الجمعة، أغسطس 26

زيارة من الزمرة الحمقاء


"زيارة من الزمرة الحمقاء" لجينيفر ايجان
تحطيم الشكل التقليدي للرواية

إياد نصار 
نشرت في الملحق الثقافي بجريدة الرأي الأردنية بتاريخ 26/8/2011

فازت الروائية الأميركية الشابة جينيفر إيجان بجائزة بوليتزر الأميركية لهذا العام عن روايتها "زيارة من الزمرة الحمقاء" التي تقع في 288 صفحة وصدرت العام 2010، وكانت روايتها فازت، قبل ذلك بأسبوعين، بجائزة حلقة نقاد الكتاب الوطني الأميركية.


يثير عنوان الرواية تساؤلات حول ماهية هذه "الزمرة الحمقاء"، وطبيعة الزيارة التي تقوم بها ولمن. كما تعد الرواية محيرة، لأنها عصية على التصنيف المريح ضمن فنون السرد، فهل هي رواية؟ أم مجموعة من القصص المترابطة على نحو فضفاض في فصول مستقلة؟ إنها في كل الاحوال ليست رواية بالمعنى التقليدي للرواية، من حيث الحبكة والشخصيات والزمن والانتقال الزمكاني عبر مسرح الأحداث. ويمكن تصنيفها ضمن الأدب التجريبي الذي يوظف التقنية في بنية العمل. فلا حبكة فيها بالمعنى الاعتيادي، ولا بطل معين، والزمن في حركة انتقال دائم، والشخصيات في تبدل مع كل فصل.

تبدو نصوص الرواية ذات اللغة الشعبية السهلة البعيدة عن التأنق الأدبي، كما لو أنها كُتبت لأغراض المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي من خلال تحطيم البناء الروائي والحبكة والزمن وحتى الشخوص، إذ لا تركز الرواية على شخصية واحدة أو قصة واحدة، أو حتى على عدد قليل منها.

تتناول الرواية تراجع العلاقات الإنسانية وانتشار ميل الإنسان إلى العزلة نتيجة التطورات التقنية، وتؤشر على قضية مهمة هي المفارقة نتيجة اعتماد الإنسان بشكل متزايد على التقنية وشعوره في الوقت نفسه بالاغتراب، إذ أصبح الناس مثل جزر متباعدة؛ يتواصلون بلا معنى أو هدف، كما تبين أن الموسيقى أصبحت سلعة، والشباب الذين يشترون الأغاني عبر الأجهزة اليدوية الحديثة هم سوقها المستهدفة.

الرواية التي تطرح تأثير الموسيقى في المجتمع الإنساني، تبدو من الناحية الشكلية ألبوماً موسيقياً من قصص الحياة الفاشلة، والنرجسية، والعلاقات التي تنتهي بالخيبة، ومحاولات الانتحار. وتنقسم الرواية إلى جزأين: (أ) و(ب)، يضم كل منهما مجموعة من القصص المتداخلة، لكنها في الوقت نفسه منفصلة بعضها عن بعض. ويحمل كل فصل في الرواية وجهة نظر مختلفة، يرويه راوٍ، وهناك شخصية مركزية في كل فصل تسرد قصص الآخرين معها. تعد الرواية، باختصار، حكايات مجموعة من الشخصيات التي تتأثر حياتها بالظروف المحيطة بها، فتصبح مشهورة أو تبقى مغمورة، لكنها جميعها تصبح ضحايا.

تمتد أحداث الرواية عبر خمسين عاماً منذ طفرة موسيقى الروك في سان فرانسيسكو في سبعينيات القرن الماضي وتنتهي في العام 2020 في مستقبل مليء بالبؤس والفقر. تنسج المؤلفة القصص حول زمن غير واضح المعالم ولا يسير خطّياً، وتظل تقفز بالزمن من الحاضر إلى الماضي ثم إلى المستقبل.

تركز الرواية على سبر تأثير الزمن في حياة البشر أكثر من اهتمامها بالحبكة. وتستخدم إيجان كلمة "حمقاء" أو "بلهاء" لتعني الزمن. يقول الراوي: "الزمن أحمق. أليس كذلك؟ هل ستدع ذلك الأحمق يتغلب عليك؟" (ص 96). لا يوجد في الرواية أبطال بالمعنى التقليدي، إنما هناك بطل لا إنساني مشترك؛ إنه الزمن، ذلك "الأبله" أو "الأحمق"، كما يشير العنوان، لأنه يغيرنا ولا يبقى لنا من الماضي سوى ألم الذكريات الذي نتجرعه كلما أحسسنا ببؤس الواقع. والشخصيات التي كانت تمتلئ حيوية في شبابها، تبدو مصدومة من الحال التي انتهت إليها بعد سنوات. يسأل أحد شخصيات الرواية بعد أن كان ذات يوم أحد نجوم الموسيقى: "السؤال الذي أريد أن أصل إليه: كيف تغيرت حالي من نجم موسيقي إلى شخص بدين تافه لا يسأل عنه أحد؟ دعونا لا نتظاهر أن ذلك لم يحدث".

تطرح الرواية مفهوم مارسيل بروست للزمن، والذي يلمح إلى إمكانية إعادة معايشة الذات التي كنا عليها منذ وقت طويل، وتبدأ باقتباس من رائعة بروست "البحث عن الزمن الضائع": "يزعم الشعراء أنه يمكننا أن نستعيد في لحظة ذكرى ذاتنا التي كنا عليها في ماضي الأيام عندما ندخل بيتاً أو حديقة اعتدنا أن نعيش فيهما في شبابنا. لكن هذه الاستعادة تعد أكثر أنواع الحج خطورة والتي قد تنتهي بخيبة الأمل بالقدر نفسه الذي قد تنتهي فيه بالنجاح".

تظل فصول الرواية تتنقل بين صيغ الزمن المختلفة من خلال الانتقال في الحديث عن أناس في حياة نجم موسيقى الروك الشهير الذي تحول إلى رجل أعمال يدير شركة تنتج الأسطوانات الموسيقية في نيويورك، واسمه "بيني سالازار"، ومساعدته المريضة نفسياً "ساشا". والقصة التي تسردها الرواية معقدة ومتشابكة، لأنها تروي بداخلها الكثير من القصص لعدد كبير من الناس.

تبدأ الرواية بقصة "ساشا"، وهي شابة في أواسط الثلاثين من العمر نلتقي بها في جلسة معالجة نفسية في مدينة نيويورك لمساعدتها على التخلص من عادتها في سرقة أشياء الآخرين، بل نراها في فصل لاحق يدعى "العثور على الأشياء" وهي تسرق محفظة رجل قابلته على "النت" وتخرج معه في موعد غرامي! تكشف "ساشا" عن ميولها الغريبة في سرقة الأشياء من الأشخاص الذين تصادفهم كوسيلة لتخليد اللحظات.

يتعرف القارئ لاحقاً على الخلفية المضطربة التي عاشت فيها "ساشا"، ويبدو بشكل واضح أن "دليل متاعب" هذه الفتاة كما تسميه الرواية، هو اختصار لمتاعب جيل بأكمله. كانت "ساشا" الطفلة ضحيةَ زواج عنيف، وتهرب بعد ذلك من أسرتها لتعيش في إيطاليا وتمارس الدعارة، ثم تدخل الجامعة وتسعى بكل جهدها كي تساعد صديقتها في التغلب على نوبات التفكير بالانتحار التي تنتابها. كما ندخل عالم الرغبات الخفية لعمها "تيد"، وهو مؤرخ لتاريخ الفن يعاني من زواج فاشل، ويسافر إلى إيطاليا لتخليص "ساشا" من العالم السفلي للمدينة.

في الفصل الثاني من الرواية نلتقي "بيني". تعمل "ساشا" مساعدة لـ"بيني" منذ سنوات، وفي إحدى المرات يحاول التحرش بها، لكنها تصده بطريقة حكيمة، ورغم علاقتهما القوية إلا أن أيّاً منهما لا يعرف الكثير عن حياة الآخر. كما نلتقي بشخصية "بيني" مرة أخرى وهو كبير يعاني الاكتئاب، ويحاول أن يجد صلة للتواصل بمن حوله، وعندما يعود بنا السرد إلى الماضي نراه في عنفوان شبابه، يعيش صخب طفرة موسيقى الروك.

يشعر "بيني" بتوتر أمام زحف التقنية، إذ تصبح الموسيقى أقل لمسة شخصية وأكثر برمجة حاسوبية، فيشعر أنه ليس ذا قيمة أو أهمية. تعد الرواية إدانة للعصر الرقمي التي تصفه بأنه "سريع، نزق، فوري، لكنه مليء بالفجوات والتوقفات".

تتراوح القصص الأخرى في الرواية بيم المغامرات الجنسية لشباب سان فرانسيسكو إلى ديكتاتور إفريقي يبحث عن جهة إعلامية لتلميع صورته. وينتقل ضمير السرد بين الغائب والمتكلم، ومرة يصبح بضمير المخاطب. وتتراوح نبرة السرد بين التراجيديا والسخرية.

يمتاز أسلوب الرواية بتوظيف التقنية في العمل كمضمون وكأسلوب، فهناك فصل غير تقليدي هو في حقيقته مقالة لها هوامش في مجلة! أما الفصل الأطول في الرواية الذي يزيد على سبعين صفحة ويحمل عنوان "وقفات عظيمة للروك آند رول"، فهو عبارة عن شرائح عرض "بوربوينت"، فيها رسوم توضيحية وأشكال ونقاط. تحكي الشرائح أفكاراً غريبة لاثنين من المراهقين الذي يتضح في ما بعد أنهما ابنا "ساشا"، وتوحي أفكارهما عن المستقبل أن الرواية تقترب من أسلوب الخيال العلمي، فترى أنه بعد خمسة عشر عاماً من الحرب، تأتي فترة تشهد طفرة في كثرة المواليد، كما عملت التقنية على اختراع آلات تحب الأطفال، ويصبح مستقبل نجوم الموسيقى تحت رحمة الأطفال الذين يملكون القوة الشرائية.

تستعيد الرواية الزمن الحاضر من خلال حفلة موسيقية قرب موقع الحادي عشر من أيلول في منهاتن، ويقدم أحد عازفي موسيقى الروك من العصر ما قبل الرقمي "مقطوعات غنائية للخوف وغياب التواصل اللذين يخرجان من صدر رجل تعرف من مجرد النظر إليه أنه لم يكن له حضور.. لم يكن جزءاً من تاريخ أحد، رجل عاش في الشقوق طوال هذه السنوات، منسي ومليء بالغضب بطريقة توحي أنه نقي، لم يلمس".

المستقبل في الرواية الذي يمتد حتى العام 2020، يقول الراوي عته: "بعد جيلين من الحرب والمراقبة التي تركت الناس تتوق إلى تجسيد قلقها في صورة رجل وحيد ضعيف يتكئ على جيتار مائل".

من أكثر فصول الرواية إمتاعاً ذلك الذي يصف المواجهة بين "بيني" و"سكوتي هاوسمان" الذي كان زميلاً لها في الفرقة الموسيقية، لكنه لم ينجح في شيء بعد ذلك، إذ عمل بوّاباً في مدرسة ابتدائية وتحول إلى شخصية عدوانية بسبب الفشل.

يسرد "سكوتي" في هذا الفصل المسمى "نكرات ومعارف" قصة علاقته بـ"بيني" وكيف بدأ الاثنان معاً، وفي حين ظل "سكوتي" يراوح مكانه فقيراً بلا اسم، صار "بيني" غنياً ناجحاً يعمل في مكتب وثير في إحدى البنايات العالية في نيويورك. يكشف حوارهما الكثير من مظاهر الزيف في العلاقات، كما يكشف طبائع الناس.

تقول جينيفر إيجان في مقابلة معها في شهر نيسان 2010: "أظن أن كل واحد يكتب بشكل منتقد ساخر عن مستقبل الحياة الأميركية سيبدو كأنه يكتب نبوءة.. أعتقد أننا كلنا جزء من روح الزمن، ونحن نستمع إلى الأشياء نفسها ونستوعبها بوعي أو من دونه".

"زيارة من الزمرة الحمقاء" رواية حزينة ومضحكة وغير تقليدية في الوقت نفسه. وكما تساءلت صحيفة "نيويوركر الأدبية" في تعليقها: "رواية غير خطية وذات رواة متعددين، ومواقع متباعدة للغاية، وحبكة ترتبط بالموسيقى الصاخبة الغريبة في المظهر واللباس والألوان والشعر، وتحدي المظاهر الاجتماعية التقليدية، هل تستطيع أن تصنع الفرق؟".

رابط الموضوع بجريدة الرأي الاردنية

رابط الصفحة الكاملة






الجمعة، أغسطس 5

ثورات وروايات


ثورات وروايات

اياد نصار

نشرت في قسم شرفات ثقافية بجريدة الدستور الأردنية بتاريخ 5/8/2011

لا شك أن الثورات العربية، التي نشهدها، الآن، ستصبح ـ في مقبل الأيام ـ موضوعاً مهماً وأثيراً للكتابة، ليس السياسية أو التاريخية، فحسب، ولكن الإبداعية بأجناسها المختلفة. فالأحداث الكبرى، التي تغير مصير الشعوب، تعد ملهمة لوجدان الأدباء والفنانين والفلاسفة والمفكرين، ومحفزة تثير شهية الكتابة بما تجسده من مفارقات، ومواقف متناقضة بين وجهي تلك الثنائية التي يمكن أن تضاف إلى كل ثنائيات الأدب التي بتنا نرددها؛ كالظلام والنور، والأبيض والأسود، والوجود والعدم، والخير والشر، والحقيقة والوهم، ذلك لأنها تمثل قمة المفارقة، كما نراها في حراك المجتمع العربي الاحتجاجي. وهل هناك من حل وسط بين حق الإنسان في الحياة والاختيار والمشاركة في صنع المستقبل، وبين الإصرار على إبقاء الاستبداد والدفاع عنه، بالرصاص وبمختلف حجج المنطق السياسي، الذي يرى أن الشعب ليس جديراً بامتلاك قراره، بَعْدُ؛ لأنه يمارس مراهقة خطرة لا تدرك أبعاد المؤامرات.


فهل من الناضج أن تفجر الثورات العربية شهية الكتابة، خاصة في الرواية؟ وهل من الحكمة أن يبادر الأدباء لتقديم أعمال تستند إلى مشاهد المظاهرات، وحكايات البطولة الفردية، وقصص الضحايا المأساوية، وتتحرك شخوصها في إطار الأمكنة التي شهدت الثورات، بوصفها ميداناً التحرير؟ أم إن التسرع في كتابتها سيؤدي إلى إغراقها في الميلودراما، والتركيز على الجانب الآني، المشحون بإثارة اللحظة، وغياب الصورة الواضحة؟ هل ستكون الرواية ـ الآن ـ ذات نظرة انفعالية قاصرة، أم إن الانتظار ـ حتى تنضج الرؤية ـ كفيل أن يعطي الرواية عمقاً فكرياً بحيث تنتقل من رواية الحرب إلى رواية النهضة؟

الثورات العربية

كانت هناك، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى ما بعد منتصف القرن العشرين، ثورات عربية مجيدة ضد الاستعمار في الجزائر، والعراق، واليمن، وسوريا، وفلسطين، وغيرها من الأقطار، وقد تناولها الإبداع كثيراً في أعمال عظيمة ـ شعراً، ونثراً، ومسرحاً، وفناً، وسينما، وغيرها. كما كانت هناك انقلابات عسكرية أطلق عليها اسم «ثورات»، من مثل: ثورة يوليو، في مصر؛ وثورة الرابع عشر من تموز، في العراق؛ وثورة المشير عبد الله السلال (ضد حكم الإمام البدر)، في اليمن، وغيرها. غير أنني أقصد، هنا، الثورات الشعبية الواسعة ضد أنظمة الحكم العربية، من مثل: ثورة الخبز، في مصر؛ وثورة الخبز، في تونس (عام 1984)، ضد حكم الرئيس الحبيب بورقيبة، وصولاً إلى الثورات الأخيرة.

تناولت روايات قليلة الثورة الشعبية، التي عرفت بمظاهرات الخبز، والتي جرت في عام 1977، ضد نظام الرئيس السادات، بسبب الغلاء، وانتشار، الفقر، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، نتيجة سياسة «الانفتاح»، ويجري جانب من أحداث هذه الروايات في ميدان التحرير، غير أن بعض الروايات ـ هذه ـ لم تعط تلك الثورة حقها من المعالجة، بل مرت عنها مرور الكرام، مثل رواية رضوى عاشور المسماة «أطياف»، التي تعد رواية سيرذاتية تتناول التطورات السياسية والاجتماعية في مصر وفلسطين، في القرن العشرين. ويبرز ـ من خلالها تفتح وعي جيل الشباب على تردي الأوضاع القائمة، واستبداد السلطة، بوصفها أحد مواضيع الرواية الرئيسة، وفيها أوردت عاشور جانباً من المظاهرات الطلابية ضد نظام السادات، في مطلع السبعينيات من القرن الفائت، لكونها شاهدتها من قرب، وشاركت فيها، لكنها أشارت إلى مظاهرات الخبز، عام 1977، إشارة عابرة في معرض حديثها عن ميدان التحرير، الذي كانت تسكن على بعد أمتار منه، والمظاهرات التي مرت فيه منذ أربعينيات القرن العشرين.

اهتمت رواية إبراهيم أصلان، المسماة «مالك الحزين»، بمظاهرات ثورة الخبز بشكل أكبر، حيث يهتف الآلاف ضد الحكومة والأسعار، وتنقسم الجموع إلى ما يشبه نهرين هادرين: يتجه أحدهما إلى ميدان عرابي، في طريقه إلى ميدان رمسيس؛ والثاني يتجه إلى العتبة الخضراء، كما تبرز محاولات رجال المباحث والإعلام، وحتى الفنانين والأدباء المنتفعين لإظهار أن ما يقوم به الطلبة عبث وفوضى لا يليقان بالمواطن العاقل، وأنهم يفعلون ذلك لأنهم أناس بلا همّ يشغلهم، ويجدون أباء ينفقون عليهم، فلا عمل لديهم سوى إثارة القلاقل. كما تصور الرواية جوانب من مشاهد المظاهرات، وكتابة الشعارات على الجدران، واصطفاف عساكر الأمن المركزي الذين تبين الرواية أنهم متشابهون؛ لأن السلطة تفرّخهم، في إشارة ساخرة إلى أنهم بلا معالم واضحة، كأنما فقدوا هويتهم الإنسانية، وأصبحوا مجرد أدوات للقمع، غير أن البطل يبقى يصف ما يجري، ويشارك ـ أحياناً ـ بخجل في الهتاف، متلفتاً مِن حوله، خشية أنه يراه أحد، ويرقب، على اعتباره شاهداً، وفي حلقه غصة من إجهاض الثورة.

وفي الإطار ذاته تتناول رواية محمود الورداني، «أوان القطاف»، جانباً من المظاهرات التي جرت في أثناء ثورة الخبز، من خلال صبي يشترك فيها مع اثنين من رفاقه، ويرى قتل أحدهما بضربة سيف طيرت رأسه. يسرد الصبي الأحداث بصوته. كما ينقل السرد جانباً من الهتافات الشعبية العامية ضد حكم أنور السادات، ومدى الوجود الأمني المكثف، والقسوة في استخدام القوة لتفريق المتظاهرين، مقابل إصرارهم على التجمع في ميدان التحرير، ما يذكّر بتفاصيل مشهد ثورة 25 كانون الثاني، ذاتها، وإن اختلف السيناريو. لكن التركيز، في «أوان القطاف»، كان أكثر على سرقة عيش الفقراء، ونهب خيرات البلاد، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية، ما سميت معه تلك الثورة بثورة الجياع ، أكثر مما يجري ـ الآن ـ من مطالبة بالحرية.

أما عن ثورة 25 كانون الثاني، في مصر، فقد أصدر الصحفي المصري سعيد حبيب، في شهر شباط من هذا العام، أول رواية حول الثورة، وتؤرخ للمراحل المختلفة للمظاهرات، لكنها تسعى إلى تغيير الصورة النمطية عن الإسلاميين. عنوان الرواية هو «لا يا شيخ»، وتتناول صور القمع وأقنعته المختلفة، التي كان النظام يمارسها. أعتقد أن رواية الثورة المصرية العظيمة ستأخذ وقتاً قبل أن ترى النور.

الثورة الأميركية

أدت الثورة الأميركية إلى بروز مرحلة من السوداوية الموسومة بأجواء التشاؤم، والغموض في الأدب الأميركي؛ بسبب قصص المآسي والفظائع التي تخللتها، وآلام العبيد المضطهدين، الذين كانوا يتعرضون للقتل، خلال هربهم في سبيل الحرية، كما صورت ذلك ـ في ما بعد ـ روايات مارك توين، وكذلك بسبب حرمان سكانِ المستعمراتِ إبداءَ الرأي في القوانين التي كان يفرضها عليهم البرلمان البريطاني، وإجبارهم على دفع الضرائب، كما في حادثة «حفلة شاي بوسطن».

استمرت الثورة الأميركية حوالى ثماني سنوات، حيث بدأت عام 1774، وانتهت ـ رسمياً ـ عام 1783، تم خلالها إعلان استقلال الولايات المتحدة، وهزيمة الجيوش البريطانية. لم يُكتب، خلال تلك المرحلة، سوى كتابات سياسية وخطب. وظهرت أول رواية أميركية في نهاية القرن الثامن عشر، في عام 1790، بالتحديد، وكانت تدعى «قوة التعاطف»، كتبها وليم هيل براون، ولم يكن لها أية علاقة بالثورة، بل تندرج ضمن الرواية العاطفية. كانت قصة حب مأساوية بين حبيبن يكتشفان، في ما بعد، أنهما شقيقان.

لم يظهر، خلال تلك الفترة، وفي السنوات اللاحقة، أي عمل أدبي مهم عن الثورة. ويمكن القول إن الأعمال الأدبية ذات المكانة المهمة، في تاريخ الأدب الأميركي، لم تبدأ في الظهور إلا من بعد الثورة بأكثر من أربعين عاماً، وقبيل الحرب الأهلية الأميركية، ولم تكن ـ أيضاً ـ عن الثورة. ظهر خلال تلك الفترة، بعد الاستقلال، مجموعة من الأدباء الأميركيين المهمين، من مثل: رالف والدو إيمرسون، وديفيد ثورو، وإدجار آلان بو، وناثانيل هوثورن، وهيرمان ميلفل، إلا أنه لم تكتب رواية عظيمة أو مشهورة، عن الثورة، بشكل واضح. بل إن هوثورن آثر مرحلة سابقة على عصره كي تجري فيها أحداث روايته «الحرف القرمزي»، التي تعد معلماً في تاريخ الأدب الأميركي، وهي فترة ظهور ما يسمى بالمتطهرين (Puritans)، في منتصف القرن السابع عشر.

أسهم تردي الأوضاع السياسية، والصراع بين الشمال المتطور، والجنوب الزراعي المتخلف، في إذكاء شرارة الحرب الأهلية، خاصة من خلال موقف الشمال المساند لتحرير العبيد، مقابل موقف الجنوب المعارض. وهكذا وقعت الحرب الأهلية، التي استمرت زهاء أربع سنوات؛ بين 1861 و1865. وأول رواية مهمة كانت «كوخ العم توم»، لهاريت بيتشر ستاو، التي نشرت قبل الحرب بحوالى عشر سنوات.

الرواية الأولى، التي تجري أحداثها خلال فترة الثورة الأميركية، كتبت عام 1899، وقد كتبها روائي أميركي يدعى ونستون تشرشل (1871-1947)، وهو غير رئيس الوزراء البريطاني المعروف، الذي برز خلال الحرب العالمية الثانية، وكان عنوانها «ريتشارد كارفيل». تعد الرواية قصة رومانسية، وتندرج ضمن الأدب التاريخي، وهي عبارة عن مذكرات لرجل من القرن الثامن عشر يدعى رتشارد كارفيل.

بلغ مجموع الروايات التي تجري أحداثها في فترة الثورة الأميركية سبع عشرة رواية. وأما الروايات التي تجري أحداثها خلال الحرب الأهلية الأميركية فبلغت 56 رواية، ولكن معظمها كتب في القرن العشرين. ومن أهم الأعمال التي كتبت عن تلك الفترة الرواية المشهورة «ذهب مع الريح»، التي كتبتها مارغريت ميتشل عام 1936، ورواية «غير المهزومين» للروائي المعروف وليم فوكنر، عام 1940، والتي تحكي قصة آل سارتوريس في الجنوب الأميركي، وتجسد فترة تداعي ثقافة الجنوب وهزيمته.

الثورة الفرنسية
أثرت الثورة الفرنسية في آداب الكثير من شعوب العالم وثقافاته، ومن المعروف أن الثورة الفرنسية لعبت دوراً حاسماً في نشوء التيار الرومانتيكي، في الأدب، في القرن الثامن عشر، بسبب دعوتها إلى تحطيم الأطر التقليدية، وتمجيد روح الثورة والتغيير، مهما غلا الثمن، والاحتفاء بالفقراء والمعذبين بوصفهما ملهمين للإبداع، والثورة على القديم والكلاسيكي والأرستقراطي، وإبراز الجديد. لم يتوقف تأثير الثورة الفرنسية عند حدودها الزمنية الصارمة، التي يحفظها المؤرخ خلال عشر سنوات: بين 1789 و1799. ولم تتوقف التغيرات عند سقوط الملكية، المدوي، وانهيار النظام الإقطاعي، وانتهاء سيطرة الطبقات الأرستقراطية على السلطة والثقافة والنفوذ، بل صارت ملهمة لكثير من المفكرين، والمثقفين، والفنانين، والشعوب في كل أنحاء العالم.

من الأعمال الأدبية المشهورة، التي تجري أحداثها خلال الثورة الفرنسية، رواية ألكسندر دوما الأب «فارس البيت الأحمر»، وكتبت بعد الثورة بستة وأربعين عاماً. تجري أحداث الرواية خلال الفترة التي أعقبت انطلاقة الثورة، والتي عرفت بفترة عهد الرعب، واتسمت بمقتل عشرات الآلاف تحت ذريعة أعداء الثورة، وأفرط خلالها الفرنسيون في استخدام المقصلة، وكان من ضحاياها بشر كثر. وفي الرواية يحاول شاب جريء القيام بمغامرة لإنقاذ الملكة من السجن، رغم أنه من مؤيدي الجمهورية، لكن حبه لامرأة شابة يدفعه كي يصبح فارس البيت الأحمر. وقيل إن دوما كتب الرواية من وحي قصة حب اعتاد بطلها أن يكتب رسائل سرية، إلى الملكة، على أوراق الورد.

كما كتب الروائي الفرنسي أناتول فرانس، عام 1912، روايته المسماة «الآلهة عطشى إلى الدماء»، التي عكس فيها تلك الجوانب المظلمة من فترة عهد الرعب. وكتب ـ أيضاً ـ فيكتور هوغو روايته الأخيرة، المسماة «تسعة وثلاثون»، وقد نشرها عام 1874، بعد مرور خمسة وسبعين عاماً على الثورة، وبعد سنوات قليلة من قيام ما عرف باسم حكومة عمال باريس، من الفوضويين والماركسيين. وطرح هوغو فيها جوانب من تلك الانتفاضات المضادة للثورة الفرنسية.


وهناك الرواية العظيمة، «قصة مدينتين»، للروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز. نشر ديكنز الرواية عام 1859، أي بعد الثورة بستين عاماً، وتجري أحداثها خلال الثورة بين مدينتي لندن وباريس، وتبرز معاناة الفلاحين البسطاء، الذين استغلتهم الطبقة الأرستقراطية، في السنوات الأولى للثورة. كما تبرز الرواية ضحايا الثورات ـ كما يحدث عادة ـ فشارلز دارني، رغم طبيعته الخيّرة الفاضلة، أصبح هدف الفلاحين الثائرين لمجرد كونه ارستقراطياً. تنسج الرواية قصة حب عاطفية خلال مسير الأحداث الاجتماعية والسياسية. وتعد الرواية من أهم الأعمال الأدبية، التي وثقت لمجريات الثورة الفرنسية، ليس في باريس وحدها، لكن في أوروبا، عامة.

الثورة الروسية

كتب المفكر الشيوعي المنشق، ليون تروتسكي، في عام 1924، كتاباً بعنوان «الأدب والثورة»ـ حول قضايا الثقافة والفن في دولة العمال الناشئة حديثاًً، آنذاك. وبعد طرده من الحزب الشيوعي، في عام 1928، منع تداول كتابه. وفيه يرى أن سقوط النظام الروسي، ما قبل الثورة، لم يكن يعني مجرد سقوط حكومة، بل سقوط نظام بأكمله، بما في ذلك النظام الثقافي السائد، آنذاك. كما أكد أن أصحاب المبادئ والمثل النظرية هم وحدهم من يعتقدون أن طبقة المثقفين هي من تصنع الثورة، فبرأيه أن الفكر ـ عبر التاريخ ـ يلحق الواقع.

من أهم الروايات التي تجري أحداثها خلال الثورة الروسية تأتي رباعية الروائي المنشق عن النظام الشيوعي، والحاصل على جائزة نوبل للأدب، الكسندر سولجينيتسين، وهي: «العربة الحمراء»، وتشكل عملاً روائياً ضخماً استغرق الإعداد له حوالى ثلاثين عاماً. تعد رواية «أغسطس 1914» أولى أجزاء الرباعية (وقد فرغ منها عام 1970، ولكن تم منع نشرها، في روسيا، فنشرها في باريس، في العام التالي). وكانت الرواية من الأسباب التي أدت ـ في ما بعد ـ إلى تجريد سولجينيتسين من جنسيته، في عام 1974، فقامت زوجته وأصدقاؤه بتهريب نصوص رواياته إلى الخارج. تعد الرواية مزيجاً من الخيال، والحقائق التاريخية، وتصور الحياة في روسيا الإمبراطورية، لكنها تركز على حياة الكولونيل فوروتينتسيف، الضابط في الجيش الروسي، الذي قام بغزو بروسيا، وهزم الجيش بقيادة الجنرال سامسونوف، في معركة تاننبيرغ، ومن ثمّ انتحاره. ركزت الرواية على الظروف التي سادت في بداية الحرب العالمية الأولى، وعلى ثورة عام 1905، التي سبقت الثورة البلشفية، وقد تلا الجزء الأول الروايات الثلاث الأخرى، المسماة: «نوفمبر 1916»، و»آذار 1917»، و»نيسان 1917».

من الروايات المهمة، في القرن العشرين، والتي ارتبطت بالثورة الروسية، ثمة رواية «نحن» للروائي يفغيني زامياتن، وهي رواية ساخرة من الثورة، رغم أن الكاتب أيدها، غير أنه، عندما رأى أنه تم خيانة أهداف الثورة، وسيطرت عليها القوى الشمولية، كتب هذه الرواية في عام 1921، وهي ـ في الأساس ـ قصة حب بين اثنين عاشقين في أجواء من الخيال العلمي، لكنهما يجدان نفسيهما مجرد رقمين في دولة قامعة.

وهناك رواية «ماري»، للروائي الروسي الشهير فلاديمير نابوكوف، الذي هرب ـ في شبابه ـ من روسيا إلى الغرب، وقضى حياته في المنفى، خاصة الولايات المتحدة، وكتب معظم أعماله باللغة الإنجليزية، وأشهرها رواية «لوليتا»، رغم أنه كتب عدداً من الروايات ـ في العشرينات والثلاثينات من القرن الفائت ـ بالروسية، ومن أهمها رواية «الهدية»، التي كتبها في عام 1936، وأبرز فيها تناقضات المنفى وعذاباته. ينتمي نابوكوف إلى جيل الحداثيين التجريبيين، الذين تمردوا على الإطار الواقعي الاشتراكي للأدب، خاصة في عهد ستالين.

هناك رواية «دكتور زيفاجو»، للروائي الروسي برويس باسترناك، الذي منح جائزة نوبل للأدب، لكنه اضطر لرفضها بناء على ضغوط من السلطات الشيوعية. كتب باسترناك الرواية في عام 1957، وهي ـ في الأساس ـ قصة حب في إطار عمل ملحمي ضخم يتناول الثورة الروسية. يسعى الشاعر والطبيب زيفاجو إلى أن يفعل الخير، وأن يعيش حياة بسيطة بكرامته، لكن مسعاه ينتكس بسبب الحرب، والثورة، وقصة الحب التي تجمعه وامرأة تدعى لارا، وهي زوجة ضابط شيوعي.


رابط الموضوع بجريدة الدستور
 
رابط الصفحة الكاملة
 

الثلاثاء، أغسطس 2

الكتاب السري




قصة قصيرة

الكتاب السري!

اياد نصار

* نشرت في الملحق الثقافي لجريدة النهار اللبنانية بتاريخ 30/7/2011

كنت أمشي خلفه من غير أن يحسّ بي. أتباطأ في سيري. أدعه يبتعد قليلاً. أتلهى بالتوقف. أنظر حولي. أتطلع خلفي. أمشي على الجانب الاخر من الزقاق. رأيتُ نار الفرن مشتعلة في التنور. لا تزال ألواح الخشب مصفوفة فوق بعضها. ترددتُ قليلاً خشية أن يراني. رأيتُ أبي يمسك العجين، يرقّه بيديه، ثم يرفعه في الهواء، ويفرده على سطح البلاط أمامه. مشيتُ ملتصقاً بالجدار على رؤوس أصابعي كي لا يحسّ بوجودي. اذا رآني فسأمضي المساء في الفرن. تباعدت المسافة بيني وبين خليل، خشيتُ أن يتوارى قبل أن ألحقه. يتسلل كعادته خفيةً عني ليلتقي بأصحابه. يرفض أن آتي معه. كلما حاولت، صرخ بي. شكاني الى أبي، فأسمع محاضرة، وأمضي المساء أحمل الأرغفة وأرتّبها على اللوح الخشبي. صرت ألاحقه متسللاً حتى أفاجئه بين أصحابه. يثور ويزبد، ثم لا يلبث أن يقبل بالأمر الواقع! في أحيانٍ ما لا يقبل، فتلاحقني الحجارة حتى أهرب بعيداً!

دخل خليل في زقاق ضيق. أسرعتُ الخطى قليلاً. ركضتُ خلفه. وقفتُ على الزاوية. لمحتُ ظهره قبل أن يتوارى في آخر لحظة. ذهب الي اليمين. مشيتُ حتى وصلتُ نهاية الزقاق. كانت الطريق منحدرة الى الأسفل وعلى جانبيها سيارات وأشجار مزروعة على الرصيف. لم أره. اختفى مرة أخرى. أسرعتُ نازلاً الطريق. كان في نهايتها درج إسمنتي. أين ذهب يا ترى؟ نزلت الأدراج مسرعاً. بيت صاحبه علوان في نهاية الدرج. كانت البوابة الحديد مغلقة. لا يمكن أن يكون قد دخل بهذه السرعة. وقفتُ محتاراً. رحتُ أبحث عنه، ولكني لم أجد له أثراً. عدت أدراجي مقهوراً.

في الليل عاد الى البيت. نظر اليَّ نظرة فيها ابتسامة التشفي. وأخذ يقهقه. شعرتُ بالغيظ. عرفتُ أنه أحسّ بي أسير خلفه فتوّهني. قمتُ من مكاني وهجمتُ عليه. سمعتُ صوت الباب الحديد يُفتح. لا بد أنه أبي. ركنتُ الى مكاني وكظمتُ غيظي، وأنا أتوعده في الغد! بقي يضحك في سرّه، ويكيدني بحركات من يديه من غير أن يرى أبي.

خليل في السابعة عشرة وأنا في الرابعة عشرة. لكنه المدلل بيننا. لا أعرف لماذا يحظى بهذا الدلال؟ نحن سبعة أخوة وأخوات. لكن أبي يفضله في المعاملة علينا، على رغم أنه نادراً ما يساعده في الفرن. يستطيع خليل الخروج من الفرن في أي وقت يشاء. لا يردّ له طلباً، وأمي تحنو عليه وتدلّله أكثر منا. أبي يقول إنه ولي العهد ورجل البيت في غيابه. لكني لا أسكت. يحاول أن يفرض زعامته علينا فأعارضه. صرتُ كثير المشاغبة والجدال! لا تعارض أخواتي وأمي تصرفاته كأنه سيد البيت. لكن إحساسي يأبى ذلك. لماذا لا أكون أنا رجل البيت؟ أنا أمهر منه في شغل الفرن، وفي استيعاب الزبائن الغاضبين كما يقول أبي دائماً.

عندما عدت من المدرسة في اليوم التالي، رأيتُ خليل يهمّ بالخروج. أدركتُ أنه ينوي أمراً ما! كان يخرج الى البوابة ثم يعود. لن يغيب هذه المرة عن ناظري. اذا صعد الدرج فسأراه! مئة درجة كفيلة أن أراه قبل أن يختفي. درج طويل يصل بين الشارع في الأعلى وبيتنا. أشعر أحيانا أن نَفَسي سوف ينقطع منه. أبقى ألهث حتى أستردّ أنفاسي من جديد. رنّ جرس الهاتف. تظاهرتُ بالانشغال فلم أردّ. بقي يرنّ وأنا جالس جنبه. جاءت أمي مسرعة من المطبخ. رأتني. هبّت في بصوتها العالي: "لماذا لا تردّ؟ ماذا تفعل؟ ألم تسمع؟". قلت لها متحجّجاً: "كنت أقرأ في كتابي ولم أسمع". نهرتني: "ردّ بسرعة قبل أن ينقطع". كانت جارتنا أم محمد العامرية في الشارع الخلفي. بدا على وجهي التبرم. كم أمقت حديثها. كثيرة الكلام والفضول. لديها فضول يقتل كل القطط في حيّنا! بقيت تسألني عني وعن دراستي وتدعو لي بالتوفيق والنجاح! تخلصتُ منها بصعوبة، وناولتُ أمي السماعة. عدت أمسك كتاب التاريخ. تذكرتُ خليل. رميتُ كتابي جانباً وقفزتُ من مكاني. اللعنة. كيف نسيته؟ تبّاً للعامرية!

فتشتُ عنه داخل البيت فلم أره. بحثتُ في كل الغرف وفتحتُ كل الابواب المغلقة! اختفى مثل شبح. خرجتُ من الباب. وقفتُ في حوش الدار، نظرتُ الى الدرج الطويل الصاعد الى الشارع. لم أر له أثراً. لقد غافلني وخرج. صعدتُ الدرج قفزاً. ما إن وصلتُ حتى كنت ألهث مقطوع الأنفاس. لم يكن أحد في الشارع سوى سيارات متهالكة تقف على جانبي الطريق. لم أر خليل. أين أفتش عنه؟ لا أريد أن أجهد نفسي في بحث عن شبح بلا طائل. خليل له أساليبه في التخفي. لا تعرف متى يخرج من البيت ومتى يعود. وأبي يفلقني بصبره عليه. عدت أنزل الدرج خائباً. أمسكتُ كتابي. ليس فيه سوى أخبار الحروب والمعارك. كنتُ مستغرقاً في الكتاب، عندما رأيتُ خليل يدخل الغرفة وبيده كأس ماء يشرب منها. رفعتُ حاجبي وفغرتُ فمي من الدهشة. كيف عاد وأين كان؟ لم أحبّ أن أسأله كي لا يعرف أنني خرجت في إثره! عدت أدرس وأتشاغل عنه في كتاب آخر. كان يدخل ويخرج بلا قرار. أحسستُ أنه سيخرج مرة أخرى. بقيتُ متيقظاً وأذني مرهفة لأي صوت قد يصدر من الباب.

بعد قليل سمعتُ صوت الباب. تركتُ كتبي وقمت خلفه. فتحتُ الباب بسرعة فسمعتُ صوت خطوات على الدرج الخلفي المؤدي للسطح. تسحّبتُ بكل هدوء خلفه وصعدتُ الدرج. سمعتُه يدخل غرفة الخزين، فمشيتُ حتى وقفتُ عند بابها. غرفة ضيقة وفي سقفها سدة. ملأت أمي الغرفة بكل عدّة الشتاء: صوبات الكاز وجرارها والسجاد العتيق. وملأ أبي السدة بالعدد والصناديق وألواح الخشب التي كان يستعملها في الفرن والأكياس والكتب القديمة. سمعتُ صوت تسلّقه على السلّم. دخلتُ غرفة الخزين من غير أن يحسّ بي. كان في الأعلى داخل السدة. لم أستطع رؤيته، لكنني سمعتُ صوت الصناديق الكرتونية. هدأ الصوت وساد صمت. استغربتُ ماذا يفعل هناك! عرفتُ الان أين كان يختفي عني في أحيان كثيرة كشبح. المكان ضيق كالزنزانة بوجود كل هذه الكراكيب. بعد قليل أحسستُ بصوت أنفاسه يتململ ويتحرك كأنما يريد النزول، فأسرعتُ خارج الغرفة. نزلتُ الدرج ودخلتُ البيت. انتابني الفضول. ماذا كان يفعل خليل في السدة؟ ماذا خبّأ هناك؟ بعد قليل خرجتُ، وصعدتُ الى غرفة الخزين. تسلقتُ السلّم وأنرتُ السدة. كانت رائحة الهواء الرطب والعفن تنبعث منها. منذ مدة لم أصعد الى هناك. الغرفة ملأى، فلم أعرف أين أضع قدمي. وأخيراً حشرتُ نفسي بين الصناديق. أخذتُ أنظر في زواياها. لم يكن هنالك شيء غير عادي. فتحتُ بعض الصناديق. كانت مليئة بكتب مصفرة قديمة. استوقفتني بعض الكتب بغلفها القديمة: "بين القصرين"، "السكرية"، "شجرة اللبلاب". وقعت عيني على كتاب آخر. من الذي أحضره الى هنا؟ أمسكتُ به. كان ضخماً مليئاً بالصور والرسوم. شيء جديد أراه للمرة الأولى. هل هو لأبي؟ ولماذا يحتفظ به؟ أم لخليل وخبّأه هنا؟ دارت في رأسي فكرة. عرفتُ لماذا يتسلل خليل الى غرفة السدة ويجلس فيها. تملّكني الفضول. أخذتُ أقلّب أوراقه وأنظر في رسوماته. اشتعل الفضول أكثر! كانت الكلمات أكثر مما يستطيع ولد في مثل سنّي أن يحتملها! شعرتُ بالخوف. خفتُ أن يأتي أبي فجأة، ويراني هنا أمسك الكتاب. ستكون فضيحة!

أعدتُ كل شيء مكانه خشية أن يكتشف أحد أنني كنت هناك! نزلتُ، ولكن لم يزل بي شوق وإثارة لقراءة المزيد! بقيتُ أفكر فيه المساء كله. عدتُ في اليوم التالي وجلستُ كطفل مقرور فوق الصناديق، وأنا ألتهم الكتاب. كان ضخماً جداً وحروفه صغيرة. لكن كلامه ورسوماته كانت لا تقاوم! أحسستُ أنني في عالم آخر. تكشفت لي اشياء لم أكن أعرفها من قبل! لم أعرف من أتى به الى هنا. ربما لأبي ووجده خليل، وصار يأتي ليقرأ فيه بين حين وآخر مثلما أفعل الان! وربما أحضره خليل من عند أصحابه، وهرّبه الى السدة! لم أعد ألاحق أخي مثل السابق. صرتُ مشغولاً باختلاس القراءة في الكتاب السرّي!

استمر خليل يتردد على السدة فصرتُ أكثر حذراً من ذي قبل. خفّ اهتمامي بالأمر بعد فترة. عدتُ أطارده مع أصدقائه مرةً أخرى. وذات يوم فاجأته بينهم. نظر اليَّ بغضب وعصبية، وراح يشدّ بي من قميصي ويدفعني بقوة، ويهدّدني. تناول حجراً وأراد أن يرميه عليَّ فهربت. أخذ يلاحقني وأنا أجري. أصابني حجر في رأسي. آآآخ... كان مؤلماً. وقفتُ أتحسس رأسي. رأيتُ على راحة يدي بعض بقع الدم. أخذتُ أصيح عليه ليتوقف، لكنه استمر. صرت أبكي وأتوعده بصوت نشيج مكلوم. قررتُ أن أردّ له الصاع صاعين! في المساء عندما عاد أبي متعباً من الفرن. أخبرتُه بما يفعل خليل في السدة. لم يعر أبي الأمر اهتماماً. ولكن عندما ذكرتُ له اسم الكتاب، انتابته نوبة غضب وتغيّر لون وجهه، وأصبح متورداً وعيناه تقدحان بالشرر. عندما رجع خليل في الليل لم يهدأ أبي من تأنيبه. أقسم أن يغلق السدة بمفتاح، والويل لمن يفكر في فتحها! لم يحر لخليل جواب، فقبع في زاويته يسمع وعيناه نحو الارض!

في نهاية السنة أنهى خليل دراسته الثانوية. كنا نجلس نشاهد التلفاز ذات مساء، فطلب من أبي أن يأخذ مفتاح السدة. استغرب أبي الطلب. قال إنه يريد أن يأخذ الدنانير التي كان يخبّئها هناك. نظرنا اليه باستغراب. منذ متى يعرف خليل التوفير؟ اعترف أنه كان يخبّئ مصروفه وكل ما تجمّع لديه في أحد الصناديق الكرتونية. قام أبي وأحضر المفتاح الذي كان يخبّئه، وأعطاه اياه، وقال لي بيني وبينه: "إذهب معه. لا بد أن هذه حيلة". ذهبتُ مع خليل وصعدنا الى غرفة الخزين. كان المكان ضيقاً ورائحته غريبة. لم نستطع الوقوف فيه لأن السقف منخفض. فتح خليل أحد الصناديق الكرتونية. مد يده. لم يكن هناك سوى نشارة من الورق. فتح صندوقاً آخر كانت هناك لا تزال بعض الكتب المصفرة وقد التُهمت أطرافها. لم يكن الكتاب السرّي هناك! سمعنا صوت جلبة بين الصناديق. شعرنا بخوف. أعرفها من حركة أرجلها. فتح خليل صندوقاً آخر بحذر. كانت هناك أربعة منها تختبئ فيه وحولها نشارة من الورق!

الخميس، يوليو 21

مجاز خفيف لنضال برقان



"مجاز خفيف" لنضال برقان

البحث عن لغة أخرى للحب
إياد نصار


* نشرت في جريدة "النهار" اللبنانية بتاريخ 17/7/2011
  
في "مجاز خفيف" لنضال برقان كثير من الشاعرية المستندة الى رؤية تكاملية تطرح العلاقة بين كيمياء الحب في أطواره المختلفة، واللغة بوصفها وسيلة التعبير العاجزة ذات الاشكالية عن حالة الوصال المفقود بين العاشق والمرأة الحلم. "مجاز خفيف" نسيج شعري مشغول بعناية مستندة الى رؤية انسانية وفكرية واعية وغير تقليدية، وهو المحطة الرابعة في تجربة برقان الشعرية، الذي يبدو منشغلاً في ديوانه باستكشاف جوانب أخرى على صعيد فهم النفس الانسانية، وارتباط اللغة ذاتها ودلالاتها، في موضوع الحب والمرأة، لأجل بناء علاقة جديدة بين الشاعر العاشق والمرأة، التي لا تمنحه الالهام، أو تثير فيه شهية النظم وحسب، بل تصبح هي ربة الشعر التي تخلق اللغة والمعاني التي يكتنفها الغموض، في تعبير ضمني عن تباعد التواصل، وعجز انساني أمام ما يشبه قدرتها الأسطورية. هكذا يعبر عن أمنيته في أن تقوده كمعلّم الى حيث يستطيع الرؤية عندما تتكشف له الاسرار، فكأنما المرأة تصبح في أحد تجلياتها إلهة للشعر: "تقولين ما لا أرى من كلام/ وتمضين دون مصابيح في عتمة الحب/ .../ سأقول بأنك مبهمة كي تضلّ الحكاية/ بينا على مهل أتملّى وضوحك فيّ/ وأنأى".

تعكس معظم القصائد معاناة العاشق أمام تجربة الحب التي تتشح بصمت المرأة، وغموضها، وغيابها، فيتعمّق الاحساس بعبثية اللغة، كأنما تستحيل الكلمات الى ليلٍ من العتمة، فلا يرى المحب انعكاس تعبيره عن حبه وعذابه، وينتفي الاحساس بمعنى الحب ذاته، كأننا نمارس لعبة التخفي حتى يضيع الحب من بين أيدينا: "ونحن، إذ في ظلمة الكلمات نجلس/ هل عرفنا الحب؟". ويتابع في قصيدة "عتمة في الكلمات" موضوع الحب المصلوب على خشبة الزمن. يلتقي الحبيبان، لكن اللغة تبقى مغلفة بالغموض فلا تمنح نفسها لهما للتعبير كما ينبغي، كأنما الكلمات في عتمة، والحب لا يُرى. تتابع القصائد انهيال الصور التي تعمق الصمت والوحدة والاحاسيس التي تبقى رهينة الانتظار. وتؤكد في مستوى رمزي آخر أن اللغة هي أساس التجربة والاحساس بمعناها، فالصمت والمجاز والتلميح والايهام والغموض تقتل، بحسب القصائد، معنى الحب الحقيقي الذي يبحث عن لغة أخرى تمنح الخلاص والثورة، وتسير هادرة كالنهر نحو البحر.

ترسم قصيدة "مرثية أخرى" ملامح تلك العلاقة بين الحب والاحساس بتحقيق الذات واللغة. يمنح الحب شعوراً بالانطلاق والتحليق الى عالم اللغة العلوي حيث تصبح الكلمات قادرة على التعبير عن الحلم، ويضفي الحب على الشاعر احساساً بفرح كغيمة ماطرة. غير أنه سرعان ما يتبدد احساس الشاعر بالحب الذي صار قرين الحياة أمام اعتيادية الكلمات، ويقع مرة أخرى فريسة الكلمات الغامضة التي تقتل الرؤية، وتحيل كل شيء بحراً من الظلام، في اشارة الى الحياة التي تصبح مثل غابة موحشة لا يقين فيها في ظل غياب التعبير عن الحب الحقيقي. يطوّر برقان الاحساس في نفس قارئه تدريجيا لينتقل الى مستويات أعلى، فغياب الحب يشبه وقوع السماء على الارض التي غدت حطاماً مؤذناً بالنهاية: "وأينك؛ منذ كسرتُ السماء/ وليس على الأرض غير حطامي/ وأينك، ثمة نظم كثيف/ يجر دمي باتجاه الختام".

تقدم بعض القصائد حالة من التناقضات الغامضة الغريبة التي يمر بها العاشق. ففي حين يشعر بأن كل شيء حوله صامت لا يجيب، وبأن الكلام مات على شفتيه، وبأنه وحيد في عالمه لا يسمع سوى صدى صوته، يظل متمسكاً بحبيبته التي تصبح مثل تعويذة تحميه من الاخطار. لكنه بقدر ما يستشعر معنى وجودها لحياته، يلعنها، لأنها بعيدة، وهو يقاسي الجوع العاطفي. وبكثير من الرمزية التي تتفادى التصريح وهي تدخل موضوعاً يحاذي تخوم الجسد، فإن برقان ينجح في تجسيد علاقة العاشق بحبيبته الى أقصى حدود الكشف الحسي الخفي الشفيف، حيث تصبح مصدر الحياة والارتواء والتسامي وتحقيق الرغبة، وفي الوقت ذاته تنطوي على الموت، كأنما تسير الامور في دورة الحب والرغبة من ثوران الى خمود وهكذا: "فأسير خفيفا وأدفقُ حيث تفيض الحياة على/ ضفتيكِ/ وأمتد فوقهما كالحشائش/ أو مثل ليلٍ يفرّ الى حتفه".

تبرز قصيدة "حنين" التي تفتتح الديوان، الكثير من الاستعطاف والتمنيات التي ترتبط برغبة الشاعر في إدراك ذاته الكلية، وتحقيق أحلامه التي تمور في خفايا الصدر، لتنتقل من مستوى الكلام الى الفعل، لكنها تنطوي على مقارنة تعكس حال الحب ذاته. يشعر المتكلم أن المرأة لا تمنحه سوى الكلام، ولا تأخذه الا الى الاحلام، بينما يسعى الى لقاء من نوع آخر، وخلال هاتين الحالتين تظل المرأة بعيدة غامضة كالحب نفسه. مفردات القصيدة حداثية واستعاراتها ذات انزياحات، تركب صورتها الشعرية على أساس بصري من وحي الطبيعة.

يمتاز شعر نضال برقان بتوظيف صيغ الفعل المضارع كثيرا بشكل متتابع للدلالة على آنية الصورة المتحركة واستمرارها اللازمني. كما يتابع نحت الصور في عبارات متتابعة متلاحقة: "وينتظران من أبدٍ قطارَ الحب/ بينا الحب خلف الباب منصوباً بغير محله/ الريح تأكله على مهلٍ/ وينتظران من أبدٍ بصمت غامق".

تلجأ قصائد برقان الى توظيف الحوار والاسئلة المثقلة بالحيرة والتعجب لتعزيز احساس القارئ بمدى المعاناة، واظهار براءة الاحساس لدى المتكلم، الذي يخنقه ألا يرى الحقيقة التي تمنح مشروعية الحب. وتركز القصائد على ابراز الموسيقى الداخلية التي تستحضر في النفس ايقاع القصائد الغنائية الاندلسية، لكن الاحساس سرعان ما يتبدد أمام صوره الجديدة: "لا تبتعد يا نهر، لا تترك فمي/ من غير ما كلمٍ، ولا قلبي ظمي/ عيني بعينك في الزمان ولا أرى/ إلا سواك كأنني ليلٌ عمِ/ وكأن ما بيني وبينك واضحٌ/ حدَّ الغموض فلا أراك وأنت تحرس أنجمي/ لا تبتعد يا نهر إلا في دمي".

تطرح القصائد مفاهيم صوفية فكل شيء يعود الى الارض التي تغدو الام الكلية، وفي قمة لحظات الاحساس بالحب تتسامى الروح الى عرش من تحب، ويصبح المحبوب أساس الحياة، الذي يمسح عن المتعبين غبار الروح، كما تطرح بعض القصائد تساؤلات كونية مفعمة بالشك والحيرة والاحساس باللاجدوى حول وجود الحقيقة ومعناها.

تقدم قصائد برقان تنويعات على الصور الحسية التي تتداخل فيها الاصوات والالوان والحواس، غير أن الصور المحسوسة، هي مقدمات تحفز الذهن لإعطاء أبعاد مادية، وتجسد المفاهيم المجردة وخصوصاً ثنائية الحياة والموت، التي تتردد كثيرا في الديوان كبديل موضوعي من حضور الحب وغيابه في حياتنا. ويظل الشاعر يردد مفهوم الاحساس بالضياع وغموض اللغة التي لا تعرف كيف تستولد القصيدة الحقيقية. يقول في قصيدة "كلام في الحديقة": "في ظلمة، حطّ الصراخ على فمي/ فأضعت في بحر القصيدة خاتمي/.../ لو تعلمين، الموت يعصف جانباً/ وأنا أشمك، بينما قلبي عمِ".

تمتاز قصائد الديوان بتتابع الصور والاستعارات والتشكيلات الفنية وتداخل المؤثرات اللفظية والبصرية على نحو مكثف ينم عن قدرة الشاعر على بناء المشهد الشعري، وتدور معظمها في فضاءات علاقة الشاعر بالمرأة، وتأثيرها على اللغة، وتقدم مظاهر من لغز الحب السهل الممتنع. وتجمع قصائده بين الجدة في ابتكار الصورة وإنطاق المجرد، وبين اضفاء التأملات الفلسفية على معاني الحياة والحب والشعر، ولعل قصيدة "شرفات لا تخص نجومك" من النماذج المبهرة التي تجسد توجهاته.

تظل تتردد في كثير من القصائد مفردات رئيسية كأنها تشكّل معجم برقان الشعري الذي يستمد منه جملته التي تعبر عن فضاءاته وصوره. فهناك الصدى، والظلام، والحرب، والعتمة، والوحدة...الخ، كما يبدو للقارئ أن برقان يميل الى مفردات معينة في شعره تظل تظهر بين حين وآخر مثل كلمِ، ظمي، العدم.

تميل لغة الديوان الى المزج بين مفردات لغة شعرية حداثية تنزع الى بناء صور غير تقليدية فيها تشيكلات سوريالية، ومفردات مستمدة أحيانا من نادر اللغة وقديمها. تستدعي قصيدة "وجه مالك بن الريب" تلك القصيدة المشهورة من الشعر الأموي، وتتناص معها في اعادة تقديم قصة الموت وحيداً غريباً بعيداً عن الديار الا من الشعر الذي يلاحقه ويقيم معه أنى ذهب، لكنه يضفي على القصيدة ثوباً جديداً يلائم موضوعه. ومن أجمل قصائد الديوان أفكاراً وصوراً واستعارات وموسيقى داخلية وايقاعات هي تلك المسمّاة "مباهج فلكية"، وهي فعلا احد مباهج الديوان. تبدو احتفائية بالحب، والمرأة، وتعبيراً شفيفاً ذكياً بسلاسة عن تفاصيل جسد المرأة لابراز قوة تأثير الحب الحسي: "في صباحك أنسلُّ من خدري/ دافئاً ومضيئاً/ أغانيكِ صافية في فمي/ في يدي يترقرق جدولك الذهبي/ وقد عاد دون أذى لطفولته/ ما تزالين نائمةً دونما غبشٍ/ أتحسس جسمكِ/ ثمّ أعود الى خدري".

ينحو الشاعر في بعض القصائد مثل "قصائد قصيرة" الى التنظير حول ماهية الشعر وارتباطه بالرؤية والرمز والمجاز، وجماليته في التلميح لا التصريح ، وعلاقته بالشاعر جسداً وروحاً، وعلى رغم الجانب التأملي التجريدي، إلا أنه لا يتخلى عن جمالية العبارة الايقاعية المشحونة بالحب، وهنا يبدو موزعاً بين قطبين هما معنى حياته كلها: الشعر والمرأة. من هذه الاسطر يبدو أن الشاعر كان موفقاً في اشتقاق عنوان الديوان: "متأرجح بين الزمان وظلّه الممدود في الكلمات/ بين الكشف من غير انكشاف/ وانعتاق الرمز في الجسد الموارب للقصيدة/ هكذا آتي وأذهب في المجاز بخفة/ وأطل من جسدي عليّ بلا سواي".

تطرح بعض قصائد الديوان في الثلث الاخير منه قضايا أخرى غير الحب والمرأة، مثل الوطن ومحنة الضياع والتشرد والمنفى واغتيال الحلم، وتبادل الشجن مع الاصدقاء، ويبرز منها على نحو غريب تلك القصائد الى تعبّر عن الرغبة لمعرفة كنه الموت، واتخاذه صديقاً لمعايشة التجربة موقتاً من دون خوف منه. وعلى رغم أن الشاعر يقر بأنه ذلك الساحق الصامت الابدي، إلا أنه يعتقد أن الموت في حقيقته هو غير تلك الصورة التي نحملها عنه، وغير ذلك الاحساس الذي يرتبط في أذهاننا: "انما بي اشتياق لمعرفة الموت أكثر/ بي رغبة لزيارته كصديق/ نسير معاً".

مجاز خفيف نحت شعري ذو مستوى عال فنياً ولغوياً، يستلهم الرمز والايحاء والاسقاطات التأملية، ونقل المواضيع التقليدية للشعر الى آفاق ابعد من خلال التجديد وتطوير رؤى فكرية غير تقليدية للنظر بها اليها.

الأربعاء، يوليو 20

تأملات في تحولات الشعر والرواية


تأملات فـي تحولات الشعر والرواية

اياد نصار
* نشرت في مجلة أفكار الصادرة عن وزارة الثقافة الاردنية - العدد 269 /2011

كتب عباس العقاد قبل قرن من الزمان في مقدمة الجزء الثاني من ديوان ابراهيم شكري الذي طبع في سنة 1913 يقول: "إنما الشعر حقيقة الحقائق ولب اللباب، والجوهر الصميم من كل ما له ظاهر في متناول الحواس والعقول"(1). وقال في المقالة ذاتها: "فاعلم أن الشعر شيء لا غنى عنه، وأنه باق ما بقيت الحياة، وإن تغيرت أساليبه وتناسخت أوزانه وأعاريضه، لأنه موجود حيثما وجدت العاطفة الانسانية، ووجدت الحاجة الى التعبير عنها في نسق جميل وأسلوب بليغ"(2)، وأضاف مؤكداً الحاجة الى الشعر وقدرته على البقاء: "وإذا كان الناس في عهد من عهودهم الماضية في حاجة الى الشعر، فهم الآن أحوج ما يكونون اليه بعد أن باتت النفوس خواء من جلال العقائد وجمالها، وخلا الجانب الذي كانت تعمره من القلوب"(3).

ولو بقي العقاد على قيد الحياة الى الان لراعه مصير الحكم الذي أطلقه، ولأحزنه حال الشعر العربي، بل حال الشعر على مستوى العالم ككل. ويبدو أن العقاد مثل كثير من الشعراء والنقاد، وكما هو واضح في كلماته، لم يكن يظن يوماً أن الشعر يمكن أن يوجد بغير الأوزان والاعاريض التي ذكرها. وأن الحاجة اليه ستستمر ما دام الانسان على قيد الحياة بمعايير الشعر نفسها التي عرفها دون تغيير، وبعبارة أخرى بالقواعد والمعايير والاشتراطات نفسها التي تحكم عملية الابداع ذاتها. ولكن تاريخ الادب العربي أثبت خطأ مقولاته.

كانت هناك ثورتان كبيرتان أسهمتا في تغيير المفهوم النمطي الشائع عن الشعر، وأزعم أنهما ذاتهما قد أسهمتا في سيطرة الرواية فيما بعد: الثورة الأولى تتمثل في ظهور الشعر الحر في العالم العربي. ولكن الأهم أنه رغم الدفعة المستقبلية القوية التي وفرتها ثورة الشعر الحر لانتشار الشعر على نحو واسع بين الجيل الجديد من الكتاب والقراء على السواء من يوم أن ظهر في مقابل هيمنة الشعر التقليدي، ورغم نجاحه في بث روح التجديد في الشعر، وجعله زادا يومياً للمواطن العربي، إلا أن كرس مفهوما خطيراً اتضحت خطورته على الشعر فيما بعد. لقد فتح الشعر الحر عيون العرب على إمكانية التحلل من أوزان الشعر وأعاريضه وبحوره ومعاييره التقليدية، والاحتكام الى مفاهيم تجريبية جديدة تحطم الاطر الكلاسيكية.

وبقدر ما أعطت هذه الثورة من روح جديدة لسيطرة الشعر على المشهد الابداعي العربي، إلا أنها حطمت سيطرة التقليديين من الشعراء ونقادهم ووسائلهم الصحفية، وهكذا توارى محمود سامي البارودي وأحمد شوقي، وظهر على الساحة صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، وتوارى عبد الكريم الكرمي ليحل محله محمود درويش، وتوارى الرصافي والزهاوي وجاء السياب ونازك الملائكة اللذين ملئت أشعارهما الدنيا وشغلت الناس، وتوارى خليل مطران وبرز يوسف الخال وأدونيس. وتراجع تأثير مجلات الرسالة والأديب وغيرها وحلت مكانها مجلة شعر.

في خضم هذا كله، يجب التنويه الى نقطة في غاية الأهمية وهي أن ثورة الشعر الحر غرست في نفس المبدع العربي، أو من وضع خطواته الاولى على طريق الشعر، ومن خلفهما القارىء ، مفهوماً مهماً وهو أن الشعر يقبل التجديد، ويمكننا الخروج على الاطر السابقة نقدياً ولغوياً ونحوياً وشكلياً. ولذلك وبرغم ما قام به رواد الشعر الحر ومن عاصرهم أو تلاهم من الاصوات الشعرية التي كان لها حضور وتأثير بارز طيلة القرن العشرين، فإن الرغبة في البحث عن الجديد، وتقبل التجديد، وتكريسه ليصبح ممارسة راسخة قد تعزز أكثر من ذي قبل. وصار بالامكان كتابة الشعر دون التزام بقواعد الشعر والشكل واللغة المعروفة، ومن هنا ظهرت قصيدة النثر، ثم ظهرت النصوص الحرة التي لها ايقاع الشعر ومزاجه، ولكنها في الوقت نفسه ليست من الشعر ، وبقيت عصية على التصنيف.

أما الثورة الثانية التي كان لها دور بارز في التحولات التي أصابت الشعر والرواية على السواء فهي ظهور الشبكة المعلوماتية على نطاق واسع، وخاصة في العالم العربي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وما أعقب ذلك مما وفرته من امكانيات هائلة ساهمت بشكل واضح في ظهور الصحافة الالكترونية والمواقع الثقافية والادبية والمدونات والمنتديات وغرف المحادثة والدردشة الصوتية ومواقع الكتابات المنشورة على الشبكة. لقد أتاحت هذه الثورة الفرصة للجميع لنشر كتاباتهم وأشعارهم وتناقلها وتوزيعها، وربما الى حد أوسع بكثير مما كانت توفره الصحافة المكتوبة، وهكذا لم يعد لزاماً وجود ناقد يرضى عن محاولات كتابة الشعر أو عن القصائد المنشورة قبل نشرها، ولم يعد الامر في حاجة الى محرر يقبل ما يحلو له، ويرفض ما يعتقد أنه غير مناسب أو لا يندرج ضمن إطار الشعر. وهكذا انتشرت موجة من كتابة القصائد النثرية والخواطر والنصوص فيما يشبه القصائد الشعرية، وإذا كانت هذه الثورة وكما كان متوقعاً في بداية الأمر قد أسهمت في زيادة مدى انتشار الشعر، إلا أن الشعر التقليدي والحر قد تعرضا لانتكاسة لأنه لم تعد قصائد الشعار الكبار وحدها التي تثير اهتمام القراء، بقدر ما أصبحت تجذبهم كتاباتهم أنفسهم، وكتابات الاصوات الجديدة الشابة غير المكرسة، وهكذا بدأ الشعر العربي المكتوب مرحلة التراجع. والحقيقة أنه ليس الشعر العربي الذي يشهد تراجعاً في الانتاج والنشر والحضور، بل ينطبق على الشعر العالمي أيضاً.

وأظن أن السبب الرئيس المسؤول عن التراجع هو أن هذا العصر قد صار عصر قراءة الشاشة واستخدام وسائل الاتصال التفاعلية وحتى الكتاب ولكن في جو من الذاتية والعزلة الفردية، أكثر منه عصر الاستماع والاجتماع والالقاء، والرواية تناسب هذا التحول في طبائع الانسان. إن تعقيدات الحياة وتداخل القضايا والأزمات بعضها بعضاً، واطلاع الكاتب على مصادر معرفية مختلفة تهطل عليه بشكل مستمر وهادر في كل يوم، وتعدد الاوجه والاقنعة التي يعيش خلفها الانسان الواحد بحسب كل بيئة من بيئاته، من مثل بيئة الأسرة والعمل والاصدقاء والكتّاب والغرباء وعالم السفر والهجرة، قد زاد من قناعة الكثيرين بأن النص القصير سواء أكان قصيدة أم قصة لم يعد كافياً ليلتقط كل هذه المشارب والتجارب والخبرات.

يقول المخرج الباريسي جورج فريدلاند في مقالة عنوانها "جمالية ديستوفسكي": "يقال دائماً إن الواقع ممل ورتيب، ومن أجل الترفيه عن النفس يلجأون الى الفن والخيال، ويقرأون الروايات، أما أنا فأرى أن العكس هو الصحيح، فما الذي يمكن أن يكون أكثر خيالية وغرابة من الواقع نفسه؟" (4) وهكذا صارت تعقيدات الحياة ومشاكلها وأحداثها الغريبة المنجم الأمثل لبروز الرواية الى الواقع على نحو ما نراه الآن. ولكن الرواية مرت بظروف صعبة في الفترة التي كان فيها الشعر في أوج انتشاره. فكيف كان عليه حال الرواية آنذاك.

يذكر الناقد البريطاني آلان ماسيه في كتابه "الرواية اليوم" والذي صدر في عام 1990، بأنه قبل عشرين سنة ـ يقصد في اوائل السبعينيات ـ كان من الدارج أن يتنبأ المرء بما يدعى "موت الرواية"، وبحسب تعبيره: "قيل لنا أنها ستصبح شكلاً فنياً يسرّ القلة من الناس مثل الشعر. إن كل الاجناس الابداعية تستجيب بالطبع الى القلة من البشر، ولكنه كان من المقبول عندئذ القول بأن الرواية قد فقدت مكانتها كوسيلة لنقل التجربة التخيلية"(5). وفي عام 1975 كتب الناقد الاسكتلندي جايلز جوردون في مقدمة كتابه "ما بعد الكلمات: أحد عشر كاتباً يبحثون عن سرد جديد" قائلاً: "السرد لم يعد فناً شعبياً، لكن القلة تؤيد ذلك الان" (6). إن استعادة السرد مكانته ربما كان في جزء منه عائداً الى الجوائز، وما تخلقه مناسبات الاعلان عنها من وعي في أذهان الجمهور. لكن السبب يعود للروائيين أنفسهم أكثر من أي سبب آخر، وقدرتهم على تقديم مواضيع مثيرة للاهتمام بأسلوب ممتع.

وفي عام 1977 حرر الناقد مالكوم برادبري مجموعة من المقالات حول الرواية اليوم، وقد وجد أن "الكثير من الروائيين آنئذ قد اصبحوا يضيقون ذرعاً بمعايير السرد التقليدية، وسعوا الى التجريب وإعادة صناعة الشكل من خلال البحث في الأسس" (7). وقد جاءت معايير السرد التقليدية التي أشار اليها من مصدرين: الواقعية من خلال تأكيدها على الحبكة والشخصية، واستمداد قوتها من عالم واقعي خلف الرواية، وثانيهما الجماليات الحداثية التي ركزت على النموذج والشكل والاسطورة، وبرأيه فإن كلا المصدرين لم يعودا كافيين لاثارة اهتمام الروائيين، وقد حدد مظهرين شكلا برأيه تعبيراً عن استجابة لعدم الرضا هذا. الاول هو الانسحاب من النمط المكرس نحو المستوى اللغوي للنص، والذي يصبح حدثاً كافياً بحد ذاته، والمظهر الثاني كان الاعجاب بالعملية السردية في محاكاة ساخرة للشكل، بحيث تصبح مثل انشاء لعبة مع اجراء التبديل الممكن. والمظهر الثاني عزز مفهوم القارىء بأن جهد النقاد النظريين قد حاصر الرواية، وخاصة أن مثل هذه الروايات التي تستجيب لتحليلاتهم النظرية لم تكن ذات حظوة لدى القارىء العادي. ومن الامثلة على ذلك روايات البريطاني وليم غولدنغ الذي لم تلق كل رواياته التالية ـ باستثناء الاولى "آلهة الذباب" والتي اكتسبت شعبية وصارت جزءا من المنهاج المدرسي ـ سوى اهتمام ضيق في إطار النقد الاكاديمي. وفي ذلك السياق وفي الفترة ذاتها كتب بيرنارد بيرغونزي بأن الرواية الانجليزية لم تعد رواية ولا تقدم سوى متعة متوقعة. واعتقد أنه وكما قال فقد تضاءلت الثقة بامكانية عودة الروح للرواية.

ولكن ثورة الشعر الاولى وثورة المعلومات الثانية مهدتا لعودة بروز النثر مرة أخرى وخاصة السرد بأنواعه المختلفة. وهناك إجماع في مختلف وسائل الاعلام الثقافية في مختلف أنحاء العالم بأن هذا الزمن هو زمن الرواية. وقد نشر عدد من النقاد والكتاب من مثل ستيفن كينغز، ج. إم تايري، ستيفن ميلهاوزر، جيمس ف إنغلش، وندي مارتن، وجيسون بووغ مقالات حول مستقبل القصة القصيرة في العصر الرقمي، وحول مكانة الرواية. ورغم دفاعهم عن مكانة القصة القصيرة وجمالياتها ورشاقتها، إلا أن لغة التفجع والحسرة والدفاع المستميت لإثبات فضائلها ينبيء بأن الرواية صارت سيدة الأنواع الأدبية.

إن تجارب الانسان المتعددة والمختلفة في اليوم الواحد والتي تتوزع على وجهات نظر متباينة ومتناقضة أحياناً في الوقت نفسه بحسب زواية النظر اليها من أقصى الخير الى أقصى الشر، ومن أقصى اليقين الى أقصى الشك، ومن أقصى تحقيق الذات الى أقصى المعاناة، ومن أقصى الفرح الى أقصى الحزن فرضت حتمية تعدد الاصوات والشخصيات والامكنة وتنوع الظلال والمعاني. وأعتقد أنه لم يكن غير الرواية وتالياً المسرحية ما يستطيع أن يستوعب هذا كله في عمل واحد.

إن ميل الانسان الى استثمار تجاربه الفردية الذاتية، والاحتفاء بها واعتبارها على درجة عالية من الغنى والتنوع والجدارة للكتابة عنها، ورغبة الكاتب في الغوص في أعماقه الجوانية وقناعاته للبحث عن رؤيته من مختلف مواقف الحياة، ورغبته في توظيف خبرات الماضي وذكرياته وأحلامه مهدوا الطريق لانتشار الرواية، فالشعر ميدان التجارب الوجدانية الذاتية أو القضايا العامة، والقصة ميدان الايجاز والتكثيف التي تصلح للحديث عن الاخرين أكثر من الذات في هذا العصر الذي يعمق الاحساس بقيمة التجارب الذاتية. إن الرواية تتجاوب مع تطلعات الانسان لتقديم رؤيته المعقدة المتشابكة وتجاربه المختلفة وربما المتناقضة في آن معاً.

إن دوافع تحول الكتاب الى الرواية مختلفة، ولكن لا فرق عندي بين تحول قاص أو شاعر أو صحفي أو ناقد الى روائي. إن خوض تجربة كتابة الرواية مسألة مغرية وثرية، وتنطوي على قدر من التحدي، وتتطلب جهداً كبيراً من العمل على بناء معمار أدبي متعدد الاطياف والعوالم والامكنة والقضايا والشخصيات والازمنة. والسؤال عن الاسباب والنتائج يبدو مثل جدل بيزنطي في حلقة مفرغة، فالسؤال إذا ما كان انتشار وسائل الطباعة ، وكثرة الجوائز الروائية، والرغبة في الشهرة، أو تحقيق عائد مادي، أو غيرها هي التي أدت الى انتشار الرواية عالمياً واحتلالها مكانة الصدارة، أو أن العكس هو الصحيح، أي أن انتشار الرغبة في كتابة تجربة الحياة في شكل رواية في هذا العصر الذي يشجع الذاتية والفردية وبالتالي اتساع الرغبة لدى الكتاب في خوض التجربة هو الذي مهد الى انتشار طباعتها وتسويقها وكثرة جوائزها وشهرتها ليس من السهولة الاجابة عليه، ولكن ما يهمنا هو المحصلة، وهي أن تحول الادب العالمي للرواية صار حقيقة واقعة وحتمية، وهي في النهاية مسكونة بهمّ إعادة اكتشاف الوعي والبحث عن الخلود في الرواية، كما كان يبحث شكسبير عن الخلود في سونيتاته، أمام قوى الموت والطبيعة المتقلبة، أو كما قال جوزيف كونراد "الذي يجعل الجنس البشري مأساوياً ليس كونه ضحية الطبيعة، بل كونه واعياً بها" (8).

الهوامش:
1- الشعر ومزاياه (مقدمة الجزء الثاني في ديوان ابراهيم شكري، 1913)، عباس محمود العقاد، مطالعات في الكتب والحياة، الطبعة الرابعة، دار المعارف، 1987، القاهرة.


2- المصدر السابق

3- المصدر السابق

4- الخيال والمخيلة، فن القصة وجهة نظر وتجربة، عدي مدانات، الطبعة الاولى، الاهلية للنشر والتوزيع، 2010، عمان

5- The Novel Today, Allan Massie, Longman House, 1990, Essex, England.

6- Beyond the Words: Eleven Writers in Search of a New Fiction, Giles Gordon, ed, Hutchinson, 1975, London.

7- The Novel Today, Contemporary Writers on Modern Fiction, Malcolm Bradbury, Alden Press,1977, Oxford

8- Joseph Conrad: Third World Perspectives, Robert D. Hamner, Three Continents press, 1990, Washington DC

الجمعة، يوليو 1

بانوراما واقعية لأزماتنا المعاصرة



قراءة في مجموعة "المستهدف" لجمال ناجي

بانوراما واقعية لأزماتنا المعاصرة

اياد نصار

*نشرت في الملحق الثقافي بجريدة الرأي الأردنية يوم الجمعة 1/7/2011
 في هذه الايام التي يشهد العالم فيها طفرة غير مسبوقة في كتابة الرواية، ونشرها، والاحتفاء بها، تثبت القصة القصيرة أنها تظل ذات جاذبية وحيوية وتجدد، تغري كتابها بالعودة اليها. ورغم قصرها إلا أنها ملكة الرشاقة التي تختبر موهبة القص لدى الكاتب. والقصة ليست مجرد حكاية، بل هي ابداع فني كامل من تقديم خلاصة تجربة الحياة وتحليل الشخصية ورسم معالم اللوحة الانسانية في تفاعلها الذي ينطوي على المفارقات والدهشة، بلغة مكثفة موحية، تنعكس على القارىء في هيئة متعة فنية وفكرية، واكتساب خبرة، وازدياد وعي، ومعايشة لحظات من تأملٍ في معاني الحياة التي لا تنضب.

وهكذا يعود الروائي والقاص جمال ناجي الذي وضع بصمته على صعيد الابداع السردي في الاردن والعالم العربي مرة أخرى الى القصة القصيرة، بعد أن قدّم لها ثلاث مجموعات هي "رجل خالي الذهن"، و"رجل بلا تفاصيل"، و"ما جرى يوم الخميس" ليضيف مجموعة جميلة أخرى هي "المستهدف" التي صدرت عن دار فضاءات. تشكل المجموعة حلقة أخرى في مشروع ناجي الذي يحمل رؤاه الفكرية والانسانية منذ أن بدأ مشواره قبل ما يزيد على ثلاثين عاماً حين كتب روايته المدهشة "الطريق الى بلحارث" التي لفتت الانظار اليه منذ بواكير كتاباته، ونال عنها جائزة رابطة الكتاب الاردنيين مبكراً، وحتى روايته الاخيرة "عندما تشيخ الذئاب" التي حققت حضورا لافتاً محلياً وعربياً، ووصلت نهائيات الجائزة العالمية للرواية العربية في العام 2010.

يتميز جمال ناجي أنه حين يكتب القصة يخلع عنه رداء الرواية، ويلقي بأدواتها وأجوائها وأساليبها جانباً، ويتقمص القصة لغة وروحاً وأسلوباً. يتقن ناجي فن التنقل والابحار بين الرواية والقصة، كربّان يعرف مراكبه وأدواته التي لا يخطىء متى يستخدم أياً منها. تؤكد المجموعة أن ناجي قاص متمرس له أسلوبه الذي يميز عالمه القصصي.

تطرح المجموعة الجديدة طيفاً متعدداً من اشكاليات الحياة الاجتماعية والنفسية التي صارت سمة الحياة المعاصرة، في إطار واقعي ناعم يحافظ على جماليات البناء ولغة السرد، وتعبر عن التفاتات نبيهة بعين القاص الحاذقة، وتفتح أفق القارىء على معان جديدة للاشياء والمواقف من حوله، وتجسد الصراعات، وامتزاج الحقائق بالاوهام، ونكوص الوعي المتمثل في ارتداد الانسان الى الخرافة والتصورات الشعبية في تحليل الدوافع ومواجهة التحديات. وشخصياته في أغلب قصصه واقعية تنتمي الى الطبقة المتوسطة.

تقدم قصص المجموعة في مجملها لوحة بانورامية لمظاهر أزمات الانسان والهموم اليومية للحياة في المدينة التي تورث القلق وغياب التواصل الانساني وفقدان الحب. وتمتاز، ككل قصص ناجي، بالحفر في الهواجس النفسية للشخصيات التي تعيش لحظات الخوف والترقب، فينقل هذه الاجواء المشحونة بالتوتر الى القارىء الذي يشعر بمدى التوجس المسيطر على الشخصية.

تعكس بعض القصص جوانب معاصرة من أنماط حياة الناس في عمان، وتقيم مقارنات تشتمل على مفارقات بين قاع المدينة وغربها لتشير الى تغير عادات الناس تحت ضغوطات النفاق والتمسك الشكلي بالمفاهيم وتبدل استراتيجيات العيش، مثلما تعكس التغير في أنماط التدين الاجتماعي حيث عمل الخير يصبح مصدر همٍّ وقلق لا بد من القيام به بطريقة نزقة تكشف عن كثير من طرق الخداع كما في قصة "لهاث ليلة العيد".

في كل قصص ناجي هناك عنصر التشويق الآسر الذي لا يتخلى عنه الكاتب وصار سمة أسلوبه. كما يبتعد عن التهويمات اللغوية، أو الاسهاب في الوصف، أو في رسم معالم المشهد الى وضع القارىء في قلب الحدث مباشرة، وخلق الايحاء بالجو العام من خلال لغة مكثفة موجزة. قصة جمال ناجي تحكي أكثر مما تصف، وتتحاور مع شخصياتها وقارئها أكثر مما تغرقه في التأملات التي تفتقر الى الحدث. "المستهدف" توظف الحوار والتشويق والشخصيات التي نرى فيها أنفسنا لتفتح لنا نافذة لفهم دواخلنا.

ترسم قصة ناجي ملامح الشخصية مركزاً على ابراز الجانب النفسي المعنوي في صفاتها من خلال حيوية الوصف المعبر والموجز في الوقت نفسه، والذي يبتعد عن الاغراق في رسم الملامح الخارجية، اذا لم تكن هذه الملاح تضيف شيئاً ذا معنى عن طبيعة الشخصية ودوافع تصرفاتها ونوازعها. جاء في قصة صديقي الأحمر: "فقسمات وجهه المكللة بملامح براءة أصيلة، تؤكد على نقاء سريرته... من يدقّق في أعماقه التي تطفو على قسماته، لا بد له من أن يشعر بوجود مؤامرة ما ضده، جسدية أو نفسية، لكنها نابعة من كيانه هو، وتهدف، ربما، الى استلاب خاصية الحياة من بدنه".

لعل من أهم ما يميز أدب جمال ناجي هو التركيز على القضايا المرتبطة بتحرر الانسان من ربقة القيم الموروثة والتصورات، لكنه في الوقت الذي لا تنسى فيه المجموعة طرح قضايا المرأة كونها جزءاً من قضايا المجتمع، فإنها لا تدب الصوت في طرح قضايا النسوية لأنها ليست بمعزل عن وقوع الانسان ضحية للقيم الاجتماعية، ومن هنا تجد في قصصه اضطهاد المرأة للمرأة وخلافاتهما ومناكفاتهما.

تستهل المجموعة بقصة "الكحلاء" التي تختزل مخاوف الانسان وهواجسه وصراعاته الباطنية في حكاية نبتة لطيفة وادعة. تجسد "الكحلاء" ترسبات تجاربنا الفاشلة التي تأسرنا فنظل نعيش أوهام البؤس، وحين نتحرر منها ونقلع عن شتاء الحياة الى صيفها تموت الكحلاء. تفتتح المجموعة بموضوعة الموت، وتلجأ الى تجسيد المفاهيم التجريدية التي تتلبسنا بعض الاحيان في تكوينات مادية مرعبة تظهر مدى براعة القاص في التعبير عن الاجواء واعطاء الافكار بعداً ملموساً. وتختتم بقصة ذات نزعة صوفية حول معنى الموت أيضاً. إنها قصة رجل يتأمل أمواج البحر، فيثير منظر نورس يقع ميتاً على الصخور شهية الراوي على الاسئلة الوجودية في معاني الموت وجدوى الحياة وعبثيتها. تكمن أهمية القصة في توظيف المستوى الرمزي للحدث واسقاطه على مصير الانسان، وهكذا يتحول مشهد دفن النورس الجنائزي الى احساس الراوي بالموت وأن المكان صار قبره هو.

تبرز في المجموعة اللغة القصصية المؤثرة والمنسابة بكل سلاسة. في قصة "الموت شخصياً" يحتال رجل عجوز على الموت، فيراه في كل شيء حوله، وفي كل صوت يسمعه. قصة تضع قارئها في خضم مشاعر الخوف، حتى يموت الانسان قبل الموت. إنها قصة نفسية بالغة التأثير بفضل الجو المشحون المثقل بالترقب والاساطير التي تملأ دواخلنا. "سار نحو غرفة نومه، استلقى على سريره، فأحس بحركة جسم غير مرئي في الغرفة، أدار عينيه باحثاً عن ذلك الجسم الذي لم يره". توظف القصة الاحساس والرائحة والاصوات والريح وكائنات الليل ـ وكما يقول الراوي "للاشياء روائحها ومنطقها وتوقيت دخولها".

تلجأ قصص "المستهدف" الى الرمز على نحو مكثف لاعطاء بعد أكثر عمقاً فلسفياً للمعنى، يقول الصوت في قصة الحلاق: "هو الوحيد الذي اسلمه رأسي من دون كل الناس ما يدل أن سلطته وسطوته أكبر مما اعتقدت"، كما توظف البعد الاجتماعي لاستخدامات اللغة الشعبية في فهم نوازع البشر وتحليل شخصياتهم. في أغلب قصصه، يوظف ناجي السخرية اللماحة والكوميديا على لسان الراوي في وصف شخصياته أو اثناء الحوار للفت انتباه القارىء الى الجوانب التي يحفزه لادراكها. ويوظف النهايات الغامضة المفتوحة لدفع القارىء الى التفكير ملياً في دوافع البشر الخفية التي تحكم تصرفاتهم الظاهرة كما في قصة "زيارة متأخرة". قصص ناجي من النوع السهل الممتنع التي لا تعرف الملل والاسهاب والزوائد اللفظية، وتحترم ذكاء القارىء في تقديم حبكة تسير كل تفاصيلها في اتجاه الموضوع الاساس. وبهذا المعنى لا يفقد ناجي زمام السرد من يديه، فلا تحس في لحظة أنه ابتعد عن فضاء القصة.

تدين المجموعة ممارسات الاضطهاد على اختلاف مستوياتها السياسية والاجتماعية، مثلما تنتقد الانتهازية السياسية التي حولت العمل الوطني الى مصدر للتكسب. وتتناول المجموعة بشيء من السخرية هذا النموذج الذي يقف بشراسة أمام قمع السلطة في حين أنه يمارس أبشع أنواع الاذلال لمن حوله.

يميل جمال ناجي الى استخدام ضمير الأنا المتكلم في معظم قصصه، ففي قصتين فقط يسرد الراوي الاحداث بضمير الغائب. يخلق ضمير المتكلم احساساً بمدى الصدق، وفي الوقت نفسه يعكس براءة التجربة أو سذاجتها أو سخريتها.

تتناول قصة "المستهدف" أزمة رجل يجد نفسه ضحية غريزة نسائية من نوع غريب بين سذاجة الام النابعة من حنانها، ودهاء الزوجة النابع من خبرتها ليكتشف أن هذه الغريزة الخطيرة في المرأة هي سبب احساسه بأهميته وهامشيته في آن معاً. تختبر القصة النظرة المتبادلة بين الام والابن، وتعزز مفهوم فجوة الاجيال. قصة "المستهدف" مثال على مفهوم تعدد الابعاد في القصة الواحدة لدى جمال ناجي. في "المستهدف"، تنتقل القصة الى مستوى أعلى من الفهم الذي يفتح وعي القارىء على حقائق الحياة غير الظاهرة، إن خضوع البطل لرغبات أمه في لبس ملابس اخوته مرده الرغبة في النضوج سريعاً، وهكذا تبدو رغبة الانسان في تجاوز مراحل التجربة الانسانية سخيفة وغير مضمونة. "هنا ، هنا بالذات، تصيب مقتلاً في نفسي، فقد كنت في عجلة من أمري، اريد ان أكبر بسرعة، ويبدو أنها أدركت الرغبة الملحة لدي فاستثمرتها لاقناعي بقبول ما يصعب القبول به من ثياب اخوتي الكبار". ثم تنتقل القصة مع القارىء الى مستويات أخرى لتطرح مفهوم غريزة الاحتفاظ بالاشياء القديمة لدى النساء، وتأتي نهاية القصة وكما هي نهايات قصص ناجي مثقلة بعناصر الدهشة والمفاجأة وكشف الرؤية ليدرك الراوي البطل أن هذه الغريزة هي سبب الاحتفاظ به كزوج رغم أنه لم يعد نافعاً!

يوظف ناجي الكثير من تقنيات القصة مثل عنصر المفاجأة، والسخرية أثناء السرد أو الوصف، وخلق جو من الغموض الذي يتكشف تدريجيا للقارىء، ولجوء الشخصية الى وضع الاقنعة وإدعاء البطولة، والحديث الى مرآة الشخصية ونقيضها، فكأن البطل يتحدث الى ذاته الأخرى كما في قصة "صديقي الأحمر"، والجمل السريعة الملونة بظلال المعاني الفلسفية والنفسية الخاطفة، والسذاجة الظاهرية للشخصية في سبيل نقد الافكار التي تمثلها.

تواكب قصص ناجي عالم الاتصال الحديث والعوالم الالكترونية لتعكس التغيرات التي أصابت السلوك الانساني وتعكس صدمة الانسان أمام تغيرات المفاهيم الحياتية، الموت بالنسبة للام في قصة "طموح محلي" هو تأخير زمني لا طائل منه، وبالنسبة لابنها هو خسارة لعبة التحدي التي تمنحه ثلاث فرص، وبالنسبة للحمّال فهو جريمة بلا رحمة لا بأس من أن يستغله لتحقيق مآرب شخصية.

رابط المقالة بجريدة الرأي

رابط الصفحة الكاملة


عصر ورشات الابداع


الكتاب الفائز بجائزة ترومان كابوت للنقد الأدبي لعام 2011

عصر ورشات الابداع: السرد بعد الحرب العالمية الثانية ونهضة الكتابة الابداعية

ما سر العلاقة بين تطور الابداع الادبي وممارسات التعليم العالي

اياد نصار
* نشرت في ملحق شرفات ثقافية في جريدة الدستور الأردنية بتاريخ 24/6/2011
فاز هذا الكتاب بواحدة من أرفع جوائز النقد الأدبي، في العالم، وهي جائزة ترومان كابوت للنقد الأدبي لعام 2011. وقد اختارته ـ في شهر نيسان، من هذا العام ـ لجنة من النقاد والمحكمين المرموقين ليحظى بالجائزة البالغة قيمتها ثلاثون ألف دولار. ومن المعروف أن الجائزة تمنح، سنوياً، منذ عام 1996، لأهم كتاب صدر في الأعوام الأربعة الأخيرة في مجال الدراسات النقدية، بناءً على وصية الناقد الأميركي، ترومان كابوت، الذي أوصى باستحداث الجائزة تخليداً لذكرى صديقه الناقد نيوتن آرفن، أستاذ النقد المتخصص بأدب القرن التاسع عشر، الذي عمل بالتدريس ثمانية وثلاثين عاماً، وفقد وظيفته في عام 1960، حينما تم الكشف عن ميوله المثلية. وتتولى جامعة أيوا الإشراف على إدارة الجائزة. وضمت لجنة التحكيم، هذا العام، نخبة من النقاد والكتاب المعروفين، وهم: تيري كاسل، وجاريت ستيوارت، ومايكل وود، وجون كيريجان، وإيلين سكاري، وإيلين شووالتر.

حصل المؤلف الناقد وأستاذ الأدب الأميركي في القرن العشرين، مارك ماك جيرل على شهادة البكالوريوس من جامعة هارفرد، وعلى الدكتوراة في الأدب المقارن من جامعة جونز هوبكنز، ويعمل أستاذاً مشاركاً للأدب الأميركي في جامعة كاليفورنيا، في لوس أنجليس، وقد نال مِنحاً وجوائز عدة تقديراً لأبحاثه.

صدر الكتاب، الذي يقع في 480 صفحة، عام 2009، عن مطبعة جامعة هارفرد، ولقي ـ منذ صدوره ـ اهتماماً كبيراً في الأوساط النقدية، وحظي بكتابات كثيرة حوله وحول جدّته، وإضافته التي أغنى بها حقل الدراسات النقدية، في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة.

يتبنى الكتاب نظرية تقول إن ازدهار برامج الكتابة الإبداعية، أو ورشاتها، يمثل أهم حدث، على الإطلاق، في التاريخ الأدبي الأميركي ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإن إيلاء الاهتمام إلى العلاقة وثيقة الصلة، بين الإنتاج الأدبي وممارسات التعليم العالي هو المفتاح لفهم أصالة الأدب الأميركي، بعد الحرب. أشار المؤلف، في مطلع الكتاب، إلى أن الأدب الأميركي واسع وغزيز، ولذلك فقد ركز على الجانب السردي منه، ولكن ما ينطبق على السرد ينطبق ـ برأيه ـ على الأنواع الأخرى، كافة؛ كالشعر.

يؤكد المؤلف أن برامج الكتابة ـ بعكس ما يقال عن تراجع في مستوى الأدب الأميركي، أو الاهتمام به ـ قد أوجدت طيفاً واسعاً ومعقداً من القضايا الجمالية، التي تم استكشافها ـ بدأب ـ من قبل مجموعة كبيرة من الكتاب الذين كانوا، ذات يوم، مدرسين أو تلاميذ، في هذه البرامج، من مثل: فلانري أوكونر، وفلاديمير نابكوف، وفيليب روث، وريموند كارفر، وجويس كارول أوتيس، وتوني موريسون، وجورج سوندرز، وتوماس باينشون، وغيرهم.

إن القضية الأكثر أهمية، التي واجهت السرد الأميركي بعد الحرب الثانية، كانت في توظيف مبادئ الكتابة الحداثية، التي تطورت ـ في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خارج المؤسسة الأكاديمية ـ في الميدان الأدبي، الذي بدا واضحاً خضوعه، وعلى نحو متزايد، لمؤسسات التعليم العالي، البيروقراطية.

وعلى عكس النظرة الشعبية، التي تقرن المؤسسات، خاصة التعليمية، بالصرامة والتشدد والتأطير، وكأنها تقتل الإبداع، فإن المؤلف يبدي ترحيبه بدور المؤسسات في تطوير الأدب. ويسعى الكتاب إلى تمكين القارئ من بلوغ فهم أعمق، وأكثر تعاطفاً مع دور المؤسسات التعليمية، التي حاولت أن تكون داعمة للفردية والإبداع.

يشير الكتاب إلى تجارب كثير من المؤلفين لتأييد الافتراضات حول علاقة المؤسسات التعليمية بالأدب، ويهتم ببحث الأسباب والأفكار التي جعلت من موضوع تعليم الكتابة شيئاً جيداً وايجابياً، بالنسبة للأدب. ويذكر المؤلف أنه بذل جهداً هائلاً للغاية في سبيل كتابة هذا الكتاب، ويتمثل في مراجعة كل برامج الكتابة الإبداعية، التي ظهرت، والذين التحقوا بها من مدرسين وتلاميذ، كما كان عليه قراءة الكثير من الروايات الأميركية المشهورة والمغمورة، إلى الحد الذي يسمح له باطلاق تعميمات مقبولة. كما يشتمل الكتاب على بعض الرسوم التوضيحية الخاصة بالعلاقة بين التجربة والخبرة والإبداع والموهبة والحرفة.

يقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء رئيسة، ومقدمة بعنوان «قاعات المرآة»، وخاتمة بعنوان «التميز النظامي». يركز الجزء الأول، الذي حمل عنوان «اكتب ما تعرف/ اعرض ولا تصرّح ـ 1890- 1960»، على العلاقة بين الحداثة والتعليم التقدمي والكتابة الإبداعية، ويتناول السرد الأميركي خلال هذه الفترة التي اتسمت بالدعوة إلى الاعتماد على التجارب الذاتية، في الكتابة، وقسّمه المؤلف إلى بابين: طرح في الباب الأول مفهوم إرساء تقاليد لاتقليدية، حيث سعى المربّون الأميركيون، في عشرينيات القرن الماضي، إلى إرساء تقاليد جديدة للمدرسة الحديثة تخرج عن التقاليد السائدة، وهكذا تم تأسيس التعليم على قيم حب الفضول والأصالة والإبداع. وبرز خلال تلك الفترة دور الموهبة، حيث انتشر الرأي بأنه لا يمكن صنع فنان من أي رجل إذا لم يكن لديه موهبة عبقرية، في الأساس. ويشير الباب الأول إلى ما يسميه المؤلف «وليم شكسبير الذاتي»، والذي اشتقه من عبارة الروائي الأميركي توماس وولف، التي قال فيها: «انهض يا شكسبيري النائم»، مخاطباً ملكة الإبداع، لديه، لكي تبرز. ومن هذا المنظور، ولدت كلمة «ورشة» أو «برنامج» تعليم الكتابة الإبداعية خلال هذه الفترة.

يتطرق المؤلف، في الباب الثاني، إلى برنامج جامعة أيوا للكتابة الإبداعية، ويرى أن ظهور البرنامج يمثل حالة عملية للدراسة على الصراع الجدلي للمتناقضات؛ ففي حين أن منح درجات علمية في الكتابة كان تعبيراً عن الترحيب بالتوجه إلى الإبداع، من قبل جامعات تقدمية ترغب في توسيع حدود التعليم الأكاديمي، فقد صار الإبداع الذي يكتبه طلاب هذه الورشات، خاضعاً للتمحيص والتدقيق والنقد والمراجعة. وإذا كان هناك من إيجابية لهذه الورشات التي تشجع الكتابة من واقع تجارب الكاتب ومعارفه الذاتية، فإنها قدمت، أيضاً، نماذج وعينات من كتابات آخرين للاستفادة منها.

يغطي الجزء الثاني الفترة من عام 1960 حتى عام 1975، وهو بعنوان «ابحث عن صوتك»، ويتناول تحولات صوت الراوي، في السرد، وتأثير ذلك في اكتشاف أدب الأقليات. ويتكون هذا الجزء من بابين، أيضاً. يبحث الأول منهما في الكتابة الإبداعية في النظام المفتوح، وأما الثاني فيتناول الاتجاه الذي يجعل من الصوت مركز العمل، أو البحث عن صوت راوي القصة. كان السؤال المطروح، أيضاً، في تلك الفترة، هو: كيف يمكن للناس الالتقاء معاً، في تجمع حميم الصلة، وأن يظلوا أحراراً في التعبير عن ذواتهم؟ فكانت الإجابة هي: إقامة علاقات مؤسسية تقوم على نموذج السوق الحر. وهكذا أخذت الجامعات الأميركية تنظم كيانها المؤسسي، من الداخل، وتنفتح على البيئة الخارجية، وتتجاوب مع احتياجات الاقتصاد والصناعة والمجتمع، ما يعكس نموذج السوق الحر. كما حظي الجسم الطلابي، في الجامعات، بدعم حكومي تمثل في المنح والمساعدات والقروض للطلاب، وانعكس الاهتمام بالتعليم وتوسيع مظلته على زيادة الدور المؤثر، الذي تلعبه الجامعات في تكوين الثقافة الأميركية، كما انعكس الاهتمام بصورة فتح ورشات جديدة للكتابة الإبداعية في الجامعات.

يحمل الجزء الثالث عنوان «الكتابة الإبداعية 1975 ـ 2008»، ويتكون من ثلاثة أبواب. يتناول أولها العلاقة بين التعليم العالي الجماهيري وحداثة الطبقة الوسطى الدنيا، وثانيها يتناول الفن والجامعة، وثالثها يعالج البرنامج في المنظور الكوني. ويقدم المؤلف تأملات في معنى الإبداع المؤسسي المنظم، وهي فكرة كانت تعد، حتى وقت قريب، متناقضة مع فكرة الإبداع نفسها، ولكنها صارت ـ الآن ـ محورية بالنسبة للإنتاج الثقافي؛ سواء داخل الجامعة أم خارج حدودها. ويبين الكاتب أن رعاية الجامعة قد أعادت تنظيم الأدب الأميركي، وأن زيادة الصلة الوثيقة بين الكتابة والتعليم قد انعكست على صعيد انتشار الأدب ومقروئيته.

ذكر الناقد وأستاذ الأدب الإنجليزي، في جامعة بنسلفانيا، جيمس إنغلش، أن كتاب ماك جيرل «يغير ـ وإلى الأبد ـ النظرة التي كان ينظر بها المرء إلى تاريخ الأدب الأميركي، في مرحلة ما، ولذلك فهو جدير بالثناء». وقالت الكاتبة جينيفر هوارد إن «ماك جيرل يقوم بسلسلة من المناورات النقدية والتفسيرية المعقدة، في كتابه ’عصر البرامج‘، ويصف ـ بإسهاب ـ كيف أن مؤسسية الكتابة الإبداعية قد غيرت الظروف التي يتم فيها إنتاج الأدب الأميركي، وكيف أن ذلك قد غير مرحلة الأدب، من عصر الناقد عزرا باوند إلى عصر البرامج».

من ضمن التقاليد التي ترسخت في برامج الكتابة الإبداعية، في الأربعينيات والخمسينيات، والتي تعلمتها روائية مثل فلانري أوكونر، كان مبدأ الايحاء دون التصريح، وأن على الكاتب أن يقبع خلف مسرح أحداث القصص التي يكتبها، وأن أفضل أسلوب للسرد هو استخدام ضمير الغائب، أو الضمير الثالث، في سرد درامي متتابع للمشاهد القصصية، وكان ذلك الأسلوب يتضمن ـ كذلك ـ توظيف الحوار بكثافة، والدخول إلى عالم النفس الداخلي للشخصيات وتحليلها. غير أن رواية فيليب روث «شكوى بورتنوي» (1969) تحطم كل هذه التقاليد. ويسرد الراوي الأحداث من بعد أعلى، وهو ما يسميه المؤلف «الضمير الرابع»، والذي يتسم بكثرة استخدام علامات التعجب والحروف الكبيرة وتمثيل الأصوات.

كان ظهور الضمير الرابع نقطة تطور، في السرد الأميركي، أدت إلى تركيز الاهتمام من النص إلى إمكانيات توظيف صوت الراوي. كانت الدعوة إلى اكتشاف صوت الطالب، وتوظيف تجاربه الشخصية عاملاً ساهم في إعادة اكتشاف التراث الهندي الأميركي، وتقديمه في الأدب، كما شجع الكتاب الأميركيين ذوي الأصول الأخرى، كالآسيوية والأفريقية، في اكتشاف تراثهم.

تشير الأرقام إلى أن برامج الكتابة الإبداعية وورشاتها قد نمت، وتطورت إلى حد كبير، في النصف الثاني من القرن العشرين. فأول هذه البرامج، وأهمها هو ورشة جامعة أيوا، التي بدأت في عام 1936، وكانت أيوا أول جامعة أمريكية تمنح درجة أكاديمية في الكتابة الإبداعية، ومن ثم تبعتها جامعة كورنيل، وجامعة هيوستون. وفي عام 1975 كان هناك 52 برنامجاً للكتابة تمنح درجات جامعية، وفي عام 2004 بلغت ما يزيد على 300 برنامج، وتشير الأرقام ـ الآن ـ إلى أن هناك ما يزيد عن 500 مؤسسة تقدم هذه البرامج. ويمكن القول إن أحد أكثر المجالات نمواً، في التعليم العالي الأميركي، هذه الأيام، هو الكتابة الإبداعية.

يورد ماك جيرل التحولات التي تطرأ على إحساس المشارك في ورشة الكتابة، فنظام الورشة يقتضي من كل طالب أن يقدم قطعة، من كتابته الخاصة، للمراجعة وللنقد العام من الأخرين، ومن ثم التصحيح من قبل زملائه، ومحاضر يلعب دور الحكم. تقلل المراجعة من مخاطر الإحساس بالخجل، حيث لا يوجد أحكام نهائية، والكتابة في حالة تشكل دائم، وهذا من شأنه التغلب على الإحساس بعدم قيمة الأشياء إلى إحساس بالنزوع إلى ما يشبه بلوغ العبقرية، وهذه هي روح تجربة حضور ورشة الكتابة.

وإذا كانت عملية البحث، في الجامعة، تخنق الطالب بالحقائق والإجراءات، فإن التأثير الكارزمي، لوجود فنان في داخل غرفة الصف، يبعث على الإلهام، ويبعث الرغبة في التقليد. وإذا كانت الكلية تعلي، عادة، من قيمة البحث العلمي، والنقد، وإخضاع السرد الروائي للمراجعة القاسية، فإنه من الضروري حماية هالة الأدب، والسعي إلى استكشاف الأسرار الغامضة للعملية الإبداعية، دون كشفها.

ومن ناحية أخرى، فإن وجود كاتب مبدع، في الورشة، من شأنه أن يحمل قيم السوق والمنافسة إلى فضاء الكلية الأكاديمي، البعيد عن قوى السوق التجارية. يحمل الروائيون المشهورون، معهم، بريق النجاح في عالم حقيقي قاس من المنافسة لا يعرفه عالم الأساتذة ذو البرج العاجي. وفي الوقت ذاته يدرك الطلبة مدى المعاناة التي يتحملها الكاتب المبدع، من قوى السوق المادية، وخاصة في ظروف عدم الاستقرار المالي، أو عدم الحصول على دخل كاف، وما يكتنف الكتابة من مخاطرة، ما من شأنه أن يحفز الطلبة كي يدركوا أنه لا ينبغي التفكير في الأمان الوظيفي إذا ما أرادوا اختيار الكتابة طريقاً لمستقبلهم.

كتب الروائي الأميركي، الروسي الأصل، فلاديمير نابوكوف، إلى صديقه إدموند ويلسون، وهو يتوق بشكل كبير للعودة إلى العمل على روايته، بدلاً من القيام بواجباته التدريسية، في جامعة كورنيل: «لقد سئمت التدريس، سئمت التدريس، سئمت التدريس». تعكس أمنية نابوكوف رغبة دفينة لم يكن قادراً على تنفيذها، حيث بقي متمسكاً ـ طيلة حياته ـ بكل الوظائف التدريسية، مهما كانت ظروفها، لكنها تكشف عن رغبته في التحرر من سجن الصف الدراسي إلى عالم الحرية النرجسي، للتعبير الفني.

وحالة نابوكوف تمثل دليلاً على المفارقة بين صرامة المؤسسة التعليمية الأميركية، التي لا تحفل بمعاناة المبدعين المهاجرين، بل تبقى رهينة متطلبات الميزانيات والبيروقراطية والديموغرافيا، ولكنها ـ من جهة أخرى ـ تمنح الرؤية لتحقيق الذات من خلال التعلم. كما شهدت تلك الفترة تحول كثير من الكتاب، من مثل: بول أنجل، ووالاس ستيغنر، وإليوت كولمان، وباكستر هاثاواي، من كتّاب إلى أساتذة للكتابة يتلقون رواتب.

قدم المؤلف عددًا من المبادئ والافتراضات والمصطلحات النقدية الجديدة، التي توصل إليها. وقد ذكر أن الاقتصاد الأميركي قد تطور إلى ما سماه بعض الأدباء «اقتصاد الخبرة»، وهو البديل الأصح من مصطلح «اقتصاد المعرفة»، الذي أصبحت فيه الرواية «سلعة خبراتية»، نسبة إلى خبرة الكاتب، التي تتحدد قيمتها ـ بالنسبة لقرائها ـ بجهد مؤلفها، الذي وضعه في تأليفها، وليس بالقيمة الاقتصادية لمكوناتها التي صنعت منها.

يلخص الكاتب مسيرة السرد الأميركي، بعد الحرب العالمية الثانية، في جدول توضيحي يظهر فيه أن وليم فوكنر وجيمس جويس كانا يمثلان العبقرية، في توجهاتهما الحداثية بأشد صورها، بينما كان هنري جيمس وهيمنجواي يمثلان المهنية والحرفية، ولكن كلا التيارين قد انتهيا في حضن المؤسسية التي مثلتها الجامعات وبرامجها في الكتابة الإبداعية، ومنها ظهرت ثلاثة تيارات رئيسة، هي: تيار الحداثة التقنية، التي يمثلها الروائي توماس باينشون والقاص والروائي جون بارث؛ وتيار التعددية الثقافية والاحتفاء بالإثنية، ويمثله الروائية توني موريسون والروائي فيليب روث؛ وتيار حداثة الطبقة الوسطى الدنيا، ويمثلها القاصة والروائية جويس كارول أوتيس والقاص ريموند كارفر.

رابط المقالة بجريدة الدستور

رابط الصفحة الكاملة

الأربعاء، يونيو 22

قراءة للبطل في "الخيط الأسود" لجمال القيسي


قراءة للبطل في "الخيط الاسود" لجمال القيسي


* نشرت في جريدة النهار يوم الاربعاء 22/6/2011

تنقسم رواية جمال القيسي، "الخيط الأسود"، أربعة أجزاء هي: "صوت"، "صدى"، "صوت" و"آخر الصدى"، ويشتمل كل منها على فصول قصيرة، وتتميز بتعدد الرواة، حيث يسرد الرواية راوٍ رئيسي بصيغة الغائب العليم، بالإضافة إلى السرد على لسان اثنين بصيغة الأنا: البطل واصل ، والشيخ يوسف، صديقه وابن حارته. تعتمد الرواية على أسلوب تداخل الزمنَين الماضي والحاضر، واستدعاء الذكريات، ونلمح أنها تدخل عالم الشباب المتدين، وتطرح صراعات الجماعات والأحزاب الإسلامية، ومشكلاتها من الداخل. يروي الجزء الأول من الرواية الصادرة عن "الدار العربية للعلوم" في بيروت، والدار الأهلية في عمان، قصة الشيخ يوسف وأسرته. ويظهر البطل واصل صبيا صغيرا يحضر جلسات صديقه الشاب، بينما تسرد الأجزاء الثلاثة الأخرى سيرة حياة واصل، وتفاصيل طفولته ودراسته في المدرسة، ورحيل والده، وسفر أخيه إلى روسيا لدراسة الطب، وجو المناكفة بينهما، وكل ما يتصل بعد ذلك بتحولاته الفكرية وانتماءاته الحزبية. تُبرز الرواية سيرة حياة بطلها كجزء من التغيرات التي طرأت على المجتمع الأردني، وذلك من خلال علاقاته، وصداقاته، ومناكفاته، وانتماءاته الدينية، وتقلباته من جماعة "الإخوان المسلمين" إلى حزب التحرير، إلى طلاقه النهائي لهما وهو كبير، وقد نضجت تجربته واستقرت اقتناعاته على ضوء ما شاهده من التباين بين التنظير والممارسة، وبين الحقائق والواقع.


تؤسس الرواية مسرح أحداثها عبر المكان والزمان، من خلال تطور حبكتها، وتفاعلات شخصياتها منذ بداية الثمانينات، حينما كان واصل فتىً في الرابعة عشرة، حتى وقتنا الحاضر، حيث صار كبيراً ولديه عائلة. وينتقل مسرح الأحداث من منطقة سحاب قبالة المقبرة الإسلامية، حيث يسكن الشيخ يوسف، وحي الشعيلية في شارع مأدبا، حيث يعيش واصل في بداية الرواية، إلى المدينة الرياضية حيث تنتهي الرواية بمشهد واصل جالساً على شرفة منزله، غارقاً في تأمل حصاد تجربة حياته بحلوها القليل ومرها الكثير.


يشكل استغلال الدين منذ الصغر نقطة خلاف جوهرية بين واصل ويوسف برغم علاقتهما الوطيدة، ويصبح مفتاحاً لفهم شخصيته. يلمح الشيخ جبريل منذ البدء عقل واصل النابه الشرود، مما يؤدي إلى اقصائه من المشاركة. لم يكن السؤال غير عادي، إلا أن الموقف برمته ينطوي على نقد ثقافة دينية لا تسمح بالاختلاف معها. وبرغم أن الرواية لا تنطوي على أحداث مأسوية أو مواقف كبيرة غير متوقعة، وبرغم مألوف شخصياتها وأحداثها، إلا أنها تشد القارئ بلغتها وأجوائها التي تثير النوستالجيا لكونها ترصد الكثير من ملامح الحياة في عمان قبل ثلاثة عقود، حينما كان بريد سكان الحي يوزّع عند البقالة، وحينما كانت هناك صحيفة أسبوعية اجتماعية تدعى "أخبار الأسبوع"، تخرج على خط الصحافة اليومية ذات التوجهات الرسمية، وتملأ فسحة من اهتمامات الناس الاجتماعية والأقاويل في تلك المرحلة.


تطرح الرواية مسألة استلاب الوعي لدى الشباب من جانب الجماعات الدينية قبل أن يتفتح وعيهم. ويشير الراوي إلى بداية وعي واصل بجماعة "الإخوان المسلمين" التي يشير إليها تورية باسم "الإخوان المستقلين"، وإلى وصايا مؤسسها حسن البنا الذي لا يذكره صريحاً بالاسم، بل يلمح اليه باسم الشهيد الإمام حسن. أهمل دروسه وصار يقرأ منشورات الجماعة وكتبها التي تدعو إلى أسلمة المجتمع، ما يشي بأن ما تقدمه من حلول لا يرى في الدنيا نشاطات إنسانية تستحق الاهتمام سوى الدين.


طرحت الرواية موضوع الدين بوصفه مكوّناً مهماً من مكوّنات ثقافة المجتمع الذي هيمن عليه الإسلاميون، خصوصا "الجماعة"، لفترة طويلة من الزمن تجاوزت خمسة عقود. غير أن الرواية تشير إلى تمرد البطل على الفكر الذي حاول تدجين عقله، وسخر من قراءاته المستقلة وعدّها "أشكالاً فارغة حمقاء"، وصادر انتقاداته، بل وصل الامر إلى حد تشبيهه بـ"القوارض" لقيامه بقرض الشعر. تمثل ثورة واصل نقداً للأحزاب التي تسعى إلى مصادرة حق الإنسان في التفكير الحر.


برز تطور الشخصية في حالة واصل، حيث غدا من أكثر الشخصيات جاذبية نتيجة النضج والمؤثرات التي مرّ بها. فلم يعد تلك الشخصية البسيطة المسطحة، بل تطورت تدريجياً، عاكسة التحولات التي طرأت على فكره، الذي بدأ يثور على المفاهيم التي نشأ عليها في بيئته الاجتماعية التقليدية، ويتمرد على الفكر الحركي. ولعل ما قاله له غسان الذي ينتمي إلى "حزب التغيير"، في تورية تشير إلى حزب التحرير، يعبّر عن ذلك بوضوح: "أنت لا تصلح لهم، ولا هم يصلحون لك". بدا أن تطور الشخصيات الأخرى كان بحاجة إلى اشتغال أكبر، حيث جرى تجميد شخصيات رئيسية وإبعادها عن مسار الأحداث، مثل الشيخ يوسف وشقيقه المسافر، فتحول الراوي عنهما كلياً ولم نعد نسمع عنهما شيئا، وركز على معالجة شخصية واصل حتى النهاية.


تنتقد الرواية، من خلال توظيف أسلوب المفارقة والتناقض بين القول والفعل وازدواجية معايير الرجل، الثقافة الذكورية القامعة التي يمارسها المجتمع ضد النساء. بل لعل عدم ذكر اسم الأخت الكبرى هو نوع من التهميش يمارَس ضد المرأة إلى الحد الذي تبقى معه بلا اسم أو هوية. ومما يلفت أن الرواية ليس فيها بطلة أنثى أو شخصية نسائية رئيسية! هناك البنت الكبرى لأبي سليمان (الظريفة) التي توصف بأنها جسورة وشرسة وذات حيلة، لكنها تبقى شخصية ثانوية. وهناك نيفين المصرية التي جاء زوجها للعمل في الأردن، وقد استحوذت على عقل واصل، وعقل أخيه الأكبر. وهناك شقيقة واصل الكبرى التي أنقذته من الاحتراق، وهناك فتاة المدرسة التي يدعوها "الغريبة"، في إشارة إلى توقيعها كتابها باسم "غريبة الديار". نشأ بينها وبين واصل حب مراهق نتيجة الجفاف العاطفي في بيئة قاسية، ثم لا نراها بعد ذلك إلا وهي في أواخر الأربعينات وقد تزوجت وصار عندها أولاد.


نجح القيسي في تجسيد تجارب البطل الأولى في التعرف الى الجانب الجنسي في الإنسان من خلال رصد تفاصيل العلاقة بين الفتى الصغير ونيفين الزوجة المصرية العشرينية الجميلة، التي أثارت نوازعه، فاشتعلت ثورة الجسد. كما نجح في نقل أجواء اللقاء الحميم الأول بين نيفين وواصل، الذي سمّته وهي تضمّه، "شيطاناً صغيراً".


في الجزء الأخير من الرواية تتسارع النهايات، حيث نلاحظ حرقاً للمراحل كما سمّاها الراوي، إذ يعقد مقارنات إزاء مقولات حزب "التغيير"، ما يدعو للحيرة والتشظي، كما يعبّر عن الصراع الداخلي الذي أحس به إزاء "الإخوان"، حيث يتذكر مقولة "أسلمة المجتمعات لاستعادة الحضارة"، ويتذكر قول ابن خلدون إن الحضارات إذا انطوت لا تعود.


تنتهي الرواية بفصل "ما يشبه الخريف"، وهو حصاد العمر المر. لقد استنفد البطل طاقاته في الصراعات الفكرية التي مرّ بها مع الحزبين بحثاً عن "المنهج الصحيح المؤدي إلى الحياة الفضلى". كما نرى واصل متزوجاً وقد حاصره السأم والوحشة، بعدما ولت أيام "الشباب والعنفوان والطيش".


من داخل الجزء الأخير يفسح الراوي المجال لواصل كي يسرد بنفسه عبر تداعي الذكريات خاتمة الرواية، التي تعد أجمل فصولها، بلغة تأملية مثقلة بالتلوينات النفسية والفكرية، وفيها يعرّج بالتحليل على أحداث سيرته ومصائر الآخرين الذين شاركوه التجربة ليصل إلى استيعاب دروس الحياة. وتنتهي بإدراك البطل المنكسر حقيقة وجودية مغرقة في التشاؤم.

 رابط المقالة بصحيفة النهار



ترجمة الأدب العربي: مشكلات وآفاق

ترجمة الادب العربي: مشكلات وآفاق
اياد نصار

*نشرت في جريدة الرأي الأردنية بتاريخ 17/6/2011

شهد العقدان الاخيران انعقاد عشرات الندوات والمؤتمرات واللقاءات حول ترجمة الادب العربي الى اللغات الاوروبية وخصوصاً الانجليزية، وقد كان هناك طفرة واسعة في ترجمة الاعمال الادبية من شعر وقصة قصيرة ورواية ومسرحية ونقد، ولم تقتصر اهتمامات المترجمين على الاعمال الأدبية، وإنما اجتذبتهم أيضاً المصادر والمؤلفات التراثية والدينية والجغرافية وغيرها، غير أن طفرة ازدهار الرواية عالميا انعكست على صعيد الاهتمام بالرواية العربية المعاصرة، وامتدت الى مجال ترجمتها، فانتشرت ترجمات الرواية العربية على نحو واسع.


والمترجمون هم من يقدمون أدبنا العربي الى القراء في العالم، وهم من يساهمون، وبدور لا يقل أهمية عن أدبائنا، في رسم معالم الصورة التي يحملها الآخر عنا وعن ثقافتنا. وفي هذا المجال، لعبت مطبعة الجامعة الامريكية في القاهرة، وما تزال، دوراً كبيراً في ترجمة الادب العربي الحديث ونشره. وأشيد في هذا المجال بجهود بعض المترجمين العرب الذين لقيت ترجماتهم انتشاراً واستحساناً مثل عايدة بامية، وابراهيم مهوي، وبولا حيدر، ورشيد العيناني، وسماح سليم، وأهداف سويف وغيرهم، وكانت لا تقل جودة وروحاً أدبية ابداعية عن ترجمات المترجمين الاجانب المعروفين وعلى رأسهم المترجم البريطاني "الاشهر في زماننا" كما وصفه ادوارد سعيد ذات يوم وهو دينيس جونسون ديفيز.

الترجمة لا تعني استبدال كلمة بأخرى، بل هي فن في الأساس. فن في ابراز جوهر الابداع ، وفن في اقامة علاقة انسانية مع صاحب العمل يستند اليها المترجم في فهم خفايا العمل ومقاصده. ينبغي على المؤلفين الانتباه الى ضرورة اقامة صلات مع المترجمين، فالمرء يستغرب من دواعي اختيارات المترجمين أحياناً، فمرة يترجمون رواية معروفة لكاتب مثل نجيب محفوظ، أو يوسف إدريس، ومرة يختارون رواية أولى لكاتب جديد يعتقدون أن لها أهمية أدبية. وتحتاج العلاقة ما بين المؤلف والمترجم الى قدر كبير من الثقة المتبادلة، وخاصة اذا كان المؤلف لا يعرف شيئاً عن اللغة المستهدفة، فيحس بالعجز عن الحكم مباشرة على نجاح المترجم في نقل رؤيته وأسلوبه وأفكاره ومناوراته الفنية واللغوية ومقاصده الخفية. إن المسؤوليات الملقاة على عاتق المترجم كبيرة، وقد يحس المترجم أن المؤلف لا يقدّر مقدار الجهد المبذول في ترجمة كتابه، مما قد يصيبه بالاحباط، وإن لم يعبر عنه بشكل صريح. غير أن هناك دائماً ثنائية جدلية: الترجمة تتيح للعمل الأدبي الانتشار عالمياً، وقد ترفع من مكانته بين أقرانه من الأعمال الاخرى، لكن قد لا تتوفق في نقل روح العمل الاصلي وجمالياته وبلاغته اللغوية وأصالته الفكرية.

ذكر المترجم البريطاني الأصل روجر مايكل آلان الذي يعمل أستاذا للغة العربية والأدب المقارن في جامعة بنسلفانيا منذ ما يزيد على أربعين عاماً في مقالة له في مجلة دراسات أدبية مقارنة، العدد 4 لعام 2010 بعنوان"الخائن السعيد: حكايات الترجمة" أن كلمة مترجم في الايطالية توحي بعض دلالاتها بمعنى الخائن.

وفي هذا الصدد أود أن أشير الى مصطلح أسميته الرتمجة؛ وهو ترجمة النص الى اللغة المستهدفة دون القدرة على ايصال المعنى الكامن في النص الذي أراده المؤلف أو فقدان القدرة على إدراك المعنى الحقيقي، فيترجم المترجم معنى آخر غير المقصود أو يختلف في روحه عن روح العمل الاصلي. وتبدو الترجمة في الظاهر ترجمة أدبية لكنها خاطئة أو غير دقيقة، أو تتصرف بالمعنى، فهي تحقق الترجمة شكلا لا موضوعا، فهي إذن نقل غامض غريب، وأحرى أن تسمى رتمجة، وفعلها رتمج ويرتمج.

في حوار مع صحيفة العرب نيوز السعودية بالانجليزية في عام 2006 تحت عنوان " لورنس الادب.. أنطوني كالدربانك مترجم للحب"، ذكرت الصحيفة أن كالدربانك لا يجد متعة في ترجمة الادب العربي الى الانجليزية وحسب، ولكن الرضى أيضاً. وبعد أن حصل على شهادة في اللغة العربية الكلاسيكية من مانشستر، فقد شعر بنزعة مثالية رومانسية الى الشرق، وبانجذاب الى الخط العربي، مما حدا به الى المجيء الى مصر، فكانت البداية التي ربطت مصيره بالادب العربي. وقد طلبت منه الجامعة الامريكية في القاهرة أن يبدي رأيه إن كانت الروايات المصرية جذابة للقارىء الغربي، وعندما أكد أنها كذلك، فقد عرضوا عليه القيام بالترجمة، فأنجز عدة أعمال لنجيب محفوظ وصنع الله ابراهيم وميرال الطحاوي. وعندما انتقل في عام 2000 للعمل في الرياض فقد راح يترجم من أعمال الكتاب السعوديين.

وحول مشاكل المؤلفين العرب مع الرقابة وما تفرضه على أعمالهم من حذف أجزاء منها أو تعديلها أو حتى مصادرتها، كتبت المترجمة الاسكتلندية الشهيرة كاثرين كوبهام في مقدمتها لترجمة رواية "الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي، بأن المؤلف حاول بادىء الأمر أن يطبع روايته في العراق، لكن الرقيب طلب منه حذف الشخصية البعثية "عدنان" بالكامل من الرواية. فذهب الى بيروت حيث طبعت الرواية كاملة في عام 1980 من قبل دار ابن رشد، وبيعت في العراق دون أن يلحظ الرقيب ذلك! وفي عام 1993 صدرت طبعة ثانية بعد أن تم تبسيط الحوار باللهجة العراقية بناء على طلب الناشر لزيادة الانتشار.

كما ساهمت كوبهام بتحرير كتاب "قارىء قصص عربية قصيرة حديثة" بالاشتراك مع صبري حافظ، وصدرت عند دار الساقي في عام 1988 والذي ضم إحدى عشرة قصة مع تقديم عن مؤلفيها وتحليل نقدي وشروحات للعبارات العامية أو المصطلحات الدارجة بما يجعلها قادرة على تعريف الطالب الناطق بالانجليزية بالقصة العربية القصيرة.

وقد يستغرب القارىء العربي أن المترجمين والناشرين على السواء يفضلون الاعمال المغرقة في المحلية كما عبر عن ذلك المترجم دينيس جونسون ديفيز، وكما فعلت دار النشر المعروفة بلومزبري في لندن وهم ناشرو ترجمة مذكرات حنان الشيخ حول أمها التي تحمل عنوان "حكايتي شرح يطول" التي ترجمها روجر آلان بتأكيدها على ضرورة اظهار النزعة المحلية في الترجمة الانجليزية الموجهة لجمهور القراء في الغرب من خلال إعادة هيكلة الكتاب وتوضيبه وتغليفه تحت اسم جديد "الجراد والطير: قصة أمي".

تطرق المترجم دينيس جونسون ديفيز في كتابه "مذكرات في الترجمة: حياة بين سطور الأدب العربي"، الى بعض التحديات التي واجهها في ترجمة الأدب العربي الى الانجليزية. وقال: "ربما يكون الأمر طبيعياً لكوني عشت أغلب حياتي في مصر، أنني أبرزت قيمة المكان في ترجماتي لأعمال الكتاب المصريين". وأضاف أن "العالم العربي يتكون من دول عديدة، ومن الصعب الاحاطة بكل ما ينشر فيها، إلا أنه برغم ذلك فقد بذلت جهداً أن أقدم للقارىء الانجليزي عدداً كبيراً من الكتاب العرب من كل من المشرق والمغرب".

ومن طريف ما يُذكر في هذا الصدد أن دينيس كان من أوائل من ترجم لنجيب محفوظ، حيث ترجم قصة "زعبلاوي"، ونشرت في مجلد "قصص عربية قصيرة معاصرة" الصادر عن جامعة أكسفورد في العام 1967، ثم دخلت مختارات نورتن بوصفها النموذج الوحيد المتوفر آنذاك من الأدب العربي الحديث!

وفيما يخص المقارنة بين الترجمة من العربية واللغات الأخرى كالفرنسية والألمانية، يذكر دينيس أنه "في حالة اللغات الأخرى، فإن الأمر يتوقف على الناشرين الذين يختارون ما ينشرون، لكن هذا لا ينطبق على الترجمة من العربية. لا توجد دار نشر في لندن توظف اي مترجم مهتم بالأدب العربي الحديث أو قادر على القراءة بالعربية". لكنه في الوقت نفسه شدد على أن المترجمين من العربية يتمتعون بحرية أكبر من نظرائهم من الفرنسية في ترجمة ما يريدون ترجمته بناء على اختيارهم. وبخصوص مسؤولية دور النشر في دعم نشر الكتاب، يرى عدد من المترجمين مثل دينيس أن الناشرين اليوم قد صاروا أصحاب تجارة ويرفضون المخاطرة، وخصوصاً ما يتعلق بكتاب مترجم من العربية.

تطرق المترجم البريطاني روبرت نيل هيوسن الذي ترجم نوفيلا "قصة حب" ليوسف ادريس ـ حملت الترجمة عنوان "مدينة الحب والرماد" ـ ، ورواية ليلة عرس ليوسف أبو رية التي فازت بجائزة نجيب محفوظ لعام 2005 الى تجربته بالعمل في مطبعة الجامعة الامريكية بالقاهرة في الثمانينات حيث كان الاجنبي الوحيد آنذاك قال: "في تلك الايام لم يكن هناك حاسوب، ولكن كان لدينا حاسوباً واحدا في المطبعة، من طراز ما قبل ماك أبل وكان يحتوي على سواقتي أقراص مرنة، وكنا نستعملهما لحفظ سجل عام بالمطبوعات". وذكر أنه برغم التحديات الكامنة في صناعة الطباعة والنشر، إلا أن موظفي المطبعة آنذاك كانوا يشعرون بالرضى مع صدور كل كتاب يتم انجازه. وكانت الجائزة بنظرهم رؤية الكتاب صادراً وأن يحتفظوا بالنسخة الاولى منه.

وفي دراسة حول شعر الثورة نشرت في صحيفة المصري اليوم في نهاية شهر كانون ثاني يناير 2011 ، حلل المترجم المعروف ايليوت كولا الشعارات التي كانت تتردد خلال ثورة 25 يناير والتي بدت بالنسبة له مثل مقاطع شعرية ذات ايقاع موسيقي. ان توثيق هذه الشعارات الغنائية وترجمتها كان يدل على فهم عميق للهجة العامية المصرية ومدلولاتها واشاراتها ضمن السياق التاريخي العام. كما حلل دور الشعر الوطني خلال ثورات مصر السابقة التي قادها أحمد عرابي في 1881، وثورة 1919 بقيادة سعد زغلول وثورة الضباط الاحرار في يوليو 1952. غير أن ما يلفت النظر أن كولا يعد وفي أكثر من مقالة له ثورة يوليو 1952 ليست في حقيقتها أكثر من انقلاب مهد لظهور ثلاثة ديكتاتوريات: عبد الناصر والسادات ومبارك.

أما المترجم همفري ديفيز فيشير الى تجربته في الترجمة بقول: "أسعى أن أسمع الصوت الذي يتحدث من الرواية بعيداً عن الصفحة وأن أعيد انتاج ذلك الصوت". وعن الحاجة الى الرجوع الى المؤلف لسؤاله، يؤكد أن ذلك "أمر مفروغ منه، فهناك دائما أسئلة عن أخطاء طباعية، أو سوء فهم، أو شعور بعدم فهم المنطق الاساس لفقرة ما أو فكرة ما، لأنك اذا لم تفهمها فلن تستطيع ترجمتها". ويؤكد إن "الانطباع بأن المترجمين بلا خطايا، وخاصة فيما يتعلق بجانب اللغة، هو أمر سخيف". ويستشهد على ذلك بترجمة سكوت مونكريف لأعمال مارسيل بروست، فيذكر أنها تم إعادة تحرير الترجمة وتصحيحها في خمس نسخ مختلفة.

وحول سؤال عن تصوراته حول الجمهور الانجليزي قارىء الروايات المترجمة، أفاد همفري أن عنده افتراضاً بأن الجمهور مثقف ومتعلم وقارئ، ولا يستطيع أن يتخيل ردة فعل أفراده إزاء ما يقرأون. وحول ترجمته للمرأة أو بالأحرى الجارية نعمة السمراء في "واحة الغروب" الى نعمة الغسق أو الغروب، فقد دافع عن ذلك بأن كلمة سمراء في العربية قد تكون صفة عادية، ولكنها في الترجمة شاعرية ومثيرة جنسياً، وخصوصاً أنها خادمة عبدة.

وحول قضية الهوامش والشروحات في نهاية الترجمة كما فعل باضافة شروحات للقارىء الانجليزي حول ثورة أحمد عرابي التي قد لا يعرف عنها شيئاً، فقد أفاد أنه ليس ضدها أو معها إلا بالقدر اللازم. وقد ذكر مثالا طريفاً يتعلق بترجمة النارجيلة الشعبية المسماة الجوزة، وقد احتار كيف يترجمها وخاصة أن الشيشة (الأرجيلة) للطبقات المتوسطة والجوزة للطبقات الفقيرة، وأخيراً قرر استعمال الغليون المائي في تفريق لها عن الغليون الفرنسي المعروف!

وحول سؤال عن عدم انتشار ترجمة الادب العربي، فقد همفري ديفيز أنه يختلف مع هذا الانطباع، لأن هناك الكثير مما تمت ترجمته أكثر مما يظن الناس. وقد تعرض قطاع النشر باللغة الانجليزية الى انتقاد كونه لا يهتم بالادب العربي، أو الاهتمام بالادب العربي الخطأ، ويقول إن الاهتمام في ازدياد، وهناك مجموعة من المترجمين المحترفين، وهناك أعداد متزايدة ممن يدرسون العربية، مما يؤدي الى كثرة المترجمين. باختصار هناك زخم في الوقت الحاضر.

ومن المشكلات اللغوية الثقافية التي تواجه المترجم ما ذكره جوناثان رايت من عدم وجود مرادف للكلمة العربي في اللغة الانجليزية، وذكر على سبيل المثال صعوبة ايجاد الكلمة الانجليزية التي تعبر عن صوت حجر الرحى أثناء دورانه، مما اضطره الى سماعه عملياً ثم ابتكار كلمة تدل على ذلك الصوت.

أما المترجم روجر مايكل آلان فيذكر أنه عندما تعرض كتاب "تاريخ الادب العربي" الذي اصدرته جامعة كامبردج للنقد على الاخطاء التي اشتمل عليها، فقد عرضت عليه الجامعة مراجعته واعادة كتابه. وقد استغرق العمل فيه خمس سنوات وصدر تحت عنوان "التراث الادبي العربي" عام 1998.

اتفق اثنان من كبار المترجمين أن أصعب ما في الامر هو ايجاد ناشر على استعداد لتحمل المخاطرة ونشر كتاب مترجم عن الادب العربي. ذكر روجر آلان أن الترجمة من العربية ليست مهنة لها درجات علمية أو معايير أو مكآفات، ولا أحد يترجم العربية إلا إذا كان هاوياً ومحباً له. ومشكلة المشكلات بالنسبة للمترجم ، كما يؤكد، هي اقناع الناشر بأهمية العمل المترجم وطباعته وتسويقه. وفي هذا الاطار أكد أيضا دينيس جونسون ديفيز أنه كان يحب ما يقوم به من ترجمات، ويدرك أن نهضة قادمة تنتظر الأدب العربي، فلا بد إذن من القيام بشيء بخصوصها. وأنه عندما بدأ لم يكن هناك كثيرون يعرفون الترجمة ما أعطاه ميزة وحظوة لدى الكتاب، لكن صعّب من مهمته ايجاد ناشر يوافق على أعماله المترجمة.

أما عن ما يتوجب على المترجم فعله ومدى ارتباطه الروحي بالعمل الذي يشتغل عليه، فقد لخص المترجم الامريكي وليم هتشينز الذي ترجم عدداً من أعمال ابراهيم الكوني ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والمازني وغيرهم وفي لقاء نشر في عام 2008 في صحيفة الجامعة التي يعمل بها، فقد ذكر أنه "لكي أنجر الترجمة على نحو صحيح، يجب علي أن افهم تاريخ المنطقة وثقافتها بالاضافة الى لغتها".


رابط المقالة بجريدة الرأي

رابط الصفحة الكاملة