الخميس، يوليو 21

مجاز خفيف لنضال برقان



"مجاز خفيف" لنضال برقان

البحث عن لغة أخرى للحب
إياد نصار


* نشرت في جريدة "النهار" اللبنانية بتاريخ 17/7/2011
  
في "مجاز خفيف" لنضال برقان كثير من الشاعرية المستندة الى رؤية تكاملية تطرح العلاقة بين كيمياء الحب في أطواره المختلفة، واللغة بوصفها وسيلة التعبير العاجزة ذات الاشكالية عن حالة الوصال المفقود بين العاشق والمرأة الحلم. "مجاز خفيف" نسيج شعري مشغول بعناية مستندة الى رؤية انسانية وفكرية واعية وغير تقليدية، وهو المحطة الرابعة في تجربة برقان الشعرية، الذي يبدو منشغلاً في ديوانه باستكشاف جوانب أخرى على صعيد فهم النفس الانسانية، وارتباط اللغة ذاتها ودلالاتها، في موضوع الحب والمرأة، لأجل بناء علاقة جديدة بين الشاعر العاشق والمرأة، التي لا تمنحه الالهام، أو تثير فيه شهية النظم وحسب، بل تصبح هي ربة الشعر التي تخلق اللغة والمعاني التي يكتنفها الغموض، في تعبير ضمني عن تباعد التواصل، وعجز انساني أمام ما يشبه قدرتها الأسطورية. هكذا يعبر عن أمنيته في أن تقوده كمعلّم الى حيث يستطيع الرؤية عندما تتكشف له الاسرار، فكأنما المرأة تصبح في أحد تجلياتها إلهة للشعر: "تقولين ما لا أرى من كلام/ وتمضين دون مصابيح في عتمة الحب/ .../ سأقول بأنك مبهمة كي تضلّ الحكاية/ بينا على مهل أتملّى وضوحك فيّ/ وأنأى".

تعكس معظم القصائد معاناة العاشق أمام تجربة الحب التي تتشح بصمت المرأة، وغموضها، وغيابها، فيتعمّق الاحساس بعبثية اللغة، كأنما تستحيل الكلمات الى ليلٍ من العتمة، فلا يرى المحب انعكاس تعبيره عن حبه وعذابه، وينتفي الاحساس بمعنى الحب ذاته، كأننا نمارس لعبة التخفي حتى يضيع الحب من بين أيدينا: "ونحن، إذ في ظلمة الكلمات نجلس/ هل عرفنا الحب؟". ويتابع في قصيدة "عتمة في الكلمات" موضوع الحب المصلوب على خشبة الزمن. يلتقي الحبيبان، لكن اللغة تبقى مغلفة بالغموض فلا تمنح نفسها لهما للتعبير كما ينبغي، كأنما الكلمات في عتمة، والحب لا يُرى. تتابع القصائد انهيال الصور التي تعمق الصمت والوحدة والاحاسيس التي تبقى رهينة الانتظار. وتؤكد في مستوى رمزي آخر أن اللغة هي أساس التجربة والاحساس بمعناها، فالصمت والمجاز والتلميح والايهام والغموض تقتل، بحسب القصائد، معنى الحب الحقيقي الذي يبحث عن لغة أخرى تمنح الخلاص والثورة، وتسير هادرة كالنهر نحو البحر.

ترسم قصيدة "مرثية أخرى" ملامح تلك العلاقة بين الحب والاحساس بتحقيق الذات واللغة. يمنح الحب شعوراً بالانطلاق والتحليق الى عالم اللغة العلوي حيث تصبح الكلمات قادرة على التعبير عن الحلم، ويضفي الحب على الشاعر احساساً بفرح كغيمة ماطرة. غير أنه سرعان ما يتبدد احساس الشاعر بالحب الذي صار قرين الحياة أمام اعتيادية الكلمات، ويقع مرة أخرى فريسة الكلمات الغامضة التي تقتل الرؤية، وتحيل كل شيء بحراً من الظلام، في اشارة الى الحياة التي تصبح مثل غابة موحشة لا يقين فيها في ظل غياب التعبير عن الحب الحقيقي. يطوّر برقان الاحساس في نفس قارئه تدريجيا لينتقل الى مستويات أعلى، فغياب الحب يشبه وقوع السماء على الارض التي غدت حطاماً مؤذناً بالنهاية: "وأينك؛ منذ كسرتُ السماء/ وليس على الأرض غير حطامي/ وأينك، ثمة نظم كثيف/ يجر دمي باتجاه الختام".

تقدم بعض القصائد حالة من التناقضات الغامضة الغريبة التي يمر بها العاشق. ففي حين يشعر بأن كل شيء حوله صامت لا يجيب، وبأن الكلام مات على شفتيه، وبأنه وحيد في عالمه لا يسمع سوى صدى صوته، يظل متمسكاً بحبيبته التي تصبح مثل تعويذة تحميه من الاخطار. لكنه بقدر ما يستشعر معنى وجودها لحياته، يلعنها، لأنها بعيدة، وهو يقاسي الجوع العاطفي. وبكثير من الرمزية التي تتفادى التصريح وهي تدخل موضوعاً يحاذي تخوم الجسد، فإن برقان ينجح في تجسيد علاقة العاشق بحبيبته الى أقصى حدود الكشف الحسي الخفي الشفيف، حيث تصبح مصدر الحياة والارتواء والتسامي وتحقيق الرغبة، وفي الوقت ذاته تنطوي على الموت، كأنما تسير الامور في دورة الحب والرغبة من ثوران الى خمود وهكذا: "فأسير خفيفا وأدفقُ حيث تفيض الحياة على/ ضفتيكِ/ وأمتد فوقهما كالحشائش/ أو مثل ليلٍ يفرّ الى حتفه".

تبرز قصيدة "حنين" التي تفتتح الديوان، الكثير من الاستعطاف والتمنيات التي ترتبط برغبة الشاعر في إدراك ذاته الكلية، وتحقيق أحلامه التي تمور في خفايا الصدر، لتنتقل من مستوى الكلام الى الفعل، لكنها تنطوي على مقارنة تعكس حال الحب ذاته. يشعر المتكلم أن المرأة لا تمنحه سوى الكلام، ولا تأخذه الا الى الاحلام، بينما يسعى الى لقاء من نوع آخر، وخلال هاتين الحالتين تظل المرأة بعيدة غامضة كالحب نفسه. مفردات القصيدة حداثية واستعاراتها ذات انزياحات، تركب صورتها الشعرية على أساس بصري من وحي الطبيعة.

يمتاز شعر نضال برقان بتوظيف صيغ الفعل المضارع كثيرا بشكل متتابع للدلالة على آنية الصورة المتحركة واستمرارها اللازمني. كما يتابع نحت الصور في عبارات متتابعة متلاحقة: "وينتظران من أبدٍ قطارَ الحب/ بينا الحب خلف الباب منصوباً بغير محله/ الريح تأكله على مهلٍ/ وينتظران من أبدٍ بصمت غامق".

تلجأ قصائد برقان الى توظيف الحوار والاسئلة المثقلة بالحيرة والتعجب لتعزيز احساس القارئ بمدى المعاناة، واظهار براءة الاحساس لدى المتكلم، الذي يخنقه ألا يرى الحقيقة التي تمنح مشروعية الحب. وتركز القصائد على ابراز الموسيقى الداخلية التي تستحضر في النفس ايقاع القصائد الغنائية الاندلسية، لكن الاحساس سرعان ما يتبدد أمام صوره الجديدة: "لا تبتعد يا نهر، لا تترك فمي/ من غير ما كلمٍ، ولا قلبي ظمي/ عيني بعينك في الزمان ولا أرى/ إلا سواك كأنني ليلٌ عمِ/ وكأن ما بيني وبينك واضحٌ/ حدَّ الغموض فلا أراك وأنت تحرس أنجمي/ لا تبتعد يا نهر إلا في دمي".

تطرح القصائد مفاهيم صوفية فكل شيء يعود الى الارض التي تغدو الام الكلية، وفي قمة لحظات الاحساس بالحب تتسامى الروح الى عرش من تحب، ويصبح المحبوب أساس الحياة، الذي يمسح عن المتعبين غبار الروح، كما تطرح بعض القصائد تساؤلات كونية مفعمة بالشك والحيرة والاحساس باللاجدوى حول وجود الحقيقة ومعناها.

تقدم قصائد برقان تنويعات على الصور الحسية التي تتداخل فيها الاصوات والالوان والحواس، غير أن الصور المحسوسة، هي مقدمات تحفز الذهن لإعطاء أبعاد مادية، وتجسد المفاهيم المجردة وخصوصاً ثنائية الحياة والموت، التي تتردد كثيرا في الديوان كبديل موضوعي من حضور الحب وغيابه في حياتنا. ويظل الشاعر يردد مفهوم الاحساس بالضياع وغموض اللغة التي لا تعرف كيف تستولد القصيدة الحقيقية. يقول في قصيدة "كلام في الحديقة": "في ظلمة، حطّ الصراخ على فمي/ فأضعت في بحر القصيدة خاتمي/.../ لو تعلمين، الموت يعصف جانباً/ وأنا أشمك، بينما قلبي عمِ".

تمتاز قصائد الديوان بتتابع الصور والاستعارات والتشكيلات الفنية وتداخل المؤثرات اللفظية والبصرية على نحو مكثف ينم عن قدرة الشاعر على بناء المشهد الشعري، وتدور معظمها في فضاءات علاقة الشاعر بالمرأة، وتأثيرها على اللغة، وتقدم مظاهر من لغز الحب السهل الممتنع. وتجمع قصائده بين الجدة في ابتكار الصورة وإنطاق المجرد، وبين اضفاء التأملات الفلسفية على معاني الحياة والحب والشعر، ولعل قصيدة "شرفات لا تخص نجومك" من النماذج المبهرة التي تجسد توجهاته.

تظل تتردد في كثير من القصائد مفردات رئيسية كأنها تشكّل معجم برقان الشعري الذي يستمد منه جملته التي تعبر عن فضاءاته وصوره. فهناك الصدى، والظلام، والحرب، والعتمة، والوحدة...الخ، كما يبدو للقارئ أن برقان يميل الى مفردات معينة في شعره تظل تظهر بين حين وآخر مثل كلمِ، ظمي، العدم.

تميل لغة الديوان الى المزج بين مفردات لغة شعرية حداثية تنزع الى بناء صور غير تقليدية فيها تشيكلات سوريالية، ومفردات مستمدة أحيانا من نادر اللغة وقديمها. تستدعي قصيدة "وجه مالك بن الريب" تلك القصيدة المشهورة من الشعر الأموي، وتتناص معها في اعادة تقديم قصة الموت وحيداً غريباً بعيداً عن الديار الا من الشعر الذي يلاحقه ويقيم معه أنى ذهب، لكنه يضفي على القصيدة ثوباً جديداً يلائم موضوعه. ومن أجمل قصائد الديوان أفكاراً وصوراً واستعارات وموسيقى داخلية وايقاعات هي تلك المسمّاة "مباهج فلكية"، وهي فعلا احد مباهج الديوان. تبدو احتفائية بالحب، والمرأة، وتعبيراً شفيفاً ذكياً بسلاسة عن تفاصيل جسد المرأة لابراز قوة تأثير الحب الحسي: "في صباحك أنسلُّ من خدري/ دافئاً ومضيئاً/ أغانيكِ صافية في فمي/ في يدي يترقرق جدولك الذهبي/ وقد عاد دون أذى لطفولته/ ما تزالين نائمةً دونما غبشٍ/ أتحسس جسمكِ/ ثمّ أعود الى خدري".

ينحو الشاعر في بعض القصائد مثل "قصائد قصيرة" الى التنظير حول ماهية الشعر وارتباطه بالرؤية والرمز والمجاز، وجماليته في التلميح لا التصريح ، وعلاقته بالشاعر جسداً وروحاً، وعلى رغم الجانب التأملي التجريدي، إلا أنه لا يتخلى عن جمالية العبارة الايقاعية المشحونة بالحب، وهنا يبدو موزعاً بين قطبين هما معنى حياته كلها: الشعر والمرأة. من هذه الاسطر يبدو أن الشاعر كان موفقاً في اشتقاق عنوان الديوان: "متأرجح بين الزمان وظلّه الممدود في الكلمات/ بين الكشف من غير انكشاف/ وانعتاق الرمز في الجسد الموارب للقصيدة/ هكذا آتي وأذهب في المجاز بخفة/ وأطل من جسدي عليّ بلا سواي".

تطرح بعض قصائد الديوان في الثلث الاخير منه قضايا أخرى غير الحب والمرأة، مثل الوطن ومحنة الضياع والتشرد والمنفى واغتيال الحلم، وتبادل الشجن مع الاصدقاء، ويبرز منها على نحو غريب تلك القصائد الى تعبّر عن الرغبة لمعرفة كنه الموت، واتخاذه صديقاً لمعايشة التجربة موقتاً من دون خوف منه. وعلى رغم أن الشاعر يقر بأنه ذلك الساحق الصامت الابدي، إلا أنه يعتقد أن الموت في حقيقته هو غير تلك الصورة التي نحملها عنه، وغير ذلك الاحساس الذي يرتبط في أذهاننا: "انما بي اشتياق لمعرفة الموت أكثر/ بي رغبة لزيارته كصديق/ نسير معاً".

مجاز خفيف نحت شعري ذو مستوى عال فنياً ولغوياً، يستلهم الرمز والايحاء والاسقاطات التأملية، ونقل المواضيع التقليدية للشعر الى آفاق ابعد من خلال التجديد وتطوير رؤى فكرية غير تقليدية للنظر بها اليها.

الأربعاء، يوليو 20

تأملات في تحولات الشعر والرواية


تأملات فـي تحولات الشعر والرواية

اياد نصار
* نشرت في مجلة أفكار الصادرة عن وزارة الثقافة الاردنية - العدد 269 /2011

كتب عباس العقاد قبل قرن من الزمان في مقدمة الجزء الثاني من ديوان ابراهيم شكري الذي طبع في سنة 1913 يقول: "إنما الشعر حقيقة الحقائق ولب اللباب، والجوهر الصميم من كل ما له ظاهر في متناول الحواس والعقول"(1). وقال في المقالة ذاتها: "فاعلم أن الشعر شيء لا غنى عنه، وأنه باق ما بقيت الحياة، وإن تغيرت أساليبه وتناسخت أوزانه وأعاريضه، لأنه موجود حيثما وجدت العاطفة الانسانية، ووجدت الحاجة الى التعبير عنها في نسق جميل وأسلوب بليغ"(2)، وأضاف مؤكداً الحاجة الى الشعر وقدرته على البقاء: "وإذا كان الناس في عهد من عهودهم الماضية في حاجة الى الشعر، فهم الآن أحوج ما يكونون اليه بعد أن باتت النفوس خواء من جلال العقائد وجمالها، وخلا الجانب الذي كانت تعمره من القلوب"(3).

ولو بقي العقاد على قيد الحياة الى الان لراعه مصير الحكم الذي أطلقه، ولأحزنه حال الشعر العربي، بل حال الشعر على مستوى العالم ككل. ويبدو أن العقاد مثل كثير من الشعراء والنقاد، وكما هو واضح في كلماته، لم يكن يظن يوماً أن الشعر يمكن أن يوجد بغير الأوزان والاعاريض التي ذكرها. وأن الحاجة اليه ستستمر ما دام الانسان على قيد الحياة بمعايير الشعر نفسها التي عرفها دون تغيير، وبعبارة أخرى بالقواعد والمعايير والاشتراطات نفسها التي تحكم عملية الابداع ذاتها. ولكن تاريخ الادب العربي أثبت خطأ مقولاته.

كانت هناك ثورتان كبيرتان أسهمتا في تغيير المفهوم النمطي الشائع عن الشعر، وأزعم أنهما ذاتهما قد أسهمتا في سيطرة الرواية فيما بعد: الثورة الأولى تتمثل في ظهور الشعر الحر في العالم العربي. ولكن الأهم أنه رغم الدفعة المستقبلية القوية التي وفرتها ثورة الشعر الحر لانتشار الشعر على نحو واسع بين الجيل الجديد من الكتاب والقراء على السواء من يوم أن ظهر في مقابل هيمنة الشعر التقليدي، ورغم نجاحه في بث روح التجديد في الشعر، وجعله زادا يومياً للمواطن العربي، إلا أن كرس مفهوما خطيراً اتضحت خطورته على الشعر فيما بعد. لقد فتح الشعر الحر عيون العرب على إمكانية التحلل من أوزان الشعر وأعاريضه وبحوره ومعاييره التقليدية، والاحتكام الى مفاهيم تجريبية جديدة تحطم الاطر الكلاسيكية.

وبقدر ما أعطت هذه الثورة من روح جديدة لسيطرة الشعر على المشهد الابداعي العربي، إلا أنها حطمت سيطرة التقليديين من الشعراء ونقادهم ووسائلهم الصحفية، وهكذا توارى محمود سامي البارودي وأحمد شوقي، وظهر على الساحة صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، وتوارى عبد الكريم الكرمي ليحل محله محمود درويش، وتوارى الرصافي والزهاوي وجاء السياب ونازك الملائكة اللذين ملئت أشعارهما الدنيا وشغلت الناس، وتوارى خليل مطران وبرز يوسف الخال وأدونيس. وتراجع تأثير مجلات الرسالة والأديب وغيرها وحلت مكانها مجلة شعر.

في خضم هذا كله، يجب التنويه الى نقطة في غاية الأهمية وهي أن ثورة الشعر الحر غرست في نفس المبدع العربي، أو من وضع خطواته الاولى على طريق الشعر، ومن خلفهما القارىء ، مفهوماً مهماً وهو أن الشعر يقبل التجديد، ويمكننا الخروج على الاطر السابقة نقدياً ولغوياً ونحوياً وشكلياً. ولذلك وبرغم ما قام به رواد الشعر الحر ومن عاصرهم أو تلاهم من الاصوات الشعرية التي كان لها حضور وتأثير بارز طيلة القرن العشرين، فإن الرغبة في البحث عن الجديد، وتقبل التجديد، وتكريسه ليصبح ممارسة راسخة قد تعزز أكثر من ذي قبل. وصار بالامكان كتابة الشعر دون التزام بقواعد الشعر والشكل واللغة المعروفة، ومن هنا ظهرت قصيدة النثر، ثم ظهرت النصوص الحرة التي لها ايقاع الشعر ومزاجه، ولكنها في الوقت نفسه ليست من الشعر ، وبقيت عصية على التصنيف.

أما الثورة الثانية التي كان لها دور بارز في التحولات التي أصابت الشعر والرواية على السواء فهي ظهور الشبكة المعلوماتية على نطاق واسع، وخاصة في العالم العربي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وما أعقب ذلك مما وفرته من امكانيات هائلة ساهمت بشكل واضح في ظهور الصحافة الالكترونية والمواقع الثقافية والادبية والمدونات والمنتديات وغرف المحادثة والدردشة الصوتية ومواقع الكتابات المنشورة على الشبكة. لقد أتاحت هذه الثورة الفرصة للجميع لنشر كتاباتهم وأشعارهم وتناقلها وتوزيعها، وربما الى حد أوسع بكثير مما كانت توفره الصحافة المكتوبة، وهكذا لم يعد لزاماً وجود ناقد يرضى عن محاولات كتابة الشعر أو عن القصائد المنشورة قبل نشرها، ولم يعد الامر في حاجة الى محرر يقبل ما يحلو له، ويرفض ما يعتقد أنه غير مناسب أو لا يندرج ضمن إطار الشعر. وهكذا انتشرت موجة من كتابة القصائد النثرية والخواطر والنصوص فيما يشبه القصائد الشعرية، وإذا كانت هذه الثورة وكما كان متوقعاً في بداية الأمر قد أسهمت في زيادة مدى انتشار الشعر، إلا أن الشعر التقليدي والحر قد تعرضا لانتكاسة لأنه لم تعد قصائد الشعار الكبار وحدها التي تثير اهتمام القراء، بقدر ما أصبحت تجذبهم كتاباتهم أنفسهم، وكتابات الاصوات الجديدة الشابة غير المكرسة، وهكذا بدأ الشعر العربي المكتوب مرحلة التراجع. والحقيقة أنه ليس الشعر العربي الذي يشهد تراجعاً في الانتاج والنشر والحضور، بل ينطبق على الشعر العالمي أيضاً.

وأظن أن السبب الرئيس المسؤول عن التراجع هو أن هذا العصر قد صار عصر قراءة الشاشة واستخدام وسائل الاتصال التفاعلية وحتى الكتاب ولكن في جو من الذاتية والعزلة الفردية، أكثر منه عصر الاستماع والاجتماع والالقاء، والرواية تناسب هذا التحول في طبائع الانسان. إن تعقيدات الحياة وتداخل القضايا والأزمات بعضها بعضاً، واطلاع الكاتب على مصادر معرفية مختلفة تهطل عليه بشكل مستمر وهادر في كل يوم، وتعدد الاوجه والاقنعة التي يعيش خلفها الانسان الواحد بحسب كل بيئة من بيئاته، من مثل بيئة الأسرة والعمل والاصدقاء والكتّاب والغرباء وعالم السفر والهجرة، قد زاد من قناعة الكثيرين بأن النص القصير سواء أكان قصيدة أم قصة لم يعد كافياً ليلتقط كل هذه المشارب والتجارب والخبرات.

يقول المخرج الباريسي جورج فريدلاند في مقالة عنوانها "جمالية ديستوفسكي": "يقال دائماً إن الواقع ممل ورتيب، ومن أجل الترفيه عن النفس يلجأون الى الفن والخيال، ويقرأون الروايات، أما أنا فأرى أن العكس هو الصحيح، فما الذي يمكن أن يكون أكثر خيالية وغرابة من الواقع نفسه؟" (4) وهكذا صارت تعقيدات الحياة ومشاكلها وأحداثها الغريبة المنجم الأمثل لبروز الرواية الى الواقع على نحو ما نراه الآن. ولكن الرواية مرت بظروف صعبة في الفترة التي كان فيها الشعر في أوج انتشاره. فكيف كان عليه حال الرواية آنذاك.

يذكر الناقد البريطاني آلان ماسيه في كتابه "الرواية اليوم" والذي صدر في عام 1990، بأنه قبل عشرين سنة ـ يقصد في اوائل السبعينيات ـ كان من الدارج أن يتنبأ المرء بما يدعى "موت الرواية"، وبحسب تعبيره: "قيل لنا أنها ستصبح شكلاً فنياً يسرّ القلة من الناس مثل الشعر. إن كل الاجناس الابداعية تستجيب بالطبع الى القلة من البشر، ولكنه كان من المقبول عندئذ القول بأن الرواية قد فقدت مكانتها كوسيلة لنقل التجربة التخيلية"(5). وفي عام 1975 كتب الناقد الاسكتلندي جايلز جوردون في مقدمة كتابه "ما بعد الكلمات: أحد عشر كاتباً يبحثون عن سرد جديد" قائلاً: "السرد لم يعد فناً شعبياً، لكن القلة تؤيد ذلك الان" (6). إن استعادة السرد مكانته ربما كان في جزء منه عائداً الى الجوائز، وما تخلقه مناسبات الاعلان عنها من وعي في أذهان الجمهور. لكن السبب يعود للروائيين أنفسهم أكثر من أي سبب آخر، وقدرتهم على تقديم مواضيع مثيرة للاهتمام بأسلوب ممتع.

وفي عام 1977 حرر الناقد مالكوم برادبري مجموعة من المقالات حول الرواية اليوم، وقد وجد أن "الكثير من الروائيين آنئذ قد اصبحوا يضيقون ذرعاً بمعايير السرد التقليدية، وسعوا الى التجريب وإعادة صناعة الشكل من خلال البحث في الأسس" (7). وقد جاءت معايير السرد التقليدية التي أشار اليها من مصدرين: الواقعية من خلال تأكيدها على الحبكة والشخصية، واستمداد قوتها من عالم واقعي خلف الرواية، وثانيهما الجماليات الحداثية التي ركزت على النموذج والشكل والاسطورة، وبرأيه فإن كلا المصدرين لم يعودا كافيين لاثارة اهتمام الروائيين، وقد حدد مظهرين شكلا برأيه تعبيراً عن استجابة لعدم الرضا هذا. الاول هو الانسحاب من النمط المكرس نحو المستوى اللغوي للنص، والذي يصبح حدثاً كافياً بحد ذاته، والمظهر الثاني كان الاعجاب بالعملية السردية في محاكاة ساخرة للشكل، بحيث تصبح مثل انشاء لعبة مع اجراء التبديل الممكن. والمظهر الثاني عزز مفهوم القارىء بأن جهد النقاد النظريين قد حاصر الرواية، وخاصة أن مثل هذه الروايات التي تستجيب لتحليلاتهم النظرية لم تكن ذات حظوة لدى القارىء العادي. ومن الامثلة على ذلك روايات البريطاني وليم غولدنغ الذي لم تلق كل رواياته التالية ـ باستثناء الاولى "آلهة الذباب" والتي اكتسبت شعبية وصارت جزءا من المنهاج المدرسي ـ سوى اهتمام ضيق في إطار النقد الاكاديمي. وفي ذلك السياق وفي الفترة ذاتها كتب بيرنارد بيرغونزي بأن الرواية الانجليزية لم تعد رواية ولا تقدم سوى متعة متوقعة. واعتقد أنه وكما قال فقد تضاءلت الثقة بامكانية عودة الروح للرواية.

ولكن ثورة الشعر الاولى وثورة المعلومات الثانية مهدتا لعودة بروز النثر مرة أخرى وخاصة السرد بأنواعه المختلفة. وهناك إجماع في مختلف وسائل الاعلام الثقافية في مختلف أنحاء العالم بأن هذا الزمن هو زمن الرواية. وقد نشر عدد من النقاد والكتاب من مثل ستيفن كينغز، ج. إم تايري، ستيفن ميلهاوزر، جيمس ف إنغلش، وندي مارتن، وجيسون بووغ مقالات حول مستقبل القصة القصيرة في العصر الرقمي، وحول مكانة الرواية. ورغم دفاعهم عن مكانة القصة القصيرة وجمالياتها ورشاقتها، إلا أن لغة التفجع والحسرة والدفاع المستميت لإثبات فضائلها ينبيء بأن الرواية صارت سيدة الأنواع الأدبية.

إن تجارب الانسان المتعددة والمختلفة في اليوم الواحد والتي تتوزع على وجهات نظر متباينة ومتناقضة أحياناً في الوقت نفسه بحسب زواية النظر اليها من أقصى الخير الى أقصى الشر، ومن أقصى اليقين الى أقصى الشك، ومن أقصى تحقيق الذات الى أقصى المعاناة، ومن أقصى الفرح الى أقصى الحزن فرضت حتمية تعدد الاصوات والشخصيات والامكنة وتنوع الظلال والمعاني. وأعتقد أنه لم يكن غير الرواية وتالياً المسرحية ما يستطيع أن يستوعب هذا كله في عمل واحد.

إن ميل الانسان الى استثمار تجاربه الفردية الذاتية، والاحتفاء بها واعتبارها على درجة عالية من الغنى والتنوع والجدارة للكتابة عنها، ورغبة الكاتب في الغوص في أعماقه الجوانية وقناعاته للبحث عن رؤيته من مختلف مواقف الحياة، ورغبته في توظيف خبرات الماضي وذكرياته وأحلامه مهدوا الطريق لانتشار الرواية، فالشعر ميدان التجارب الوجدانية الذاتية أو القضايا العامة، والقصة ميدان الايجاز والتكثيف التي تصلح للحديث عن الاخرين أكثر من الذات في هذا العصر الذي يعمق الاحساس بقيمة التجارب الذاتية. إن الرواية تتجاوب مع تطلعات الانسان لتقديم رؤيته المعقدة المتشابكة وتجاربه المختلفة وربما المتناقضة في آن معاً.

إن دوافع تحول الكتاب الى الرواية مختلفة، ولكن لا فرق عندي بين تحول قاص أو شاعر أو صحفي أو ناقد الى روائي. إن خوض تجربة كتابة الرواية مسألة مغرية وثرية، وتنطوي على قدر من التحدي، وتتطلب جهداً كبيراً من العمل على بناء معمار أدبي متعدد الاطياف والعوالم والامكنة والقضايا والشخصيات والازمنة. والسؤال عن الاسباب والنتائج يبدو مثل جدل بيزنطي في حلقة مفرغة، فالسؤال إذا ما كان انتشار وسائل الطباعة ، وكثرة الجوائز الروائية، والرغبة في الشهرة، أو تحقيق عائد مادي، أو غيرها هي التي أدت الى انتشار الرواية عالمياً واحتلالها مكانة الصدارة، أو أن العكس هو الصحيح، أي أن انتشار الرغبة في كتابة تجربة الحياة في شكل رواية في هذا العصر الذي يشجع الذاتية والفردية وبالتالي اتساع الرغبة لدى الكتاب في خوض التجربة هو الذي مهد الى انتشار طباعتها وتسويقها وكثرة جوائزها وشهرتها ليس من السهولة الاجابة عليه، ولكن ما يهمنا هو المحصلة، وهي أن تحول الادب العالمي للرواية صار حقيقة واقعة وحتمية، وهي في النهاية مسكونة بهمّ إعادة اكتشاف الوعي والبحث عن الخلود في الرواية، كما كان يبحث شكسبير عن الخلود في سونيتاته، أمام قوى الموت والطبيعة المتقلبة، أو كما قال جوزيف كونراد "الذي يجعل الجنس البشري مأساوياً ليس كونه ضحية الطبيعة، بل كونه واعياً بها" (8).

الهوامش:
1- الشعر ومزاياه (مقدمة الجزء الثاني في ديوان ابراهيم شكري، 1913)، عباس محمود العقاد، مطالعات في الكتب والحياة، الطبعة الرابعة، دار المعارف، 1987، القاهرة.


2- المصدر السابق

3- المصدر السابق

4- الخيال والمخيلة، فن القصة وجهة نظر وتجربة، عدي مدانات، الطبعة الاولى، الاهلية للنشر والتوزيع، 2010، عمان

5- The Novel Today, Allan Massie, Longman House, 1990, Essex, England.

6- Beyond the Words: Eleven Writers in Search of a New Fiction, Giles Gordon, ed, Hutchinson, 1975, London.

7- The Novel Today, Contemporary Writers on Modern Fiction, Malcolm Bradbury, Alden Press,1977, Oxford

8- Joseph Conrad: Third World Perspectives, Robert D. Hamner, Three Continents press, 1990, Washington DC

الجمعة، يوليو 1

بانوراما واقعية لأزماتنا المعاصرة



قراءة في مجموعة "المستهدف" لجمال ناجي

بانوراما واقعية لأزماتنا المعاصرة

اياد نصار

*نشرت في الملحق الثقافي بجريدة الرأي الأردنية يوم الجمعة 1/7/2011
 في هذه الايام التي يشهد العالم فيها طفرة غير مسبوقة في كتابة الرواية، ونشرها، والاحتفاء بها، تثبت القصة القصيرة أنها تظل ذات جاذبية وحيوية وتجدد، تغري كتابها بالعودة اليها. ورغم قصرها إلا أنها ملكة الرشاقة التي تختبر موهبة القص لدى الكاتب. والقصة ليست مجرد حكاية، بل هي ابداع فني كامل من تقديم خلاصة تجربة الحياة وتحليل الشخصية ورسم معالم اللوحة الانسانية في تفاعلها الذي ينطوي على المفارقات والدهشة، بلغة مكثفة موحية، تنعكس على القارىء في هيئة متعة فنية وفكرية، واكتساب خبرة، وازدياد وعي، ومعايشة لحظات من تأملٍ في معاني الحياة التي لا تنضب.

وهكذا يعود الروائي والقاص جمال ناجي الذي وضع بصمته على صعيد الابداع السردي في الاردن والعالم العربي مرة أخرى الى القصة القصيرة، بعد أن قدّم لها ثلاث مجموعات هي "رجل خالي الذهن"، و"رجل بلا تفاصيل"، و"ما جرى يوم الخميس" ليضيف مجموعة جميلة أخرى هي "المستهدف" التي صدرت عن دار فضاءات. تشكل المجموعة حلقة أخرى في مشروع ناجي الذي يحمل رؤاه الفكرية والانسانية منذ أن بدأ مشواره قبل ما يزيد على ثلاثين عاماً حين كتب روايته المدهشة "الطريق الى بلحارث" التي لفتت الانظار اليه منذ بواكير كتاباته، ونال عنها جائزة رابطة الكتاب الاردنيين مبكراً، وحتى روايته الاخيرة "عندما تشيخ الذئاب" التي حققت حضورا لافتاً محلياً وعربياً، ووصلت نهائيات الجائزة العالمية للرواية العربية في العام 2010.

يتميز جمال ناجي أنه حين يكتب القصة يخلع عنه رداء الرواية، ويلقي بأدواتها وأجوائها وأساليبها جانباً، ويتقمص القصة لغة وروحاً وأسلوباً. يتقن ناجي فن التنقل والابحار بين الرواية والقصة، كربّان يعرف مراكبه وأدواته التي لا يخطىء متى يستخدم أياً منها. تؤكد المجموعة أن ناجي قاص متمرس له أسلوبه الذي يميز عالمه القصصي.

تطرح المجموعة الجديدة طيفاً متعدداً من اشكاليات الحياة الاجتماعية والنفسية التي صارت سمة الحياة المعاصرة، في إطار واقعي ناعم يحافظ على جماليات البناء ولغة السرد، وتعبر عن التفاتات نبيهة بعين القاص الحاذقة، وتفتح أفق القارىء على معان جديدة للاشياء والمواقف من حوله، وتجسد الصراعات، وامتزاج الحقائق بالاوهام، ونكوص الوعي المتمثل في ارتداد الانسان الى الخرافة والتصورات الشعبية في تحليل الدوافع ومواجهة التحديات. وشخصياته في أغلب قصصه واقعية تنتمي الى الطبقة المتوسطة.

تقدم قصص المجموعة في مجملها لوحة بانورامية لمظاهر أزمات الانسان والهموم اليومية للحياة في المدينة التي تورث القلق وغياب التواصل الانساني وفقدان الحب. وتمتاز، ككل قصص ناجي، بالحفر في الهواجس النفسية للشخصيات التي تعيش لحظات الخوف والترقب، فينقل هذه الاجواء المشحونة بالتوتر الى القارىء الذي يشعر بمدى التوجس المسيطر على الشخصية.

تعكس بعض القصص جوانب معاصرة من أنماط حياة الناس في عمان، وتقيم مقارنات تشتمل على مفارقات بين قاع المدينة وغربها لتشير الى تغير عادات الناس تحت ضغوطات النفاق والتمسك الشكلي بالمفاهيم وتبدل استراتيجيات العيش، مثلما تعكس التغير في أنماط التدين الاجتماعي حيث عمل الخير يصبح مصدر همٍّ وقلق لا بد من القيام به بطريقة نزقة تكشف عن كثير من طرق الخداع كما في قصة "لهاث ليلة العيد".

في كل قصص ناجي هناك عنصر التشويق الآسر الذي لا يتخلى عنه الكاتب وصار سمة أسلوبه. كما يبتعد عن التهويمات اللغوية، أو الاسهاب في الوصف، أو في رسم معالم المشهد الى وضع القارىء في قلب الحدث مباشرة، وخلق الايحاء بالجو العام من خلال لغة مكثفة موجزة. قصة جمال ناجي تحكي أكثر مما تصف، وتتحاور مع شخصياتها وقارئها أكثر مما تغرقه في التأملات التي تفتقر الى الحدث. "المستهدف" توظف الحوار والتشويق والشخصيات التي نرى فيها أنفسنا لتفتح لنا نافذة لفهم دواخلنا.

ترسم قصة ناجي ملامح الشخصية مركزاً على ابراز الجانب النفسي المعنوي في صفاتها من خلال حيوية الوصف المعبر والموجز في الوقت نفسه، والذي يبتعد عن الاغراق في رسم الملامح الخارجية، اذا لم تكن هذه الملاح تضيف شيئاً ذا معنى عن طبيعة الشخصية ودوافع تصرفاتها ونوازعها. جاء في قصة صديقي الأحمر: "فقسمات وجهه المكللة بملامح براءة أصيلة، تؤكد على نقاء سريرته... من يدقّق في أعماقه التي تطفو على قسماته، لا بد له من أن يشعر بوجود مؤامرة ما ضده، جسدية أو نفسية، لكنها نابعة من كيانه هو، وتهدف، ربما، الى استلاب خاصية الحياة من بدنه".

لعل من أهم ما يميز أدب جمال ناجي هو التركيز على القضايا المرتبطة بتحرر الانسان من ربقة القيم الموروثة والتصورات، لكنه في الوقت الذي لا تنسى فيه المجموعة طرح قضايا المرأة كونها جزءاً من قضايا المجتمع، فإنها لا تدب الصوت في طرح قضايا النسوية لأنها ليست بمعزل عن وقوع الانسان ضحية للقيم الاجتماعية، ومن هنا تجد في قصصه اضطهاد المرأة للمرأة وخلافاتهما ومناكفاتهما.

تستهل المجموعة بقصة "الكحلاء" التي تختزل مخاوف الانسان وهواجسه وصراعاته الباطنية في حكاية نبتة لطيفة وادعة. تجسد "الكحلاء" ترسبات تجاربنا الفاشلة التي تأسرنا فنظل نعيش أوهام البؤس، وحين نتحرر منها ونقلع عن شتاء الحياة الى صيفها تموت الكحلاء. تفتتح المجموعة بموضوعة الموت، وتلجأ الى تجسيد المفاهيم التجريدية التي تتلبسنا بعض الاحيان في تكوينات مادية مرعبة تظهر مدى براعة القاص في التعبير عن الاجواء واعطاء الافكار بعداً ملموساً. وتختتم بقصة ذات نزعة صوفية حول معنى الموت أيضاً. إنها قصة رجل يتأمل أمواج البحر، فيثير منظر نورس يقع ميتاً على الصخور شهية الراوي على الاسئلة الوجودية في معاني الموت وجدوى الحياة وعبثيتها. تكمن أهمية القصة في توظيف المستوى الرمزي للحدث واسقاطه على مصير الانسان، وهكذا يتحول مشهد دفن النورس الجنائزي الى احساس الراوي بالموت وأن المكان صار قبره هو.

تبرز في المجموعة اللغة القصصية المؤثرة والمنسابة بكل سلاسة. في قصة "الموت شخصياً" يحتال رجل عجوز على الموت، فيراه في كل شيء حوله، وفي كل صوت يسمعه. قصة تضع قارئها في خضم مشاعر الخوف، حتى يموت الانسان قبل الموت. إنها قصة نفسية بالغة التأثير بفضل الجو المشحون المثقل بالترقب والاساطير التي تملأ دواخلنا. "سار نحو غرفة نومه، استلقى على سريره، فأحس بحركة جسم غير مرئي في الغرفة، أدار عينيه باحثاً عن ذلك الجسم الذي لم يره". توظف القصة الاحساس والرائحة والاصوات والريح وكائنات الليل ـ وكما يقول الراوي "للاشياء روائحها ومنطقها وتوقيت دخولها".

تلجأ قصص "المستهدف" الى الرمز على نحو مكثف لاعطاء بعد أكثر عمقاً فلسفياً للمعنى، يقول الصوت في قصة الحلاق: "هو الوحيد الذي اسلمه رأسي من دون كل الناس ما يدل أن سلطته وسطوته أكبر مما اعتقدت"، كما توظف البعد الاجتماعي لاستخدامات اللغة الشعبية في فهم نوازع البشر وتحليل شخصياتهم. في أغلب قصصه، يوظف ناجي السخرية اللماحة والكوميديا على لسان الراوي في وصف شخصياته أو اثناء الحوار للفت انتباه القارىء الى الجوانب التي يحفزه لادراكها. ويوظف النهايات الغامضة المفتوحة لدفع القارىء الى التفكير ملياً في دوافع البشر الخفية التي تحكم تصرفاتهم الظاهرة كما في قصة "زيارة متأخرة". قصص ناجي من النوع السهل الممتنع التي لا تعرف الملل والاسهاب والزوائد اللفظية، وتحترم ذكاء القارىء في تقديم حبكة تسير كل تفاصيلها في اتجاه الموضوع الاساس. وبهذا المعنى لا يفقد ناجي زمام السرد من يديه، فلا تحس في لحظة أنه ابتعد عن فضاء القصة.

تدين المجموعة ممارسات الاضطهاد على اختلاف مستوياتها السياسية والاجتماعية، مثلما تنتقد الانتهازية السياسية التي حولت العمل الوطني الى مصدر للتكسب. وتتناول المجموعة بشيء من السخرية هذا النموذج الذي يقف بشراسة أمام قمع السلطة في حين أنه يمارس أبشع أنواع الاذلال لمن حوله.

يميل جمال ناجي الى استخدام ضمير الأنا المتكلم في معظم قصصه، ففي قصتين فقط يسرد الراوي الاحداث بضمير الغائب. يخلق ضمير المتكلم احساساً بمدى الصدق، وفي الوقت نفسه يعكس براءة التجربة أو سذاجتها أو سخريتها.

تتناول قصة "المستهدف" أزمة رجل يجد نفسه ضحية غريزة نسائية من نوع غريب بين سذاجة الام النابعة من حنانها، ودهاء الزوجة النابع من خبرتها ليكتشف أن هذه الغريزة الخطيرة في المرأة هي سبب احساسه بأهميته وهامشيته في آن معاً. تختبر القصة النظرة المتبادلة بين الام والابن، وتعزز مفهوم فجوة الاجيال. قصة "المستهدف" مثال على مفهوم تعدد الابعاد في القصة الواحدة لدى جمال ناجي. في "المستهدف"، تنتقل القصة الى مستوى أعلى من الفهم الذي يفتح وعي القارىء على حقائق الحياة غير الظاهرة، إن خضوع البطل لرغبات أمه في لبس ملابس اخوته مرده الرغبة في النضوج سريعاً، وهكذا تبدو رغبة الانسان في تجاوز مراحل التجربة الانسانية سخيفة وغير مضمونة. "هنا ، هنا بالذات، تصيب مقتلاً في نفسي، فقد كنت في عجلة من أمري، اريد ان أكبر بسرعة، ويبدو أنها أدركت الرغبة الملحة لدي فاستثمرتها لاقناعي بقبول ما يصعب القبول به من ثياب اخوتي الكبار". ثم تنتقل القصة مع القارىء الى مستويات أخرى لتطرح مفهوم غريزة الاحتفاظ بالاشياء القديمة لدى النساء، وتأتي نهاية القصة وكما هي نهايات قصص ناجي مثقلة بعناصر الدهشة والمفاجأة وكشف الرؤية ليدرك الراوي البطل أن هذه الغريزة هي سبب الاحتفاظ به كزوج رغم أنه لم يعد نافعاً!

يوظف ناجي الكثير من تقنيات القصة مثل عنصر المفاجأة، والسخرية أثناء السرد أو الوصف، وخلق جو من الغموض الذي يتكشف تدريجيا للقارىء، ولجوء الشخصية الى وضع الاقنعة وإدعاء البطولة، والحديث الى مرآة الشخصية ونقيضها، فكأن البطل يتحدث الى ذاته الأخرى كما في قصة "صديقي الأحمر"، والجمل السريعة الملونة بظلال المعاني الفلسفية والنفسية الخاطفة، والسذاجة الظاهرية للشخصية في سبيل نقد الافكار التي تمثلها.

تواكب قصص ناجي عالم الاتصال الحديث والعوالم الالكترونية لتعكس التغيرات التي أصابت السلوك الانساني وتعكس صدمة الانسان أمام تغيرات المفاهيم الحياتية، الموت بالنسبة للام في قصة "طموح محلي" هو تأخير زمني لا طائل منه، وبالنسبة لابنها هو خسارة لعبة التحدي التي تمنحه ثلاث فرص، وبالنسبة للحمّال فهو جريمة بلا رحمة لا بأس من أن يستغله لتحقيق مآرب شخصية.

رابط المقالة بجريدة الرأي

رابط الصفحة الكاملة


عصر ورشات الابداع


الكتاب الفائز بجائزة ترومان كابوت للنقد الأدبي لعام 2011

عصر ورشات الابداع: السرد بعد الحرب العالمية الثانية ونهضة الكتابة الابداعية

ما سر العلاقة بين تطور الابداع الادبي وممارسات التعليم العالي

اياد نصار
* نشرت في ملحق شرفات ثقافية في جريدة الدستور الأردنية بتاريخ 24/6/2011
فاز هذا الكتاب بواحدة من أرفع جوائز النقد الأدبي، في العالم، وهي جائزة ترومان كابوت للنقد الأدبي لعام 2011. وقد اختارته ـ في شهر نيسان، من هذا العام ـ لجنة من النقاد والمحكمين المرموقين ليحظى بالجائزة البالغة قيمتها ثلاثون ألف دولار. ومن المعروف أن الجائزة تمنح، سنوياً، منذ عام 1996، لأهم كتاب صدر في الأعوام الأربعة الأخيرة في مجال الدراسات النقدية، بناءً على وصية الناقد الأميركي، ترومان كابوت، الذي أوصى باستحداث الجائزة تخليداً لذكرى صديقه الناقد نيوتن آرفن، أستاذ النقد المتخصص بأدب القرن التاسع عشر، الذي عمل بالتدريس ثمانية وثلاثين عاماً، وفقد وظيفته في عام 1960، حينما تم الكشف عن ميوله المثلية. وتتولى جامعة أيوا الإشراف على إدارة الجائزة. وضمت لجنة التحكيم، هذا العام، نخبة من النقاد والكتاب المعروفين، وهم: تيري كاسل، وجاريت ستيوارت، ومايكل وود، وجون كيريجان، وإيلين سكاري، وإيلين شووالتر.

حصل المؤلف الناقد وأستاذ الأدب الأميركي في القرن العشرين، مارك ماك جيرل على شهادة البكالوريوس من جامعة هارفرد، وعلى الدكتوراة في الأدب المقارن من جامعة جونز هوبكنز، ويعمل أستاذاً مشاركاً للأدب الأميركي في جامعة كاليفورنيا، في لوس أنجليس، وقد نال مِنحاً وجوائز عدة تقديراً لأبحاثه.

صدر الكتاب، الذي يقع في 480 صفحة، عام 2009، عن مطبعة جامعة هارفرد، ولقي ـ منذ صدوره ـ اهتماماً كبيراً في الأوساط النقدية، وحظي بكتابات كثيرة حوله وحول جدّته، وإضافته التي أغنى بها حقل الدراسات النقدية، في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة.

يتبنى الكتاب نظرية تقول إن ازدهار برامج الكتابة الإبداعية، أو ورشاتها، يمثل أهم حدث، على الإطلاق، في التاريخ الأدبي الأميركي ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإن إيلاء الاهتمام إلى العلاقة وثيقة الصلة، بين الإنتاج الأدبي وممارسات التعليم العالي هو المفتاح لفهم أصالة الأدب الأميركي، بعد الحرب. أشار المؤلف، في مطلع الكتاب، إلى أن الأدب الأميركي واسع وغزيز، ولذلك فقد ركز على الجانب السردي منه، ولكن ما ينطبق على السرد ينطبق ـ برأيه ـ على الأنواع الأخرى، كافة؛ كالشعر.

يؤكد المؤلف أن برامج الكتابة ـ بعكس ما يقال عن تراجع في مستوى الأدب الأميركي، أو الاهتمام به ـ قد أوجدت طيفاً واسعاً ومعقداً من القضايا الجمالية، التي تم استكشافها ـ بدأب ـ من قبل مجموعة كبيرة من الكتاب الذين كانوا، ذات يوم، مدرسين أو تلاميذ، في هذه البرامج، من مثل: فلانري أوكونر، وفلاديمير نابكوف، وفيليب روث، وريموند كارفر، وجويس كارول أوتيس، وتوني موريسون، وجورج سوندرز، وتوماس باينشون، وغيرهم.

إن القضية الأكثر أهمية، التي واجهت السرد الأميركي بعد الحرب الثانية، كانت في توظيف مبادئ الكتابة الحداثية، التي تطورت ـ في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خارج المؤسسة الأكاديمية ـ في الميدان الأدبي، الذي بدا واضحاً خضوعه، وعلى نحو متزايد، لمؤسسات التعليم العالي، البيروقراطية.

وعلى عكس النظرة الشعبية، التي تقرن المؤسسات، خاصة التعليمية، بالصرامة والتشدد والتأطير، وكأنها تقتل الإبداع، فإن المؤلف يبدي ترحيبه بدور المؤسسات في تطوير الأدب. ويسعى الكتاب إلى تمكين القارئ من بلوغ فهم أعمق، وأكثر تعاطفاً مع دور المؤسسات التعليمية، التي حاولت أن تكون داعمة للفردية والإبداع.

يشير الكتاب إلى تجارب كثير من المؤلفين لتأييد الافتراضات حول علاقة المؤسسات التعليمية بالأدب، ويهتم ببحث الأسباب والأفكار التي جعلت من موضوع تعليم الكتابة شيئاً جيداً وايجابياً، بالنسبة للأدب. ويذكر المؤلف أنه بذل جهداً هائلاً للغاية في سبيل كتابة هذا الكتاب، ويتمثل في مراجعة كل برامج الكتابة الإبداعية، التي ظهرت، والذين التحقوا بها من مدرسين وتلاميذ، كما كان عليه قراءة الكثير من الروايات الأميركية المشهورة والمغمورة، إلى الحد الذي يسمح له باطلاق تعميمات مقبولة. كما يشتمل الكتاب على بعض الرسوم التوضيحية الخاصة بالعلاقة بين التجربة والخبرة والإبداع والموهبة والحرفة.

يقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء رئيسة، ومقدمة بعنوان «قاعات المرآة»، وخاتمة بعنوان «التميز النظامي». يركز الجزء الأول، الذي حمل عنوان «اكتب ما تعرف/ اعرض ولا تصرّح ـ 1890- 1960»، على العلاقة بين الحداثة والتعليم التقدمي والكتابة الإبداعية، ويتناول السرد الأميركي خلال هذه الفترة التي اتسمت بالدعوة إلى الاعتماد على التجارب الذاتية، في الكتابة، وقسّمه المؤلف إلى بابين: طرح في الباب الأول مفهوم إرساء تقاليد لاتقليدية، حيث سعى المربّون الأميركيون، في عشرينيات القرن الماضي، إلى إرساء تقاليد جديدة للمدرسة الحديثة تخرج عن التقاليد السائدة، وهكذا تم تأسيس التعليم على قيم حب الفضول والأصالة والإبداع. وبرز خلال تلك الفترة دور الموهبة، حيث انتشر الرأي بأنه لا يمكن صنع فنان من أي رجل إذا لم يكن لديه موهبة عبقرية، في الأساس. ويشير الباب الأول إلى ما يسميه المؤلف «وليم شكسبير الذاتي»، والذي اشتقه من عبارة الروائي الأميركي توماس وولف، التي قال فيها: «انهض يا شكسبيري النائم»، مخاطباً ملكة الإبداع، لديه، لكي تبرز. ومن هذا المنظور، ولدت كلمة «ورشة» أو «برنامج» تعليم الكتابة الإبداعية خلال هذه الفترة.

يتطرق المؤلف، في الباب الثاني، إلى برنامج جامعة أيوا للكتابة الإبداعية، ويرى أن ظهور البرنامج يمثل حالة عملية للدراسة على الصراع الجدلي للمتناقضات؛ ففي حين أن منح درجات علمية في الكتابة كان تعبيراً عن الترحيب بالتوجه إلى الإبداع، من قبل جامعات تقدمية ترغب في توسيع حدود التعليم الأكاديمي، فقد صار الإبداع الذي يكتبه طلاب هذه الورشات، خاضعاً للتمحيص والتدقيق والنقد والمراجعة. وإذا كان هناك من إيجابية لهذه الورشات التي تشجع الكتابة من واقع تجارب الكاتب ومعارفه الذاتية، فإنها قدمت، أيضاً، نماذج وعينات من كتابات آخرين للاستفادة منها.

يغطي الجزء الثاني الفترة من عام 1960 حتى عام 1975، وهو بعنوان «ابحث عن صوتك»، ويتناول تحولات صوت الراوي، في السرد، وتأثير ذلك في اكتشاف أدب الأقليات. ويتكون هذا الجزء من بابين، أيضاً. يبحث الأول منهما في الكتابة الإبداعية في النظام المفتوح، وأما الثاني فيتناول الاتجاه الذي يجعل من الصوت مركز العمل، أو البحث عن صوت راوي القصة. كان السؤال المطروح، أيضاً، في تلك الفترة، هو: كيف يمكن للناس الالتقاء معاً، في تجمع حميم الصلة، وأن يظلوا أحراراً في التعبير عن ذواتهم؟ فكانت الإجابة هي: إقامة علاقات مؤسسية تقوم على نموذج السوق الحر. وهكذا أخذت الجامعات الأميركية تنظم كيانها المؤسسي، من الداخل، وتنفتح على البيئة الخارجية، وتتجاوب مع احتياجات الاقتصاد والصناعة والمجتمع، ما يعكس نموذج السوق الحر. كما حظي الجسم الطلابي، في الجامعات، بدعم حكومي تمثل في المنح والمساعدات والقروض للطلاب، وانعكس الاهتمام بالتعليم وتوسيع مظلته على زيادة الدور المؤثر، الذي تلعبه الجامعات في تكوين الثقافة الأميركية، كما انعكس الاهتمام بصورة فتح ورشات جديدة للكتابة الإبداعية في الجامعات.

يحمل الجزء الثالث عنوان «الكتابة الإبداعية 1975 ـ 2008»، ويتكون من ثلاثة أبواب. يتناول أولها العلاقة بين التعليم العالي الجماهيري وحداثة الطبقة الوسطى الدنيا، وثانيها يتناول الفن والجامعة، وثالثها يعالج البرنامج في المنظور الكوني. ويقدم المؤلف تأملات في معنى الإبداع المؤسسي المنظم، وهي فكرة كانت تعد، حتى وقت قريب، متناقضة مع فكرة الإبداع نفسها، ولكنها صارت ـ الآن ـ محورية بالنسبة للإنتاج الثقافي؛ سواء داخل الجامعة أم خارج حدودها. ويبين الكاتب أن رعاية الجامعة قد أعادت تنظيم الأدب الأميركي، وأن زيادة الصلة الوثيقة بين الكتابة والتعليم قد انعكست على صعيد انتشار الأدب ومقروئيته.

ذكر الناقد وأستاذ الأدب الإنجليزي، في جامعة بنسلفانيا، جيمس إنغلش، أن كتاب ماك جيرل «يغير ـ وإلى الأبد ـ النظرة التي كان ينظر بها المرء إلى تاريخ الأدب الأميركي، في مرحلة ما، ولذلك فهو جدير بالثناء». وقالت الكاتبة جينيفر هوارد إن «ماك جيرل يقوم بسلسلة من المناورات النقدية والتفسيرية المعقدة، في كتابه ’عصر البرامج‘، ويصف ـ بإسهاب ـ كيف أن مؤسسية الكتابة الإبداعية قد غيرت الظروف التي يتم فيها إنتاج الأدب الأميركي، وكيف أن ذلك قد غير مرحلة الأدب، من عصر الناقد عزرا باوند إلى عصر البرامج».

من ضمن التقاليد التي ترسخت في برامج الكتابة الإبداعية، في الأربعينيات والخمسينيات، والتي تعلمتها روائية مثل فلانري أوكونر، كان مبدأ الايحاء دون التصريح، وأن على الكاتب أن يقبع خلف مسرح أحداث القصص التي يكتبها، وأن أفضل أسلوب للسرد هو استخدام ضمير الغائب، أو الضمير الثالث، في سرد درامي متتابع للمشاهد القصصية، وكان ذلك الأسلوب يتضمن ـ كذلك ـ توظيف الحوار بكثافة، والدخول إلى عالم النفس الداخلي للشخصيات وتحليلها. غير أن رواية فيليب روث «شكوى بورتنوي» (1969) تحطم كل هذه التقاليد. ويسرد الراوي الأحداث من بعد أعلى، وهو ما يسميه المؤلف «الضمير الرابع»، والذي يتسم بكثرة استخدام علامات التعجب والحروف الكبيرة وتمثيل الأصوات.

كان ظهور الضمير الرابع نقطة تطور، في السرد الأميركي، أدت إلى تركيز الاهتمام من النص إلى إمكانيات توظيف صوت الراوي. كانت الدعوة إلى اكتشاف صوت الطالب، وتوظيف تجاربه الشخصية عاملاً ساهم في إعادة اكتشاف التراث الهندي الأميركي، وتقديمه في الأدب، كما شجع الكتاب الأميركيين ذوي الأصول الأخرى، كالآسيوية والأفريقية، في اكتشاف تراثهم.

تشير الأرقام إلى أن برامج الكتابة الإبداعية وورشاتها قد نمت، وتطورت إلى حد كبير، في النصف الثاني من القرن العشرين. فأول هذه البرامج، وأهمها هو ورشة جامعة أيوا، التي بدأت في عام 1936، وكانت أيوا أول جامعة أمريكية تمنح درجة أكاديمية في الكتابة الإبداعية، ومن ثم تبعتها جامعة كورنيل، وجامعة هيوستون. وفي عام 1975 كان هناك 52 برنامجاً للكتابة تمنح درجات جامعية، وفي عام 2004 بلغت ما يزيد على 300 برنامج، وتشير الأرقام ـ الآن ـ إلى أن هناك ما يزيد عن 500 مؤسسة تقدم هذه البرامج. ويمكن القول إن أحد أكثر المجالات نمواً، في التعليم العالي الأميركي، هذه الأيام، هو الكتابة الإبداعية.

يورد ماك جيرل التحولات التي تطرأ على إحساس المشارك في ورشة الكتابة، فنظام الورشة يقتضي من كل طالب أن يقدم قطعة، من كتابته الخاصة، للمراجعة وللنقد العام من الأخرين، ومن ثم التصحيح من قبل زملائه، ومحاضر يلعب دور الحكم. تقلل المراجعة من مخاطر الإحساس بالخجل، حيث لا يوجد أحكام نهائية، والكتابة في حالة تشكل دائم، وهذا من شأنه التغلب على الإحساس بعدم قيمة الأشياء إلى إحساس بالنزوع إلى ما يشبه بلوغ العبقرية، وهذه هي روح تجربة حضور ورشة الكتابة.

وإذا كانت عملية البحث، في الجامعة، تخنق الطالب بالحقائق والإجراءات، فإن التأثير الكارزمي، لوجود فنان في داخل غرفة الصف، يبعث على الإلهام، ويبعث الرغبة في التقليد. وإذا كانت الكلية تعلي، عادة، من قيمة البحث العلمي، والنقد، وإخضاع السرد الروائي للمراجعة القاسية، فإنه من الضروري حماية هالة الأدب، والسعي إلى استكشاف الأسرار الغامضة للعملية الإبداعية، دون كشفها.

ومن ناحية أخرى، فإن وجود كاتب مبدع، في الورشة، من شأنه أن يحمل قيم السوق والمنافسة إلى فضاء الكلية الأكاديمي، البعيد عن قوى السوق التجارية. يحمل الروائيون المشهورون، معهم، بريق النجاح في عالم حقيقي قاس من المنافسة لا يعرفه عالم الأساتذة ذو البرج العاجي. وفي الوقت ذاته يدرك الطلبة مدى المعاناة التي يتحملها الكاتب المبدع، من قوى السوق المادية، وخاصة في ظروف عدم الاستقرار المالي، أو عدم الحصول على دخل كاف، وما يكتنف الكتابة من مخاطرة، ما من شأنه أن يحفز الطلبة كي يدركوا أنه لا ينبغي التفكير في الأمان الوظيفي إذا ما أرادوا اختيار الكتابة طريقاً لمستقبلهم.

كتب الروائي الأميركي، الروسي الأصل، فلاديمير نابوكوف، إلى صديقه إدموند ويلسون، وهو يتوق بشكل كبير للعودة إلى العمل على روايته، بدلاً من القيام بواجباته التدريسية، في جامعة كورنيل: «لقد سئمت التدريس، سئمت التدريس، سئمت التدريس». تعكس أمنية نابوكوف رغبة دفينة لم يكن قادراً على تنفيذها، حيث بقي متمسكاً ـ طيلة حياته ـ بكل الوظائف التدريسية، مهما كانت ظروفها، لكنها تكشف عن رغبته في التحرر من سجن الصف الدراسي إلى عالم الحرية النرجسي، للتعبير الفني.

وحالة نابوكوف تمثل دليلاً على المفارقة بين صرامة المؤسسة التعليمية الأميركية، التي لا تحفل بمعاناة المبدعين المهاجرين، بل تبقى رهينة متطلبات الميزانيات والبيروقراطية والديموغرافيا، ولكنها ـ من جهة أخرى ـ تمنح الرؤية لتحقيق الذات من خلال التعلم. كما شهدت تلك الفترة تحول كثير من الكتاب، من مثل: بول أنجل، ووالاس ستيغنر، وإليوت كولمان، وباكستر هاثاواي، من كتّاب إلى أساتذة للكتابة يتلقون رواتب.

قدم المؤلف عددًا من المبادئ والافتراضات والمصطلحات النقدية الجديدة، التي توصل إليها. وقد ذكر أن الاقتصاد الأميركي قد تطور إلى ما سماه بعض الأدباء «اقتصاد الخبرة»، وهو البديل الأصح من مصطلح «اقتصاد المعرفة»، الذي أصبحت فيه الرواية «سلعة خبراتية»، نسبة إلى خبرة الكاتب، التي تتحدد قيمتها ـ بالنسبة لقرائها ـ بجهد مؤلفها، الذي وضعه في تأليفها، وليس بالقيمة الاقتصادية لمكوناتها التي صنعت منها.

يلخص الكاتب مسيرة السرد الأميركي، بعد الحرب العالمية الثانية، في جدول توضيحي يظهر فيه أن وليم فوكنر وجيمس جويس كانا يمثلان العبقرية، في توجهاتهما الحداثية بأشد صورها، بينما كان هنري جيمس وهيمنجواي يمثلان المهنية والحرفية، ولكن كلا التيارين قد انتهيا في حضن المؤسسية التي مثلتها الجامعات وبرامجها في الكتابة الإبداعية، ومنها ظهرت ثلاثة تيارات رئيسة، هي: تيار الحداثة التقنية، التي يمثلها الروائي توماس باينشون والقاص والروائي جون بارث؛ وتيار التعددية الثقافية والاحتفاء بالإثنية، ويمثله الروائية توني موريسون والروائي فيليب روث؛ وتيار حداثة الطبقة الوسطى الدنيا، ويمثلها القاصة والروائية جويس كارول أوتيس والقاص ريموند كارفر.

رابط المقالة بجريدة الدستور

رابط الصفحة الكاملة

الأربعاء، يونيو 22

قراءة للبطل في "الخيط الأسود" لجمال القيسي


قراءة للبطل في "الخيط الاسود" لجمال القيسي


* نشرت في جريدة النهار يوم الاربعاء 22/6/2011

تنقسم رواية جمال القيسي، "الخيط الأسود"، أربعة أجزاء هي: "صوت"، "صدى"، "صوت" و"آخر الصدى"، ويشتمل كل منها على فصول قصيرة، وتتميز بتعدد الرواة، حيث يسرد الرواية راوٍ رئيسي بصيغة الغائب العليم، بالإضافة إلى السرد على لسان اثنين بصيغة الأنا: البطل واصل ، والشيخ يوسف، صديقه وابن حارته. تعتمد الرواية على أسلوب تداخل الزمنَين الماضي والحاضر، واستدعاء الذكريات، ونلمح أنها تدخل عالم الشباب المتدين، وتطرح صراعات الجماعات والأحزاب الإسلامية، ومشكلاتها من الداخل. يروي الجزء الأول من الرواية الصادرة عن "الدار العربية للعلوم" في بيروت، والدار الأهلية في عمان، قصة الشيخ يوسف وأسرته. ويظهر البطل واصل صبيا صغيرا يحضر جلسات صديقه الشاب، بينما تسرد الأجزاء الثلاثة الأخرى سيرة حياة واصل، وتفاصيل طفولته ودراسته في المدرسة، ورحيل والده، وسفر أخيه إلى روسيا لدراسة الطب، وجو المناكفة بينهما، وكل ما يتصل بعد ذلك بتحولاته الفكرية وانتماءاته الحزبية. تُبرز الرواية سيرة حياة بطلها كجزء من التغيرات التي طرأت على المجتمع الأردني، وذلك من خلال علاقاته، وصداقاته، ومناكفاته، وانتماءاته الدينية، وتقلباته من جماعة "الإخوان المسلمين" إلى حزب التحرير، إلى طلاقه النهائي لهما وهو كبير، وقد نضجت تجربته واستقرت اقتناعاته على ضوء ما شاهده من التباين بين التنظير والممارسة، وبين الحقائق والواقع.


تؤسس الرواية مسرح أحداثها عبر المكان والزمان، من خلال تطور حبكتها، وتفاعلات شخصياتها منذ بداية الثمانينات، حينما كان واصل فتىً في الرابعة عشرة، حتى وقتنا الحاضر، حيث صار كبيراً ولديه عائلة. وينتقل مسرح الأحداث من منطقة سحاب قبالة المقبرة الإسلامية، حيث يسكن الشيخ يوسف، وحي الشعيلية في شارع مأدبا، حيث يعيش واصل في بداية الرواية، إلى المدينة الرياضية حيث تنتهي الرواية بمشهد واصل جالساً على شرفة منزله، غارقاً في تأمل حصاد تجربة حياته بحلوها القليل ومرها الكثير.


يشكل استغلال الدين منذ الصغر نقطة خلاف جوهرية بين واصل ويوسف برغم علاقتهما الوطيدة، ويصبح مفتاحاً لفهم شخصيته. يلمح الشيخ جبريل منذ البدء عقل واصل النابه الشرود، مما يؤدي إلى اقصائه من المشاركة. لم يكن السؤال غير عادي، إلا أن الموقف برمته ينطوي على نقد ثقافة دينية لا تسمح بالاختلاف معها. وبرغم أن الرواية لا تنطوي على أحداث مأسوية أو مواقف كبيرة غير متوقعة، وبرغم مألوف شخصياتها وأحداثها، إلا أنها تشد القارئ بلغتها وأجوائها التي تثير النوستالجيا لكونها ترصد الكثير من ملامح الحياة في عمان قبل ثلاثة عقود، حينما كان بريد سكان الحي يوزّع عند البقالة، وحينما كانت هناك صحيفة أسبوعية اجتماعية تدعى "أخبار الأسبوع"، تخرج على خط الصحافة اليومية ذات التوجهات الرسمية، وتملأ فسحة من اهتمامات الناس الاجتماعية والأقاويل في تلك المرحلة.


تطرح الرواية مسألة استلاب الوعي لدى الشباب من جانب الجماعات الدينية قبل أن يتفتح وعيهم. ويشير الراوي إلى بداية وعي واصل بجماعة "الإخوان المسلمين" التي يشير إليها تورية باسم "الإخوان المستقلين"، وإلى وصايا مؤسسها حسن البنا الذي لا يذكره صريحاً بالاسم، بل يلمح اليه باسم الشهيد الإمام حسن. أهمل دروسه وصار يقرأ منشورات الجماعة وكتبها التي تدعو إلى أسلمة المجتمع، ما يشي بأن ما تقدمه من حلول لا يرى في الدنيا نشاطات إنسانية تستحق الاهتمام سوى الدين.


طرحت الرواية موضوع الدين بوصفه مكوّناً مهماً من مكوّنات ثقافة المجتمع الذي هيمن عليه الإسلاميون، خصوصا "الجماعة"، لفترة طويلة من الزمن تجاوزت خمسة عقود. غير أن الرواية تشير إلى تمرد البطل على الفكر الذي حاول تدجين عقله، وسخر من قراءاته المستقلة وعدّها "أشكالاً فارغة حمقاء"، وصادر انتقاداته، بل وصل الامر إلى حد تشبيهه بـ"القوارض" لقيامه بقرض الشعر. تمثل ثورة واصل نقداً للأحزاب التي تسعى إلى مصادرة حق الإنسان في التفكير الحر.


برز تطور الشخصية في حالة واصل، حيث غدا من أكثر الشخصيات جاذبية نتيجة النضج والمؤثرات التي مرّ بها. فلم يعد تلك الشخصية البسيطة المسطحة، بل تطورت تدريجياً، عاكسة التحولات التي طرأت على فكره، الذي بدأ يثور على المفاهيم التي نشأ عليها في بيئته الاجتماعية التقليدية، ويتمرد على الفكر الحركي. ولعل ما قاله له غسان الذي ينتمي إلى "حزب التغيير"، في تورية تشير إلى حزب التحرير، يعبّر عن ذلك بوضوح: "أنت لا تصلح لهم، ولا هم يصلحون لك". بدا أن تطور الشخصيات الأخرى كان بحاجة إلى اشتغال أكبر، حيث جرى تجميد شخصيات رئيسية وإبعادها عن مسار الأحداث، مثل الشيخ يوسف وشقيقه المسافر، فتحول الراوي عنهما كلياً ولم نعد نسمع عنهما شيئا، وركز على معالجة شخصية واصل حتى النهاية.


تنتقد الرواية، من خلال توظيف أسلوب المفارقة والتناقض بين القول والفعل وازدواجية معايير الرجل، الثقافة الذكورية القامعة التي يمارسها المجتمع ضد النساء. بل لعل عدم ذكر اسم الأخت الكبرى هو نوع من التهميش يمارَس ضد المرأة إلى الحد الذي تبقى معه بلا اسم أو هوية. ومما يلفت أن الرواية ليس فيها بطلة أنثى أو شخصية نسائية رئيسية! هناك البنت الكبرى لأبي سليمان (الظريفة) التي توصف بأنها جسورة وشرسة وذات حيلة، لكنها تبقى شخصية ثانوية. وهناك نيفين المصرية التي جاء زوجها للعمل في الأردن، وقد استحوذت على عقل واصل، وعقل أخيه الأكبر. وهناك شقيقة واصل الكبرى التي أنقذته من الاحتراق، وهناك فتاة المدرسة التي يدعوها "الغريبة"، في إشارة إلى توقيعها كتابها باسم "غريبة الديار". نشأ بينها وبين واصل حب مراهق نتيجة الجفاف العاطفي في بيئة قاسية، ثم لا نراها بعد ذلك إلا وهي في أواخر الأربعينات وقد تزوجت وصار عندها أولاد.


نجح القيسي في تجسيد تجارب البطل الأولى في التعرف الى الجانب الجنسي في الإنسان من خلال رصد تفاصيل العلاقة بين الفتى الصغير ونيفين الزوجة المصرية العشرينية الجميلة، التي أثارت نوازعه، فاشتعلت ثورة الجسد. كما نجح في نقل أجواء اللقاء الحميم الأول بين نيفين وواصل، الذي سمّته وهي تضمّه، "شيطاناً صغيراً".


في الجزء الأخير من الرواية تتسارع النهايات، حيث نلاحظ حرقاً للمراحل كما سمّاها الراوي، إذ يعقد مقارنات إزاء مقولات حزب "التغيير"، ما يدعو للحيرة والتشظي، كما يعبّر عن الصراع الداخلي الذي أحس به إزاء "الإخوان"، حيث يتذكر مقولة "أسلمة المجتمعات لاستعادة الحضارة"، ويتذكر قول ابن خلدون إن الحضارات إذا انطوت لا تعود.


تنتهي الرواية بفصل "ما يشبه الخريف"، وهو حصاد العمر المر. لقد استنفد البطل طاقاته في الصراعات الفكرية التي مرّ بها مع الحزبين بحثاً عن "المنهج الصحيح المؤدي إلى الحياة الفضلى". كما نرى واصل متزوجاً وقد حاصره السأم والوحشة، بعدما ولت أيام "الشباب والعنفوان والطيش".


من داخل الجزء الأخير يفسح الراوي المجال لواصل كي يسرد بنفسه عبر تداعي الذكريات خاتمة الرواية، التي تعد أجمل فصولها، بلغة تأملية مثقلة بالتلوينات النفسية والفكرية، وفيها يعرّج بالتحليل على أحداث سيرته ومصائر الآخرين الذين شاركوه التجربة ليصل إلى استيعاب دروس الحياة. وتنتهي بإدراك البطل المنكسر حقيقة وجودية مغرقة في التشاؤم.

 رابط المقالة بصحيفة النهار



ترجمة الأدب العربي: مشكلات وآفاق

ترجمة الادب العربي: مشكلات وآفاق
اياد نصار

*نشرت في جريدة الرأي الأردنية بتاريخ 17/6/2011

شهد العقدان الاخيران انعقاد عشرات الندوات والمؤتمرات واللقاءات حول ترجمة الادب العربي الى اللغات الاوروبية وخصوصاً الانجليزية، وقد كان هناك طفرة واسعة في ترجمة الاعمال الادبية من شعر وقصة قصيرة ورواية ومسرحية ونقد، ولم تقتصر اهتمامات المترجمين على الاعمال الأدبية، وإنما اجتذبتهم أيضاً المصادر والمؤلفات التراثية والدينية والجغرافية وغيرها، غير أن طفرة ازدهار الرواية عالميا انعكست على صعيد الاهتمام بالرواية العربية المعاصرة، وامتدت الى مجال ترجمتها، فانتشرت ترجمات الرواية العربية على نحو واسع.


والمترجمون هم من يقدمون أدبنا العربي الى القراء في العالم، وهم من يساهمون، وبدور لا يقل أهمية عن أدبائنا، في رسم معالم الصورة التي يحملها الآخر عنا وعن ثقافتنا. وفي هذا المجال، لعبت مطبعة الجامعة الامريكية في القاهرة، وما تزال، دوراً كبيراً في ترجمة الادب العربي الحديث ونشره. وأشيد في هذا المجال بجهود بعض المترجمين العرب الذين لقيت ترجماتهم انتشاراً واستحساناً مثل عايدة بامية، وابراهيم مهوي، وبولا حيدر، ورشيد العيناني، وسماح سليم، وأهداف سويف وغيرهم، وكانت لا تقل جودة وروحاً أدبية ابداعية عن ترجمات المترجمين الاجانب المعروفين وعلى رأسهم المترجم البريطاني "الاشهر في زماننا" كما وصفه ادوارد سعيد ذات يوم وهو دينيس جونسون ديفيز.

الترجمة لا تعني استبدال كلمة بأخرى، بل هي فن في الأساس. فن في ابراز جوهر الابداع ، وفن في اقامة علاقة انسانية مع صاحب العمل يستند اليها المترجم في فهم خفايا العمل ومقاصده. ينبغي على المؤلفين الانتباه الى ضرورة اقامة صلات مع المترجمين، فالمرء يستغرب من دواعي اختيارات المترجمين أحياناً، فمرة يترجمون رواية معروفة لكاتب مثل نجيب محفوظ، أو يوسف إدريس، ومرة يختارون رواية أولى لكاتب جديد يعتقدون أن لها أهمية أدبية. وتحتاج العلاقة ما بين المؤلف والمترجم الى قدر كبير من الثقة المتبادلة، وخاصة اذا كان المؤلف لا يعرف شيئاً عن اللغة المستهدفة، فيحس بالعجز عن الحكم مباشرة على نجاح المترجم في نقل رؤيته وأسلوبه وأفكاره ومناوراته الفنية واللغوية ومقاصده الخفية. إن المسؤوليات الملقاة على عاتق المترجم كبيرة، وقد يحس المترجم أن المؤلف لا يقدّر مقدار الجهد المبذول في ترجمة كتابه، مما قد يصيبه بالاحباط، وإن لم يعبر عنه بشكل صريح. غير أن هناك دائماً ثنائية جدلية: الترجمة تتيح للعمل الأدبي الانتشار عالمياً، وقد ترفع من مكانته بين أقرانه من الأعمال الاخرى، لكن قد لا تتوفق في نقل روح العمل الاصلي وجمالياته وبلاغته اللغوية وأصالته الفكرية.

ذكر المترجم البريطاني الأصل روجر مايكل آلان الذي يعمل أستاذا للغة العربية والأدب المقارن في جامعة بنسلفانيا منذ ما يزيد على أربعين عاماً في مقالة له في مجلة دراسات أدبية مقارنة، العدد 4 لعام 2010 بعنوان"الخائن السعيد: حكايات الترجمة" أن كلمة مترجم في الايطالية توحي بعض دلالاتها بمعنى الخائن.

وفي هذا الصدد أود أن أشير الى مصطلح أسميته الرتمجة؛ وهو ترجمة النص الى اللغة المستهدفة دون القدرة على ايصال المعنى الكامن في النص الذي أراده المؤلف أو فقدان القدرة على إدراك المعنى الحقيقي، فيترجم المترجم معنى آخر غير المقصود أو يختلف في روحه عن روح العمل الاصلي. وتبدو الترجمة في الظاهر ترجمة أدبية لكنها خاطئة أو غير دقيقة، أو تتصرف بالمعنى، فهي تحقق الترجمة شكلا لا موضوعا، فهي إذن نقل غامض غريب، وأحرى أن تسمى رتمجة، وفعلها رتمج ويرتمج.

في حوار مع صحيفة العرب نيوز السعودية بالانجليزية في عام 2006 تحت عنوان " لورنس الادب.. أنطوني كالدربانك مترجم للحب"، ذكرت الصحيفة أن كالدربانك لا يجد متعة في ترجمة الادب العربي الى الانجليزية وحسب، ولكن الرضى أيضاً. وبعد أن حصل على شهادة في اللغة العربية الكلاسيكية من مانشستر، فقد شعر بنزعة مثالية رومانسية الى الشرق، وبانجذاب الى الخط العربي، مما حدا به الى المجيء الى مصر، فكانت البداية التي ربطت مصيره بالادب العربي. وقد طلبت منه الجامعة الامريكية في القاهرة أن يبدي رأيه إن كانت الروايات المصرية جذابة للقارىء الغربي، وعندما أكد أنها كذلك، فقد عرضوا عليه القيام بالترجمة، فأنجز عدة أعمال لنجيب محفوظ وصنع الله ابراهيم وميرال الطحاوي. وعندما انتقل في عام 2000 للعمل في الرياض فقد راح يترجم من أعمال الكتاب السعوديين.

وحول مشاكل المؤلفين العرب مع الرقابة وما تفرضه على أعمالهم من حذف أجزاء منها أو تعديلها أو حتى مصادرتها، كتبت المترجمة الاسكتلندية الشهيرة كاثرين كوبهام في مقدمتها لترجمة رواية "الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي، بأن المؤلف حاول بادىء الأمر أن يطبع روايته في العراق، لكن الرقيب طلب منه حذف الشخصية البعثية "عدنان" بالكامل من الرواية. فذهب الى بيروت حيث طبعت الرواية كاملة في عام 1980 من قبل دار ابن رشد، وبيعت في العراق دون أن يلحظ الرقيب ذلك! وفي عام 1993 صدرت طبعة ثانية بعد أن تم تبسيط الحوار باللهجة العراقية بناء على طلب الناشر لزيادة الانتشار.

كما ساهمت كوبهام بتحرير كتاب "قارىء قصص عربية قصيرة حديثة" بالاشتراك مع صبري حافظ، وصدرت عند دار الساقي في عام 1988 والذي ضم إحدى عشرة قصة مع تقديم عن مؤلفيها وتحليل نقدي وشروحات للعبارات العامية أو المصطلحات الدارجة بما يجعلها قادرة على تعريف الطالب الناطق بالانجليزية بالقصة العربية القصيرة.

وقد يستغرب القارىء العربي أن المترجمين والناشرين على السواء يفضلون الاعمال المغرقة في المحلية كما عبر عن ذلك المترجم دينيس جونسون ديفيز، وكما فعلت دار النشر المعروفة بلومزبري في لندن وهم ناشرو ترجمة مذكرات حنان الشيخ حول أمها التي تحمل عنوان "حكايتي شرح يطول" التي ترجمها روجر آلان بتأكيدها على ضرورة اظهار النزعة المحلية في الترجمة الانجليزية الموجهة لجمهور القراء في الغرب من خلال إعادة هيكلة الكتاب وتوضيبه وتغليفه تحت اسم جديد "الجراد والطير: قصة أمي".

تطرق المترجم دينيس جونسون ديفيز في كتابه "مذكرات في الترجمة: حياة بين سطور الأدب العربي"، الى بعض التحديات التي واجهها في ترجمة الأدب العربي الى الانجليزية. وقال: "ربما يكون الأمر طبيعياً لكوني عشت أغلب حياتي في مصر، أنني أبرزت قيمة المكان في ترجماتي لأعمال الكتاب المصريين". وأضاف أن "العالم العربي يتكون من دول عديدة، ومن الصعب الاحاطة بكل ما ينشر فيها، إلا أنه برغم ذلك فقد بذلت جهداً أن أقدم للقارىء الانجليزي عدداً كبيراً من الكتاب العرب من كل من المشرق والمغرب".

ومن طريف ما يُذكر في هذا الصدد أن دينيس كان من أوائل من ترجم لنجيب محفوظ، حيث ترجم قصة "زعبلاوي"، ونشرت في مجلد "قصص عربية قصيرة معاصرة" الصادر عن جامعة أكسفورد في العام 1967، ثم دخلت مختارات نورتن بوصفها النموذج الوحيد المتوفر آنذاك من الأدب العربي الحديث!

وفيما يخص المقارنة بين الترجمة من العربية واللغات الأخرى كالفرنسية والألمانية، يذكر دينيس أنه "في حالة اللغات الأخرى، فإن الأمر يتوقف على الناشرين الذين يختارون ما ينشرون، لكن هذا لا ينطبق على الترجمة من العربية. لا توجد دار نشر في لندن توظف اي مترجم مهتم بالأدب العربي الحديث أو قادر على القراءة بالعربية". لكنه في الوقت نفسه شدد على أن المترجمين من العربية يتمتعون بحرية أكبر من نظرائهم من الفرنسية في ترجمة ما يريدون ترجمته بناء على اختيارهم. وبخصوص مسؤولية دور النشر في دعم نشر الكتاب، يرى عدد من المترجمين مثل دينيس أن الناشرين اليوم قد صاروا أصحاب تجارة ويرفضون المخاطرة، وخصوصاً ما يتعلق بكتاب مترجم من العربية.

تطرق المترجم البريطاني روبرت نيل هيوسن الذي ترجم نوفيلا "قصة حب" ليوسف ادريس ـ حملت الترجمة عنوان "مدينة الحب والرماد" ـ ، ورواية ليلة عرس ليوسف أبو رية التي فازت بجائزة نجيب محفوظ لعام 2005 الى تجربته بالعمل في مطبعة الجامعة الامريكية بالقاهرة في الثمانينات حيث كان الاجنبي الوحيد آنذاك قال: "في تلك الايام لم يكن هناك حاسوب، ولكن كان لدينا حاسوباً واحدا في المطبعة، من طراز ما قبل ماك أبل وكان يحتوي على سواقتي أقراص مرنة، وكنا نستعملهما لحفظ سجل عام بالمطبوعات". وذكر أنه برغم التحديات الكامنة في صناعة الطباعة والنشر، إلا أن موظفي المطبعة آنذاك كانوا يشعرون بالرضى مع صدور كل كتاب يتم انجازه. وكانت الجائزة بنظرهم رؤية الكتاب صادراً وأن يحتفظوا بالنسخة الاولى منه.

وفي دراسة حول شعر الثورة نشرت في صحيفة المصري اليوم في نهاية شهر كانون ثاني يناير 2011 ، حلل المترجم المعروف ايليوت كولا الشعارات التي كانت تتردد خلال ثورة 25 يناير والتي بدت بالنسبة له مثل مقاطع شعرية ذات ايقاع موسيقي. ان توثيق هذه الشعارات الغنائية وترجمتها كان يدل على فهم عميق للهجة العامية المصرية ومدلولاتها واشاراتها ضمن السياق التاريخي العام. كما حلل دور الشعر الوطني خلال ثورات مصر السابقة التي قادها أحمد عرابي في 1881، وثورة 1919 بقيادة سعد زغلول وثورة الضباط الاحرار في يوليو 1952. غير أن ما يلفت النظر أن كولا يعد وفي أكثر من مقالة له ثورة يوليو 1952 ليست في حقيقتها أكثر من انقلاب مهد لظهور ثلاثة ديكتاتوريات: عبد الناصر والسادات ومبارك.

أما المترجم همفري ديفيز فيشير الى تجربته في الترجمة بقول: "أسعى أن أسمع الصوت الذي يتحدث من الرواية بعيداً عن الصفحة وأن أعيد انتاج ذلك الصوت". وعن الحاجة الى الرجوع الى المؤلف لسؤاله، يؤكد أن ذلك "أمر مفروغ منه، فهناك دائما أسئلة عن أخطاء طباعية، أو سوء فهم، أو شعور بعدم فهم المنطق الاساس لفقرة ما أو فكرة ما، لأنك اذا لم تفهمها فلن تستطيع ترجمتها". ويؤكد إن "الانطباع بأن المترجمين بلا خطايا، وخاصة فيما يتعلق بجانب اللغة، هو أمر سخيف". ويستشهد على ذلك بترجمة سكوت مونكريف لأعمال مارسيل بروست، فيذكر أنها تم إعادة تحرير الترجمة وتصحيحها في خمس نسخ مختلفة.

وحول سؤال عن تصوراته حول الجمهور الانجليزي قارىء الروايات المترجمة، أفاد همفري أن عنده افتراضاً بأن الجمهور مثقف ومتعلم وقارئ، ولا يستطيع أن يتخيل ردة فعل أفراده إزاء ما يقرأون. وحول ترجمته للمرأة أو بالأحرى الجارية نعمة السمراء في "واحة الغروب" الى نعمة الغسق أو الغروب، فقد دافع عن ذلك بأن كلمة سمراء في العربية قد تكون صفة عادية، ولكنها في الترجمة شاعرية ومثيرة جنسياً، وخصوصاً أنها خادمة عبدة.

وحول قضية الهوامش والشروحات في نهاية الترجمة كما فعل باضافة شروحات للقارىء الانجليزي حول ثورة أحمد عرابي التي قد لا يعرف عنها شيئاً، فقد أفاد أنه ليس ضدها أو معها إلا بالقدر اللازم. وقد ذكر مثالا طريفاً يتعلق بترجمة النارجيلة الشعبية المسماة الجوزة، وقد احتار كيف يترجمها وخاصة أن الشيشة (الأرجيلة) للطبقات المتوسطة والجوزة للطبقات الفقيرة، وأخيراً قرر استعمال الغليون المائي في تفريق لها عن الغليون الفرنسي المعروف!

وحول سؤال عن عدم انتشار ترجمة الادب العربي، فقد همفري ديفيز أنه يختلف مع هذا الانطباع، لأن هناك الكثير مما تمت ترجمته أكثر مما يظن الناس. وقد تعرض قطاع النشر باللغة الانجليزية الى انتقاد كونه لا يهتم بالادب العربي، أو الاهتمام بالادب العربي الخطأ، ويقول إن الاهتمام في ازدياد، وهناك مجموعة من المترجمين المحترفين، وهناك أعداد متزايدة ممن يدرسون العربية، مما يؤدي الى كثرة المترجمين. باختصار هناك زخم في الوقت الحاضر.

ومن المشكلات اللغوية الثقافية التي تواجه المترجم ما ذكره جوناثان رايت من عدم وجود مرادف للكلمة العربي في اللغة الانجليزية، وذكر على سبيل المثال صعوبة ايجاد الكلمة الانجليزية التي تعبر عن صوت حجر الرحى أثناء دورانه، مما اضطره الى سماعه عملياً ثم ابتكار كلمة تدل على ذلك الصوت.

أما المترجم روجر مايكل آلان فيذكر أنه عندما تعرض كتاب "تاريخ الادب العربي" الذي اصدرته جامعة كامبردج للنقد على الاخطاء التي اشتمل عليها، فقد عرضت عليه الجامعة مراجعته واعادة كتابه. وقد استغرق العمل فيه خمس سنوات وصدر تحت عنوان "التراث الادبي العربي" عام 1998.

اتفق اثنان من كبار المترجمين أن أصعب ما في الامر هو ايجاد ناشر على استعداد لتحمل المخاطرة ونشر كتاب مترجم عن الادب العربي. ذكر روجر آلان أن الترجمة من العربية ليست مهنة لها درجات علمية أو معايير أو مكآفات، ولا أحد يترجم العربية إلا إذا كان هاوياً ومحباً له. ومشكلة المشكلات بالنسبة للمترجم ، كما يؤكد، هي اقناع الناشر بأهمية العمل المترجم وطباعته وتسويقه. وفي هذا الاطار أكد أيضا دينيس جونسون ديفيز أنه كان يحب ما يقوم به من ترجمات، ويدرك أن نهضة قادمة تنتظر الأدب العربي، فلا بد إذن من القيام بشيء بخصوصها. وأنه عندما بدأ لم يكن هناك كثيرون يعرفون الترجمة ما أعطاه ميزة وحظوة لدى الكتاب، لكن صعّب من مهمته ايجاد ناشر يوافق على أعماله المترجمة.

أما عن ما يتوجب على المترجم فعله ومدى ارتباطه الروحي بالعمل الذي يشتغل عليه، فقد لخص المترجم الامريكي وليم هتشينز الذي ترجم عدداً من أعمال ابراهيم الكوني ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والمازني وغيرهم وفي لقاء نشر في عام 2008 في صحيفة الجامعة التي يعمل بها، فقد ذكر أنه "لكي أنجر الترجمة على نحو صحيح، يجب علي أن افهم تاريخ المنطقة وثقافتها بالاضافة الى لغتها".


رابط المقالة بجريدة الرأي

رابط الصفحة الكاملة

نصار والخواجا يعاينان الواقع ويسيران في ظلال الأسطورة

قاصان استضافهما "لقاء الأربعاء" في رابطة الكتاب

نصار والخواجا يعاينان الواقع ويسيران في ظلال الأسطورة

عمان ـ الدستور ـ هشام عودة

خلت الأمسية القصصية التي تم تنظيمها ضمن برنامج لقاء الأربعاء في رابطة الكتاب من الحوار والمداخلات من الجمهور الذي اكتفى بسماع ما قدمه القاصان إياد نصار و عمر الخواجا من مختارات قدمت صورة عن تجربتيهما الإبداعية.

الأمسية التي أدارها الشاعر سليم صباح قرأ فيها القاص والناقد اياد نصار قصتين هما، الكتاب السري والعروس، وهما قصتان طويلتان نسبيا، احتوتا على مفارقات طريفة في سياق بناء النص وطريقة ادارته، فكتاب نصار السري لم يكن كتابه وحده، ربما هو كتاب أي منا، كما اشار، لكن القاص اراد ان يتحول هذا الكتاب الى مجرد نشارة بفعل عبث الفئران في كتاب ظل اصحابه ينظرون اليه بخجل ويحرصون على اخفائه في العتمة، غير اننا في الوقت نفسه شعرنا اننا نعرف تلك «العروس» التي تحدث عنها نصار، وربما تعاطفنا معها، وهي تحلم ببناء عشها، حتى وهي تتحايل على امها العجوز.

نصار الذي قدم نصين مكتملين في بنائهما، استند الى تجربة قائمة على مجموعتين قصصيتين هما «اشياء في الذاكرة» و «قليل من الحظ»، اضافة الي كثير من الدراسات النقدية، لكن السؤال الذي يمكن طرحه هنا، هل يذهب الناقد الى تشريح اعماله الابداعية مثلما يقوم بتشريح اعمال غيره من المبدعين، ام يترك ادواته النقدية خارج حدود نصه، وهذا ما تجيب عليه نصوص نصار وغيره من النقاد الذين يشتغلون في مجال الإبداع.

وفي الامسية ذاتها قدم القاص د. عمر الخواجا نصين طويلين، اختارهما من نصوصه القصصية، فقد قرأ على جمهوره «مع وقف التنفيذ» وكذلك «في يده ملاك»، واذا كانت مع وقف التنفيذ تعاملت مع رمز معروف ومطروق في الادب العربي، قديمه وحديثه، وهو المارد القادم من القمقم المعتم، الا ان د. الخواجا ذهب الى كسر بعض التقاليد المتوارثة في هذه القصة، فالمارد الذي تم تحريره من القمقم لم يشعر بالفرح، بل غضب ممن حرره وحرمه من تحقيق امنياته الثلاث، ليستمر القاص في تقديم رؤيته ليصل في النهاية الى تحطيم السائد من التقاليد، والتمرد عليها، من خلال تمرده على الشيخ والمارد معا، وهي لحظة اراد من خلالها ان يقول «لا» للخرافات والشعوذة واستغفال العقول.

ثم قدم د. الخواجا قصته الثانية «في يده ملاك» التي اشار إلى أنها هي الأخرى اسطورة من الزمن القادم، كأنه حاول ربط زمنين من الاسطورة التي تعيش مع الناس، الذي هو واحد منهم.

د. الخواجا الذي صدرت له مجموعتان قصصيتان هما «كأنه ما زال هناك» و «هي لعبة ولكن»، قدم نفسه قاصا يملك هوية نصه وادواته.

ورأى بعض الجمهور ان الامسية التي قدمت قاصين متقاربين في جيلهما، الا انها اوجدت مسافة عند المتلقين بين النصوص المطروحة، سواء تلك التي تتعامل مع الاسطورة او تلك التي تتحدث عن قضايا نعرفها، غير انها قدمت نصوصا تركت اثرا طيبا في نفوس الجمهور، كما اشار سليم صباح الذي قدم القاصين بلغة شعرية متحدثا عن تجربتهما التي وصفها بالتجربة المبدعة، باعتبارهما يمثلان جيل الشباب في ميدان القصة القصيرة.

رابط الموضوع بجريدة الدستور

رابط الصفحة الكاملة





الثلاثاء، يونيو 21

نصار وخواجا يتناوبان القص في أمسية نظمتها لهما رابطة الكتاب


نصار وخواجا يتناوبان القص في أمسية نظمتها لهما رابطة الكتاب

* نشرت في جريدة الرأي الأردنية بتاريخ 18/6/2011

عمان- محمد جميل خضر - «الكتاب السرّي»، «مع وقف التنفيذ»، «العروس» و»في يده ملاك»، أربع قصص، قرأها على التناوب القاصان إياد نصار وعمر الخواجا، في أمسية قصصية نظمتها لهما مساء الأربعاء الماضي رابطة الكتاب الأردنيين في مقرها الشميسانيّ، وسط ارتفاع في وتيرة نشاطاتها على أبواب انتخاباتها الدورية مطالع تموز المقبل.


وعلى عكس التصاعد الوتيري الإيقاعي المنتظر في جل الأشياء، أو معظمها على الأقل، بدأت الأمسية التي تابعها صداقة، أو التزاماً تيّارياً (نسبة إلى تياريّ القدس والتجمع في الرابطة)، أو اهتماماً إبداعياً زهاء 30 شخصاً، حيوية، حاملة مؤشرات تفاعل، مع القصة الأولى لنصار، والأولى كذلك للخواجا، قبل أن يفتر الإيقاع، وترتخي روافع التلقي، في الجولة الثانية والأخيرة للأمسية القصصية المنضوية في إطار أدب إبداعي نثري، حظّه من الإلقاء، ودوزنة اللحظة القابضة على مجسات الاستماع، قليل، بل لعله في أحايين كثيرة قليل جداً.

«خليل في السابعة عشرة وأنا في الرابعة عشرة. لكنه المدلل بيننا. لا أعرف لماذا يحظى بهذا الدلال؟ نحن سبعة أخوة وأخوات. لكن أبي يفضله في المعاملة علينا، رغم أنه نادراً ما يساعده في الفرن. يستطيع خليل الخروج من الفرن في أي وقت يشاء. لا يرد له طلباً، وأمي تحنو عليه وتدلّله أكثر منا. أبي يقول إنه ولي العهد ورجل البيت في غيابه. ولكني لا أسكت. يحاول أن يفرض زعامته علينا فأعارضه. صرت كثير المشاغبة والجدال! لا تعارض أخواتي وأمي تصرفاته كأنه سيد البيت. ولكن إحساسي يأبى ذلك. لماذا لا أكون أنا رجل البيت؟ أنا أمهر منه في شغل الفرن، وفي استيعاب الزبائن الغاضبين كما يقول أبي دائماً»، يحمل الاقتباس السابق من قصة «الكتاب السري» لنصّار، إشارات عديدة، ليس أكثرها أهمية لغة السرد التي يعتمدها صاحب مجموعة «أشياء في الذاكرة» الصادرة العام 2008 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان، إنها في المجمل إشارات وشواهد لعلها مهمة على طريق حامل درجة بكالوريوس اللغة الانجليزية وآدابها مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة اليرموك بطعم الهندسة المعمارية من جامعة العلوم والتكنولوجيا التي درسها فيها أربعة أعوام متواصلة قبل أن يعود إلى عشقه القديم الأدب بمختلف لغاته، وعلى طريق خياراته الإبداعية: الفرن، الابن الوسط في عائلة غزيرة الإنجاب، السر الكامن في مكان سريّ، هاجس تحقيق الذات من خلال أشياء قد يأكلها العفن والدود وزواحف الأرض جميعها!

في قصة «الكتاب السري» الجديدة لنصار وغير المنشورة في واحدة من مجموعتيْه السابقتيْن، إضافة لأمانة واقعية وصفية ملتسقة بالمحيط ومخلصة لتفاصيله، نّفّس تمرد بيّن، متجاوز في قفلته على التابو، وإنْ في إطار التجاوز الممكن والمحتمل، مع إصرار القاص على عدم الإفصاح عن هوية الكتاب السرّي.

في تواصل قراءة الجزء المخصص لنصار من الأمسية الرابطية، فإن قصة «العروس» وقعت في كثير من مفاصلها ضحية الميلودراما، والركون إلى العادية المتعلقة بأحداث يومية يحذّر منها العموم، حول سرقة بطاقة الصرّاف الآلي، أو بطاقة الشراء لدى بنك أو مصرف ما، وحول تقلص أحلام الناس، وضياع بهجة العرس والعريس والعروس وسط زحمة الأعباء وتدافع الأنواء.

فكرة القصة الأولى «مع وقف التنفيذ» للقاص عمر الخواجا، في الأمسية التي أدارها الشاعر سليم صبّاح، وعلى عكس قصته الثانية «في يده ملاك»، حَمَلَت طرافة معقولة، عندما يتحوّل الفانوس السحري المرتبط في ذاكرة الناس ووجدانهم ومخيلتهم الشعبية، بالفرج، وإمكانية تحقيقهم أحلامهم المؤجلة، إلى نحس وقدر بائس لا فكاك منه. الخواجا وظّف الفكرة لاستعراض بؤس الواقع المعاش، واستفاض في شرح ووصف معيقات التحرر، وأسباب النكوص، وإنْ بلغة تقريرية، موجّهة، لم تفلح قصديتها بالتواري أمام دهشة المفارقة المفترضة. سرد طويل قفز فيه الخواجا غير مرة، إلى حوار انتقل بالقصة إلى فصول مسرحية تروي حال رجل لازمه حظه العاثر، وظل يحاور جن مصباح علاء الدين.

القصتان اللتان قرأهما الخواجا عضو رابطة الكتاب الأردنيين، كانتا من مجموعته القصصية «هي لعبة ولكن» الصادرة في العام 2010 بدعم من وزارة الثقافة بمناسبة الزرقاء مدينة للثقافة العربية، حيث تجيء قصة «مع وقف التنفيذ»، كقصة أولى في المجموعة، و»في يده ملاك» السابعة.

رابط الموضوع بجريدة الرأي

رابط الصفحة الكاملة






الجمعة، يونيو 17

أمسية قصصية لاياد نصار في رابطة الكتاب الأردنيين




أمسية قصصية في رابطة الكتاب الأردنيين

الخواجا يحاور جن مصباح علاء الدين ونصار يقرأ من "الكتاب السري"

عمان- صحيفة الغد
كتب جمال القيسي ـ تنوّعت القصص الأربع التي أطلّ بها القاصان إياد نصار وعمر الخواجا أول من أمس في رابطة الكتاب الأردنيين بين القصة النفسية، والقصة الفكرة، أو قصة الشخصية المركزية، أو جاءت قصصا طويلة إلى حد ما على خلاف ترقب الحاضرين ورغبتهم.

وإذا كانت القصة القصيرة تمثل حدثا واحدا في زمن واحد وتمسك بتلابيب فكرة ما وأنسنتها للإيقاع بالقارئ في وهج السحر، فإنّ ما ذهب إليه القاص عمر الخواجا، في الأمسية التي أدارها الكاتب سليم صباح، كان خلاف ذلك من حيث تداخل الأزمان بالأفكار لديه في قصته "في يده ملاك".

وكذلك انطلق الخواجا بسرد طويل قفز فيه غير مرة إلى حوار انتقل بالقصة إلى فصول مسرحية في قصة "مع وقف التنفيذ" التي تحكي حال رجل لازمه حظه العاثر، وظل يحاور جن مصباح علاء الدين.

القصتان اللتان قرأهما الخواجا عضو رابطة الكتاب الأردنيين، كانتا من مجموعته القصصية "هي لعبة ولكن" الصادرة في العام 2010 بدعم من وزارة الثقافة بمناسبة الزرقاء مدينة للثقافة العربية، حيث تجيء قصة "مع وقف التنفيذ"، كقصة أولى في المجموعة، و"في يده ملاك" السابعة.

في حين قرأ إياد نصار قصتين غير منشورتين، هما "العروس" التي طغى عليها المشهد الذهني والمونولوج الداخلي، و"الكتاب السري" التي تحكي قصة مناكفات شقيقين لأب يعمل خبازا، اللتين ستكونان ضمن مجموعته القصصية الثالثة المقبلة بعنوان "امرأة في حفل توقيع".

القصة الأولى العروس ينطلق بها نصار بـ"أختنق في هذا الجو الفاسد. مصيري لعبة حظ بأيدي لصوص، والفرح صار حبة دواء انتهت صلاحيتها.. زمن غادر.. في لحظة ينهار كل شيء.. والمستقبل يصبح جثةً على درب المجهول.. عادت الى البيت واجمة. بدت لي ضجرة متعبة متوترة، والإعياء خطف وجهها مثل خفاش متشبث في كهف مظلم".

ويتابع وصف الحال التي عليها بؤرة القصة" لم تقل شيئاً، لكن عيناها قالتا كل شيء. لم يكن في الجو سوى لهاث أنفاسها بعد المشوار في عز الظهيرة. لم أرَ عينيها بين تجاعيد وجهها من غير بريقٍ مثل اليوم.. خلعت منديلها عن رأسها بتأفف وضجر. راعني رؤية البياض في مؤخرة رأسها. انقبض صدري كمن مسته صعقة كهرباء".

ويصل فيها الى إقرار بتبدل الحال حيث يقول "لم أرَ الشيب في شعرها بمثل هذا الوضوح من قبل. سمعت زفرات أنفاسها المتلاحقة. كانت تغلي، وفي داخلها مرجل يوشك أن ينفجر. الصيف لاهب والحر لا يطاق. والسماء بدت بيضاء كالحةً بالسراب من شدة الوهج. تهب الخماسين بين حين وآخر، فأختنق من الغبار..".

ويعلن القاص موقفا من الخارج والذي قد لا يكون حقيقيا إنما رضوخ لضغوط الواقع" أكره الصيف.. لم أحس به ثقيلاً مثل السنة. في النهار تنضح الجباه والرؤوس التي انحسر عنها الشعر بحبات العرق! وفي الليل تهب ريح يرتعش لها الجلد. لقد أنهك التقلب روحي وأعياها".

ويتابع صاحب "أشياء في الذاكرة" الصادرة في العام 2008 "لم أتجرأ أن أبادرها بالسؤال. يقدح الشرر من عينيها. أرى الجواب في وجهها وأسمعه في أنفاسها اللاهثة. بعد قليل قالت بيأس المستسلم: "ماذا سنفعل الآن؟" أطرقت وقد عقدت الحيرة لساني. مات الأمل الذي راودني منذ الصباح.

وتابع "دعوت في سرّي كثيراً أن تجدها أمي. لو عرفتها لخنقتها بيدي. لا تعرف أنها سرقت أمل قلبي الميت في الحياة. وسرقت عزة نفس أمي. توشك أن تبكي أمي قهراً.. تذهب كل يوم وتعود بخفي حنين. ولكن كان لديّ اليوم إحساس أنها ستجدها، وأننا سنخرج من هذه الورطة. تبدد الأمل. شعرت بالغيظ والقهر".

حتى يصل الى "ارتسمت خيبة كبيرة كأنها أصابع دامية على وجه مذعور. هل يمكن أن يضيع كل شيء في لحظة؟ أتحرّق أن أعرف من تكون. ازددت حقداً في صدري عليها. صار مصيري لعبة في يدها. كيف يمكن أن تكون امرأة بهذه الجرأة وتبلّد الإحساس؟".

وكذلك كان الحال مع صاحب " قليل من الحظ" الصادرة في العام 2010 في قصته الثانية "الكتاب السري"، حيث اختار قصة غير طويلة، وغير مثقلة بالشخوص، ومتخففة من الحوار إلى حد ما.

رابط الموضوع بصحيفة "الغد" الأردنية



أبناء السماء

في تقرير "للجزيرة نت" حول الرواية


رواية للكاتب الأردني يحيى القيسي

"أبناء السماء" تبحث العوالم الخفية




اياد نصار: الرواية تفتح الباب واسعا أمام الجدل الفلسفي والعلمي والنفسي والديني.
 
توفيق عابد-عمّان
نظم منتدى التنوع الثقافي الأردني جلسة حوارية في مركز الحسين الثقافي وسط العاصمة الأردنية عمان السبت تناولت القضايا الإشكالية في رواية "أبناء السماء" لمؤلفها يحيى القيسي.

واعتبر نقاد أنها المرة الأولى التي يحتكم فيها روائي أردني للقراء في تقييم عمل إبداعي حيث وزعت الرواية على مجموعة من القراء ينتمون لشرائح علمية واجتماعية متباينة لقراءتها وطرح الأسئلة على كاتبها.

وشخصيات الرواية -كما يرى ناشرها مدير المؤسسة العربية للدراسات والنشر ماهر الكيالي- خاضت رحلتها الخاصة بحثا عن تفسير الظواهر الخارقة والعوالم الخفية التي تؤثر فينا دون أن نشاهدها.

وقالت رئيسة المنتدى فاطمة جعفر إن الرواية تحوي تنوعا إنسانيا ومكانيا وأحداثها تدور في أماكن مختلفة أردنية وعالمية، كما تحوي تناقضات تقترب من الإلحاد والإيمان والخرافة والأحداث التي يحاول الإنسان فهمها بأسلوب رشيق وسهل يتيح مجالا للاندماج مع الأفكار المطروحة.

وفي مداخلتها، قالت الروائية ليلى الأطرش إنه لا يحق لأي إنسان أن يملي على الكاتب ما يكتب أو يختار، فالرواية ليست مجرد "حدوتة" بل تحتاج للبحث والعلم والدراسة المعمقة، و"أبناء السماء" رواية علمية أو خيال علمي يجيده قلة من الروائيين.

رحلة روحية
وفي معرض رده على التساؤلات، قال المؤلف "عشت رحلة روحية لعشر سنوات كنت خلالها متدينا بشكل تقليدي وتوصلت للإيمان بالله تعالى عبر العلم والتصوف"، وأضاف أنه التقط المعرفة من لقاءاته مع متصوفين وكتب وبحث طويل وخبرات تراكمت خلال الرحلة الروحية، مشيرا إلى أن الرواية الجديدة لا تعتمد على الحكاية أو المتعة بل تضيف معارف حديثة للقارئ.

وتابع القيسي أن البحث قاده للاحتكاك مع العالم الخارجي، فهناك كتاب يرون عوالم أخرى (التأمل الصوفي)، وأن رحلته أدخلته عوالم تعتبر مغلقة لآخرين، وتساءل "هناك عشرة ملايين شاهدوا الأطباق الطائرة فهل هناك مجال لإنكارها وهل يكذب هؤلاء؟".
وبحسب القيسي فإن الأوروبيين يطرحون على أنفسهم أربعة أسئلة ويحاولون الإجابة عليها، وهي من نحن؟ ومن أين أتينا؟ وإلى أين ذاهبون؟ وما دورنا في الحياة؟ فهل طرح أحد هذه الأسئلة على نفسه؟ وقال "نحن نستخدم 10% من عقولنا و7% من قوة إبصارنا، فماذا يحدث إذا استخدمنا هذه النعمة الإلهية 100%؟".

شخصيات حائرة
وفي حديث خاص للجزيرة نت، أوضح القيسي أن حيرة شخصياته تعود لبحثها الوجودي، فمعظمها يتسم "باللايقين" لأن بنيتها الفكرية تستند للماركسية التي تشجع الإلحاد وبالتالي فقد خاضت رحلتها الخاصة بحثا عن الإيمان من خلال العلوم الحديثة والتصوف والبحث في الظواهر الخارقة والتنقيب فيما جاءت فيه الأديان السماوية.

وقال إن الرواية تتضمن الكثير من الأسئلة دون محاولة توجيه القارئ لإجابات محددة، إنما تفتح الآفاق للتساؤل والبحث ليخوض في النهاية رحلته الروحية الخاصة.

وعن اختياره لماركسيين كأبطال لروايته، قال القيسي إن الشخصية الرئيسية "أحمد الحسيني" درست العلوم الحديثة في الاتحاد السوفياتي خلال الثمانينيات وتشبعت بالأفكار الماركسية والمادية الجدلية التي كانت تدرس في الجامعات هناك. ورأى أن الديانات السماوية لا تختلف أو تتناقض مع العلوم الحديثة وما توصل إليه الإنسان عبر رحلته العقلية الطويلة من اكتشافات.

بحث لا إجابات
وعقب الحوار، قال الناقد إياد نصار إن الرواية تسعى للبحث عن العوالم الغريبة الغامضة أكثر من تقديم إجابات وبالتالي تستثمر شوق الإنسان لمعرفة المزيد عنها في إطار من خصوصية المكان الأردني.

وأشار إلى ازدهار أدب الباراسايكولوجي (القوى الخفية في الإنسان) والعوالم الأخرى والغرباء والخيال العلمي في الغرب للوصول لحالة أعلى من التأمل الروحاني والإحساس بالجوانب الغامضة التي تستعصي على التحليل المنطقي وفهم المجهول وإدراكه.

وقال للجزيرة نت إن الرواية تفتح الباب واسعا أمام الجدل الفلسفي والعلمي والنفسي والديني دون أن تحجر على رؤية أو تأويل بل تثبت مشروعية تقبل مختلف التفسيرات. وبحسب نصار فالرواية لم تلق ما تستحقه من تحليل نقدي ممّا جعل الكاتب يحس بالغبن والخيبة لغياب تفاعل نقدي يوافق الجهد المبذول.

من جهته رأى الكاتب تيسير النجار أن الرواية تشكل أهمية استثنائية على صعيد الرواية الأردنية لولوجها للروح البشرية بحميمية وبطريقة خرجت عن المألوف.

المصدر: الجزيرة



كثير من الحظ - نضال برقان


كثير من الحظ
نضال برقان*

* كتب الشاعر ومحرر القسم الثقافي بجريدة الدستور الأردنية نضال برقان المقالة التالية التي نشرت بتاريخ 13/6/2011

 أن تنال «شيئا» من الحظ، خير من ألا تناله أبداً.

ذلك هو ما انتابني وأنا أقرأ مجموعة القاص إياد نصار الجديدة، «قليلٌ من الحظ»، لما انطوت عليه من انحياز فعلي، وجمالي، إلى فعليّ: السرد والقص، عبر لغة رشيقة، ومكثفة، تميزت بتخلصها، بشكل داهش، للحمولات الزائدة.

في المجموعة نفسها ثمة نأي، متقصد، ربما، عن الشعر وفضاءاته، الأمر الذي يعكس احتراما للقصة، وإيمانا بها، بوصفها جنسا إبداعيا حيّـا، وقادرا على سبر أغوار الذات، المفردة والجمعية، ونقل شجونها وشؤونها بجمالية عالية، الأمر نفسه لم يستطع استيعابه الكثير من كتاب القصة، محليا وعربيا، حيث يتكئون على لغة الشعر، واستعاراته، وتشابيهه، بحجة أنهم يكتبون نصوصا مفتوحة.

ويبدو جليا، في مختلف قصص المجموعة، انحياز كاتبها للمفهوم الكلاسيكي للقصة القصيرة، ما يعيد إلى الأذهان تلك النماذج العليا التي كتبت بها، خلال فترة ازدهارها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، من دون أن يعني ذلك أن نصار نفسه غير معني بالتجريب، وهو ما كان حاضرا من خلال القص وأدواته، من مثل حركة السرد والروي، التي كانت تنتقل من شخصية إلى أخرى بخفة ورشاقة، في غير قصة من قصص المجموعة.

وثمة ما يجدر الالتفات إليه في المجموعة، وهو تقارب قصصها من حيث الحجم، على صعيد الشكل، وانحيازها للجوهر الإنساني، عبر قراءة شجون الذات المفردة في مرآة الذات الجمعية، والعكس، على صعيد المضمون، وهو ما يؤكد اشتغال كاتبها عليها بتؤدة، من دون أن يكون ثمة تفاوت فيما بين قصصها، وهو ما يعكس، من ضمن ما يعكس، وفاء نصار إلى القصة القصيرة، واحترامه لها.

وإذا كان كثير ممن يكتبون القصة القصيرة بوصفها تمرينا لكتابة رواية لاحقة، فإن نصار كتب القصة تقديرا وإجلالا لذاتها، وإيمانا بها، محترما أدواتها، ومستمتعا كذلك بتلك الكتابة، من دون شعور بالنقص، وهو ما يستطيع القارئ تلمسه في مختلف فضاءات المجموعة.

ولعلي لا أجانب الحقيقة إذا قلت إن المجموعة تبدو غريبة إذا نظرنا إليها من خلال مشهد القصة القصيرة الراهنة، محليا وعربيا. إنها كتابة تسير بالاتجاه المعاكس للسائد والراهن على صعيد القص. إنها كتابة (محترمة)، ورصينة، وجميلة، وجليلة، وأعتقد أنها تمتلك من الأدوات ما يؤهلها لأن تكون علامة بارزة على صعيد مسيرة القصة القصيرة، بخاصة على الصعيد المحلي.

وتعكس المجموعة نفسها، كذلك، دراية ومعرفة بتاريخ القصة القصيرة، واتجاهات نقادها، وهو ما جعلها تخرج بصورة بهية، بعيدة، كل البعد، عن تلك الأخطاء التي ما زال يقع فيها كتاب قصة (مرموقون).

نصار، الذي أصدر مجموعته القصصية الأولى، «أشياء في الذاكرة»، وهو في الرابعة والأربعين، قبل ثلاث سنوات، ومجموعته الثانية، «قليل من الحظ»، قبل سنتين، صاحب شخصية هادئة، ورزينة، على الصعيد الإنساني، وهو كذلك على الصعيد الإبداعي، ما يؤكد صدق تجربته، وارتباطها بشخصيته.

وبعد؛ هي تحية إجلال وإكبار من قارئ محب للقصة القصيرة وكتابها الحقيقيين، بعيدا عن النقد وتشعباته.

رابط الموضوع بصحيفة الدستور

رابط الصفحة الكاملة