الاثنين، أكتوبر 5

الحيـاة في بيـوت فلســطين في أواسط القرن التاسع عشر

 


كيف كانت الحياة في بيوت فلسطين؟

وكيف كانت تبدو المدن والقرى الفلسطينية في اواسط القرن التاسع عشر؟

نظرات في كتاب الرحّالة البريطانية ماري اليزا روجرز

بقلم: ايـاد نصـار



زارت هذه المرأة Mary Eliza Rogers فلسطين في أواسط القرن التاسع عشر وتحديداً في سنة 1855 أي قبل مئة وسبعين عاماً وكان عمرها سبعة وعشرين عاماً. ويبدو أن وجود أخيها الذي كان نائب القنصل البريطاني آنذاك في فلسطين لدى الدولة العثمانية وصار فيما بعد قنصلا في حيفا ودمشق والقاهرة، شجعها على القيام بها حيث جاءت معه من لندن عندما عاد لعمله في المشرق، وقد عاشت في فلسطين أربع سنوات ، تنقلت خلالها في المدن من الشمال الى الجنوب وزارت الكثير من القرى وتعلمت خلالها اللغة العربية ، وكانت تلتقي بحكام ووجهاء وشيوخ وتجار المدن والقرى ، وأحيانا كثيرة تزورهم في بيوتهم وتلتقي بزوجاتهم وأطفالهم فيما يعرف بجناح الحريم، حتى تكون لديها معرفة واسعة بطبيعة الحياة في بيوت الفلسطينيين في المدن والقرى ، كما ذهبت الى مناطق البدو وتعرفت الى أسلوب حياة الرجال والنساء في المجتمع البدوي.

وقد ألفت كتاباً ضخماً قيماً للغاية بعنوان الحياة في بيوت فلسطين Domestic Life in Palestine ويتألف من 447 صفحة ونشرته في لندن عام 1865 بعد ست سنوات من عودتها من فلسطين سنة 1859. والحقيقة أن الكتاب مصدر مهم لوصف حال المدن والقرى في تلك الفترة حيث وصفت الشوارع والطرقات والساحات والاسواق والبازارات والمباني والبيوت والبساتين والحدائق والبيارات وعيون الماء وغيرها الكثير ، وكانت دائما تبدي وجهة نظرها فيما تشاهده وتدوّن انطباعاتها. وأشارت انها تجنبت وصف المباني والمعالم الشهيرة المعروفة في القدس لأن غالبية الرحّالة وصفوها وكانت معروفة للقراء الاوروبيين ، بينما هي ركزت على أنماط حياة الفلسطينيين سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين في داخل وخارج بيوتهم وفي مجتمعاتهم المحلية ، ونقلت صورة بانورامية واسعة عن طبيعة حياة النساء في بيوتهن. وقد نشر الكتاب عدة مرات منذ ذلك الحين حينما اكتشفت قيمته التاريخية والاجتماعية.

وتحدثت عن بعض الجوانب الدينية في حياة المسلمين والمسيحيين في تلك الفترة من منظور اجتماعي ، بالاضافة الى بعض النزاعات والخلافات العائلية وكانت أحيانا تسعى بصحبة أخيها الى التوسط لحل هذه الخلافات. وروت في الكتاب تفاصيل كثيرة عن مراسيم الوفاة والزواج والاعراس والولادة وتربية الاطفال وأساليب الطبخ واعداد الطعام والخياطة وطراز الملابس والزينة وتنجيد الاثاث وغيرها في كل قرية او مدينة  ذهبت اليها من خلال زيارتها واقامتها في بيوت الفلسطينيين. لذلك يعتبر كتابها شهادة مهمة عن الحياة في فلسطين في القرن التاسع عشر وقد كان يرافقها دائما ما يشبه الحارس الشخصي هذه الايام وكان يدعى "القواس" ، بل إنها تذكر كلمة "قواس" كلما تحدثت عن مرافقها الشخصي والذي كان يتغير من حين لاخر حسب الزيارة والمكان.

وأود الاشارة الى أنها وفي مواضع كثيرة جدا من الكتاب تحدثت عن جوانب الحياة الاجتماعية في بيوت فلسطين وعن العلاقات بين الرجل والمرأة وركزت على طبيعة حياة النساء التي كانت تتسم بالانغلاق الشديد والعزلة والخصوصية وعدم الظهور في الاماكن العامة وابتعادها عن كل النشاطات الاجتماعية التي يشارك فيها الرجال او الاعمال التجارية سواء في المدن او القرى. وعرفت عندما وصلت ميناء يافا وهي على ظهر السفينة أن الكوليرا قد انتشرت ، ووُضعت هي وأخوها  وكل من كان على ظهر السفينة في الحجر الصحي. وقد لفت انتباهها منذ اليوم الذي نزلت فيه أنه لا تعمل أي امرأة في الميناء أو ضمن الخدم في مرافق الحجر الصحي. وفي المقابل نقلت بعض جوانب اعجابها بالمرأة الفلسطينية من حيث حسن تدبيرها وملابسها وجمالها وطريقة تفكيرها التي لا تخلو أحيانا من التساؤلات البريئة أو الساذجة حول معاني الحياة والدين وغيرها. وأكدت أن النساء العربيات يتشبثن بدرجة كبيرة للغاية بالعادات والتقاليد القديمة ولا يتركنها.

وقالت في مقدمة كتابها أن النساء الفلسطينيات خاصة أثرن اهتمامها وأنها كونت الكثير من الحقائق عنهن وربما هذه لم تنشر من قبل أبدا ، أو لربما حتى لم تجمع من قبل.

وأشارت الى أن عزلة النساء هي بسبب غيرة أزواجهن مما يجعل الامر صعبا للغاية على المسافر العابر أن يستطيع الدخول الى الفناءات الداخلية للبيوت الشرقية. إن الحديث مع سيدات الحريم مسألة مستحيلة، كما أن زوار البعثات المقيمين ليسوا بأفضل حالاً من الزوار الطارئين ، فهم بنظهرن حملة دين عدائي مختلف ويجب اغلاق أبواب الحريم أمامهم. وعن ظروف العيش في أماكن الحريم فقد رأت ان النساء كن يعشن حياة غير سعيدة ولا شغل لهن سوى التجسس على بعضهن ، في نقد للبيوت التي كان فيها تعدد للزوجات رغم أنها أكدت أن تعدد الزوجات نادر في فلسطين. وفي أحد المرات جلست مع زوجات رجل من حيفا، وكانت الاقرب الى جانبها زوجته التي تدعى حلوة وعمرها ستة عشر عاما فأخذت دفتر اسكتشاتها ورسمت صورة وجهها، فتعجبت باقي النسوة من ذلك حيث أنها اول مرة يشاهدن أحدا يرسم صورة وجه لشخص، وأخبرنها أن الدين الاسلامي يحرم التصوير، ولما رأت حلوة صورتها سألت بغرور طفولي: هل رسمتيني لأنني الاحلى؟!! فردت عليها بقولها أن من عادتها ان ترسم من يجلس بجانبها.

وذكرت أنها في كل المرات عندما كانت تجلس للاكل مع صاحب البيت الذي يدعوهم للطعام لم تكن المرأة تجلس الى جانب الرجل على المائدة ، بل تأكل النساء بعد أن ينتهي الرجل من الاكل ويقوم من مكانه ، باستثناء العائلات التي كانت متأثرة كثيرا بالمجتمع الاوروبي.

ونقلت عن مشاهداتها في السوق أو البازار أنه كان هناك الحرير من حلب ودمشق ، والقطن من مانشيستر ، وأقمشة من القسطنطينية وسويسرا معروضة للبيع، وكان أصحاب المحلات كلهم من الرجال، ولم تر أية سيدة في السوق، فالرجال والاولاد هم من يتولى التسويق والبيع.

وفي أحد حواراتها مع شخص من علية القوم في حيفا واسمه محمد بك ، فقد سألته لماذا تظل النساء حبيسة جناح الحريم، فقال: "إن النساء غير مناسبات للمجتمع ، ولا يعرفن كيف يتصرفن بوجود الغرباء ، ولو أعطيناهم الحرية فإنهن لا يعرفن كيف يتصرفن". وقدم مقارنة أرى أنها تدعو للضحك من سذاجة تفكيره، فقد قال: "إن رؤوسهن مصنوعة من الخشب. إنهن ليسوا مثلك، عندما تتكلمين لا نعود نتذكر أنك فتاة، بل نعتقد اننا نستمع الى شخص حكيم". وأضاف "لكي تعيش في هذا العالم لا بد لك من المعرفة والحكمة. إن زوجاتنا وبناتنا ليس لديهن لا الحكمة ولا المعرفة. أعطهن الحكمة وأنا سأعطيهن الحرية"! فصمتت. ولكن كانت نظرتها الى الموضوع مختلفة ومتقدمة وخاصة عندما تعبر عن قناعاتها الداخلية فقد كان يبدو واضحا أنها تعتقد أن النساء قادرات على الكثير ولكن المشكلة تكمن في النظام السائد.

ومن الاشياء الطريفة التي ذكرتها أن النساء العربيات يخفن من النوم لوحدهن في الظلام ، لهذا ينمن مع بعض أو يشعلن مصابيح الممرات لكي تبدد حلكة الظلام ، وأنهن كن يتعجبن عند رؤية ماري روجرز تنام لوحدها في الظلام.

وذكرت أن النساء العربيات كن يضحكن عندما تخبرهن أنه لا توجد جِمال في انجلترا، ولكن توجد بضع جِمال في أماكن خاصة للرؤية مثل حديقة، فحاولت أن تشرح لهن عن العربات وعن خطوط سكة الحديد ولكنها كانت تجد صعوبة تمنعها من ذكر ذلك لهن، فهن لم يشاهدن عربة واحدة في حياتهن.

إن اللغة التي كتبت بها ماري روجرز عن فلسطين هي لغة مراقب لديه حب الفضول والمعرفة بروح مرحة لا تخلو من اضفاء انطباعاتها الصريحة ورأيها عندما يختلف عن الانماط والقيم التي نشأت عليها. ومن أكثر الاشياء التي يتكرر ذكرها في كتابها هو اعجابها بمستوى الكرم والضيافة العربية وحسن الاستقبال طيلة مدة إقامتها ، ومستوى حفظ الامن والنظام ، بالاضافة الى ذكاء الافراد الذين التقت بهم، ولكنها عبرت عن تبرمها أحيانا من انتشار الخرافات وغياب تعليم المرأة وعزلة النساء الشديدة وعدم مشاركتهن في الامور العامة.

كما أثار اعجابها ارتجال الناس بعبارات واغانٍ تعبر عن الترحيب بها واعتبارها مثل ابنة لهم لدرجة أن الناس كانوا يطلقون على اسم عائلتها كلمة نرجس بدلا من روجرز! ولكنها في المقابل أشارت الى أن عملية السيطرة على الخدم الشرقيين كانت من أصعب الاشياء التي واجهت النساء الاوروبيات! ومن الملفت أنه في تلك الفترة كان وجود العبيد الذين يعملون في بيوت الاوروبيين المقيمين في فلسطين أو في بيوت الفلسطينيين الاغنياء أو مع العسكر الاتراك ما يزال شائعاً، حيث ذكرت عدة مرات أنها رأت عبيدا من افريقيا يعملون في بيوت من كانت تزورهم ، وبعضهم كان مخصياً كما ذكرت عندما زارت عائلة في مدينة الرملة.

وتطرقت بشكل متكرر في الكتاب الى أكوام القمامة والفوضى وفقر الجوانب الصحية في شوارع المدن ، كما نقلت صورة سيئة عن الساحات في المباني الاثرية من فترة الحروب الصليبية في القدس حيث كانت تُجرُّ جثث الحيوانات النافقة وتوضع فيها ، ووصفت شوارع حيفا ويافا انها كانت ضيقة ومتسخة ومتعبة ، وروت كيف أن عملية تنظيف شارع الباشا بطريقة جديدة قد رحب بها الاوروبيون وذوي الطبقة الغنية بينما استاء منها الكثيرون من السكان المحليين الفقراء الذين تنبؤا بأن الاذى والخراب سوف يحل بالمدينة إذا سُمح باستخدام الطرق الجديدة. واشارت أن العربات ذات العجلات لا تستخدم أبدا في فلسطين لدرجة أنها لم تر فيها ولو عربة واحدة! وأن حال الطرق مزرية بحيث تصبح معها هذه الوسائل عديمة الفائدة، وأن الناس تتنقل بواسطة الجمال أو الحمير أو البغال أو الخيول.

كما لاحظت أن هناك أكوام كبيرة من التراب عند شاطيء البحر، وأصبحت مثل حواجز عريضة ، وكانت تُرمى عندها بقايا الخضراوات وكل أنواع القمامة. وفي حادثة أخرى روت قصة زيارة مدرسة في بيت لحم والخروج منها بسرعة كبيرة ، حيث كان الاولاد في المدرسة "غير نظيفين وغير مرتبين ومزعجين" كما كتبت مما اضطرهم للمغادرة بسرعة. وذكرت أنه كان يتم اهمال الساحات والاراضي المفتوحة التي كانت تتحول الى مكب للنفايات.

ومن الجدير بالذكر أنه تم حجرها منذ اليوم الاول الذي وصلت فيه الى فلسطين بسبب انتشار مرض الكوليرا ، مما دعاها للقول أنه انتزعت الروح الرومانسية من رحلتها!! وعندما سمح لها بعد ذلك بالخروج من الحجر الصحي والتنقل فقد منعت تماما من ملامسة او مصافحة أي كان بشكل صارم الى ان أعلنت السلطات بعد عدة ايام عن رفع الحجر. ومن الاشياء الطريفة التي ذكرتها خلال الحجر أنها لم تستطع أن تسلم على أخيها سوى من خلال تبادل الابتسامات من بعيد، كما أن عملية دفع النقود كانت تتم عبر وضع النقود في كأس من الماء.

يكاد لا يخلو فصل أو باب من الكتاب من الاشارة الى جمال طبيعة فلسطين وتنوع أشجارها وثمارها وأزهارها وورودها وعذوبة مياه عيونها وينابيعها، ويبدو من إسهابها في وصف الاماكن والبيوت والحدائق والبساتين والحقول والبيارات وأنوع الاشجار والفواكه وحتى نباتات الزينة وغيرها مدى تأثرها بجمالها ووفرة خيراتها وظلالها عداك عن مناخها اللطيف المعتدل.

لقد أعجبت ماري روجرز ببعض جوانب الشخصية العربية وامكانياتها الكامنة التي لو أتيح لها الانطلاق لغيرت الكثير من الواقع. فقد قالت في الفصول المتأخرة من كتابها بعد أن اختمرت التجارب واللقاءات وخصوصا مع النساء "يبدو لي ان كل ما نستطيع فعله هو التعاطف مع النساء المسلمات ، وأن نحاول أن نوقظ فيهن وننمي أقصى المشاعر لديهن عن طبيعتهن ، وان نجعلهن يفهمن ويشعرن بقدرتهن على التحكم بأنفسهن ورفع مستواهن وأن نشجعهن على ممارسة ذلك والتفكير بجدية دونما حاجة للكتب وبدون تشويش عقولهن بالنظريات والاشياء الغامضة". وقد وقالت عن رجل اسمه صالح صيقلي نزلت في بيته وتعهد بتخصيص وقت كل يوم ليعلمها اللغة العربية: "أصبحت اكثر معرفة بدرجات كبيرة بامكانيات العقل العربي وخصوبة البلد الرائعة" وتقصد بها أن هناك الكثيرين الذين يمكن أن يكون لهم مستقبل كبير لأنهم يمتلكون هذه الامكانيات الذهنية التي يمكن أن تقوى وتزدهر لو أتيح لها ظروف مواتية".

لقد أثار اعجابها أناقة بيوت الفلسطينيين من الداخل فقد كانت تحتوي على آرائك ومقاعد فخمة، بل واسترعى انتباهها التصميم الجميل لمفاصل ومقابض وأقفال الابواب كأنما هي أعمال فنية ايطالية من القرن السادس عشر، واسترعى انتباهها أثواب نساء فلسطين بأناقتها الشرقية. وفي زيارة لها مع أخيها الى الناصرة فقد زارا أحد الوجهاء الاثرياء الذي بنى بيتاَ فخماً من الحجر الابيض اللامع وكان قد عاد لتوه من رحلة الى مدينة مرسيليا في فرنسا لشراء الاثاث لبيته الجديد!

ومن القصص الطريفة المحزنة التي روتها أن رجلا ثريا رب أسرة كبيرة جمع خلال حياته مبالغ طائلة من النقود ولكنه خبأها في مكان سري ولم يخبر أحدا عنها ولا حتى ابناءه، ثم مات فجأة خلال إحدى جولاته وهو عائد من طبريا فمات ومات سره معه. وتشير على هامش هذه الحادثة الى قانون اكتشاف الكنوز في فلسطين الذي يعطي الثلث للمكتشف وثلث لصاحب الارض التي وجد فيها الكنز بينما يذهب ثلث للحكومة.

ومن أكثر المشاهد ايلاما في حياتها كما ذكرت فقد كانت رؤية المساكين المصابين بالجذام حيث كانت وجوههم مشوهة ويصعب تمييزهم كآدميين أو منتفخة بشكل مخيف، ولكنها استدركت في موضع آخر من كتابها أن الاشخاص ذوي العاهات الخلقية تندر رؤيتهم في فلسطين.

وقد زارت قرية المالحة الفلسطينية التي تقع جنوب غربي القدس ، وهناك شاهدت نافورة حجرية صغيرة تسمى عين يالو او ينبوع أيالون. وترد في الكتاب وبشكل متكرر وفي مواضع كثيرة أوصاف عيون الماء العذبة الصافية والبساتين والبيارات وأشجار الفاكهة من مختلف الاصناف وشجيرات الورد التي تظل تطالعك في كل فصل من الكتاب حيثما ذهبت في فلسطين.

وهناك احصائية جديرة بالتوقف عندها أوردتها في كتابها عندما زارت حيفا وبعد أن سألت عددا من الناس فقد ذكرت أن عدد سكان حيفا في عام 1854 بلغ 2012 نسمة موزعين كالآتي: المسلمون 1200 نسمة ، أما المسيحيون 780 نسمة ، وأما اليهود 23 شخصا فقط. وقس عليها باقي مدن الساحل الرئيسية. لا بل إنها ذكرت في موضع اخر "لم التق من قبل بيهودي واحد لا في الناصرة ولا في بيت لحم". ومما يؤلم أن هذه الشرذمة القليلة استطاعت بعد أقل من مئة عام من العمل السري المنظم والتحضير والتدريب ومن خلال التحالف مع القوى الغربية وعلى رأسها بريطانيا القوة العظمى آنذاك أن تستولي على البلاد بأكملها وتهجر سكانها الفلسطينيين الاصليين مسلمين ومسيحيين على السواء.

وقد استوقفني ما كتبته في الفصل الثالث عشر من الكتاب بعنوان من القدس الى حيفا. فقد سافرت في أحد رحلاتها من القدس الى حيفا مرورا بيافا وبالعديد من القرى بين القدس ويافا إذ نزلت في قرية القباب وفي قرية العنب اللتين تبعدان بضعة كيلومترات عن يالو. ووصفت بالتفصيل المكان والسكان في قرية العنب التي كانت تدعى "ابو غوش" ووصفت كرم الاستقبال والضيافة وتناول الطعام والمبيت هناك. وأود أن أقتطف هذه الفقرات بعد أن غادرت قرية العنب لما يحمله من نقد ودلالات وابداء نظرة ناقدة للشعر العربي في تلك الفترة التي رأت أنه مغرق في التكلف والزخرفة الشكلية على حساب عفوية الاحاسيس والمشاعر فيه، حيث تطرقت الى جانب مهم يتعلق بروحية الشعر ومدى صدق التعبير بما ينعكس على تلقائية الشعر ، وتطرقت الى فن الارابيسك والزخرفة والكتابة والخط وقدمت رؤيتها فيما يتعلق بفن وجماليات الشعر والكتابة في مقابل فن وجماليات لغة الناس العاديين البسيطة وأدوات حياتهم اليومية. قد يكون النقد حادا ، وقد يثير حفيظة البعض في بعض الجوانب ، لكنها لم تقتصر في كتابها على النقد والتبرم ووصف الاشياء السلبية ولكنها كانت واقعية وفي أحيان كثيرة تذكر الكثير من الاشياء الايجابية في الوقت نفسه الذي تذكر فيه الجوانب التي كانت تزعجها والتي برأيها تعطي صورة سلبية عن الناس والمكان بحكم نشأتها في بريطانيا وبحكم سنها.

كتبت تقول: "في الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي انطلقنا مجدداَ، وتغدينا في حديقة فاكهة في قرية القباب حيث كانت أشجار الكمثرى جيدة ووفيرة، ووصلنا الرملة الساعة الحادية عشرة، واسترحنا خلال حرارة النهار في شهر آب في البيت الذي زرناه سابقاً، وقد بُني فيه غرفة جلوس او ديوان جديد، وكانت الجدران البيضاء عليها زخارف آرابيسك زرقاء اللون عبارة عن أشكال مصنوعة من حروف اللغة العربية. القصص الطويلة كانت مكتوبة بحروف عربية مزخرفة، مرتبة بطريقة تجسد حيوانات سواء حقيقية أم خيالية. وكان هناك صورة أسد معمولة بطريقة فنية. وعند الاقتراب منها تبين أنها مجرد صورة مرسومة بالحبر والدواة ، رغم أنه في الحقيقة كل خط فيها هو عبارة عن جزء من كلمة. العرب يحبون كثيرا هذه المصنوعات المملة غير الفنية التي تستغرق الكثير من الوقت، وفي الغالب فإن الشعر العربي الحديث المنشور يستلهم نفس هذه الروح من الاعمال الفنية البارعة الفارغة، لأن الهدف الرئيسي على ما يبدو هو تأليف أشعار بحيث تبدو فيها بعض الاسماء أو العبارات متداخلة فيما بينها بطريقة ملفتة للنظر وبعناية مفرطة لكن بدون أي شعور شعري حقيقي".

"إن الشعر الحقيقي للبلد لم يكتب. إنه لغة الناس اليومية. وهم كلهم وخاصة البدو والفلاحين شعراء من غير أن يعوا ذلك. إن احساسهم الفني الطبيعي وحاسة الجمال والتناسق لديهم تبدو في أدواتهم والتي هي دائما متناسقة ومنسجمة في لونها وليست مزخرفة ولكنها ذات تصميم حقيقي رفيع المستوى. إنهم يظهرون مهارتهم وذوقهم في الاشكال البسيطة المناسبة من حياتهم اليومية كالمصابيح والاواني والصحون والمواقد وأدوات الاستعمال البيتي الاخرى والتي يصنعونها من الطين والفخار ويعرضونها للشمس حتى تجف".

واضح أنها ترى الشعر الحقيقي في مدى عفويته واقترابه من التعبير عن حاجات ومشاعر الناس العاديين والتعبير عن أسلوب حياتهم. وينبغي القول وكما هو معروف لدى الكثيرين فإن الشعر العربي شهد أكثر تراجع في العهد العثماني. ومن يطالع اسماء الشعراء العرب في تلك الفترة الطويلة التي امتدت قربة أربعة قرون لا يجد من الشعراء المشهورين الا قلة مثل عبد الغني النابلسي واحمد الكيواني. لم تكن العربية لغة الدولة ولم تحظ كثيرا بالاهتمام ، فالخلفاء والسلاطين وحكام المناطق والولايات من الاتراك ولهم لغتهم التي هي اللغة الرسمية ولغة المكاتبات والقوانين، بل ان الكثير الكثير من مفردات الحياة اليومية التركية دخلت العربية مما يدل أن التأثير الاكبر كان من التركية للعربية. ويجمع النقاد ان هذا العصر وخاصة في أواخره أي في القرن التاسع عشر كان عصر ركود كبير للشعر العربي. لم يكن هناك مهرجانات او محافل للشعر العربي ، أو تشجيع للشعراء أصحاب المواهب كما كان في الماضي ، بل إن الدولة العثمانية في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ضيقت على أدباء العربية ومفكريها وكانت نظرتها لهم يشوبها الشك والارتياب في ولائهم ، ونعرف ما حصل لمفكري العرب قبل بدء الثورة العربية الكبرى في دمشق وبيروت. كما لا ننسى مدى انتشار الامية وخاصة في القرى في الفترة التي زارت فيها ماري روجرز فلسطين، ولهذا كان من الطبيعي في هذا الجو الراكد أن يتوجه الاهتمام لزخرفة الحروف والخط وابتداع الاشكال كجزء من فن الارابيسك. 

ولكي تكتمل الصورة حول طبيعة الحياة بالنسبة للمزارعين الفلسطينيين وأصحاب الاراضي لا بد من التطرق الى نظام الضرائب غير العادل الذي كان يعاني منه الفلسطينيون تحت الحكم التركي والذي برأي ماري روجز جعل المزارعين "لا يحاولون تنمية اراضيهم  كما ينبغي كما لو كان هناك تشجيع ودعم من الحكومة. وفي مناطق واسعة من البلاد فإن الناس لم يكونوا راغبين بالمخاطرة في تحسين أراضيهم ، أو زراعة أشجار زيتون جديدة أو توسيع بساتينهم أو كرومهم أو تشغيل عمال كثيرين خشية إثارة رغبة الحاكم التركي في اغتصاب أراضيهم ، وعندما يكون الرجل غنيا، فإنه يتم اختراع الذرائع سريعا لافقاره، حيث يتم تزييف الديون او تقديم الاتهامات الباطلة ويوضع في السجن حتى يدفع الدين المزعوم او الغرامة الباهظة". وذكرت مثالا يبدو أنه كان معروفا لدى الناس آنذاك ويتلخص في أن حاكم إحدى القرى قد "تجاوز مقادير الضرائب المعتادة مما دفع الاهالي الى تقديم شكوى للباشا ، فقام الباشا بعزله وتعيين حاكم جديد. وسجن الحاكم الظالم، ولكنه سرعان ما عقد ترتيبات معه وأطلق سراحه بعد عدة أيام بعد أن اتفق معه على مقدار الرشوة وحصة كبيرة من الاراضي التي استولى عليها بلا وجه حق". وذكرت أنها سمعت الكثير من مثل هذه التصرفات ومن أناس تعرفهم جيدا مما أتاح لها ان تسمع القصة من كلا الطرفين. وقالت ان من عرفتهم من الحكام الاتراك كانوا يتباهون بقدرتهم على الذكاء والمكر والصرامة، ولم يكن لديهم أي تعاطف مع العرب.

يحتوي الكتاب على الكثير من المشاهدات في كل المجالات والمواقف والتجارب الشخصية ، وحري بمن يريد ان يكوّن صورة أوضح عن طبيعة الحياة في بيوت فلسطين وكيف كانت تبدو المدن والقرى في تلك الفترة أن يقرأ الكتاب  بلغته الاصلية او مترجماً حيث ترجمه الاستاذ جمال ابو غيدا بلغة دقيقة جميلة مع بعض الشروحات أحيانا في عام 2012. ولا يمكن لهذه المقالة أن تفي الموضوع حقه أبدا ولا يمكن أن تنقل صورة كاملة عن الكتاب وإنما هي محاولة للتعريف به والقاء الضوء على بعض الجوانب من حياة الفلسطينيين في داخل بيوتهم وفي مدنهم وقراهم في تلك الفترة من خلال عيون سائحة شابة جاءت من بريطانيا وأتيح لها المجال للتنقل في طول البلاد وعرضها وأن تكتب مذكراتها ومشاهداتها عما رأته وسمعته ، وينبغي ان نتذكر أن كل هذه المشاهدات والانطباعات والاستنتاجات والاراء التي ذكرتها تمت قبل فترة طويلة نسبيا تزيد عن مئة وسبعين عاما.

يرى بعض القراء والكتّاب أن كتاب ماري روجرز كتب بعقلية استشراقية رومانسية يبدو فيها الفارق الحضاري والتعليمي هائلا على مستوى المجتمع الفلسطيني مقارنة بالمجتمعات الاوروبية ، وعلى صعيد المرأة يبدو الفارق صارخا أكثر عند المقارنة بين فتاة شابة تتمتع بكل هذه الحرية للسفر والتنقل والاختلاط بالرجال وكبار القوم ومناقشة شتى المواضيع مقابل المرأة الفلسطينية حبيسة البيت المحرومة من حقوق التعليم والسفر والمشاركة في الحياة العامة ، وحين كانت تعقد المقارنات لم تكن تنفذ عميقا الى الاسباب الحقيقية لهذا التخلف والفارق الحضاري. ولكنها كانت دائما حذرة  حينما تتطرق الى المواضيع الدينية والاجتماعية ، حتى أنها قالت "نادرا ما تكلم أخي مع المسلمين عن دينهم، وقد نبهني الى توخي الحذر عند القيام بذلك، وعليه فلم أبادر بطرح الموضوع سواء بشكل مباشر او غير مباشر نهائيا الا عندما اجد نفسي مع رجل شديد الذكاء والحكم على الامور، كنت حينها فقط اتطرق للموضوع بحذر ، كباحثة عن المعرفة بدلا من الاستاذة او المبشرة".

ولعل هناك مسألة أخرى يمكن النظر اليها للقاريء المتمعن والمحلل وهي دراسة وتحليل القيم والمقدمات والبنى الاجتماعية والادارية والثقافية التي قادت للنكبة فيما بعد بعد تسعين عاماً من زيارتها وخاصة أنها تحدثت في كتابها عن جوانب من حياة اليهود ومجالات عملهم ونشاطاتهم في تلك الفترة مما يتيح مجالا للمقارنة.

الاثنين، سبتمبر 11

الزلزال في الادب العربي الحديث

 

 

الزلزال في الادب العربي الحديث



بقلم اياد نصار

بالرغم من هول الفجائع التي يعاني منها الانسان جراء الزلزال حينما يضرب على حين غرة ، وبالرغم من صور الموت المأساوية التي تتكرر تحت أنقاض وبقايا المباني التي انهارت فوق ساكنيها ، أو تحت كتل الحجر الضخمة التي تحبس أنفاس من بقي منهم على قيد الحياة تحتها يئن في انتظار مرير لعل أحدا يسمع استغاثته الخفيضة فيهب لانقاذه ، وبالرغم من المعاناة التي تأسر العالم حينما تبدأ صور الضحايا وآلام الكارثة وأوجاع الموت والرحيل والتشرد تتبدى للعيان ثم لا تلبث أعداد القتلى والمصابين تتصاعد في ازدياد مخيف، بالرغم من هذا كله، إلا أن الزلزال كظاهرة تراجيدية قاسية رافقت الانسان منذ فجر التاريخ والعمران البشري لا يحظى بانتشار واسع في الادب العربي سواء في الشعر أو الرواية أو المسرح، فقليلة هي الاعمال التي تتناول الزلزال كموضوع رئيسي في العمل الادبي.

 

لا بد من التأكيد أن هناك روايات أو أعمال أدبية معاصرة تتناول تأثير الزلزال على حياة الانسان في الوطن العربي ، إنما قليلة للغاية وليست بحجم الكارثة التي ما تلبث أن تنمحي من ذاكرة الناس حتى تطل برأسها البشع مرة أخرى. لا بل إن هناك اشعاراً ونصوصأ في كتب متفرقة من التراث حول الزلازل.

 

والغريب أنه بالرغم من آثاره الانسانية والاجتماعية والاقتصادية  الفظيعة ، إلا أنه لا يحضر كثيرا في الادب. لربما مرد ذلك أنه ظاهرة قليلة الحدوث. ولربما يعود ذلك الى غياب وسائل نقل المعرفة السريعة ومحدودية انتشار الاخبار وخاصة في الزمن القديم، ففي أماكن كثيرة من العالم يؤرخ الناس أحيانا بزلزال حدث هنا او هناك قبل مئات او عشرات السنين.

 

وقد حاولت في هذا البحث الاشارة الى بعض الاعمال الادبية في الادب العربي وخاصة المعاصر التي تناولت الزلزال كظاهرة طبيعية كارثية  على اعتبار أنه حدث رئيس في الحبكة يخلف الكثير من الاثار والتغيرات في حياة الشخوص بل وفي المجتمع ككل ، فلم أجد لا القليل. هناك أدباء كتبوا عن زلازل من نوع آخر ، كالزلزال الذي اصاب الوطن العربي بعد الربيع العربي ، أو كتبوا عن زلزال الشعر الحر في العصر الحديث ، او كتبوا عن زلازل مجازية كزلزال القلب عند العشق أو زلازل مجازية أخرى كالثورة الصناعية او زلزال المنطقة العربية بعد نكبة فلسطين او بعد نكسة حزيران. إن معظم الاعمال الادبية العربية المعاصرة التي تناولت الزلزال هي من هذا النوع المجازي الذي يجسد انهيارا معنويا أو تغييرا جذريا كأنما يطيح بالبنى القائمة في المجتمع أو يحدث إنكسارا نفسياً أو صدمة فكرية.

 

لعل اول ما يرد الى الذهن عند الحديث عن الزلزال في الرواية هي رواية الروائي الجزائري الكبير الراحل الطاهر وطار "الزلزال" وقد نشرها عام 1974 بعد أقل من عقد على استقلال الجزائر ، وطرح فيها الزلزال الذي أصاب القيم والمفاهيم التقليدية المتوارثة والتي بدأ زلزال التغيير بعد الاستقلال يطيح بها فلم تعد قادرة على البقاء. تجري أحداث الرواية في مدينة قسنطينة الجزائرية المعروفة في الشرق الجزائري بمدينة الجسور لوقوعها على طرفي شاهق صخري أقيمت فوقه جسور المدينة الشهيرة. بطل الرواية إذا صح لنا أن نقول عنه بطل. شيخ يدعى "بو لرواح" الذي يمتلك مساحات شاسعة من الاراضي الفلاحية في سهول المدينة ، وقد سمع أن الحكومة بصدد سن قانون يسمح بالاستيلاء على الاراضي الزراعية وإعادة توزيعها على المزارعين والفلاحين ، فعاد الى قسنطينة رغم أنه وحيد ليس له أبناء يرثونه، إلا أنه أخذ يبحث عن أقارب له لعله يسجل الاراضي باسمائهم في إجراء شكلي يستطيع به أن يحتال على القانون ويكون بإمكانه استرداد الارض. ويرى بو الارواح أن هولاء الفقراء الذين تركوا الارياف بعد الاستقلال ونزحوا الى المدن ليسوا سوى أفاقين، ويتحسر في الرواية على التغيير الذي اصاب وجه المدينة وحال سكانها من الباشوات والاعيان بعد الاستقلال مقارنة بما كانت عليه خلال الاستعمار ويعتبر ذلك هو الزلزال الحقيقي الذي اصاب البلاد. وهو لا يتقبل فكرة الاشتراكية التي تبنتها الدولة بعد الاستقلال فـبالنسبة له المدينة تغيّرت كما لو أنّ زلزالا هزّها وجعل عاليها سافلها .

يردد بو الارواح باستمرار كلما شاهد ظاهرة استغربها "إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم..." ويتمنى لو أن زلزالا يطيح بهولاء الفقراء الذي يطمعون بالاستيلاء على أراضيه وأمواله، و يسمّيهم بالأفاقين فتقوم قيامتهم فلا يبقى فيها إلا أمثاله من الأعيان والاغنياء ، "يا سيدي راشد ... اقض على الحكومة و على الفقــراء و العمــال و الطلبة و النقابيين ، أعد بعث أمة جديدة ، ليس فيها سوى نحن ، السادة و الأشراف".

وكتب الاديب الاسلامي في مصر مصطفى محمود مسرحية بعنوان  "الزلزال" ونشرها عام 1963 عندما صدر قرار من الرئيس عبد الناصر بإيقاف مصطفى محمود عن الكتابة في الصحافة. تعبر الشخصيات في أحاديثها الساخرة عن التغير القاتم الذي تحولت معه الاحلام الى أوهام والحقائق الى كوابيس.

يقول أحد شخوص المسرحية: "مفيش حد عارف الحقيقة .. يبقى أعيش في الوهم أحسن .. حتى الوهم مش لاقيه .. مفيش حد بيهنينى عليه .. كل ما أخلق لنفسي وهم ألاقي اللي يصحيني منه و يقول لى اصحى .. اصحى .. أنت موهوم .. و أنت مالك يا أخي .. ما تسيبني في حالي .. لا ازاي .. إصحي .. إصحي .. أنت موهوم .. طيب فين الحقيقة .. مفيش حقيقة .. أنا تعبت .. عاوز أنام .. عاوز أحلم .. أحلم .. حلم طويل ما أصحاش منه."

كما أصدر الروائي المصري احمد السعيد مراد  رواية "الزلزال" وبطلها شاب مصري يتيم فقير هو خالد علوان كان يبيع الفاكهة في شوارع العريش ليؤمن قوت امه وإخوته الاربعة ، ووجد نفسه في خضم حرب مخابراتية عاتية بين عدة أجهزة تستهدف الجماعات المسلحة في غزة.

كل هذه النماذج وغيرها تتناول مفهوم الزلزال بمعناه التراجيدي المجازي في كناية عن زلزال أصاب واقع المجتمع وقيمه ما يقطع الصلة بين الماضي والحاضر وينبي بحجم الخراب الذي حل بيننا نتيجة انهيار القيم.

ومن النماذج القليلة التي تناولت الزلزال بمفهومه الحقيقي، الرواية التي أصدرها الروائي القطري أحمد جعفر عبد الملك. وحتى عندما تناولت روايته كارثة زلزال تركيا الاخير، لم يكتف بذلك بل بدأ الرواية بزلزال مجازي من نوع آخر وهو السرطان الذي دمر حياة البطل وزوجته. اصدر عبد الملك روايته "زلزال حنان"  هذا العام 2023 . وتتناول الرواية الزلزال الذي اصاب حياة مراقب المطبوعات بعد أن أصيبت زوجته بالسرطان وتوفيت به، ثم يأتي الزلزال الثاني في حياته  حينما وقع زلزال تركيا فدمر حياته تماما حيث فقد ابنه وابنته وسائقه ودخل هو في حالة غيبوبة دائمة.

أما الرواية التي تناولت الزلزال الحقيقي كحدث مفاجيء مأساوي بأجوائه الدراماتيكية وأبرزت ما ترك في نفس البطل من تداعيات مختلطة من الافكار والذكريات ومشاعر الخوف والقلق والترقب فهي رواية "رائحة الكلب" للروائي الجزائري جيلالي خلاْص. يجسد الراوي في مفتتح الرواية الاحساس الذي ألم بالبطل الذي استفاق على هزة الزلزال: "أحس في لوعة بقوة غريبة ترفع جسده عاليا ثم تهوي به بلا هوادة ، لكن بدل أن تطوح به في المتاهة المرعبة التي اقتلع قلبه ظلامها الدامس ، دوحت به إلى أن أيقظته فجأة مرتاعاً ".

تضع الرواية القاريء في أجواء القلق والخوف منذ البداية حيث تنهار البناية وينحبس البطل تحت الأنقاض، وعندها يبدأ تيار الذكريات والوعي بالواقع، ولهذا الامر قيمة رمزية عالية، فقد استفاق البطل من الحلم والدفء في عز الليل على واقعة الزلزال، كأنما هي لحظة الشعور باليقظة وضياع الحلم أو الوهم القصير. وهو حبيس الانقاض والظلام موزع الافكار، يباغته السؤال الاهم: ماذا بعد؟ كأنما في ذلك اسقاط على الوضع العام في الجزائر:"لا شيء يمكن رؤيته، لا بصيص نور يتسرب ولو من ثقبة صغيرة في مكان ما، من فوق، من تحت، يسارا أو يمينا عند الظهر أو إلى الأمام، ولا أمل في التحرك فيداه لا تتلمسان إلا جدرانا خراسانية صلبة تحيط به، وتأسره وتقف سدودا منيعة في جميع الجهات الحصار، السجن، الظلام، وهذا الضيق المسيطر عليه فعلا لا في الموضع فحسب وإنّما حتى في الأعماق ثم ماذا بعد ؟"

 

*لوحة ما بعد الزلزال للرسامة الانجليزية الفرنسية صوفي أندرسون (1823- 1903)


الجمعة، يونيو 16

يالو .. هاجس الحرب والمكان والبحث عن الوطن الضائع

 



يالو .. هاجس الحرب والمكان والبحث عن الوطن الضائع

قراءة في رواية (يالو) للروائي اللبناني الياس خوري


بقلم اياد نصار


"أنا لا أكتب من أجلي، بل من أجله وأجل أمه. أريد أن يعود إلي من أجل أمه المسكينة، وعلينا أن نجد لها حلاً لأنها سوف تكون بطلة القصة. أنا لا أحب القصص التي يكون أبطالها رجالاً. بطلة قصتي سوف تكون غابي، بكونيتها وشعرها الطويل الذي يتذهب أمام البحر وعشيقها الخيّاط، ووالدها الكوهنو، وابنها الذي ضيع حياته... سنة كاملة لم أكتب خلالها سوى صفحة... أريد نهاية سعيدة للقصة... أريد نهاية أخرى، أحاول أن أتخيل النهاية المختلفة، لكن خيالي لا يساعدني. أنا لا أملك خيالاً كافياً كي أجد نهاية لغابي تليق بقصة حبها. وإذا لم أجد نهاية القصة فكيف أكتب"..

 

قد يكون هذا الاقتباس أجمل نص في رواية يالو فهو يلخص مأساة بطل الحكاية ومعاناة شخصياتها والنهايات البائسة الحزينة التي تتشابك وتتقاطع مع الماضي والحاضر.. إنها رواية الحرب التي قلبت كل القيم الانسانية وجاءت بالخراب بكل بشاعته. لفت انتباهي عنوان رواية (يالو) للروائي اللبناني المعروف الياس خوري وانتابني فضول كبير لأن يالو تعني لي الكثير غير ما تعنيه الى الياس خوري،  ولأن اسم يالو يختصر تاريخ شعب كامل من المعاناة والنضال ويرمز بالنسبة لي الى أرض الميعاد الفلسطينية التي ترتبط في الذاكرة بالطفولة والجمال والعراقة والحنين والتشرد وارتباط الانسان بالارض المفقودة والتعبير عن الهوية. واذا كانت يالو الفلسطينية تعكس المفارقة بين حطام الارض المسلوبة، والحجارة المهدمة، والانسان الذي يتعلق بذكريات المكان كتعويض عن المكان، حتى صارت هي الوطن الذي يحمله في قلبه مثلما يحمله في حقائب سفره ، فإن يالو اللبنانية هي رواية الحرب بكل آثامها وصورها البشعة وممارساتها اللاأخلاقية وهي التعبير عن كل فظائع الحرب الاهلية وامتهان كرامة الانسان حيث تنجب الحرب مجرميها الصغار والكبار معاً.

 

وفي البدء لا بد من الاشارة الى أن روايات الياس خوري العديدة قد فرضت لها حضوراً بارزاً، ليس في المشهد الروائي العربي، ولكن على الساحة العالمية، حيث ترجمت رواياته الى العديد من اللغات، وكتبت عنها كبريات الصحف في العالم. غير أنه يجدر بالذكر أن خوري قد أفرد الكثير من أعماله للحديث عن الانسان الفلسطيني، وعن المعاناة الفلسطينية، التي تمثلت في النكبة وحياة المنافي والمخيمات البائسة التي شوهت العلاقات الانسانية، ومن أشهر رواياته، وربما الاشهر على الاطلاق، التي تناولت جوانب عدة من معاناة النكبة الفسطينية هي "باب الشمس" التي أصدرها عام 1998، وكذلك ثلاثية "أولاد الغيتو" التي بدأها عام 2016 ، وهي أولاد الغيتو -آدم، وأولاد الغيتو – نجمة البحر وبشكل خاص الجزء الثالث المسمى "رجل يشبهني".

 

بين يالو الرواية اللبنانية وبين يالو القرية الفلسطينية الكثير من صور الحرب، والضياع، والتشرد، والعذاب، وقدرة الانسان على ارتكاب الشر ضد الانسان، وفظائع الانسان في الاستيلاء على حق الاخرين في الحياة والكرامة، والاستلاب، وهاجس المكان المرتبط بواقع المعاناة والمأساة، ولكن بينهما خيط رفيع لا يكاد يبين من الحنين الى الزمن الماضي، والامل في العودة الى الوطن الضائع، الذي لا تخبو جذوته في أعماق النفس، والذي استحال الى ذكريات لذيذة توجع القلب.

 

تجري أحداث رواية يالو في عام 1993، وتنقل صورة وطن ورث حربا طويلة دامية مؤلمة، فانتشر الخراب في كل مناحي الحياة، وجاءت الرواية مثقلة بمشاهد العنف، والخطايا، والاستغلال، والكراهية، والسرقة، والتعذيب.

 

تدور أحداث الرواية خلال الحرب اللبنانية في الفترة ما بين نهاية السبعينات وأوائل التسعينات، في بيروت، وفي باريس، وفي ضيعة بلونة، في جبل لبنان، ثم في غرفة التحقيق والسجن. بطلها شاب سرياني الاصل يدعى يالو أو دانيال وهو وحيد أمه التي تدعي غابي، ولم ير أباه الذي هاجر الى السويد وهو لم يزل في بطن أمه. جده كردي يسمى غبريال هابيل ابيض. وتوظيف الاسم هابيل والاسم أبيض كجزء من اسم يالو يرمز الى براءة ونقاء الاصل والجذور، فهابيل ضحية شرور قابيل، وهي الصورة الاولى في التاريخ لتحولات الشعور بين الاخوة من الخير الى الشر والحقد، وهي ذات الصورة التي تجسدها الرواية لتحولات الشعور بين أبناء الوطن الواحد الذين فرقتهم الحرب.

 

كان يالو خطاطا موهوبا ينم عن الكثير من تباشير الامل والفن، غير أن كل هذه الجوانب الانسانية قد اختفت منذ وقت مبكر بعد أن شارك في الحرب الاهلية بالتحاقه بميليشا القوات اللبنانية في عام 1979. وبعد عشر سنوات يقرر يالو الانسحاب من الحرب لأنه كما يقول "زهقت منها، كنت في البداية مثل جميع الشباب، أريد أن أدافع عن لبنان، وبعد ذلك اكتشفت أنني أحارب فقراء مثلي وأنني سوف أبقى غريبًا مهما فعلت. لأن الإنسان غريب في هذا العالم." لعل هذا يذكرنا ببطل قصيدة شادي التي غنتها السيدة فيروز، فشادي الذي عرف وعاش اللعب واللهو البريء على الثلج اختطفته الحرب. وعند التأمل في الكلمات نكتشف أن شادي هو لبنان الجميل البريء قبل الحرب الاهلية:


ناس ضد ناس علقوا بهالدني
وصار القتال يقرب على التلال
والدني دني

وعلقت على اطراف الوادي
شادي ركض يتفرج
خفت وصرت انده له
وينك رايح يا شادي
انده له وما يسمعني
ويبعد يبعد بالوادي
ومن يومتها ما عدت شفته
ضاع شادي

 

يهرب يالو وصديقه أنطوان الى باريس، بعد أن سرقا أموال الثكنة التي خدما بها، وبعد أن أيقنا أن الحرب ليست حربهما! وباريس هي رمز الحرية، واكتشاف الذات، والبحث عن أعماق الذات الانسانية العامرة بالفنون والانشغالات الحضارية، ولكنها تصبح بالنسبة لهما أرض الافلاس المالي والاخلاقي، والضياع، والتشرد. وتبقى أخلاق الحرب التي دمرت النفوس، وجعلتها خواء حاضرة فيهما، فيسرق طوني صديقه يالو، ويختفي عن الانظار، ويتركه ليعيش مشرداً جائعاً يكاد يموت من البرد في شتاء باريس، فيقيم في محطة المترو في حي مونتنبراس.

 

وفي باريس يتعرف عليه وينقذه من التشرد المحامي وتاجر السلاح اللبناني ميشال سلوم او الخواجة ميشال، الذي يعرف جده الكوهنو أفرام أبيض، فيعطف عليه، ويعيده معه الى لبنان، ويعينه حارساً على بيته في ضيعة بلّونة، القرية الجبلية التي تقع في وسط حرش من شجر الصنوبر. فيقم علاقة جنسية مع زوجته مدام رندة. وفي حرش بلونة، يشاهد يالو صورا كثيرة على تفكك العلاقات الاجتماعية في لبنان، حيث يصبح الحرش ملاذاً لكل الـمحبين والباحثين عن إقامة علاقات جنسية محرمة. وصار كل يوم يرى صور الممارسات الجنسية السرية، التي تجري في السيارات في الحرش. وتتبدل شخصية يالو من مجرد المراقبة إلى استراق النظر، إلى ممارسة الابتزاز والاستحواذ على النساء في تلك السيارات بقوة السلاح. وتظهر أخلاق الحرب مرة أخرى في تصرفات الرجال العاشقين في السيارات، الذين يقدمون النساء المرافقات معهم ليالو نظير أن يتركهم وحال سبيلهم. وصار هو يمارس الجنس مع تلك النسوة.

ولكن يالو وقع في حب واحدة منهن اسمها شيرين ، واستمرت العلاقة عدة اشهر، كان يأخذها فيها الى أرقى المطاعم والكافيهات، حيث ينفق الكثير من الاموال عليها، غير أن شيرين كانت خلال هذه الفترة تعيش تحت وطأة صراع داخلي بين الحب وبين الخوف من يالو لتصرفاته العدوانية الشريرة. إلى أن قررت أن تشتكي عليه للشرطة بتهمة السرقة والاغتصاب. وهنا تأخذ الرواية منحنى آخر فيصبح الجلاد ضحية التعذيب الجسدي والنفسي الذي يخضع للتحقيق والاستجواب بشكل متواصل بدا له أنه بلا نهاية، مما يجعله يفقد صوابه مستعدا لأي اعتراف يريده المحقق كي يخرج من السجن.

 

يعيش البطل حالة من الاغتراب النفسي بعد تجربة الحرب والقتل العبثي، فيلجأ الى الانتقام كرد على فقدان العدالة والاحساس بعدائية المكان، ومن المفارقة انه تنقل بين لبنان وفرنسا ولكنه أحس في كل مرة أن المكان غريب عنه كأنما هو في عزلة سجن كبير، قبل ان ينتقل الى السجن الصغير، ويظل طيلة الرواية يعاني من هواجس المكان كأنما تمثل رحلته البحث بلا طائل عن الاستقرار النفسي أو "الوطن المفقود".

 

ولكن قضيته لدى الشرطة أصبحت أخطر وأشد. فلم تعد المسألة ابتزاز النساء والاغتصاب والاعتداء الجسدي، ولكن جريمة أمنية سياسية إذ يتهم بأنه عضو في خلية متفجرات اسرائيلية تعمل في لبنان. وفي السجن يقاسي كل انواع التعذيب لكي يعترف. ويجبر على كتابة اعترافاته، عدة مرات حتى تتماشى مع رغبة الـمحقق، حتى كاد ينفجر من تكرار الطلب. ففي كل مرة يتحدث عن علاقاته الجنسية والسرقات البسيطة التي كان يقوم بها، ويكشف اسماء النساء اللاتي مارس معهن. وكان لا يصدق كيف أنه يقبع في السجن  لقاء جرائم سرقة تافهة ومن يسرقون البلد خارجه، ولكنه لـم يعترف بتهمة الانضمام إلى الخلية الاسرائيلية إلا بعد أن أخضع لعقوبات غاية في القسوة. وهكذا انتزع منه اعتراف تحت التعذيب.

وفي النهاية، قرر أن يعترف أمام المحقق ليتخلص من شدة العذاب والمعاناة، "أؤكد لك يا سيدي القاضي أنني صرت إنسانًا آخر. أعرف قصتي لأنني كتبتها، وسوف أكتبها من جديد إذا أردتم". وهنا تحدث الصاعقة الكبرى، حينما يرفض الـمحقق اعترافاته، ويعتبرها سخيفة ولا داعي لها لأن أجهزة الأمن ألقت القبض على اعضاء الخلية. ينهار يالو معنوياً وجسدياً. ويُترك قابعا منسياً في السجن على جريمة السرقة واغتصاب النساء!

 

تتحرك كل شخوص الرواية في فضاءات سوداوية تمثل صور الحرب المختلفة: القتل، السرقة، الاغتصاب، العزلة، تعاطي الـمخدرات، التعذيب بطرق وحشية، الاعتداء الجنسي، الحب الكاذب، العلاقات غير الشرعية، الهروب، والاغتراب عن المجتمع. يقول الراوي "حكاية يالو يا سيدي، اسمها الحرب".

 

يالو الفلسطينية هي اسم ورمز وتجسيد لمأساة الحرب.. إنها ضحية الحرب. ويالو اللبنانية هو اسم ورمز وتجسيد للجاني الذي تحوله الحرب الى مجرم صغير يستبيح كل شيء، لأنه يرى الكبار يستبيحون الوطن ويسرقونه من غير أن يراهم خلف قضبان السجن. وهكذا يصبح الجلاد ضحية في الوقت ذاته. رواية الياس خوري هي الوثيقة الانسانية على إدانة كل صور الحرب السوداء التي ينبعث من بين ركامها آهات العذاب والام الضحايا التي لا تجد من يخفف عنها او يمنحها أملا مثلما تصبح النهاية العبثية للضحية والمجرم معاً، فلا خلاص لهما فقد أفسدت الحرب كل القيم النبيلة.

الثلاثاء، مايو 9

أشهر مترجمي الرواية العربية المعاصرة


أشهر مترجمي الرواية العربية المعاصرة
اياد نصار

* نشرت في جريدة الرأي الأردنية بتاريخ 29/4/2011

ثمة طفرة واسعة في ترجمة الأعمال الأدبية العربية، غير أن الرواية تستأثر بنصيب الأسد في هذا المجال. وعلى سبيل الدلالة، ترجمت أعمال نجيب محفوظ إلى أكثر من ثماني وعشرين لغة وصدرت بأكثر من أربعمائة طبعة. وربما كان العامل الأهم في ازدهار الرواية العربية هو اتساع حركة الترجمة التي كانت المفتاح إلى بروز مشاريع الجوائز والتفرغ الإبداعي والدعم الأكاديمي الجامعي ودعم النشر.


وثمة أسئلة تثار هنا، حول المعيار الذي يجعل من رواية عربية ما مرشحة للترجمة إلى لغة أجنبية؟ وهل هو معيار أدبي صرف؟ أم شهرة الرواية في بيئتها؟ ومن صاحب القرار في الاختيار؟ يشير المترجم ريموند ستوك إلى أن "هناك القليل حالياً من السرد الروائي العربي العظيم الذي لم تتح له الترجمة أو الانتشار". وفي ظل هذه الكثرة من مترجمي الأدب العربي الحديث، وأمام شهية البحث عن أعمال للترجمة، فإن هناك فرصة أمام الروائيين، خصوصا في الأردن، لاختراق الحدود، وانتشار ترجمة رواياتهم عالميا، ويتطلب الأمر إقامة صلات مع المترجمين. إن إقامة بعضهم في بلدان عربية، حفزتهم لترجمة أعمال من تلك البلدان، مثلما هي حال أنطوني كالدربانك الذي يقيم في السعودية. وهي دعوة للجامعة الأردنية، وبالتنسيق مع رابطة الكتاب الأردنيين، إلى التعاقد مع مترجمين للإقامة في الأردن والعمل في الجامعة ضمن مشروع لترجمة الأدب الأردني بعد أن اقترح الروائي العربي بهاء طاهر إنشاء صندوق لهذه الغاية، وتبرع بقيمة جائزة ملتقى السرد العربي - دورة مؤنس الرزاز، لهذه الغاية.

تاليا تعريف بأشهر مترجمي الرواية العربية المعاصرة..

* أنطوني كالدربانك (Anthony Calderbank): درس العربية والفارسية في جامعة مانشستر، وعاش في القاهرة خلال الفترة 1982-1987 حيث عمل مدرساً. انتقل إلى جامعة سالفورد البريطانية ليدرّس اللغة العربية والترجمة، وعاد إلى القاهرة العام 1990 ليعمل في تدريس الإنجليزية والأدب المقارن بالجامعة الأميركية. يعمل في المجلس الثقافي البريطاني في الرياض بالسعودية منذ العام 2000.

بدأ في أوائل التسعينات بترجمة القصص القصيرة. وأخذ في الآونة الأخيرة يترجم قصصاً لمجلة "بانيبال" المتخصصة بنشر الأدب العربي الحديث في بريطانيا، حيث ترجم قصصاً للكاتب الفلسطيني علاء حليحل، وترجم للسعودي يوسف المحيميد مجموعة "لا مكان لعاشق في هذه المدينة". أما على صعيد الرواية، فقد ترجم "رادوبيس" لنجيب محفوظ و"الباذنجانة الزرقاء" و"الخيمة" و"نقرات الظباء" لميرال الطحاوي، و"ذات" لصنع الله إبراهيم، و"ذئاب الهلال" و"فخاخ الرائحة" ليوسف المحيميد، و"غزل القمر" للنوبي حجاج حسن أدول.

وعن مشاكل الترجمة، يرى أن لغة الطحاوي في "الخيمة" شعرية، ولها ارتباطات بشكل غير مباشر بالعربية الكلاسيكية. كما واجه مشكلة عند ترجمة "الباذنجانة الزرقاء"، هي أن البطلة، ورغم أنها تروي قصة حدثت قبل خمسة عقود، إلا أنها ترويها بصيغة المستقبل، والبطلة نفسها تبقى بلا اسم في الرواية. ويحتار في بعض الأحيان أي المفردات يستخدم من بين المترادفات، ما يضطره إلى محاورة الروائي واستطلاع مقاصده.

ويقول كالدربانك إن روايات صنع الله إبراهيم سهلة الترجمة، لأنها عن أناس من الطبقة المتوسطة في القاهرة التي عرفها من قرب، بينما وجد صعوبة في التعرف على المجتمع السعودي رغم قدرته على التحدث بالعربية بطلاقة. ولهذا وجد صعوبة في تقبل فكرة أن البطلة المثقفة في رواية "القارورة" لا تعرف ما مهنة زوجها الحقيقية.

في لقاء مع صحيفة "الأهرام الأسبوعي" العام 2000، ذكر كالدربانك أن طبيعة اللغة تجعل من الترجمة أحياناً مدعاة للإحباط، فهناك كلمات في النصوص العامية تمثل مشكلة في الترجمة كما في رواية "الخيمة" للطحاوي، لأن معناها يصبح مختلفاً عن المعنى المباشر في الفصيحة.

* كاثرين كوبهام (Catherine Cobham): تعد من أهم مترجمات الأدب العربي إلى الإنجليزية. تدرّس اللغة والأدب في قسم اللغة العربية بجامعة سانت أندروز بأسكوتلندا. ترجمت عددا كبيرا من أعمال كتاب عرب، مثل يوسف إدريس، ونجيب محفوظ، وفؤاد التكرلي، ومحمد زفزاف، وحنان الشيخ، وإدوار الخراط. وترجمت كتاب أدونيس "الشعرية العربية". كما نشرت مقالات نقدية حول الأعمال التي ترجمتها. تهتم كوبهام بدراسة تطور السرد في العراق من العشرينات إلى الثمانينات.

سئلت الروائية اللبنانية حنان الشيخ في العام 2009 في مقابلة حول ترجمة كتبها إلى الإنجليزية: هل تخشين أن يضيع أي شيء خلال الترجمة؟ وهل من الصعب أن تثقي بأحد وتسلميه كلماتك؟ فقالت إنها لا تقلق أبداً عندما تترجم قصصها إلى الإنجليزية لأنها تشارك في الترجمة، وأضافت أنها محظوظة بكاثرين كوبهام التي ترجمت معظم كتبها. وبرّرت ذلك لأن كوبهام نفسها تترجم مثل روائية، ولديها إحساس بالنص. ومن الأعمال التي ترجمتها: "الحرافيش" لنجيب محفوظ، و"حلقات النحاس الناعمة" ليوسف إدريس، و"مذكرات طبيبة" لنوال السعداوي، و"بوصلة من أجل عباد الشمس" لليانة بدر، و"الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي، وروايات عدة لحنان الشيخ هي "أكنس الشمس عن الأسطحة"، و"نساء من الرمال والصبر"، و"أحزان بيروت"، و"إنها لندن يا عزيزي".

* كريستينا فيليبس (Christina Phillips): عاشت ودَرَست في الأردن ومصر. تحمل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث، وتتابع أبحاثها حول السرد العربي الحديث والأدب المقارن في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة إكستر بإنجلترا حيث تحاضر. ترجمت رواية "حديث الصباح والمساء" لنجيب محفوظ. وفي مقالة نقدية حول رواية نجيب محفوظ "المرايا"، قالت: "إن محفوظ يعطي الرواية العربية المظهر الذي يوحي أنها تستمد جذورها من التراث العربي، متحدياً النظرة السائدة التي تقول إن جذور الرواية العربية تعود إلى الأدب الأوروبي، وهي جانب من تأثير الغرب في الثقافة والفن العربيين".

ومن ترجماتها الأخرى "عراقي في باريس" لصمويل شمعون، بالاشتراك مع آخرين، و"صالون التجميل للبجع" لحنان الشيخ، و"مثل صيف لن يتكرر" لمحمد برادة "، و"شاربا مردخاي وقطط زوجته وقصص أخرى" لمحمود شقير، بالاشتراك مع آخرين.

* دينيس جونسون ديفيز (Denys Johnson-Davies): يعد المترجم الأشهر من العربية إلى الإنجليزية، والأطول خدمة للأدب العربي، حيث أمضى ما يزيد على ستة عقود وهو يمارس الترجمة، ولذلك يطلق عليه "شيخ المترجمين الأجانب". وأطلق عليه إدوارد سعيد لقب "المترجم الأبرز لزماننا". بدأ دينيس، مشواره مع الأدب العربي بترجمة مجموعة قصصية لمحمود تيمور العام 1946. ترجم ما يزيد على ثلاثين رواية لنجيب محفوظ والطيب صالح وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وزكريا تامر وسلوى بكر ومحمد البساطي وغيرهم. وترجم أيضاً مجموعات شعرية، وأصدر كتباً تضم قصصاً للأطفال تستند إلى التراث العربي.

درس دينيس، إنجليزي الأصل، المولود في فانكوفر بكندا العام 1922، اللغات الشرقية في جامعة كامبردج العام 1938. ومن طريف الأمور أنه نجح بالمركز الأول في الفارسية، والثالث في العربية، ورسب في العبرية! وأثناء عمله في التدريس بجامعة القاهرة خلال الفترة 1945- 1949، تعرف إلى عدد من الكتاب المعروفين الذين ترجم لهم في ما بعد. وعندما انتقل إلى بيروت، تعرف إلى كتاب آخرين مثل توفيق الصايغ وغسان كنفاني وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري ويوسف الخال، كما كان صديقاً مقرّباً من جبرا إبراهيم جبرا. لم يعتمد دينيس على الترجمات كمصدر يعتاش منه، بل عمل في وظائف عدة أخذته إلى دول مختلفة مثل إسبانيا وفرنسا ودبي وأبو ظبي ولبنان وقطر والمغرب، واستقر منذ منتصف السبعينات في القاهرة.

نال جائزة الشيخ زايد للكتاب عن شخصية العام الثقافية. وأصدر العام 2009 كتاباً يضم مختارات قصصية مترجمة لكتّاب من الإمارات تحت عنوان "في صحراء خصبة: كتابات حديثة من الإمارات العربية المتحدة".

كان دينيس من أوائل مترجمي نجيب محفوظ، وذلك في كتابه "قصص عربية معاصرة" الصادر عن جامعة أكسفورد، بوصف محفوظ النموذج الوحيد المتوفر آنذاك من الأدب العربي الحديث! وأشار إلى الصعوبات التي واجهها في نشر هذا الكتاب: "كانت السنة 1967، ولم تكن السنة المناسبة لتقديم كتاب عن القصة العربية، وقد رفضت العديد من دور النشر مراجعة الكتاب. كما زاد الأمر سوءاً أن أياً من الحكومات والمؤسسات العربية لم تشترِ ولو نسخة واحدة من الكتاب".

يجد دينيس نفسه في ترجمة القصص القصيرة أكثر من الروايات، ويميل إلى الأعمال المغرقة في المحلية سواء بلغتها أو بأجوائها، ولهذا يفضل ترجمة أعمال محمد البساطي، وسعيد الكفراوي، وغسان كنفاني. قدم دينيس عددا من الروائيات العربيات مثل لطيفة الزيات وليلى بعلبكي وحنان الشيخ وبثينة الناصري وعالية ممدوح.

* إليوت كولا (Elliott Colla): أستاذ مشارك في اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة جورجتاون الأميركية، وأستاذ زائر في جامعة القاهرة. عمل في تدريس الآداب العربية والإنجليزية الحديثة في دائرة الادب المقارن بجامعة براون، وأدار مركز دراسات الشرق الأوسط في الجامعة 2005-2006.

ترجم عدداً من الروايات من ضمنها "التبر" لإبراهيم الكوني عام 2008. وحل في المركز الثاني لجائزة الترجمة الأدبية المسماة "سيف غباش" التي تمنحها مجلة "بانيبال" للعام 2009 عن ترجمة "التبر". ومن ترجماته الأخرى: "تحت خط الفقر" مجموعة قصصية للروائي للنوبي إدريس علي، ورواية "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان.

وتحت عنوان "ترويض مثقف"، كتب كولا مقالة بعد الثورة المصرية يذكر فيها أن جابر عصفور حوّل المجلس الاعلى للثقافة في مصر إلى خلية نحل وقاد الكثير من المشاريع، وفي عهده كان هناك طفرة في الترجمات، لكنه في الوقت الذي قام فيه بكل هذه المبادرات، بقي صامتاً أمام عدم التزام الدولة بتطبيق القانون، والتعدي على الحريات، واضطهاد المعارضين، وإنه "خلال رئاسته للمجلس الأعلى، صار اسم إدوارد سعيد على كل لسان، لكن ذلك لم يدفعه أن يقول الحقيقة للسلطة".

* همفري ديفيز (Humphrey Davies): من أشهر مترجمي الأدب العربي، ويعيش في القاهرة منذ خمسة وثلاثين عاماً. حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة كامبردج، وشهادة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا. لقيت ترجمته لرواية علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان" العام 2004 نجاحاً منقطع النظير في بريطانيا والولايات المتحدة، ويؤكد أن العالم أخذ يهتم بالأدب العربي بشكل متزايد بعد الحادي عشر من أيلول 2001.

نال جائزة "بانيبال" العام 2006 عن ترجمته لرواية "باب الشمس" لإلياس خوري، وفاز بها مرة ثانية عن ترجمة رواية "يالو" للكاتب نفسه العام 2010. ومن ترجماته "واحة الغروب" لبهاء طاهر، و"نيران صديقة" لعلاء الأسواني، و"متون الأهرام" لجمال الغيطاني، و"سحر أسود" لحمدي الجزار، ومجموعة قصصية "حكايات من ديروط" لمحمد مستجاب.

ذكر ديفيز أن ترجمة "باب الشمس" استغرقته ثمانية أسابيع من العمل المتفرغ العام 2004 في الإسكندرية، وكان المؤلف في زيارة قصيرة للمدينة فأتيح لديفنز أن يمضي معه جلسة امتدت تسع ساعات للإجابة عم تساؤلاته. ويشير إلى أنه كان محظوظاً إذ اتصل عملياً بمعظم المؤلفين الذين ترجم لهم، ويضيف مازحاً: "عندي أسئلة للموتى منهم أيضاً، سأسألهم عندما ألتقي بهم"!

وعن الأسباب التي تدفعه لترجمة عمل دون غيره، يقول: "أنا أترجم الكتب التي أحبها فقط". ويؤكد أن أحداً لا يقرأ النص بحذافيره ويقف عند كل رمز مطبوع مثل المترجم. ومن طرائف الأمور التي واجهته في ترجمة "واحة الغروب" لبهاء طاهر، ما كتبه طاهر من أن المرأة في واحة سيوة العام 1896 كانت تلبس صدرية، فاعترض ديفيز على ذلك باعتبار أن هذه القطعة لم تكن قد ظهرت للوجود بعد، وإن ظهرت فمن غير المعقول أنها وصلت المكان، فأقنع الكاتب بتغييرها!

* جوناثان رايت (Jonathan Wright): درس العربية والتركية والتاريخ الإسلامي في جامعة أكسفورد، وعاش فترة طويلة في مصر والسودان ولبنان وتونس ودول الخليج العربي، وذلك خلال فترة عمله صحفياً مع وكالة رويترز منذ العام 1980. تعرض في الثمانينات حينما كان يعمل في بيروت إلى الاختطاف، لكنه تمكن من الهرب.

مضى على رايت أكثر من ثلاثين عاماً وهو يمارس الترجمة، أنجز الكثير من الأعمال التي لم ينشرها عبر السنوات، لكن أهم ترجماته هي رواية "تاكسي" للروائي المصري خالد الخميسي، ونشرت العام 2008.

صرّح رايت خلال ندوة عقدتها الجامعة الأميركية بالقاهرة للحديث حول تجربته في الترجمة أنه لم يكن يفكر بالترجمة الأدبية، إلا حينما وقعت بين يديه صدفة رواية "تاكسي". وأشار إلى أنه فكّر بترجمة حوارات سائقي السيارات بلهجة "كوكني" الإنجليزية العامية، لكنه أقلع عن ذلك لأنها ليست مفهومة للقارئ الأميركي. كما ذكر أن توظيف الإشارات الدينية كان مشكلة بحد ذاته بالنسبة للقارئ الغربي. ويضرب مثلاً عبارة "إن شاء الله" التي يترجمها بعبارة "أنا آمل"، لأن الإشارات الدينية تعطي انطباعاً للقارئ الغربي بأن النص يحمل رسائل دينية. ويعتقد أن أكثر شيء يحتاجه مترجم العربية ليس طلاقته بالعربية، بل "كيف تستخدم اللغة الإنجليزية".

وفي معرض حديثه خلال ندوة أقيمت حول الترجمة من العربية والقواميس خلال آذار 2010، تساءل رايت إن كان يجب على المترجم أن يستخدم قاموساً، لأن مدلولات الكلمات وارتباطاتها الثقافية والاجتماعية والتاريخية تختلف من لغة إلى أخرى عند الحديث عن الكلمة نفسها في اللغتين، بحسب ما ترتبط به في ذهن القارئ.

* مارلين بووث (Marilyn Booth): مترجمة وأستاذة جامعية في الأدب العربي الحديث وتاريخ الشرق الأوسط، ورئيسة كرسي العراق للدراسات العربية والإسلامية في كلية الآداب واللغات في جامعة إدنبرة بأسكوتلندا. نالت درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة أكسفورد العام 1985، كما مارست التدريس في الجامعة الأميركية في القاهرة.

ترجمت العديد من الأعمال الروائية والقصصية من الأدب العربي، ومن ضمنها رواية "المحبوبات" لعالية ممدوح، و"أهل الهوى"، و"حارث المياه" لهدى بركات، ومجموعة قصصية "أطفال الماء" لابتهال سالم، ورواية "أوراق نرجس" لسمية رمضان، ورواية "الباب المفتوح" للطيفة الزيات، ومجموعة قصصية "الجهات الأربع" لسحر توفيق. نالت مارلين جائزة مطبعة جامعة أركنسو للترجمة العربية، وجائزة رابطة معلمي العربية في أميركا. كما نشرت العديد من المقالات حول أعمال روائية عربية مثل "بنات الرياض" لرجاء الصانع.

* نانسي روبرتس (Nancy Roberts): مترجمة وأكاديمية. حصلت على الماجستير من جامعة إنديانا في برنامج الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية، وتم اعتمادها مترجمة للغة العربية من جانب جمعية المترجمين الأميركيين. بدأت عملها العام 1994 مدرسة للغة الإنجليزية في جامعة آل البيت في الأردن، وبعدها بخمس سنوات قررت أن تتفرغ للترجمة. أول عمل مهم قامت بترجمته هو رواية غادة السمان "بيروت 75" وفازت عنه بجائزة الترجمة من جامعة أركنسو العام 1995. كما ترجمت لغادة السمان أيضاً "كوابيس بيروت" 1997، و"ليلة المليار" 2005. ومن ترجماتها الأخرى كتابان للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي "فقه السيرة النبوية" 2001، و"المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني" 2003.

تتوزع اهتمامات روبرتس في الترجمة على طيف واسع من المواضيع ما بين الأدب العربي الحديث والقديم والصحة العامة والقانون والأحداث الراهنة والعلاقات الإسلامية المسيحية والفكر الإسلامي والتاريخ. ومن ترجماتها: روايات "السراب"، و"الحب تحت المطر" لنجيب محفوظ، و"الرجل من بشمور"، لسلوى بكر، و"الخالدية" لمحمد البساطي.

* ريموند ستوك (Raymond Stock): مترجم أميركي يعمل أستاذا مساعدا للعربية والدراسات الشرق أوسطية بجامعة درو في نيويورك. أقام ستوك في القاهرة ثمانية عشر عاماً، وتنقل في دول الشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا. عمل ستوك قارئاً خبيراً لمنح الترجمة التي يمنحها برنامج المنح الوطنية للفنون، ومساعداً لغوياً مختصاً بلغات الشرق الأدنى وآسيا الوسطى في مكتبة الكونجرس بواشنطن.

ترجم ستوك خمسة من مؤلفات نجيب محفوظ، كان آخرها "أحلام فترة النقاهة" العام 2007. وكانت أول رواية ترجمها لمحفوظ هي "عبث الأقدار" وصدرت تحت عنوانها الأصلي الذي كان يفضّله محفوظ "حكمة خوفو". وترجم أيضاً قصص محفوظ الفرعونية في كتابه "أصوات من العالم الآخر".

يؤمن ستوك بأن عليه أن يخلق لدى القارئ إحساسا بالعمل وأجوائه، وفي الوقت نفسه الالتزام بدقة الترجمة. ويضيف أنه لا يحبذ التصرف الحر بالترجمة، إلا أنه يعترف أنه لم يستطع ذلك في ترجمة قصائد عزرا باوند الناقد وصديق تي إس إليوت.

* روجر مايكل آلان (Roger Michael Allan): مترجم بريطاني الأصل. يعمل أستاذا للغة العربية والأدب المقارن في جامعة بنسلفانيا منذ ما يزيد على أربعة عقود، وهو محرر الأدب العربي لموسوعة الآداب العالمية في القرن العشرين. نال درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة أكسفورد العام 1968، وكان أول طالب يحصل على الدكتوراه في هذا المجال في تاريخ الجامعة تحت إشراف د.محمد بدوي.

ومن بين الأعمال الكثيرة التي ترجمها: "السمان والخريف"، "الكرنك"، "خان الخليلي"، "المرايا"، "الباقي من الزمن ساعة"، "دنيا الله" (قصص) لنجيب محفوظ، "في عين الناظر" (قصص) ليوسف إدريس، "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود" لجبرا إبراهيم جبرا، "النهايات" لعبد الرحمن منيف، رواية "العلاّمة" لبن سالم حميش ونالت جائزة الأطلس للترجمة، رواية "دنيا زاد" لمي التلمساني.

في مقابلة مع صحيفة "الأهرام الأسبوعي" العام 2006 قال إنه لا يترجم أي نص لأي مؤلف لم يقابله ولم يعرفه شخصياًً". لأن الهدف برأيه من معرفة المؤلف والالتقاء به هو استمرار متابعة الاتجاهات الأدبية بشكل عام في العالم العربي، وفي القطر الذي ينتمي إليه بشكل خاص، وهو يضع اللوم في عدم انتشار الأدب العربي على الملحقين الثقافيين العرب في عواصم العالم الذين يبدون غير مؤهلين أو غير مستعدين لنشر الترجمة.

ذكرت حنان الشيخ في أثناء مقابلة معها خلال ندوة للمجلس الثقافي البريطاني حول ترجمة الأدب العربي، أنها أجرت خلال عملية الترجمة تعديلات عدة على نصها العربي، وذكرت أن تلك التغييرات كانت تتم أحياناً بطلب الناشر أو المترجم، مثل تعديل النهاية أو تغييرها. ويذكر روجر أن كتاب "حكاياتي شرح يطول" لحنان الشيخ لا يشتمل على أسماء، بل تستخدم المؤلفة الوصف بدل الاسم، فأحد أشقائها يدعى "عاشق الناي"، والآخر يدعى "أخي السوداوي". ولكن حينما تم إرسال الترجمة إلى لندن، اعترض الناشر لأن تكرار استخدام لقب وصفي بدلاً من الاسم يجعل العمل مملاً.

* وليم هتشِنز (William Hutchins): مترجم أميركي غزير الإنتاج. حصل على الدكتوراه في لغات الشرق الأدنى من جامعة شيكاغو العام 1971. يعمل أستاذاً للفلسفة والأديان في جامعة أبلاشيان الحكومية بولاية نورث كارولينا. فاز بمنحة الترجمة للعام 2005 من مكتب المنح الأميركي لترجمة الفنون الأدبية لقاء ترجمة رواية ابراهيم الكوني "البحث عن المكان الضائع"، التي ترجمت ونشرت تحت اسم "حجب سيث السبعة".

ترجم ثلاثية محفوظ ("قصر الشوق" و"السكرية" و"بين القصرين")، إضافة إلى "القاهرة الجديدة". كما ترجم روايتي "أنوبيس" و"الدمية" لإبراهيم الكوني، و"القلعة الخامسة" و"آخر الملائكة" لفاضل العزاوي، و"مراحل إسماعيل" لعبد الخالق الركابي، و"فوت علينا بكرة واللي بعده" لمحمد سلماوي، و"بصرياثا: صورة مدينة" لمحمد خضير، و"دار الباشا" للتونسي حسن نصر، و"عودة الروح" لتوفيق الحكيم، بالإضافة إلى عدد من مسرحياته، كما ترجم للكويتية فاطمة العلي مجموعة قصصية "تاء مربوطة"، وللعراقية دنى غالي رواية "عندما تستيقظ الرائحة"، وترجم أيضا للروائي اليمني وجدي الأهدل، وللإماراتي ثاني السويدي.

في لقاء نشر العام 2008 يقول هتشنز: "لكي أنجز الترجمة على نحو صحيح، يجب علي أن أفهم تاريخ المنطقة وثقافتها بالإضافة إلى لغتها". لكنه في الوقت نفسه يرفض مبدأ "أن بعض الأفكار والآراء والتجارب لا يمكن ترجمتها". يسعى هتشنز إلى ترجمة روايات لكتاب بحرانيين، مثل "التماثيل" لعبد الله خليفة، وقد ذكر خلال زيارته لجامعة البحرين العام 2010 أن الترجمة الأدبية "تصنع نوعاً من الحوار بين الشرق والغرب، وتوفر التقارب بينهما".

رابط المقالة بصحيفة الرأي

رابط الصفحة الكاملة