلع هذا العام. وهو هنا يفتح مجالاً للنقاش والتعريف بقصه الجديد.


حاول نصار ركوب آلة الزمن، وراح يطوف عبر الازمان منذ بدء الحياة حتى الزمن الحاضر، وتطالعنا في مجموعته القصصية الثانية «قليل من الحظ» لغة أنيقة تركز كما قال الناقد الدكتور محمد عبيد الله «على الوصف الداخلي، وعلى حركة الإنسان الجوانيّة، من دون أن تنسى متطلبات السّرد وتتابع الحكاية، ومن دون أن تتخلّى عن منظور القصة القصيرة التي تتخذ من الاختزال ومن الاقتصاد اللغوي أساساً لبنائها، وهي في ذلك تسير على المبادئ الكبرى لروادها الأوائل، وتطوّرها بما يناسب زماننا الراهن».
القبس التقته وكان هذا الحوار:

• برز التكثيف كأحد أهم مميزات القصة القصيرة مرتبطاً بالوصول الى عمق القارئ والتأثير فيه بأقل قدر من المفردات وأكثرها قدرة على الوصول والتحيير. كيف تنظر الى مجموعتك القصصية الاولى «أشياء في الذاكرة» ضمن هذا المفهوم؟

ــــ التكثيف والاقتصاد اللغوي مهمان بشكل عام في عالم القصة القصيرة في مقابل الاسهاب والاطالة والاغراق في التفاصيل الزائدة التي قد تقتل روح القصة، وتخمد ثورة الشعور الذي تولده في القارئ، لكن ينبغي أن نبدد وهم أن القصة هي مجرد ومضة أو أقصوصة أو بضعة أسطر أو فقرات قصيرة كما تفضلها الصحف العربية بسبب اعتبارات المساحة المتاحة، هذا معيار صحفي وليس نقدياً! هناك الكثير من القصص التي يكتبها كتاب قصة معروفون في العالم العربي وفي الاداب الاجنبية. عبد الستار ناصر القاص والروائي العراقي المعروف أصدر منذ أيام مجموعة قصصية بعنوان «السيدة التي دخلت» عد فيها أهم وأجمل قصة تلك التي تقع في 43 صفحة! طبعا أنا لم أكتب قصة بهذا الطول، ولم أكتب حتى القصة الطويلة! ومن يقرأ قصص الروائية والقاصة الاميركية المعروفة كارول جويس اوتيس يعرف معنى ما أقوله. صحيح أنني متأثر بأجواء بعض الاعمال القصصية والنقدية الغربية المعاصرة، لكن التكثيف ليس مجرد الايجاز والاختصار فقط. أكتب القصة بمفهوم السرد الذي يستكشف العالم الجواني بعيداً عن الزوائد اللفظية والتهويمات التي لا تقول شيئا سوى ملء الفراغ، لكنه سرد يقتنص لحظة هاربة من الزمن بكل مفارقاتها وسخريتها وأبعادها النفسية والفلسفية، وبهذا فإنها قد تكون أكثر من مجرد لحظة خاطفة مكثفة. لا بد لي من التأكيد أنني اسعى الى تقديم قصة قصيرة واقعية ذات مضمون عربي انساني تنطوي على الكثير من التعاطف مع أبطالها الذين يخوضون محنة العيش وقلقه، ويتجرعون الحزن والالم والانتظار بصمت، وبلغة تستجيب لذائقة القارئ الفنية. لست مع ذلك النمط لدى بعض كتاب القصة الذي يقوم على توظيف تهويمات اللغة كتمرين انطباعي لمجرد تقديم نصوص محلقة في عالم الخيال، أو الاغراق في لغة متوحشة أقرب ما تكون الى الفوضى والاستفزاز الروحي، أو السعي الى إحداث الدهشة المفاجئة واجتزاء الموقف لتعميق احساس معين.

صور الماضي
• لاحظنا بروز مفهوم تأثير الماضي على مصير الانسان في الحاضر وتوظيفه في عدد من مجموعتك القصصية الاولى «أشياء في الذاكرة». كيف تفسر هذا الامر؟

ــــ الماضي بمراراته الكثيرة واشراقاته القليلة عبء ثقيل لا يمكننا أن نهرب منه، وهو أساس الحاضر والمستقبل. عندما أتوقف لأتأمل وأرسم مشهدي القصصي لا استطيع أن أنعزل عن الماضي. الماضي محتشد كامن مثل أوهام ورغبات العقل الباطن، لا يمكن أن يزول من أعماقنا ومن ذاكرتنا. أحب أن أبعث الماضي من جديد، في صورة انسانية فيها قدر من التفهم والاحساس بعذاب النفس الصامت وقدرة اللغة أن تصنع فينا الكثير كالسحر. قلق الحاضر ذو أبعاد متشابكة من عمق الماضي، وكما يدل العنوان فإن الذاكرة والماضي لا ينفصلان ويستدعيان شهية البوح. أعتقد أنه لم يعد كافياً في القصة مجرد الادهاش والمفآجات اللغوية المجزوءة، فقصص الواقع اليومي التي نعايشها تسد هذا الجانب. لا بد للقصة من مسحة جمالية شفافة تستوحي فيها التعبير عن فلسفة الحياة وانكسار الاحلام من دون أن تقع تحت وهم اللقطة الخاطفة.

زمن الرواية
• يرى بعض النقاد العرب أن من اسباب تغلب القصة القصيرة على الرواية في عالمنا العربي أن الجرائد والانترنت لعبت دورا في ذلك. كيف ترى هذا الرأي؟

ــــ رغم العلاقة الاثيرة بيني وبين القصة، وقربها الى نفسي واحتفائي بها وبكتابها عربياً وعالميا، وبرغم المساحة القليلة التي تفردها الصحف للقصة القصيرة، وبرغم منابر القصة على الانترنت ومنتدياتها، فإن هذا العصر هو عصر الرواية بامتياز. هناك اقبال متزايد على اقتناء الروايات وقرائتها، كما أن حفلات توقيع الروايات وتقديمها في انتشار. هناك احتفاء عالمي بالرواية عبر تخصيص الجوائز. بل إن هناك اهتماماً عالمياً بترجمة ونشر رواية العالم الثالث التي توفر مادة للبحث والدراسة مع ازدياد هجرة المثقفين من دول العالم الثالث الى الغرب، وهذه الشهية المتزايدة للاهتمام بالرواية قد وصلت الى ساحتنا الثقافية وانعكست ايجابيا في مجملها: هناك الكثير من الروايات التي تصدر شهريا في العالم العربي، وربما يكون بعضها متسرعاً من ناحية فنية أو لغوية، لكن هناك ازدياداً في طرح الروايات التي تستقطب اهتمام النقاد والكتاب. وقد سبق أن قلت إن الرواية أصبحت ديوان العرب المعاصر، كما أن هناك شهية نهمة من الناشرين تجاه الرواية. أعتقد أن حجم الازمات والاغتراب الذي يحس به الانسان العربي وانتشار المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والارتداد الحضاري اصبحت جميعها مثل طوفان يكاد يودي بمستقبل العالم العربي، مما يفتح شهية الكتاب على كتابة الرواية لتكون شاهدة على العصر، ووثيقة ادانة له، بعد أن شهدنا تراجعا في دور الكاتب الايديولوجي، الذي يجعل من النضال الذاتي مقدماً على الابداع. صارت الرواية فضاءً لنضال الفكر والابداع في زمن انكسار الحلم العربي.

• ما رأيك بما يقال في المشهد الثقافي العربي من أنك لا تستطيع كتابة قصة قصيرة جيدة من دون أن يكون لديك شيء تقوله من غير تقنيات القصة؟

ــــ اتفق معك الى حد كبير في هذه المقولة، ولكننا نرى الان أن هناك كتابات كثيرة تقوم على تقنيات القصة المعاصرة وأساليب السرد وفتح المجال للتجريب شكلا ومضموناً، من دون أن تشعر أن هناك عمقاً تأملياً فلسفياً متقدما على صعيد المضامين والقضايا المطروحة. ويبدو ان الرغبة المفرطة في ادهاش القارئ بفنون اللغة والتهويمات الجمالية لا تزال تأخذ كثيرا من اهتمام بعض كتاب القصة العرب. أكتب القصة مستمدا طاقة وفضاء من الاشياء من حولي، أو من الرغبة في توظيف تقنيات القص في الجمع بين جمالية المضمون الانساني وجمالية السرد بلغة أنيقة تعتبر أن للقصة عالما فكريا وحسياً يوازي ما تجده في اللوحة الفنية. بعض القراء تأخذهم اللغة المحلقة في تشكيلات عاطفية وبصرية من دون أن يكون لهذه الكتابات من التصاق بواقعهم، ربما بحثاً عن اشباع حاجة الانسان للعاطفة والجمال في بلادنا، حيث تتسم الحياة فيها بالجفاف الروحي والعاطفي. واذاً لا بد من الاثنين معاً، فليس بالمضمون وحده تحيا القصة، وليس بالصدق في نقل الواقع. قال الكاتب الاميركي وليم فوكنر «إن الكاتب لا يستطيع أن يحكي الحقيقة ولهذا نسمي ما نكتبه قصة!»، لا بد من أن تتعاطف مع أبطالك وأن تراعي ذائقة القارئ كي تفتح لك ابواب اللغة.

فضاء أقل
• هل صحيح أن القصة لا تتحمل أن تعالج عدداً من القضايا لعدد من الشخصيات عبر أجيال مختلفة، لأنها لو فعلت ذلك فلن تكون سوى سرد لأحداث متتابعة؟

ــــ بالتأكيد ان فضاء القصة أصغر من فضاء الرواية، ولن تتمكن القصة من تقديم قضايا التغير والتطور الاجتماعي عبر أزمان مختلفة، ولكن القصة تحتمل ولا بد لها من توظيف الزمن وتداعي الذكريات وتجارب الحياة في الطفولة، واقامة المفارقات والتناقضات التي تعد أسلوبا ضروريا لعكس تناقضات حياتنا. لا أميل الى القصة القصيرة جدا أو الومضة، لأنني أعتبر ان اللحظة الراهنة لها انعكاسات وامتدادات واختزالها الى هذا الحد هو برغم براعته اللغوية اختصار مبتسر، وأجد أن تقديم بعض تفاصيل الحياة اليومية وتأثير المكان وصوره الحية في الذاكرة، وماضي الشخصيات تغني القصة كثيراً. أميل الى الحركة وتوظيف حالات المكان والطبيعة ونقل هواجس النفس الانسانية الداخلية في القصة وتقديم عالم مكثف من تفاعل الشخصيات والاحداث أكثر من مجرد تقديم صور ثابتة.

التحول من القصة القصيرة إلى الرواية
• بماذا تفسر تحول بعض الكتاب العرب من كتابة القصة القصيرة الى الرواية، ومن هولاء أحمد خيري سعيد، ومحمود طاهر لاشين، ومحمود تيمور، ويحيى حقي؟

ــــ أود أن أضيف الى قائمة الاسماء المذكورة عميد القصة العربية يوسف الشاروني الذي كتب رواية يتيمة «الغرق» في عام 2006 حول مأساة العبارة المصرية المحروسة في عام 1991 بعد أن راهنّا طويلا أنه سيبقى الاب الروحي للقصة في العالم العربي، ومن الساحة الاردنية، هناك الكاتب الصحفي المخضرم والقاص محمود الريماوي الذي لم يستطع مقاومة اغراء الرواية وخاصة في عصر الجوائز، فكتب رواية «من يؤنس السيدة»!

لا أخفيك أن الكثيرين من أصدقائي سألوني السؤال نفسه، وقالوا ألم تفكر بكتابة الرواية؟ بالطبع، تخامرني الرغبة في الشروع في كتابة الرواية. ولكني أشعر بأني أريد أن أقدم المزيد في فضاء القصة، لأنني أشعر بأنني اذا دخلت عالم الرواية، فلربما لن أخرج منه مرة أخرى الى القصة! القضية ليست مجرد اختيار نظري وحسب. كما قلت فإن هذا العصر هو عصر الرواية، يغريك أن تلحق به وأنت تشاهد عزوفاً عن القصة القصيرة. كما أن الرواية عالم متكامل تستطيع أن تضمنه توجهاتك الفكرية وعصيانك الاجتماعي وتمردك على النمط السائد، وأن تخوض من خلالها حروبك، وأن تواجه الكثير من القيم الثقافية المتخلفة التي ما زالت تعيق الانسان العربي عن ادراك تحدي العصر الذي لا يمكن قهره سوى بالعلم والعقلانية والموضوعية والشك والتطوير وفوق ذلك كله الاطار الانساني المنفتح على الثقافات الاخرى. القصة فشة خلق، أما الرواية فساحة حرب تقرر المصير!

للاطلاع على الحوار في الصحيفة يرجى الضغط على:
رابط الصفحة بموقع الصحيفة

لتحميل الصفحة الكاملة وقراءتها يرجى الضغط ( مع الانتظار قليلا ليتم تحميل الصفحة) على:
 رابط الصفحة الكاملة