الجمعة، مارس 25

حفل توقيع وقراءات نقدية في مجموعة "قليل من الحظ"




     حفل توقيع وقراءات نقدية في مجموعة "قليل من الحظ"
                في المركز الثقافي العربي


يقيم المركز الثقافي العربي في مقره بجبل اللويبدة في عمّان في السابعة من مساء السبت الثاني من نيسان (إبريل) المقبل، حفل توقيع وقراءات في المجموعة القصصية الجديدة "قليل من الحظ" للقاص والناقد إياد نصار. ويُقدِّمُ كل من الناقدين حسين نشوان وسلطان الزغول قراءتين في المجموعة التي صدرت مؤخرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع. 
الدعوة عامة

 

قراءة في قصيدة الجمر - صحيفة الرأي

نصار يقرأ ثنائيات النار والنور عند (أبو صبيح)



عمان- الرأي- في ورقة بعنوان (قصيدة الجمر لجميل أبي صبيح: البحث عن الخلاص بين ثنائيات النار والنور)، قال الناقد إياد نصار إنّ عبارات أبي صبيح الشعرية تنساب لتنسج حكاية أو سرداً في موضوعها العام، وتتردد موسيقى بإيقاعها، وتتكدس فيها الصور والرموز والإشارات والتلميحات التاريخية المكثفة لتقدم نصاً غنياً يضع القارىء أمام عمل يمتاز بالنفس الطويل في تجسيد الأفكار المجردة في صور مركبة تجمع ما بين مكون حسي منحوت من البيئة الصحراوية وتابع شعوري.

وأضاف نصار، مساء أمس في رابطة الكتاب الأردنيين، إنه، وبالرغم من صغر حجم الديوان الذي يقع في حوالي السبعين صفحة، إلا أنه ينطوي على بناء فني ذي جماليات لغوية وشعرية تنم عن رؤية متأنية واعية أشبه ما تكون بعمل النحات المتأمل الصبور الذي يرى عالمه متجسداً في وعيه قبل أن ينحته في الحجر، مضيفاً أنه بناء يقوم على إبراز جماليات الصورة الشعرية وتوظيفاتها وإيقاعاتها الحركية وظلالها اللونية لتقديم رؤية فكرية تتناول ما يشغل تفكير الإنسان من معاني تجربة العيش والألم ومكابدة المعاناة داخلياً وخارجياً وانكسار الأحلام والوحدة والرغبة في قهر يباب البيئة المحيطة التي لا تورّث غير الاحتراق بلا طائل، والهروب من سطوة المكان الذي يقتل الروح الى الخلود الفني المتمثل في البحث عن الحرية في الإبداع والتسامي فوق إشكاليات اللغة المعاندة.

وقال إنّ قصيدة الجمر كتاب ينقل متلقيه إلى عالم دانتي في الجحيم، مستدركاً أنه جحيم أرضي منذ بدايته وحتى نهايته، ويمور بالعاطفة والأحاسيس، بل يؤكد سيطرة الشاعر على النص ووعيه بالفكرة التي يأخذها الى آماد أبعد من الاستكشاف.

وشرح نصار أنّ الديوان تسيطر عليه بحكم إقامة الشاعر لسنوات طويلة في الخليج وخصوصاً في قطر أجواء البيئة الصحراوية التي تستحضر صور النار والجمر والحمم والجراد والمضارب والخيام، ولم يتعجب نصار من أن تظل مفردة الجمر والنار تتردد كثيراً، مبيناً أنها بلغت، على سبيل المثال ما يزيد عن ثلاثين مرة في الجزء الأول ، في حين لم ترد صور الماء والبحر والثلج إلا نادراً، وغاب عنها صور الأشجار والأمطار.

وقال نصار إنّ الجزء الأول من «جمر الطريق» تغلب عليه الذاتية ويعنى بإبراز قسوة الحياة وسط الجحيم بمعناه المكاني والإنساني، ولذا تخلو من وجود البشر وخصوصاً المرأة أو مظاهر حياة الإنسان الأخرى، فكل ما حول المتكلم الذي تحترق يداه على المقود وسط حريق الطريق الطويل يستدعي في وعيه صور معاناته المختلفة. وتمثل نصار بالنص: (يقفز ملتهباً في الطريق/ الطريق الطويل الطويل الطويل.. الطريق المدى/ حممٌ من مضاربِ بدوٍ، خيامٌ من الجمر تُشْرِعُ/ أبوابَها تحت جمر الجراد الزّحوف/ في لظى البيدِ يوقدُ رمضاءَها ويَهلُّ رفوفاً تحطُّ عليها رفوف..).

وقال: (لئن كانت «جمر الطريق» تعبيراً عن معاناة العيش في حر الصحراء، إلا أنها ترمز إلى رحلة الإنسان في طريق الحياة حيث الجدب الذي يشير إليه الجراد، وحيث العذاب الذي يفوق الاحتمال الذي ترمز إليه النار)، مضيفاً أنّ هذا الإنسان الذي يحترق ليصنع الفن المتمثل في الشعر، تعلو من حواليه قصور، كأنما يتحول موته إلى حياة بالنسبة الى الآخرين.

وبيّن نصار أن أبا صبيح في الجزء المسمى «جمر الظل»، يبني مشهده على زاوية أوسع من الرؤية التي تخرج عن التجربة الذاتية الى مشهد يمور بكل صور الحياة والحركة والآخرين، مضيفاً أن الشاعر في هذا الجزء قدم تنويعاً على صور الحياة المختلفة، وخرج الى فضاء مجازي تأملي يتجاوز حدود الصحراء، فلم تعد مقتصرة على الإحساس الذاتي الداخلي بمعاناة العيش، بل رأينا- كما قال نصار- القصيدة تنحو الى تقديم رؤية كونية تعنى بكل تفاصيلها من قارات وجزر وشواطيء وبراكين وأنهار وبحار وأشجار وطيور وسماء ونجوم وليال وغيرها، مضيفاً أن الشاعر وظّف ثنائيات متضادة: كالظلال والضوء، النور والعتمة، الحياة والموت، النهار والليل، النار والثلج، الروح والجسد، مبيناً أنّ توظيفات معاني النار والجمر بقيت طاغية على النص. وقال إنّه رأى في هذا الجزء الظل يصبح رمز الخلاص المفقود الذي لا يجيب.

وقال إنه إذا كان الصوت في «جمر الطريق» يصف الأشياء ويعبر عن الحالات النفسية بضمير الغائب للدلالة على غياب الصوت الإنساني، فإن المتكلم في «جمر الظلال» يحكي بضمير المخاطب ويبدو أكثر إحساساً بالأمل، حيث يفتتح الجزء الثاني بمناداة الظل ليكون مانح الحياة في غابة الموت.

وتذكر نصار القصيدة المشهورة للشاعر روبرت فروست الذي توفي في العام 1963 بعنوان «النار والجليد»، مبيناً أنه بالرغم من قصر تلك القصيدة التي تتكون من تسعة أبيات، إلا أنها طرحت قضية مصير الإنسان والكون ضمن إطار فلسفي يستند الى تصورات دينية.

وقارب نصار بين القصيدتين، واجداً في قصيدة فروست ما في قصيدة أبي صبيح من الثنائيات المتضادة للرغبة والكراهية والنار والجليد والحياة والدمار، مضيفاً: لكننا نرى توظيف قصة الطوفان التي تقول إن الله دمر الأرض في المرة الأولى بالماء خلال الطوفان، ولكنه في الوقت ذاته أحيا فيها الإنسان، وكما فعل أبو صبيح في الجزء الأخير من الديوان، فقد استوحى فروست فكرة الحياة من قلب الموت، والثلج وسط الحريق من الجزء المسمى الجحيم في ملحمة الكوميديا الإلهية لدانتي، حيث يبقى أكثر الخاطئين وهم الخائنون في قوالب من الجليد حتى أذقانهم وهم وسط جهنم. وقال نصار: مثلما ربط فروست نهاية الكون ونهاية الحياة بالنار، عبّر أبو صبيح عن تخوف مماثل، فالنار رمز الفناء والتلاشي وفقدان الوجود والألم والاحتراق، إلا أنها التجسيد المتقد العنيف للرغبة الخفية، إنها قوة التدمير والفناء والجدب، وهي رمز العاطفة والانتشاء. وتوخى نصار من ذلك رسم تشابه بين نهاية الحياة بالماء كما أرادها فروست عند سكون العاطفة لتكون مانحة الحياة مرة أخرى، ورغبة أبي صبيح في أن يمنحنا الظلُّ بعضَ الخلاص.

وقال: في ظل هذه الصور يبدو أهل الخليج بلا هوية سوى البياض الذي هو لون ثيابهم، لكنهم خارج الفعل والتاريخ مثل صخور كلسية ويرحلون الى شواطيء مختفية على سفن نخرات كما يصفها والنار تزحف الى عالمهم تريد تدميره من أول الماء حتى آخره. برغم هذه الصور المشحونة بالعاطفة والحرقة، إلا أنها لا تحمل أية مشاعر سلبية أو ضغائن حين يعد نفسه واحدا منهم لكنه يحمل همومهم ويسعى أن يدافع عنهم ، كأنما يرجو أن يصير صقراً ينفض عنهم غبار الزمن.

وشرح نصار أنّ الشاعر يوظف في القصيدة تقنيات مختلفة تتنوّع ما بين الوصف والمناجاة والتساؤل، وتعكس نبرة متقلّبة بين الإحساس بالتحدي والانكسار والعبثية، وتنطوي على تلميحات وتأملات فلسفية تتناول معنى الحياة والشعور بالخواء والوحدة.

وقال إنّ شعر أبي صبيح يعتمد أكثر ما يكون على الخيال في تكوين صور شعرية تقوم على توظيف الغرائبية والفنتازيا والسريالية وإقامة علاقات غير مألوفة بين الدلالات، ومجاورة ما لا يتجاور في الواقع، وتصبح المشاهد الغرائبية المستمدة من البيئة الخارجية مجرد انعكاس للعالم الباطني، وهو لا يكتفي بتكوين تشكيلات بصرية سريالية منفردة بل تتكدس الصور حتى تصبح القصيدة مثل لوحات فنية متتالية تنم عن رغبته اللامتناهية في توظيف قدرة المخيلة على الابتكار.

وأضاف نصار إنّ الجزء الثالث المسمى «جمر الشمس» يفتتح وعلى خلاف الجزئين السابقين بتقديم رؤيا وتنبؤات مهّد لها بأمنيات ورغائب في نهاية الجزء الثاني، وهنا نرى تحولاً بارزاً في التحول من الصور المحسوسة التي تعكس حالات العالم النفسي الداخلي الى مستوى تجريدي يقوم على توظيف صور معنوية غير محسوسة. وقال نصار إن الشاعر في هذا الجزء يبحث عن الخلاص في كلماته وعن حريته في الشعر الذي يستطيع إعادة بناء العالم المنهار ما يمنح الإنسان حريته، وأضاف نصار: يبحث الشاعر عن الأمل فيدرك أنه ليس سوى في نبض حروفه التي تستطيع أن تجعل البحر جليدا وأمواجه غابة كريستال. وهكذا يشرع في بناء ما يسميه مملكته من النور والكريستال.

وقال نصار: يقدم الجزء الأخير رؤية خلاص الإنسان على هيئة ثنائية تتمثل في الشمس والشعر، الشمس منبع النور والضياء تمطر بأنوارها كل جمر يأتي به الأفق، وتمحو من النار عنصرها ومن الجمر جمرته، وأما الشعر فيمحو قلق الكلمات ويتسامى بالإنسان كأنما يصعد الى السماء نحو الحرية والنور. وما يلفت الانتباه كما قال نصار أن خاتمة الديوان تفيض بلغة شعرية إيقاعية تتجسد في مناجاة صوفية تستلهم إشارات تراثية.

وكانت الورقة دللت بنصوص شعرية حلل فيها نصار أسلوباً ولغة وظلالاً أرادها الشاعر أبو صبيح الذي تمتد مسيرته مع الشعر عبر ما يزيد عن ثلاثين عاماً احترمها نصار وقال إن الشاعر قدّم خلالها تسعة دواوين وعدداً كبيراً من اللقاءات والأمسيات والندوات الشعرية، رافقها حضور تجلى في الحوارات الصحفية التي تلقي الضوء على تجربته الشعرية، وفي عدد من الدراسات والتأملات النقدية حول منجزه الإبداعي من قبل عدد من الأقلام في الأردن والعالم العربي في الصحف والمجلات الثقافية العربية.

رابط الموضوع

رابط الصفحة الكاملة







قراءة في قصيدة الجمر

نصار: عبارة أبو صبيح الشعرية تنساب لتنسج حكاية في موضوعها العام





أمسية ناقشت "قصيدة الجمر" في رابطة الكتاب الأردنيين

عمان - قال القاص والناقد إياد نصار إن مسيرة الشاعر جميل أبو صبيح مع الشعر طويلة وغنية "عبر ما يزيد عن 30 عاما قدّم خلالها 9 دواوين رافقها عدد من الدراسات والتأملات النقدية حول منجزه الإبداعي محليا وعربيا في الصحف والمجلات الثقافية".

واستعرض في الأمسية التي نظمتها رابطة الكتاب الأردنيين أول من أمس، بدايات أبو صبيح التي كانت مع ديوان "الخيل" العام 1980، ثم "البحر" العام 1983، ثم الديوانان الثالث والرابع "تماثلات" و"الهجرات" في العامين 1986 و1989 وفي السنة التالية صدر كتابُه "الأمطار" وفي العام 1999 صدر ديوانُه "أشجار النار". وفي العام 2004 صدر ديوانُه التاسع المسمى "قصيدةُ الجمر" ضمن اصدارات وزارة الثقافة".

وأضاف أنَّ الشاعر "على خلاف عناوين دواوينه التي تتكونُ من كلمة أو كلمتين، فإن عبارتَه الشعرية تنسابُ لتنسج حكاية أو سرداً في موضوعها العام، وتترددُ موسيقى بايقاعها.

وسلط الضوء على ديوان "قصيدة الجمر " الذي رآه "ينطوي على بناء فني ذي جماليات لغوية وشعرية تنم عن رؤية متأنية واعية أشبه ما تكونُ بعمل النحات المتأمل الصبور الذي يرى عالمَه متجسداً في وعيه قبل أن ينحتَه في الحجر، وهو بناء يقوم على التوظيف المكثف للصورة الشعرية وايقاعاتها الحركية وظلالها اللونية".

واعتبر نصار الاستهلال في الديوان مفتاحاً لفهمه، الذي ينطوي على أمرين: الأول هو الجو العام للقصيدة بأجزائها الثلاثة حيث لا شيء يلوح في الافق سوى أمواجِ طوفان، لكنه طوفانٌ ليس فيه سوى نيران ودخان، ويعبّرُ عن الخراب الذي أتى على كل شيء حتى كادَ أن يفتكَ بالانسان.

والأمرُ الثاني هو الاشارة الى عالم ابو صبيح الشعري في هذا الديوان الذي سنتعرف عليه لاحقاً ويتشكل من فسيفساء تصنع ُلوحات كونية تستند الى كل عناصر الطبيعة وخصوصاً الجمر والنار ورموزهما في الشعر".

ولفت الى أنه "تسيطرُ على القصيدة بحكم اقامة الشاعر لسنوات طويلة في الخليج وخصوصاً في قطر أجواءُ البيئةِ الصحراوية التي تستحضرُ صور النار والجمر والحمم والجراد والمضارب والخيام".

ولا يستغرب نصار أن تظلَ مفردةُ الجمر أو النار "تتردد حيث بلغت ما يزيد عن ثلاثين مرة في الجزء الاول، في حين لم ترد صور الماء والبحر والثلج الا نادرا، وغاب عنها صور الاشجار والامطار، ويغلب على جملته استخدام الفعل المضارع الآني كأنما تحدثُ الاشياء أمامَنا لأول مرة الآن، ونرى صورَها المتلاحقةَ المتتابعةَ، كأنما نعيشُ التجربةَ ونحس بها كما أحس بها وتركت اثراً عميقا لا يُمحى من وعيه".

وتطرقَ إلى الجزء المسمى "جمر الظل" حيث يبني الشاعرُ مشهدَه على زاويةٍ أوسعَ من الرؤية التي تخرجُ عن التجربة الذاتية الى مشهد يمورُ بكل صور الحياة والحركة والاخرين"، لافتا إلى أنَّ الشاعر في هذا الجزء قدم "تنويعاً على صور الحياة المختلفة، وخرجَ الى فضاء مجازي تأملي يتجاوز حدود الصحراء، فلم تعدْ مقتصرةً على الاحساس الذاتي الداخلي بمعاناة العيش، بل نرى القصيدة تنحو الى تقديم رؤية كونية تُعنى بكل تفاصيلها".

وبين نصار في ورقته "البحث عن الخلاص بين ثنائيات النار والنور"، أنَّهُ اذا كان الصوت في "جمر الطريق" "يصف الاشياء ويعبر عن الحالات النفسية بضمير الغائب للدلالة على غياب الصوت الانساني، فإن المتكلمَ في "جمر الظلال" يحكي بضمير المخاطب ويبدو أكثر احساساً بالأمل حيث يفتتح الجزءُ الثاني بمناداة الظل ليكونَ مانحَ الحياة في غابة الموت".

واستذكر قصيدةَ للشاعر الأميركي روبرت فروست الذي توفي في العام 1963 بعنوان "النار والجليد"، مبينا أنَّهُ رغم قصر تلك القصيدة التي تتكون من تسعة أبيات، إلا أنها طرحتْ قضيةَ مصير الانسان والكون ضمن إطارٍ فلسفي يستندُ الى تصورات دينية".

وبين أن ابو صبيح يوظف في القصيدة ذات التفعيلة "تقنيات مختلفة تتنوّع ما بين الوصف والمناجاة والتساؤل وتعكس نبرة متقلّبة بين الاحساس بالتحدي والانكسار والعبثية"، مؤكدا أنها تنطوي على تلميحات وتأملات فلسفية تتناول معنى الحياة والشعور بالخواء والوحدة.

وفي ديوانه السابق "أشجار النار"، اعتبرَ أبو صبيح ان الشاعر عاد في إلى "أحدِ أساليبه المعروفة وهو تكرار استخدام الكلمات أو الجمل ذاتها أحياناً بشكل متتابع في المقطع نفسه أو تظل تتردد في نهايات المقاطع الشعرية ما يعطي توكيداً للفكرة ويلفت انتباه القارئ الى بناء الشكل العام للقصيدة".

وبين أن شعر ابو صبيح على تقديم صور شعرية تقوم على توظيف الغرائبية والفنتازيا والسوريالية وإقامة علاقات غير مألوفة بين الدلالات، ومجاورة ما لا يتجاور في الواقع، وتصبحُ المشاهد الغرائبية المستمدة من البيئة الخارجية مجرد انعكاس للعالم الباطني، وهو لا يكتفي بتكوين تشكيلات بصرية سوريالية منفردة بل تتكدس الصور حتى تصبح القصيدة مثل لوحات فنية متتالية تنم عن رغبته اللامتناهية في توظيف قدرة المخيلة على الابتكار:

مدارس غاباتُ نارٍ تفحُّ عصافيرَ جمرٍ طليقة
عصافيرُ تفترسُ الصحوَ حتى تقيء وتهوي الى حُفَرِ النار
تخضرُّ في عتمة الضوْء.

وختم نصار "تنتهي "جمرُ الظل" بأمنيات ورغائبَ تبدو مستحيلةً كأنما تريد أنسنةَ النار وتحويلَ جمرِها لتصير أقحواناً. توحي الامنيات بأنها تؤسس لرؤية شعرية تستشرف المجهول وتحلم بعالم آخر غير هذا الذي قدمته حيث النارُ تصير سلاماً".

رابط الموضوع بصحيفة الغد الأردنية
 
رابط الصفحة الكاملة
 
 

أنقذوا "أفكار"

إياد نصار



* نشرت في صحيفة الدستور بتاريخ 23/3/2011
 
أوجه ندائي لدولة رئيس الوزراء ومعالي وزير الثقافة لانقاذ رمز وطني ثقافي عريق اسمه مجلة "أفكار". ارتبطت "أفكار" في ذهني منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا ووجدتني طالباً على مقاعد الدرس بنصوص من القصة القصيرة والشعر في الاردن ومضامينها الانسانية ، وجمالياتها اللغوية والاسلوبية ، وكنت أحس بعلاقة حميمة تربطني بها ، واحتفظ بها بين كتبي كمن يخشى على شيء عزيز عليه من الضياع ، فأحببتها وترسخت لها في وجداني مكانة خاصة بوصفها رسالة تحمل الابداع في الاردن. ارتبطت "أفكار" في ذهني ، وأظنها كذلك في أذهان الكثيرين من القراء والمثقفين ، باسماء مبدعينا الرواد الكبار الذين تذوقنا ، وكنا ما نزال نتلمس طريقنا في عالم الكتابة والابداع ، روعة فكرهم وفتنة قصائدهم وبراعة قصصهم ، التي تحمل هموم الفقراء والمتعبين والباحثين عن الحرية في الكلمة ، في وقت كانت كتاباتهم هي الفضاء الوحيد المتاح أمامهم يبثون من خلالها همومهم الحياتية وانشغالاتهم الفكرية ومواقفهم الوطنية. ارتبطت "أفكار" في ذهني بشيء جميل حينما اكتشفت معنى أن يصبح الكتاب رفيقك ، والقلم صوتك ، والكلمة هي الريشة التي ترسم بها حلمك. لقد ارتبطت "أفكار" دائماً بمراحل تطور الابداع في الاردن ، ولعبت دوراً فاعلاً في تقديم ثقافة حداثية تنويرية. ارتبطت "أفكار" دائما بكونها شاهداً على ازدهار الابداع في الاردن ، ورافعاً من روافع الحركة الأدبية. لكن أخشى أن ذلك يوشك أن يصير الان تاريخاً.


أين هي مجلة "أفكار" الان؟ هل رآها أحد منكم منذ فترة؟ أتحدى أن يجدها أي منكم في أية مكتبة تبيع المجلات والكتب ، أو أية وكالة لتوزيع الصحف والمجلات ، أو أن يجدها حتى لدى الاكشاك أو باعة الارصفة. يكاد هذا الرمز الثقافي الاردني الجميل الذي صمد ما يزيد عن خمسة وأربعين عاماً أن يضيع أو يصبح مجرد ذكرى. المجلة شبه غائبة أو مغيّبة.


هل يعقل أن "أفكار" بعد كل هذه السنوات الطويلة من مسيرتها ، وبدلاً من أن تصبح رسالة الاردن الثقافية الى العالم العربي ، لا تطبع سوى ألف نسخة توضع في أدراج وزارة الثقافة لكي يتم توزيعها على الكتاب المشاركين فيها وعلى أفراد وجهات ومؤسسات ثقافية وأكاديمية مختلفة؟ وأغلب من ترسل اليهم المجلة لا ينتظرونها ، فإن وصلت فلا بأس ، وان غابت فلا يدري بها أحد. تخيلوا الف نسخة فقط ، ومع ذلك لا توزع كلها ، بل يبقى فائض منها لدى الوزارة بسبب غياب التوزيع المؤسسي التسويقي الحقيقي. المجلة لا تصل الى القارىء الاردني العادي نهائياً ، وربما قلة قليلة تتابع صدور العدد من غير كتّابه بسبب عدم وجود المجلة في المكتبات ومنافذ بيع المجلات ، واذا كانت المجلة مفقودة من السوق الاردني فهي غائبة بالضرورة عن القارىء العربي أيضاً ، اللهم بعض الجامعات العربية التي تصلها نسخة واحدة بفضل جهود محرريها. وحتى النسخ التي تطبع ويوزع جزء منها ، فإن ذلك يتم بجهود هيئة التحرير الشخصية واتصالاتهم وحتى باستخدام سياراتهم.


لقد شاركت في أواخر الشهر الفائت في ورشة للنقاش حول سبل تطوير "أفكار" بمبادرة من هيئة تحريرها ، وحضرها نخبة معروفة من المبدعين والكتاب والاكاديميين والعاملين في الصحافة الثقافية بحضور عطوفة الامين العام للوزارة ، الذي كان مهتماً بالاستماع الى اقتراحات للنهوض بها. وهي مبادرة يسجل لها الشكر ، وتدل على الرغبة في العمل والتطوير والتواصل مع جمهور الكتاب والمتابعين للشأن الثقافي. وقيلت في الورشة أفكار كثيرة تعبر عن الامال الكبيرة في أن تصبح "أفكار" في مكانة أفضل تليق بتاريخها. ولكن الورشة وضعتنا أمام حقائق إدارية ومالية مذهلة أخشى إن استمرت أن تؤدي الى موت هذه المجلة العزيزة.


ورغم أنه يتوفر لأفكار حالياً هيئة تحريرية جادة في التطوير والتحديث ، ولديها الخبرات الكافية ، والمجلة ما تزال تحظى باهتمام وثقة كثير من الكتاب والمبدعين الاردنيين وبعض العرب الذين يرفدونها بكتاباتهم وابداعاتهم ، ورغم ما سمعناه عن نقص في المواد الثقافية التي تصلها ، إلا أن ذلك ما هو الا نتيجة الخلل المالي والاداري والتسويقي الذي تعاني منه المجلة.


لقد تراجعت الميزانية المرصودة لوزارة الثقافة كثيرا عما كانت عليه من قبل ، وتراجعت المخصصات المتوفرة لكثير من مشاريع الوزارة ، ولكن أفكار ليست مجرد مجلة ، بل جزء من مشروع ثقافي وطني ، يهمنا نجاحه. إن التفكير بتطويرها ضمن ما هو متاح حالياً من موارد وميزانية جهد ضائع لن يغير في الصورة كثيراً. المجلة بحاجة الى رعاية سخية واستقلالية مؤسسية تتجاوز الكثير من المعيقات المالية والادارية. المجلة بحاجة الى قرارات كبيرة إذا أردنا أن تظل أفكار جزءا من الحالة الثقافية في الاردن. تحظى المجلات العربية الثقافية العريقة بدعم حكومي حريص على استمراريتها كأنها رموز وطنية ، يتمثل في تقديم مخصصات مالية في سبيل تطوير امكانياتها ، وتوفير كادر تحريري متخصص ضمن استقلالية ادارية واضحة وامكانيات طباعية وفنية واخراجية عالية ومبان وامكانيات كبيرة للتوزيع واستقطاب الاقلام والمكافآت وإقامة النشاطات والفعاليات ودعم الابحاث والاستطلاعات والمتابعات الميدانية وغيرها. هناك الكثير من الافكار الجميلة التي طرحت في الورشة ، وتتناول تطوير الشكل والمضمون ، وهناك الكثير من الاحتياجات التي تم تحديدها ، وهناك بعض التصورات الواضحة التي تعبر عن رؤية استراتيجية لتطوير أفكار ، ولكن ستظل هذه الافكار والمشاريع حبراً على ورق دون رعاية حقيقية وغير عادية لمجلة أفكار.


أعتقد أنه لا بد من تشكيل لجنة عليا لكي تتولى ومن ناحية استراتيجية وضع الخطط الادارية والمالية والتصورات التي تحرص على الاستقلالية المؤسسية التي تتيح للمجلة حرية العمل ووضع الخطط موضع التنفيذ ، وبما يؤمن لها قدرة أكبر على الحركة والتغيير والتطوير ومواكبة التطورات وتوظيف الامكانيات الطباعية والرقمية الحديثة. أرجو أن تصبح أفكار مجلة الاردن الاولى التي تجدها في كل ركن مثلما تجد مجلة أخرى كالعربي ، وأن يحرص الناس من تلقاء أنفسهم على اقتنائها ، وأن تلعب دورا كبيرا في نشر الوعي والثقافة بين قطاعات المثقفين والطلبة والاكاديميين والمتخصصين والمبدعين والنخب في ميادين الثقافة والفنون ، وأن تصبح ذات حضور معروف على صعيد المنطقة العربية ، وبالتالي تنتقل من كونها مجلة ثقافية أردنية الى مجلة ثقافية عربية كبيرة تعزز حضور أدباء الاردن ومبدعيه ومثقفيه في الساحة العربية.


إن النظرة الادارية التقليدية التي تتذرع بغياب الامكانيات المالية والعجز وعدم مرونة الانظمة والتشريعات والقوانين التي تحكم عمل مؤسسات الدولة ووزاراتها المختلفة لن تقدر على تطوير المجلة الى المكانة المأمولة. المسألة بحاجة الى نظرة شمولية تخرج عن منهج التفكير في داخل الصندوق الى اجتراح قرارات جذرية تؤمن بأهمية الثقافة في بناء الوطن والانسان بحيث لا يبقى حظ الثقافة في آخر سلم الاولويات. ولهذا أتمنى أن تحظى أفكار برعاية خاصة في إطار نظرة جادة تسعى الى جعلها مشروعاً أردنياً الى العالم العربي لنشر الابداع والتنوير.

رابط الموضوع بصحيفة الدستور

رابط الصفحة الكاملة (انتظر قليلاً ريثما يتم تحميل الصفحة)



الجمعة، مارس 11

خليل قنديل.. كتابة نبض الشارع



خليل قنديل..كتابة نبض الشارع

اياد نصار

* نشرت في الملحق الثقافي لجريدة الرأي ليوم الجمعة 4/3/2011

يطل خليل قنديل على قرائه كل يوم ليكتب السهل الممتنع في قضايا ثقافية واجتماعية وإنسانية واسعة الطيف، بلغة تنطوي على درجات من التصريح والتضمين ومستويات التحليل المختلفة، بحيث تبدو ظاهرياً أقرب إلى لغة القارئ العادي، وليس القاص ذي العبارة الرشيقة الذي عرفناه أو الأديب المتخصص في اختيار كلماته من معجم أحاديث الإنتلجنسيا.


وتتراوح إضاءاته ما بين مشكلات التخلف، والتنمية، وهبوط الذوق الفني، وهيمنة مفاهيم الصمت، والعلاقات النفعية، والمماحكات، وتسطيح القضايا، وتزييف الوعي، وانتشار ظواهر التسلق، والمجاملة في الأوساط الأدبية، التي تنحدر بمستوى الإبداع، وتحيل الفعاليات الأدبية إلى مناسبات احتفالية كرنفالية دون إضافة قيمة تسهم في نهضة إبداعية حقيقية.

قنديل قريب من نبض الشارع، ويكتب من عمق معاناة الناس التي يشعر بها، ويكتوي بمظاهرها التي يقتنص منها دائما موضوعات لكتاباته اليومية. ولكن ما يستحق الإشادة أن قنديل قاص مخضرم ومخلص لفن القصة منذ ما يزيد على ربع قرن. قليلون هم من لم تغوهم الرواية في هذا العصر رغم جوائزها الكثيرة، ورغم الاحتفاء "الأسطوري" الذي يلقاه الروائيون أحيانا، وأجد لزاماً هنا أن أشيد في هذا المقام بقلعة القصة الأردنية الأخرى التي بقيت صامدة في وجه رياح الرواية، يوسف ضمرة، الذي يطل علينا بين حين وآخر، بإرادته القوية، ونفسه المرهفة، وعطائه الموصول، ليقدم إبداعه ونظراته النقدية العميقة، والتفاتاته اللغوية الجمالية.

يمتاز أدب خليل قنديل بأنه أدب الحياة الشعبية بكل واقعية صرفة ينقل تفاصيلها وأمكنتها ونماذج شخصياتها وموروثاتها وأساطيرها ومقولاتها وتصوراتها وخرافاتها. وتقدم قصصه القصيرة صورا بالغة الدقة من نمط معيشة الناس ومعاناتهم وهواجسهم ورغباتهم وأوجاعهم وأسلوب تفكيرهم. تمور قصصه بالحركة والصوت والروائح ويركز على الوصف الذي ينقل تأثير العالم الخارجي على الإنسان ليكون البديل الذي يرسم المعاناة النفسية الداخلية.

شخصياته القصصية من النوع الذي تراه كل يوم في الشوارع والأزقة والأحياء الشعبية وبيوتها القديمة التي تبدو مألوفة، لكن قصصها اليومية المكرورة تتلمس بشكل مكثف أوجاع الفقراء والمهمشين وتأثير المكان فيهم.

وصف الناقد فخري صالح أسلوبه بقوله: "تغلب على قصص خليل قنديل الواقعية الخشنة والوصف التفصيلي الدقيق لمشاعر شخصياتها ومونولوجاتها، كما إن القاص، في سياقات أخرى، يعيد سرد الحادثة الواقعية في إطار العجيب والغريب والسوريالي والاقتراب من روح الطبيعة العاصفة المدمرة، ما يذكّر بالقصة والرواية القوطيتين ممثلتين بكتابات أبي القصة الأميركية، وربما في العالم كلّه، إدغار ألن بو".

احتفت الأوساط الأدبية في الأردن بصدور مجموعة قنديل الأخيرة "سيدة الاعشاب"، حيث رأت فيها تجسيدا فنياً يرصد تفاصيل العلاقة الدقيقة بين ثلاثية المكان والإنسان -خصوصاً المرأة- والميثولوجيا الشعبية.

إنها قصص تشبه حكايات الكبار التي كنا نسمعها في طفولتنا بقدرتها على توظيف عنصرَي التشويق والنهايات بما يوثق الفلكلور والأدب الشفاهي الشعبي حول قضايا الحياة اليومية التي تجمع ما بين الخرافة والأسطورة والحلم. يقول في ذلك: "عليّ أن أعترف أنني مدين لسلالة من الأجداد والأعمام لهم رشاقة نادرة في اصطياد المفارقة وتوظيفها في بدهية السرد الشفاهي.. ومن تلك الذاكرة الشفاهية، حصلت على بداهتي التي تميزني بين الأصدقاء، وربما كتابياً".

اهتم قنديل في مجموعاته القصصية جميعها بمادة الحياة اليومية والتفاصيل الصغيرة للناس في الأسواق والشوارع والأدراج والأزقة. وهو يعتمد في عمله القصصي على الملاحظة الدقيقة لحركة هؤلاء الأفراد. وبرأيه فإن "القاص الذي لا يمتلك العين الصقرية القادرة على التقاط أدق التفاصيل، والعلاقة الفانتازية ما بين التفاصيل، فاشلٌ بامتياز". ولهذا يشعر أن هذا المنجم ما يزال بكرا يحتاج إلى استكشافه: "لي العديد من القصص والحكايا مع شوارع لم أكتبها، وقصص أخرى لساحات عامة وأسواق، وربما أشجار، وصباحات جميلة أبقيتها حبيسة فِـيّ لأنها لي أنا".

لذلك تميز قنديل في "سيدة الأعشاب" كعادته في التقاط التفاصيل الدقيقة وتوظيف المقولات والأساطير الشعبية في إعادة الحياة لجوانب صغيرة في حياتنا التي كثيرا ما نمر عنها فلا تستوقفنا، لكنها تستوقف عين القاص الدقيقة. ورغم قلة كتاباته القصصية وانشغالاته الصحفية والحياتية، إلا أنه ما يزال منحازاً لصف القصة.

مما يجدر ذكره أن قنديل، الذي عُرف عنه روح النكتة والدعابة والفطنة وطبيعته الاجتماعية الساخرة أحياناً والتي تضيق ذرعاً بالرسميات في اللقاءات الطويلة التي لا يحتملها، بدأ مشواره القصصي العام 1983 مع "وشم الحذاء الثقيل"، الذي صدر عن رابطة الكتاب الاردنيين، ثم مجموعة "الصمت" عن اتحاد كتاب وأدباء الامارات العام 1991، ثم "حالات النهار" العام 1995، وفي العام 2002 أصدر مجموعته الرابعة "عين تموز".

وقد احتفت رابطة الكتاب الأردنيين في العام 2006 بصدور أعماله القصصية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، متضمنة مجموعاته الأربع السابقة، والتي كتب قصصها على مدار ربع قرن من الزمان، وذلك بإقامة حفل توقيع للكتاب وأمسية تحدث فيها روائيون ونقاد حول مضمون أعماله وتجربته القصصية. وفي العام 2009 نال درع أمانة عمان بمناسبة صدور مجموعته القصصية الأخيرة "سيدة الأعشاب" في العام 2008 والتي صدرت عن وزارة الثقافة ضمن مشروع التفرغ الإبداعي، وقد أقيم لكتابه حفل توقيع في بيت تايكي حضره وزير الثقافة الذي ألقى كلمة أشاد فيها كثيراً بالقاص خليل قنديل. كما تحدث فيه أدباء عن تجربته الإبداعية.

قنديل، الذي وُلد في إربد العام 1953، واسمه الحقيقي خليل محمد العبسي، صاحب مشوار طويل مع الأدب والصحافة، فقد عمل لسنوات طويلة سكرتيراً لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات العربية المتحدة. كما عمل في الصحافة منذ ثمانينات القرن العشرين، وما يزال يعمل في صحيفة "الدستور".

ينتظر القراء من قنديل، مزيدا من الإبداع القصصي الجميل، والعطاء الصحفي البارع الذي يقتنص الجوهر بوعي قنديل المغرم بالبحث عن حكمة العيش وخلاصة التجربة الكامنة في ثنايا مواقف الحياة، التي قد نمر عليها مرور الكرام، لكن قنديل يقدمها في كلمات ذات إضاءت فلسفية واجتماعية تحمل الهم والرغبة في التغيير المجتمعي الإيجابي.

رابط المقالة بجريدة الرأي

رابط الصفحة الكاملة بجريدة الرأي



الثلاثاء، مارس 1

نساء العتبات بين اشكاليات النقد السياسي والبناء الروائي


 


"نساء العتبات" للروائية العراقية هدية حسين
بين اشكاليات النقد السياسي والبناء الروائي

إياد نصار

* نشرت في جريدة النهار اللبنانية يوم الثلاثاء 1/3/2011

بعد عدد من الروايات والمجموعات القصصية التي امتدت بين عامي 1993 و2010 تأتي رواية "نساء العتبات" للروائية والقاصة العراقية هدية حسين في سياق مهم، ليس على صعيد طرح قضايا المرأة وحسب، ولكن ضمن معالجتها بمنظور تحليلي لجملة من المشكلات الانسانية والاجتماعية والسياسية التي تورّثها الديكتاتورية أولاً، وثانياً باعتبارها شهادة توثيقية تمتليء بصور الحزن والموت والخراب، وتؤرخ لمرحلة حاسمة من تاريخ العراق المعاصر، وتطرح في ثناياها عواقب الاستبداد السياسي وويلات الحروب، التي تدمر النسيج الاجتماعي، وتفتك بالبشر، وتهدم الاحلام، وتضع الناس في تقويم الزمن الخطأ، ليدفعوا الثمن من حياتهم ومستقبلهم، وتفتح الباب على عذاب الهجرة والنفي والغربة. تلخص الرواية رغم صفحاتها القليلة - 210 صفحات من القطع الصغير- مأساة العراق "بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة.. الحروب، الخوف، عسكرة الحياة، رعب الموتى على ذويهم، سوق الرجال الى جبهات القتال، وموتهم أو عودتهم معوقين، أو فقدانهم". واذا كان من خصوصية للرواية فهي انشغالها بالتعبير عن جوانب شتى من بؤس المرأة تحت وطأة الحرب وتداعياتها وتأثيراتها النفسية العميقة على المرأة العراقية التي لا تجد خلاصاً، لا قبل الحرب ولا بعدها.

يثير عنوان الرواية مثلما يثير غلافها الكثير من التساؤلات. فمن هن نساء العتبات؟ وهل قررت هدية حسين، التي طالما طرحت قضايا المرأة في أعمالها دون أن تتبنى خط التوجهات النسوية في الادب، أن تغير اتجاهها؟ تساؤلات لا بد منها. ولكن تبقى صورة الفتاة ذات الملامح الطفولية الغامضة حاضرة في الذهن، لنكتشف أنها تستولي على أحداث الرواية بقصتها؛ أنها (أمل) الضحية التي ماتت صغيرة وتركت لغزاً خلفها، وهي (أمل) بطلة الرواية التي تعيش معاناة، تذكّر بمعاناة خالتها التي رحلت وأورثتها اسمها.

تستحضر العتبات في الذهن رموزاً ومعانٍ كثيرة، وتكتسب مستويات متعددة من التوظيف في الرواية. العتبات مرادف للقصص المغمسة بالوجع في البيوت الفقيرة، والزقاق الموحلة، والاماكن الكئيبة، وبوابة للدخول الى عالم الخيبة وسوء الطالع والمعاناة، ورمز لعالم النساء المهمشات اللواتي يضحين بكل شيء لأجل رجل مفقود، يحلمن أن يعود ذات يوم. وهي التجسيد الحي لصور تعبيرية من الحرمان والفقدان والانتظار، والنافذة التي نطل منها على المشهد: منمنمة من قهر وخوف ضمن لوحة فسيفساء أوسع تشمل الوطن كله. وفي مستوى آخر، تصبح عتبات عصر جديد يحمل معه الخوف والدم ودمار الحرب المادي والنفسي.

تحمل كل واحدة من نساء العتبات في ذاكرتها قصة بؤس. تتعدد القصص وتفاصيلها، ولكنها تؤكد في النهاية حقيقة مفادها أن المرأة ضحية كل مغامرات الرجل، بدءأ بالحرب وانتهاءً بأوهام حب الجسد. تدفع كل امرأة في الرواية الثمن من عمرها وأحلامها وحريتها، وترهن نفسها ومصيرها الى رجل، لكن الرجل "الحلم" لا يأتي، وهكذا تموت روحها قبل أن يموت جسدها. هناك أمل وجمّار وفطومة وصفية وأم عدنان وصبرية، وغيرهن، والاسماء لها في الرواية دلالات ترميزية عالية.

تؤكد حكايات نساء العتبات، كما ترى البطلة، الحقيقة المرة: لقد حوّل النظام بحروبه البلد الى سجن كبير ليس فيه سوى النساء البائسات والرجال المفقودين: (جبّار) - زوج أمل والضابط في الحرس الجمهوري- اختفى في الحرب ولم نعد نسمع أخباره، وأبوها (مصطفى) اختفى منذ سنوات طويلة خلال الحرب العراقية الايرانية، واختفى (زهير) المكلف برعايتها أثناء هروبها الى عمان عن مسرح الاحداث، ومات (ماجد المرهون) زوج خادمتها جمّار، وقتل (مريوش) زوج أم عدنان بصاروخ سقط على منزلهم، ومات ابنها في حرب الكويت، وقتل ابن فطومة الاكبر في الحرب، وأعدم الثاني لأنه رفض التطوع. واختفى المعلم أبو محمود لأنه وضع طبقاً لاقطاً على سطح بيته. وللسخرية لم يبق أحد من الرجال حياً الا المجنون! عاد من الأسر في ايران بعد أربعة عشر عاماً ليجد زوجته قد تزوجت أخاه!

يدرك القاريء منذ الجملة الاولى أنها رواية الحرب، وأن الحرب حاضرة فيها في كل تفاصيلها. فهناك اشارة في أول الرواية وآخرها الى سقوط التمثال في ساحة الفردوس، مما يستحضر في الذهن سقوط النظام عندما وصلت طلائع المارينز الى بغداد. بل إن الشخصية الراوية التي تسرد بضمير الأنا العليمة تستهل حكايتها بالحديث عن الهروب من بغداد الى عمان. وهكذا ترسم افتتاحية الرواية ملامح المكان والزمان، ولكنها ملامح ملطخة بالدماء وممزوجة بقصص الالم ومنذرة بالعواقب حين تختار امرأة أن تحيا خارج السرب.

تبدع الرواية في تجسيد بشاعة الحرب ودمارها وفجائعها وعبثيتها على نحو مؤثر. ولعل ما قاله والد أمل، الذي لا نراه في الرواية، وكان يعمل أستاذاً في الجامعة عندما أخذوه للحرب، ولم يرجع منذ ذلك الحين، هو أبلغ تعبير: "نحن حطب الحروب، وسنحترق بنارها لنضيء مجد الحكام الزائف".

تؤرخ الرواية لأيام الحرب الواحدة والعشرين حتى يوم التاسع من نيسان الذي سقطت فيه بغداد. غير أن عملية تأريخ الحرب، تتخذ في الرواية شكل العناوين الاخبارية، التي تبقى تظهر كل يوم. وإن تكن سمّتها الكاتبة "عناوين المحرقة الجديدة"، إلا أن هناك إفراطاً في توظيف الارشفة التاريخية، مما ينزع بالرواية نحو التقريرية. وعند تلك اللحظة تغيب القصة الاساس في الخلف لتفسح المجال لعناوين الحرب التي اتخذت خطاً أسود غامقاً لأن تبرز. وبالرغم من كل الاهوال التي تصفها الرواية، والاحداث العسكرية خلال أيام الحرب، وما رافقها من أعمال نهب وقتل وتشريد، والتي تؤرخ لها، إلا أننا لا نجد في طول الرواية أو عرضها كلمة واحدة تصف القوات الغازية بالمحتلة، أو تصف ما جرى بأنه احتلال، وتبقى البطلة أغلب الوقت صامتة لا تبدي رأيها فيما يجري.

تقوم الرواية على توظيف مواقف المفارقات والمتناقضات لابراز النقد السياسي وإدانة الحرب، حيث تصف الاحداث بأنها "أم الكوارث" في اشارة ساخرة من "أم المعارك" التي أطلقها النظام على حرب الخليج الاولى. ولعل قصة زواج أمل من الضابط الذي يكبرها بثلاثين عاماً هي إدانة للحرب التي أخذت الشبان للقتال، فلم تعد قادرة على التواصل مع من هم في مثل سنها، لأنهم لا يستطيعون منحها الامان أو الحلم. وحينما عرض جبار على زوجته أن تقرأ الكتب في مكتبته، والتي تضم كراريس حزبية، وكتباً سياسية، فقد أعرضت عنها في رفض رمزي للحرب، وكل ما يمت للنظام بصلة.

غير أن هدية حسين تضع دائما كلمات النقد السياسي في فم شخصياتها باسلوب يحيل الشخصية الى مجرد حاملة أفكار ذات بعد رمزي، تنم أفعالها وكلماتها عن مواقف مفروضة على النص. أمل العروس التي تدخل قصر زوجها الذي بدا مثل الجنة بالنسبة لها، وبدلاً من أن تعبر في أول ردة فعل لها عن السعادة حينما رأت غرف القصر الباذخة، فإنها تترك كل شيء، وتنشغل في التفكير بقضية أخرى على نحو غريب: "إذا كان هذا قصر ضابط في الحرس الجمهوري، ترى كيف تكون قصور الرئيس المنتشرة في المدن العراقية؟". وحينما ترى النياشين والأوسمة التي حصل عليها جبار من معارك سابقة، لا يخطر في بالها سوى القول: "كم من الدماء سالت لكل قطعة من هذه القطع؟".

ورغم أن البطلة تبقى متحفظة وخائفة في أغلب الاحيان، فإنها تترك دور ممارسة النقد السياسي لخادمتها القروية البسيطة، التي لا تفلح في استدراج أمل، وتعوض الرواية عن ذلك فنياً بافراط جمّار في النقد الى حد كبير، في اشارة ضمنية الى أن هذا هو حديث كل الناس المقموعين الذين لا يتاح لهم التعبير في الوطن. تصفها أمل بأنها أكثر معرفة منها ببواطن الامور، لتعزيز مصداقية نقد جمار للنظام. تصبح جمار الصوت الناطق باسم البطلة، كأنما هو صوتها الغائب وجرأتها المفقودة. شخصية جمّار في الرواية لا قيمة فعلية لها على مسرح الاحداث سوى أنها حاملة أفكار بامتياز، تهرّب من خلالها البطلة ومن وراءها الكاتبة أفكارهما. تحمّل جمار النظام مسؤولية كل المآسي. وعندما تذكر جمّار كلمة عفريت، تتذكر أمل قول أمها "عفريت الحروب يتلبّس الرئيس، وسيضيع آلاف الاباء مثلما ضاع أبوك". ما يثير الاستغراب أننا لا نسمع منها ولا كلمة واحدة، تنتقد جهات أو أطرافاً دولية بعينها، ويلمس القاريء بوضوح أن الرواية تتبنى موقفاً دافعه تحميل النظام كل المسؤولية التاريخية، علماً بأن الرواية لا تذكر صدام حسين بالاسم نهائيا، بل تبقى تتحدث عنه بالاشارة والرمز.

تصر الكاتبة أن تمسك القاريء من يديه كي لا يضيع في تفاصيل الرواية! وكأنني بها لا تثق في قدرته أن يدرك تفاصيل الرواية دون تدخل منها في تقديم ايضاحات تفسد أحياناً انسيابية السرد. تقول الراوية "أمل" عن زوجها: "زوجي ضابط كبير في الحرس الجمهوري يدعى جبار منصور، يكبرني بثلاثين عاماً، تزوجته في ظروف عصيبة سأتوقف عندها لاحقاً"، وتقول في موضع آخر "تلك الطفلة هي خالتي التي ماتت قبل ولادتي، حينما كانت أختها صفية (أمي فيما بعد)". وعندما ترصد البطلة التحولات التي اصابت شخصيتها وحتى جمال وجهها، فإنها تتذكر رواية أوسكار وايلد "دوريان جراي". وبدلا من أن تدع القاريء يتخيل التشابه بين تحولاتها وتحولات دوريان جراي من الجمال الى البشاعة، أو يبحث عن الرواية ليقرأها ويكتشف أوجه التشابه، فإنها تترك السرد جانباً لتحكي لنا قصة دوريان جراي! كما أن الاسلوب الذي تروي فيه أمل حكاية "إلزا" في رواية "ابنة الحظ" لايزابيل الليندي يحمل الرغبة في شرح كل التفاصيل للقاريء، كي لا يضيع في اكتشاف أوجه الشبه بين الحكايتين. تقول بلغة ناقد في أثناء روايتها: "عن تلك الحياة المرتبكة القلقة تدور أحداث رواية "ابنة الحظ" لايزابيل الليندي، شخصيات كثيرة وعالم شائك وجدتني أسير فيه على خطى إلزا سوميرز"!

توظف هدية حسين في بنائها الروائي اسلوب الاخراج المسرحي والرواية داخل رواية. فالبطلة الساردة تجلس في سيارة الاجرة العائدة من عمان الى بغداد. تسترخي وتعزل نفسها عن محيطها، وتأخذ بمشاهدة الفيلم سيء الاخراج كما تقول الذي لا يراه أحد سواها. إنه شريط ذكريات حياتها بكل تفاصيله وأوجاعه وأحلامه المنهارة. وهكذا تبدأ مشاهد الشريط بالتوالي باضطراب مشوش يعكس ذاتها المتشظية من شقة في تلاع العلي في عمان، وهناك تبدأ معه أحداث رواية داخل رواية.

عثرت أمل بالصدفة على رواية في مكتبة في وسط البلد، وحين قرأتها اكتشفت أنها تروي قصتها وقصة عائلتها. لا تعرف كاتبتها ولكن جذبها ما كتب على غلافها حول معنى الحياة في وحدة وصمت. وبرغم الدقة في تصوير الشخصيات ونقل تفاصيل الاحداث، إلا أن كاتبة الرواية لم تجسد شخصيتها كما ينبغي لأنها لم تفهمها كما تقول. تحكي الرواية داخل الرواية عن المتغيرات التي مر بها العراق كالحروب، وتأثيراتها على الناس بما تنطوي عليه من الموت والفقد والمآسي وقصص الحب الخائبة.

يتواصل استخدام اسلوب الرواية داخل رواية، فقد حملت أمل معها من بغداد رواية "ابنة الحظ" الاكثر قرباً الى نفسها، والتي تحكي قصة الزا سوميرز التي أحبت خواكين مورييتا، على أمل أن ينقذها من البؤس، غير أنه يتركها وقد حملت منه، لمصير مجهول تلاقي فيه المرض والاحساس بالضياع والخديعة، مختبئة على ظهر المراكب، حتى يرسل لها الحظ حكيما صينيا يساعدها على الشفاء بالاعشاب. تبقى الزا تدور بين المدن في الغرب الامريكي وترى قصص المعاناة والاحلام الواهمة التي يبحث أصحابها عن الذهب، بينما تبحث هي عن (رجلها) الهارب بلا طائل، حتى تكتشف أنه قاطع طريق ومطلوب للعدالة.

يظهر بشكل واضح أوجه التشابه بين حكاية إلزا وحكاية أمل التي تهجر بؤس أسرتها، باحثة عن أحلام الغنى في الرجل الذي اختارته، فتجد نفسها غريبة منفية خارج العراق وحيدة، الاّ من خادمتها الحكيمة جمّار، مثل الزا والحكيم الصيني. توظف هدية حسين النص الروائي المقارن لتؤكد مدى معاناة المرأة في كل مكان، وانها في جوهرها واحد وإن اختلفت التفاصيل.

تسرد جمّار حكايتها على سيدتها في توظيف جديد للرواية داخل الرواية. يفيض حديث جمّار بالآم الغربة والحنين الى الوطن، ولا تقل مأساتها عن مأساة أمل. تبرز حكاية جمار تغلغل الظلم في الثقافة الشعبية، ومعاناة المرأة الضحية دائماً في كل نظم الاستبداد، واستباحة حقوق الرعية وانتهاك كرامة الانسان من قبل السلطة، سواء أكانت رئيس دولة، أم شيخ قبيلة.

ويعكس القلق المسيطر على تفكير أمل من تصرفات خادمتها جانباً من شخصيتها، التي تشربت مفهوم السلطة. تشعر بقلق لأن جمّار أخذت تنسى أصول التصرفات أمام سيدتها كما كانت تفعل في بغداد، وصارت ترفع التكلف بينهما. يعز على أمل أن ترى سلطتها تضمحل. وهكذا تدرك ما تفعلته الحرب والغربة من تحولات في العلاقات الاجتماعية. ومرة أخرى توظف الرواية قصة رواية "شعب يوليو" للكاتبة نادين غورديمر لتؤكد هذه الحقيقة.

أما من جانب آخر، وعلى صعيد البناء الروائي في نقطة تماس مع الاسلوب، فيلمس القاريء أن هناك قفزات سردية في الرواية، حيث يتم التجاوز عن مفاصل مهمة في الحبكة لأجل أن تكون كل الاجواء مأساوية وحزينة، وكأنه لا تولد في أجواء الحرب قصص للحب وما ينشأ عنها من تداعيات. فعلى سبيل المثال، هناك قفزة في السرد تختصر الكثير من الصراعات النفسية والعائلية والاجتماعية مما يمكن أن يجري أو يقال؛ فعندما توقف جبار بسيارته الفارهة ليقل أمل التي كانت تنتظر حافلة تأخذها الى الجامعة، ينتقل بنا السرد فجأة بعدها الى زواجها من جبار. هناك صراع درامي يمكننا أن نتخيل أنه قد حدث بينها وبين ذاتها، وبينها وبين أمها والاخرين، وخاصة أننا نعرف أن أمها لم تكن راضية عن العرس. كما تم اغفال جانب مهم آخر تماماً، وهو ظروف جبار، وخاصة أنه متزوج ولديه أولاد، وكان يمكن أن تضيء جوانب الصراع بين الواقع والحلم. كما لم تكرس أي اهتمام بنقل صور من حياتها الجديدة بعد زواجها مباشرة، لنلمس التغيير في حياتها، بل مرّت عنها مرور الكرام، لتثبت أن القصر كان مجرد سجن بالنسبة لها. فقد أهملت تلك الفترة من بداية زواجها، واكتفت بالقول: "ستخفت الدهشة بعد عدة شهور، وأعتاد على ما أرى، فلم يعد يبهرني شيء، بل صرت أرى بوضوح قضبان القفص الذي دخلته بإرادتي ورميت مفتاحه في بحر عميق".

وعلى صعيد آخر، أعتقد أن هناك اختزالاً للحدث في الرواية على حساب تحليل الشخصية التي تقوم به الشخصية ذاتها بطريق البوح المباشر. وما أعنيه هنا أن الاحداث عادة في الروايات تلعب دوراً مهما ودالاً للقاريء في فهم التحولات التي تطرأ على الشخصيات، وهو ما يسمى بتطور الشخصية من خلال التغيرات التي تطرأ على وعيها وتصرفاتها وأفكارها. غير إن التحولات التي تطرأ على شخصية أمل ونظرتها للاخرين ولمعاني الحياة المختلفة، نتعرف عليها من خلال حديثها هي عن هذه التحولات التي طرأت عليها، كعالم نفسي يحلل شخصيتها بدلا من الحدث. فبدلاً من التركيز على سرد الاحداث والمواقف والصراعات والتصادمات مع الشخصيات الاخرى، كزوجها وأمها، بما يتيح للقاريء أن يتلمّس بشكل شفيف غير مباشر طبيعة التحولات التي تطرأ على نظرتها الى هذه الشخصيات، أو مواقفها، نلاحظ أنها تنوب عن القاريء في تحليل هذه التحولات في شخصيتها!

ترسم الرواية تدريجياً ملامح شخصية أمل ونمط تفكيرها المختلف عن أمها وعن باقي النساء، اللواتي وقعن تحت وهم القناعة، والقبول بالامر الواقع، والاحلام التي تدور حول فقدان الرجال من حياتهن بسبب الحرب. لا تريد أمل أن تكون جزءاً من ماضيها أو مكانها الذي عاشت فيه، ولا أن تكون جزءاً من تاريخ أمها. ولهذا عندما ركبت سيارة جبار وهي تغادر بيتها قالت: "وداعاً لأوجاع الماضي".

تعيش بطلة الرواية في عالم من الصمت الذي تسمع فيه نداء روحها الداخلي، وتعيش مع شخصيات الروايات التي تقرأها، فهي "الضفاف الاكثر أماناً" بالنسبة لها! وتجسد لغة الرواية الانيقة صراع بطلتها النفسي بين قناعاتها وتمسكها بالجانب المادي الشكلي كما تقول عنه.

تبدع هدية حسين في تطوير شخصية البطلة الساردة. ونلمس منذ الصفحة المائة والتسع والعشرين، أي بعيد منتصف الرواية، تحولاً مهما في شخصيتها، ويبدو أنه مؤشر على عودتها الى الواقع. غير أننا نلاحظ أن هناك تسارعاً ملحوظاً في السرد في الصفحات الاربعين الاخيرة من الرواية، حيث نحس الرغبة الجامحة في الخروج من الصمت، الذي كانت تعيشه الى البوح المتسارع المتمثل في سرد تفاصيل الحياة اليومية وأحاديث نساء العتبات، حيث تسرد ماضي كل واحدة منهن!

تنتهي الرواية من حيث بدأت: تعود أمل مع جمّار عبر الطريق الصحراوي برغم المخاطرة الى بغداد. وقبل أن تغادر عمان تبيع خاتم الزواج في اشارة الى اختفاء جبار من حياتها. يتراءى لها أن وجه أمها يسير معها عبر زجاج السيارة. وهنا تصبح الام الملاك الحارس في اعلان رمزي عن عودتها الى بيئتها وتقبل أفكارها وتضحياتها. تطرح الرواية مسألة وهم الخلاص المادي الفردي، في تأكيد على فشل الحلول الذاتية في ظل الازمات الكبرى كالحروب.

يمثل المشهد الاخير من الرواية موقفاً رمزياً بالغ الاهمية يطرح التساؤلات بأسلوب تعبيري، حيث تقف أمل أمام خزانة السيوف ورؤوس الغزلان المقطوعة والمحنطة في قصرها المدمر، وتستذكر حكاية رواية "ابنة الحظ" حين وقفت الزا بجانب الراس المقطوعة وقالت: "انني الان حرة"، وتتخيل أنها تقف بجانب رأس جبار المقطوعة دون أن تستطيع أن تحس أو تصرخ أنها صارت حرة.

رابط المقال بجريدة النهار اللبنانية



الاثنين، فبراير 28

ثنائية الجسد والجسر في "حوض مالح" لحسين نشوان


ثنائيــة الجســد والجســر

في "حوض مالح" لحسين نشوان

إياد نصار

* نشرت في ملحق جريدة الدستور الثقافي بتاريخ 25/2/2011

جاءت تجربة الرواية الاولى "حوض مالح" لحسين نشوان الصادرة مؤخراً ناضجة، وذات بناء روائي يرتكز الى عدد من الاساليب السردية، التي تتداخل بايقاع كابوسي حداثي في جو من الغموض والتشظي، لتقديم رؤية تستند الى قراءة الواقع من منظور مختلف للتاريخ والسياسة.

تتسم "حوض مالح" بالتكثيف، والابتعاد عن تقنيات السرد التقليدية، وعدم الانشغال بنقل التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية للشخوص، وتنهج أسلوب تجريد الاشياء والاحداث في إطار تحليل التاريخ، والانتقال بالسرد من إطار وصفي زمني الى إطار نفسي فلسفي، يحطم كلاسيكية المكان والزمان. نجح نشوان في طرح عدد من القضايا المختلفة التي ترتبط بالتاريخ، والحروب، والاحتلالات، والاديان، والصراع على الارض، والهوية، والغربة، والنفي، والتشرد، والتراث الشعبي، والحب، وثقافة الجسد، ومفارقات الحياة، في بناء سردي يتخذ من القضية الفلسطينية منذ النكبة وحتى الوقت الحاضر إطاراً، ومن الفلسطيني الذي تتشظى ذاكرته بطلاً يعيد صياغة المأساة من جديد.

تبرز في الرواية، رغم صفحاتها القليلة، جملة من التقنيات السردية، التي تتعاقب وتتداخل باستمرار، في إطار لغة ايحائية ذات تلوينات نفسية، وإسقاطات تاريخية وسياسية. وتمزج ما بين اسلوب استرجاع الذكريات، والهلوسات والكوابيس والاوهام، والتداعي الحر للافكار، والفانتازيا، وتوظيف اللغة العامية في الحكايات الشعبية الفلسطينية، في سياق يعكس أجواء طقوسية العادات والقيم الشعبية، ما يعبر عن الجو العام للمشهد الروائي، عبر مرحلة طويلة من تاريخ المنطقة القديم، وتوظيف اسقاطاته على الزمن الراهن، لتقديم رؤيته عن معاناة الانسان في هذه البقعة التي أشار اليها الراوي بـ "حوض مالح".

ويكتنف أسلوب الراوي الانتقال الفجائي بين صيغ الزمن المختلفة في نمط فانتازي، يبدو متفقاً مع شخصية الراوي، ونمط تفكيره في الغموض، والاحساس بالعجز، والشك في روايات التاريخ، وتصورات الانسان، والثوابت الاجتماعية والدينية. ولعل أهم ما يشير الى تفكير الراوي وقناعاته قوله لسارة: "الأشياء التي تطمس هي الأهم". وظّف نشوان أيضاً أسلوب الحوار الموجز بطريقة غير تقليدية. يبدأ الحوار فجأة بين الشخصيات، دون مقدمة، أو تفاصيل عن المكان والزمان، ولذا ليس مهما بين من ومن يجري الحوار، بقدر ما هو مغزى الحوار في السياق العام للرواية.

وظّف نشوان خبرته في مجال كتابة النصوص المسرحية، وخاصة المونولوج، في الغوص في الجانب النفسي الداخلي للشخصية بأبعاده المختلفة. وأثرى النص بالتأملات للتحرر من هزيمة الماضي وكوابيسه، وإعادة تقديم تجربة الحياة باحباطاتها وانكساراتها من زاوية أخرى، وقراءة الاحداث ضمن سياقها، بعيداً عن المقولات الجاهزة والموروثات الشعبية، وخاصة تلك المرتبطة بالسياسة والدين والتراث.

يتسم السرد بتضمين النص مستويات مختلفة من النقد والسخرية والاشارات، ومقاربة القضايا الكبرى، بأسلوب يفتح عيني القاريء على حقائق جديدة، تدفع للتأمل واعادة التفكير. ورغم موضوعها المرتبط بالقضية الفلسطينية، إلا أن الرواية ابتعدت عن المعالجات الرومانسية أو العاطفية في ندب الماضي والحنين اليه، بل إن الكثير من جوانب الماضي صارت محل نقض وشك واتهام. تشتمل الرواية على مقدار كبير من نقد الذات وقيم العقل الجمعي والتراث، دون أن تتخلى عن ابراز دور الجلاد وتحميله المسؤولية التاريخية عن الجريمة، "أنا ضحية الحكاية. أعرف قاتلي ولا أعرفه، تلتبس عليَّ الأمور".

يؤكد الراوي أن أوراق مخطوط الرواية ليست له، وأن لونها صار مصفراً مثل وجه الميت، في استحضار مبكر لهاجس الموت، وصوره التي تهيمن على أجواء الرواية. ويثير الانكار التساؤل عن أهمية شخصية الراوي المحيرة. إنه في العتمة بلا هوية أو اسم، راوٍ مجهول أمام الرواية، التي صارت هي الاساس، وهو، في الوقت ذاته، مركز الضوء يقدم من خلاله الكاتب عالمه الروائي، ومن خلاله يعود الاخرون الى الحياة بخسارات الماضي ومراراته.

يروي الرواية بطلها الذي يبقى اسمه مجهولاً، وهو في حالة غيبوبة، ويدرك القاريء أن أهميته تكمن في النظر اليه بوصفه شخصية رمزية تشير الى الفلسطيني المشرد. كتب الراوي وهو على سرير المرض في مستشفى في ألمانيا الى صديقته سارة: "أكتب لك يومياتي من المنفى إلى المنفى. أتابع الأخبار ضمن مربع أبيض، أقلب القنوات بسرعة، هكذا أمرّ على الوطن فتغشاني رائحة الموت.. سأموت غريبا".

يرد عنوان الرواية، لأول مرة، في الصفحة 65 ، أي في منتصفها تقريباً، ما يفسّر أهمية الاشارة مكانياً وزمانياً، في كونها كناية عن بقعة تجد نفسها دائماً في خضم الظلم والاحتلال، وهذا هو ما تعنيه الرواية، من أن هذه البقعة، على جانبي حوض حفرة الانهدام، قد شهدت كل حروب الدنيا، وتعاقبت عليها كل فصول المأساة. "تباً لأرض لا ترتوي من الدم، وتراب لا يشبع من لحومنا.. اختلط دم الضحايا ودم الجلادين في نسلها". يشير السرد الى المؤرخ الاغريقي هيرودوتس، الذي راح يضحك، عندما رأى المآسي فوق هذه البقعة، فقال "كل الحروب وقعت في هذا الحوض المالح".

تحكي الحبكة قصة ثلاثة أجيال من عائلة فلسطينية بطريقة دراماتيكية مؤثرة، حيث عبر النازحون النهر المهدم، وعلى الجسر ضاعت أخت البطل زينب، مما تسبب في جرح لم يندمل للأم، أصابها بالجنون، حزناً على فقدانها، حيث ظلت تبحث عنها وتتأمل رجوعها. تلعب الاخت المفقودة دوراً مهماً في حياة الراوي، ويبقى مسكوناً بصورة ضياعها، الذي يبدو بالنسبة له أنه جزء من كارثة أكبر. يقول أحدهم "أختك ضائعة؟! وماذا أفعل لك؟! الكل ضائع!"، في اشارة الى ضياع البلاد برمّتها، والى مسؤولية الجلاد.

يحصل الراوي على موافقة السفارة الالمانية على اللجوء السياسي، وهناك يعاني شعوراً طاغياً بالحزن والغربة والنفي في مخيمات اللاجئين من كل الجنسيات. وخلال متابعته للنشاطات الثقافية، يستمع صدفة الى باحثة يهودية تتعاطف مع الفلسطينيين، وتفضح مسؤولية الاسرائيليين عن النكبة، وترى أن مصطلح "النكبة" لا يشير الى مسؤولية الجاني، مثل مصطلح "التطهير الاثني". ويكتشف الراوي قرب النهاية أن الباحثة لم تكن سوى أخته المفقودة التي عاشت عند أسرة يهودية، بعد اختطافها، وتخصصت في التاريخ، وأدركت الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني. ما يعني ضمناً أن حجم الكارثة يدفع الانسان، مهما كانت منطلقاته، الى الاقرار بالجريمة التاريخية.

تنتهي الرواية، كما بدأت، بمشهد الراوي ميتاً بعد عملية جراحية في الرأس، في إشارة رمزية الى الفشل في الخروج من قيود الماضي المثقل بالهزائم والذكريات المريرة، وفي اشارة الى تزييف الحقائق واعادة صياغة الوعي، ومحاولة القفز عن الهوية الى عالم آخر، والى الرغبة في تغيير الوعي من خلال الكتابة الابداعية على أمل تجاوز الماضي بلا طائل.

إن مفتاح رواية "حوض مالح" مرتبط بفهم شخصية الراوي. تجري كل أحداث الرواية في ذاكرته قبل أن يموت، ويستعيد فيها تاريخه وتاريخ عائلته، ويتذكر باضطراب الكثير من الاحداث والاسماء والاماكن التي ارتبط بها. والمكان مشكلة الراوي، فهو موزع بين عالمين وحياتين وهويتين، لا يعرف إن كان حياً، أم ميتاً.

والراوي في الأساس روائي يفكر بكتابة روايته، التي تبقى حلماً يراوده، ولا يستطيع انجازه، فالكتابة مغرية لكنها ليست سهلة، إذ تعيد الموتى الى الحياة بحيلة الحكاية، لكنها لا تستطيع تغيير قدرهم، ويظل الراوي، مكبلاً مثقلاً بمرارات الحكاية التي يوظفها نشوان كناية عن النكبة، وينتقل بنا عبر التاريخ من حكايات الكنعانيين وأساطيرهم، وقصص الفراعنة والتقاط موسى، والخروج، والتيه، وموجات الغزو التي مرت على هذه البلاد ولم تتوقف. "خلق كثير يتدافعون على الجسر.. أغذ الخطى.. أركض.. أريد العودة بسرعة لكتابة رواية جديدة".

يرد استخدام كلمة "الجسر" في الرواية كثيراً، ويحمل معان ودلالات مختلفة، ومن ناحية أخرى تركز الرواية على المشكلات الاجتماعية والسياسية وأوجه التخلف والأزمات المرتبطة بالجسد، لتؤكد أن الجسر والجسد هما اساس مشكلتنا التاريخية والحضارية. ترد كلمة الجسر في الرواية في سبعة عشر موضعاً. والاساس الذي انطلقت منه هو الجسر على نهر الاردن. وترتبط صورة الجسر في ذهن الراوي مثلما ترتبط في ذهن الضحايا بصور الجثث والموت وماء النهر المختلطة بالدماء.

تتناول الرواية المعاني الرمزية المختلفة الاخرى للجسر. يصبح الجسر رمزاً لمصير الفلسطيني، حيث لا يمكن العودة الى الماضي، مثلما صارت العودة على الجسر مستحيلة، وتغيير المصير لم يعد ممكناً. وتصبح الكتابة هي الوسيلة الوحيدة لإعادة معايشة الحياة من جديد، ورمز استرداد الحرية والقدرة على تغيير المصير.

تدين الرواية الحرب باعتبارها "فضيحة العقل". وهنا تأتي أهمية الجسر الذي كان يجب ألا يسمح له العالم بالانهيار، فهو صمام الامان للعالم الذي غرق في مصائبه، في إشارة الى أن القضية الفلسطينية هي سبب لما اصاب العالم من أحداث، أوقعته في لجة الحروب والدمار والعنف. "التاريخ يلعب بنا، سقط الجسر، وقعت الكرة الأرضية على رأسها وأصابها النزيف، ترنحت قبل أن يُغشي عليها. الناس تاهوا في الهذيان".

يشير انهيار الجسر الى انقطاع الصلة القسري بين الارض والانسان، مثلما يشير الى انقطاع الصلة بين الماضي والحاضر، والى الانتقال من عالم الحياة الى عالم الموت، ويعني انهيار الاحلام وفقدان أي أمل في العودة، مثلما يعني الوقوع في الهاوية، في اشارة الى الانحطاط والدمار، والدخول في أزمة حضارية طويلة من التيه والموت. وفي أكثر من موضع يكرر الراوي رؤيته في أن "الجسد والجسر دمرا عقول الناس وأكبادهم". تتخذ لغة الخطاب جانب التحليل الفلسفي والتاريخي "كل هزائمنا تبدأ من الجسر وعند الجسد". ولهذا السبب لا عجب أن تكون آخر فقرة اختتمت بها الرواية هو ابراز رغبة الراوي في إعادة كتابة المأساة من جديد، ما يشي بالرغبة في إعادة مسار الاحداث التي أدت لكل هذه الهزائم، حتى يصحح دور الجسر والجسد في المعادلة.

ومثلما قدمت الرواية الجسر، ككناية عن مستويات مختلفة من الأزمات في علاقة الضحايا مع الارض والجذور والتاريخ والماضي والمستقبل، وما يكتنفها من اضطراب وانقطاع، فإن الجسد حاضر في الرواية، وعلى مستوى أوسع، وبمستويات ودلالات لغوية وثقافية واجتماعية وعاطفية وحسية مختلفة.

شكل الجسد أحد اسباب الهزيمة، فقد انتشرت خلال حرب عام 1948 وفيما بعد في حرب عام 1967 موجة خوف جماعية بأن الجنود ينتهكون عرض النساء ويقتلونهن، مما زاد من وتيرة التهجير. يتذكر الراوي حينما كان طفلاً كيف صار الجسد سبباً للهزيمة. تقول والدته: "اليهود يسلبون المرأة شرفها"، فيقول: "لم أستطع وقت قالت أمي ذلك معرفة قصدها.. اكتشفت وأنا ألتفتُ خلفي أنني أعرف معنى الرحيـل والمنفى مبكراً".

يشكّل الجسد في الرواية في أحد تمثيلاته صورة عن معاناة الانسان بين نقيضين: الحلم وقسوة الواقع، الرغبة في التحرر من قيود العقل الباطن وقصور الجسد، كما يشير توظيف الجسد الى الكبت، وسطوة الثقافة الجمعية، ومحددات الممكن، وتابوهات الموروثات الدينية والاجتماعية، وفشل الانسان في تحقيق الذات، وعجزه عن التحرر من الالم.

وعن ثقافة قمع الجسد التي تهدم أي فرصة للمرأة في أن تعيش الحب وتعبيراته العاطفية المختلفة، فإن الرواية تستحضر مأساة المرأة عبر الاجيال لأجل صون الشرف. تجسد قصة قطر الندى ومشعل، التي تحولت الى مغناة فلوكلورية، معاناة المرأة التي تعيش تحت حد سيف ثقافة الشرف. وتتبدى قمة السخرية حين نرى أن هذا الهاجس الذي يستبد بالرجل حتى يقتل المرأة، لا يدفعه لتغيير مسار الهزيمة صوناً للشرف. وتتجلى المفارقة عندما يصبح قتل المرأة ليس مجرد موقف ذكوري فحسب، وإنما قناعة نسائية أيضاً. "تزم إحداهن شفتيها الغليظتين: تسلم يدها، المرأة تورث الألم والخوف لسلالتها وتورث العار، البنت سترت عيبها وعيب أهلها".

يتحول الاحساس بالهزيمة والعار الى رغبات محمومة، يعوّض فيها الرجل من خلال الجنس عن شعوره بالمهانة في محاولة للتغلب على الاحساس بالقهر والخوف. "الهزيمة تغير عادات الحب، تثير الشبق والهوس والجنون، تحمل أصحابها وزراً ثقيلاً يُستفرغ بالجماع". ويشبه الراوي الجنس بالحرب، يعبر فيهما الذكور عن رغبتهم في ترك بقع دم على الضحايا، وعن رغبتهم في الاحساس بالقدرة على منح الحياة وسلبها. "الرجال يتركون قصص بطولاتهم لعتبات نساء يخصبن أسطورتهم بدم الولادة ونزيف الأضحية".

يرى نشوان أن الجسد مشكلة متأصلة وأزمة حياة ليس فقط على صعيد البنى الفلسطينية، لكنها مشكلة عربية متأصلة في التراث والعقل الجمعي. "سأكتب عن جابر الذي هو قيس، ووضحا ليلى، أو عنتر وعبلة، لكن هذا سيوقعني في مطبات كثيرة لأن الحب فضيحة، يوقظ أبواب جهنم، يصيب العقل بالجنون".

رابط المقال بجريدة الدستور الأردنية

رابط الصفحة الكاملة (انتظر قليلاً ريثما يتم تحميل الصفحة)



الجمعة، فبراير 18

أندريه شديد: باريسية الشعر.. شرقية النثر

أندريه شديد: باريسية الشعر.. شرقية النثر

اياد نصار

* نشرت في شرفات ثقافية بجريدة الدستور الأردنية يوم الجمعة بتاريخ 18/2/2011

مرت وفاة الشاعرة المصرية الفرانكوفونية اللبنانية الأصل أندريه شديد يوم الأحد الماضي السادس من شباط بهدوء، في الوقت الذي كانت فيه أنظار الوطن العربي والعالم مشدودة الى ما يجري في مصر من تطورات، بعد أن استحوذت أخبار الثورة الشعبية على الانباء وتصدرتها، منذ أن تفجرت في الخامس والعشرين من كانون الثاني الفائت. رحلت أندريه في سنتها التسعين بعد أن تركت وراءها اثنين وعشرين ديواناً من الشعر، وست عشرة رواية، وسبع مسرحيات، وعدد من المجموعات القصصية، ونُشرت أعمالها المكتوبة بالفرنسية مترجمة الى ست عشرة لغة. ولئن مر خبر وفاتها بصمت، إلا أنها كانت من أكثر الشاعرات العربيات المهاجرات اللواتي يكتبن بغير العربية شهرة على مستوى العالم، والصوت المعبر عن هموم المرأة العربية في وقت مبكر للغاية، وحلقة الوصل التي تجسر الهوة بين الثقافة الفرنسية والثقافة العربية طيلة نصف قرن. ولهذا رأى كثير من النقاد والكتاب أنها سعت دائماً للتبشير بالتعددية الثقافية وتيسير تقارب الثقافات رغم إخلاصها للغة الفرنسية التي لم تكتب إلا بها باستثناء مجموعتها الشعرية الاولى التي أصدرتها في القاهرة في سن الثالثة والعشرين وذلك في العام 1943 وكانت بالانجليزية تحت عنوان "على خطى خيالي".

تحظى أندريه شديد بمكانة كبيرة بين أدباء الفرنسية في العالم، وقد منحت جائزة غونكور الرفيعة في الآداب الفرنسية في العام 1979 عن روايتها "الزمن والجسد"، كما منحتها مرة أخرى عن مجمل أعمالها في العام 2002. وكانت قد نالت من قبل جائزة الأكاديمية الملكية للاداب الفرنسية في بلجيكا عام 1975، وقد نالت عدداً كبيراً من الجوائز خلال حياتها وناهزت الشهيرة والمهمة منها العشرين جائزة. وقد قال الرئيس الفرنسي ساركوزي عنها بأنها "كانت جزءاً من جيل من المثقفين العالميين الذين اختاروا فرنسا موطناً لهم بعد الحرب، ما ساهم في تحقيق نهضة أدبية لبلدنا".

ولدت أندريه صعب [اسم عائلتها قبل الزواج] في عام 1920 في القاهرة لعائلة لبنانية سورية، حيث كان والدها لبنانياً من منطقة بعبدا ويدعى سليم صعب، وأمها سورية من دمشق وتدعى أليس خوري حداد. وقد تلقت تعليمها الابتدائي في القاهرة، وأما الثانوي في باريس، وتخرجت في الجامعة الامريكية في القاهرة في تخصص الصحافة في عام 1942. وتزوجت في السنة ذاتها من لويس أنطوان شديد الذي كان يدرس الطب في الجامعة، وقضت معه ثلاث سنوات في بيروت الى أن تخرج، ومن ثم انتقل الزوجان في عام 1946 الى باريس حيث درس زوجها في معهد باستور، وقد حصلا على الجنسية الفرنسية في تلك السنة.

نشرت أندريه شديد مجموعتها الشعرية الاولى بالفرنسية في عام 1949 تحت عنوان "نصوص لشخص ما". ونشرت أول رواية لها في العام 1955 وكانت بعنوان "انقضاء النوم". كانت تلك الرواية ثورة مبكرة ألهمت جيلاً من الكتاب والكاتبات على تتبع خطاها. فقد طفح الكيل ببطلتها سامية تلك الفتاة الريفية البسيطة التي لم تبلغ السادسة عشر من العمر، والتي أجبرت على ترك المدرسة، للعمل لدى رجل مستبد وظالم يدعى بطرس، ومن ثم صارت زوجته المغلوبة على أمرها. لم تكن سامية تعني أي شيء بالنسبة له سوى المتعة والرغبة في أن يكون له ولد. لكنها حملت ووضعت بنتاً، فجن جنون السيد وحبسها في البيت. شعرت سامية أنها فقدت اي أمل في الحياة أو الخلاص من جبروت زوجها التقليدي المستبد، ففقدت القدرة على الكلام أو الحركة، وشعرت أن حياتها قد انتهت، فلم تجد وسيلة تعبر فيها عن تخلصها من قيودها ومعاناتها سوى قتله. تبرز الرواية أن الرجل الشرقي التقليدي المتمثل في بطرس لم ير ولم يقدر ما تمتلكه من روح حساسة وجمال أنثوي. وهكذا تسبب الاهمال والنبذ والظلم في قتل روحها واصابها بالشلل الذي أقعدها عن ممارسة حياتها الطبيعية، كأنما ماتت وهي حية، الى أن قررت أن تنتفض ضد من قتل روحها. تعد الرواية من بواكير الروايات العربية التي حملت مفهوم ثورة الغلابى وأعطتها بعدا انسانياً يجسد معاني القهر والاستبداد والبحث عن أية وسيلة مهما كانت في سبيل الخلاص الذي لم يكن منه بد سوى بقتل السيد. وهكذا يمكن القول أن حياة أندرية شديد الأدبية امتدت منذ ولادتها الابداعية الروائية وحتى وفاتها بين ثورتين!

ثم تتابعت رواياتها ومجموعاتها الشعرية وأعمالها الابداعية الاخرى حتى العام 2003 عندما نشرت مجموعتها الشعرية الأخيرة بعنوان "ايقاعات" في العام 2003 عن دار غاليمار الشهيرة بباريس. إن أهم ما يميز أندريه شديد هو الارتباط الشديد بالمجتمع الباريسي وتكريس أشعارها له من ناحية جمالية وانسانية وفكرية وذاتية. ولهذا ورغم بعض الايحاءات الشرقية والمؤثرات العربية التي رصدها النقاد في شعرها واسلوبها، مثل الصور التي تستوحي البيئة العربية أحياناً، أو توظيف كلمة الرجل أو الضمائر بصيغة المذكر بالفرنسية في شعرها لتعني الانسان بغض النظر عن الجنس، علاوة على نظرتها الانسانية المتوجهة للقاريء الغربي أكثر منه للقاريء الشرقي، إلا أنها عموماً وظفت مؤثرات اصولها المصرية واللبنانية لاثراء تجربتها الفرنسية. يبدو صوت أندريه شديد في الشعر فرنسياً أولاً وانسانياً ثانياً بكل وضوح أكثر من كونه عربياً. غير أنه يبدو تأثرها بثقافة اصلها الشرقي كالتاريخ والمكان وخاصة مصر ولبنان أكثر وضوحاً في مجموعاتها القصصية مثل مجموعة "الجلد المشدود" التي أصدرتها في العام 1965، ومجموعة "خلف الوجوه" في عام 1983، وفي رواياتها مثل رواية "اليوم السادس" 1960 التي حولها يوسف شاهين الى فيلم سينمائي، ورواية "الآخر" 1969، ورواية "البيت بلا جذور" والتي ترجمت الى الانجليزية تحت عنوان "العودة الى بيروت" 1985. ولهذا قال أحد النقاد أنه "ليس غريباً أن يلعب الشرق الاوسط المسرح الذي تجري عليه أحداث كثير من رواياتها وقصصها، أما شعرها فإنه وكما وصفته هي "بلا حدود جغرافية" و"بلا وطن أو زمان".

ورغم أن شعرها يبدو في كثير من الاحيان ذاتياً عالمياً كأنما متحرر من الارتباط بالمكان والزمان، لكنه يوظف اشارات من التاريخ، والحكاية، والاسطورة، والسحر وخاصة عند تناولها مواضيع الانسان الوجودية الكبرى. يتسم شعرها بتوظيف الاستعارت الميتافيزيقية التي تطرح انشغالات وجودية في معنى الموت، والبحث عن صلة الوصل التي تربط الانسان بالكون، وهناك الجانب الذاتي الذي يطرح أفكار الانسان وتجربته، وما ينتابه من ظنون ومخاوف وأحزان وتردد، وتقيم الشاعرة وجوها للمقارنة والتشبيه بين ذاتها وبين تقلبات الطبيعة كأنما تغرق الافكار والهواجس عالم البشر مثلما تفعل الاعاصير والظلال والضباب والدوامات، وتقيد أغانيهم بالقيود، وتحبس أحلامهم خلف جدران. وفي شعرها يبدو وجه الانسان موضوعة دائمة. تقول في قصيدة بعنوان "القصيدة النهائية":

ينعقد لساني بالكلمات

لم أعد أتكلم الابيض

ولا ألفظ الاسود

ولا أهمس الرمادي من منحدر نحتته الرياح

بالكاد ألمح سنونو

يلمع ظل قصير

أو يحدس في قزحية العين

أين هي الكلمات؟

والنار التي لا تنطفأ؟

والقصيدة النهائية؟

ومصدر الحياة؟

وعلى عكس البدايات الثورية، فإن كتابات شديد اللاحقة تركز على الحب الانساني وعلى ضرورة تحقيق المرأة لتطلعاتها مع التحمل والصبر على ما تتعرض له من التمييز في العادات والتقاليد والثقافة والممارسات الراسخة ضد المرأة في إطار من الواقعية الاجتماعية. تقول في قصيدتها التي تبدأ بالعنوان نفسه:

المرأة الصابرة دائما

تعطي نفسها

الحياة ببطء

وشديد شاعرة حداثية في ما يتعلق بروح الشعر واسلوبه ومضامينه. وقد ذكر الناقدان جون فاغنر ولين جودهارت في مقالة لهما حول شعرها بعنوان "الحوار وتفكيك الشكل" إن معظم شعر أندريه شديد يركز على التحولات. وقالا "إن حيوية شعر أندريه شديد تنبع من التنافر بين حتمية تطلعات ذاتية روحانية وقوانين صارمة تحكم المجتمع البشري". تقول في قصيدة بعنوان "الانسان":

الإنسان

يختبر الارض

قبل وضع الجذور فيها

ثم يبدأ مشواره المنحرف

نحو سر الاشياء

بين الصمت

والأصوات.

تعد أندريه شديد، وكما وصفت نفسها، "نحاتة الكلمات" التي تحب أن تنحت كلماتها في الظلام لشدة ما يعتمل في عوالمنا الداخلية المظلمة من أشياء لا تنتهي الا عندما يطلع النهار عليها. تبدو كلماتها في غاية البساطة من حيث البناء والمعنى الظاهري دون أي تعقيد في النحو، لكنها ذات معان حديثة تطرح افكار فلسفية شبيهة الى حد ما بشعر الشاعرة الامريكية اميلي ديكنسن. تركت أندريه شديد بصمة على الشعر الفرنسي الحديث بشعرها شكلاً وموضوعاً، وتمتاز قصائدها بتكثيفها وحداثيتها وموسيقيتها العالية. تقول في قصيدة "وجه الارض":

خلف الوجوه والنظرات

نبقى صامتين

وتخدعنا

الكلمات التي نطقناها

والمثقلة بما نتجاهله أو نصمت عنه.

لا أجرؤ أن أتكلم عن البشر

بالكاد أعرف نفسي.

تمتاز جملتها الشعرية بالقصر المكثف والتكرار اللفظي كأنما القصيدة سباق مع الافكار في لعبة بناء بكلمات محدودة متقشفة. تبدو قصائدها أحياناً مثل ومضات القصة القصيرة، لكن تمتليء شاعرية وذات ايقاع داخلي وامتزاج دائم يجعل الفكرة متأرجحة بين عالم الفكر الانساني وعالم الطبيعة المحسوس. وتميل دائماً الى استخدام الصفات في علاقة ترتفع عن دلالات الواقع الى مستوى نفسي ايحائي يقترب من السوريالية في تشكيلاتها لبناء صورة مركبة مثقلة بالاحاسيس التي تخلقها الصور المتتابعة. يستوحي قاموس أندريه شديد مفرداته من حالات الانسان التي تدل على الحيرة والضياع، ومن عالم الطبيعة الباعث على الرهبة، ويتمركز في أحيان كثيرة حول عناصر الكون الاربعة كما في الاساطير القديمة، ودائماً توظف الصورة الحسية التي ترسمها لتبلغ الى مستويات أعلى من تجريد الافكار المبهمة.

وفي المقالة ذاتها المشار اليها آنفاً لهما يقول فاغنر وجودهارت إن صوت شديد الشعري يشير الى أن هويتها تستمد مصدرها من البحث الدائم عن عالم يتجاوز الانشغالات الشخصية والقلق الذاتي. إن التركيز على ما سيأتي وما يجري الان يشير الى التوتر الناشيء عن الظروف المقيدة التي تحيط بتجربتنا".

أما على صعيد النثر، وعلى عكس كثير من الادباء العرب الفرانكفونيين من مثل إدريس الشرايبي وعبد الكبير الخطيبي ومارغريت طاوس عمروش، فإنها لا تشعر أن ذاتها موزعة بين ثقافتين، وأنه تنتابها مشاعر متناقضة من الانتماء اللغوي والروحي، بل إن تعدد مشاربها الثقافية مصدر قوة دافعة لها لتعبر عن ايمانها بالتعددية الثقافية والانفتاح والتسامح وقبول الآخر، حتى أن الناقدة الدكتورة ايفلين عقاد شملت روايات أندريه شديد مع فئة الكتابات النسوية التي عبرت عنها حنان الشيخ وايتيل عدنان في تناولهما للحرب الاهلية في لبنان، والتي رأت أن هذه الكتابات اتسمت بطابع مختلف عن الكتابات الذكورية كما عبر عنها توفيق يوسف عواد وحليم بركات والياس خوري.

وفي رواية "بيت بلا جذور" تقتبس شديد من كلمات جبران خليل جبران ومن شعر بدر شاكر السياب، ما يؤكد ميلها الى إظهار تأثرها بالثقافة العربية الشرقية كما تؤكد الناقدة ميشيل هارتمان في بحثها المعنون "تعدد الهويات والاصوات: قراءة في رواية أندريه شديد "بيت بلا جذور".

كما تجري أغلب قصصها في البيئة الشرقية، فقصص "الناي" و"الصبر الدائم" و"المرأة من السودان" تجري أحداثها في مصر، بينما تجري أحداث قصصها "الوشاح" و"عدو ليوم واحد" في لبنان. وفي رواياتها فإنها تبدو كثيرة الانشغال بقضايا المرأة، حتى ليكاد المرء يحسبها ضمن الحركة الأدبية النسوية، وتركز بشكل خاص على قضايا المرأة في البيئة الشرقية. وقد ذكرت مرة أن النساء في دول العالم الثالث هن عبدات مزدوجات، فهن مواطنات مستعبدات من الدرجة الثانية في هذه الدول، وهن مستعبدات من قبل الرجل". في رواية "اليوم السادس" التي نشرت في العام 1960 تقدم مأساة أم حسن التي جرت في مصر أثناء حكم الملك فاروق وتسعى بكل ما أوتيت لانقاذ حفيدها من الكوليرا التي ضربت مصر، وراحت تحصد أرواح كل من حولها. وفي أثناء ذلك كانت السلطات تجمع المرضى وتضعهم في مخيمات خاصة، فتحاول أم حسن إخفاءه عن الناس لمدة ستة أيام والتي يفترض بعدها أن ينجو من المرض. وهكذا فكرت أن تضيع في زحام ملايين البشر في القاهرة، ثم اتخذت قارباً في النيل للهرب به كأنما تسعى الى حياة جديدة وأمل جديد عبر رحلة حياة. وهكذا رسخت شديد اسمها ليست ليس بكونها كاتبة مهاجرة فرانكوفونية وحسب، بل كاتبة رائدة طرحت قضايا المرأة مبكراً.

أما في روايتها "البيت بلا جذور" فإن مسرح الاحداث هو لبنان خلال الحرب الاهلية، حيث البطلة كايلا وهي مقيمة فرنسية من أصل لبناني تعود الى لبنان لقضاء الاجازة في تموز من عام 1975 وهناك تلتقي لاول مرة حفيدتها المولودة في أمريكا سايبل. وفيها تعود الى كايلا ذكريات شبابها في الثلاثينيات وعلاقتها بجدتها. وتبدو في الرواية صورة لبنان التي عرف بها قبل الحرب، مثال الجمال الطبيعي الساحر والفخامة والتقدم والحرية، لكن ينغص عليه الفقر وتجار السلاح هدوءه واستقراره. كما تغلي التوترات تحت السطح بين ميليشيات طوائفه. وفي الرواية توظف شديد التداعيات والذكريات والفلاش باك لاستعادة البلد المفقود الذي ضاع على وقع السلاح، وفيها تبرز مشاهد تعكس صورة الحياة في لبنان قبل الحرب وبعدها.

ذكرت الناقدة بيتينا ناب في كتابها الذي حمل عنوان "أندريه شديد" وتناولت فيه تجربة شديد الابداعية في الشعر والنثر والمسرح أن روايات شديد تختلف عن كثير من روايات معاصريها من الروائيين الفرنسيين، في أنها ليست عملاً ذهنياً يمارس التقنيات اللغوية والاسلوبية والتفكيكية وتحطيم الشكل، بل تجمع ما بين الفكرة الذهنية وبين توظيف الصور التي تعتمد على إثارة الحواس والمشاعر للدخول في أجوائها وبين توظيف لغة شاعرية. وشخصياتها ليست تلك الشخصيات التي عرفتها أو التقتها في حياتها، بل هي أقرب ما تكون الى حصيلة ذكريات وأفكار وتداعيات. وقد أكدت شديد أن بطلاتها لا يشبهنها، ولكنهن ذات نزوع انساني وجمالي وشاعري وذوات أحاسيس تحكم تصرفاتهن، ويتمتعن بذكاء وفهم لمجريات الأمور.

قد تبدو أعمال أندريه شديد لبعض الدراسين والنقاد العرب ذات توجهات وملامح غربية وانغماس في ثقافة فرنسية أكثر من كونها شرقية، ولكني أظنها نموذج مختلف من الادباء العرب الذين يسعون الى تحقيق التوازن بين بيئاتهم الثقافية المتعددة والاهتمام بمعالجة قضايا مجتمعاتهم دون أن يتخلوا عن طموحهم أن يكونوا عناصر أصيلة ومؤثرة في مسيرة الأدب في بلدانهم الجديدة. وأعتقد أن هذا التباين الشعري النثري لديها ينبع من كون أن فضاء الرواية في الغالب هو عالم الانسان الاجتماعي بما ينطوي عليه من مشكلات الانسان الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها في إطار واسع يعبر عن حركة المجتمع والتاريخ، في حين يميل الشعر الى فضاء الذاتية والتعبير عن الانشغالات الفكرية والتطلعات الروحية والفيوض العاطفية والتأملات الكونية الوجودية للشاعر.

رحلت أندريه شديد كأنما أرادت أن تجسد رؤيتها للمصير في ايجاد إجابة لتساؤلاتها التي شغلت تفكيرها في قصيدتها "الصوت":

في اي قبر عار يجب أن استلقي

لأجيب ذلك الصوت

الذي يتكلم مثل روحي؟

رابط المقالة بجريدة الدستور
 
رابط الصفحة الكاملة (انتظر قليلاً ريثما يتم تحميل الصفحة)
 

الاثنين، فبراير 14

عمّان في عيون الأدباء العراقيين


نحو إبراز صورة المكان في الرواية العراقية

عمّان في عيون الأدباء العراقيين
إياد نصار
* نشرت في مجلة أفكار الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية عدد 264 لشهر كانون ثاني/يناير 2011

لا يسعى أدبُ التعبيرِ عن المكان وتوظيفاتُه الى مجرد إبرازِ اكتشافِ الدهشة، أو البعد التاريخي، أو المفارقة المكانية، أو إظهار التعبيرِ عن الحب، أو الانتماءِ، أو الكراهيةِ، أو الحيد وحسب، وذلك في إطار البحثِ في علاقة الأديبِ بالمكان وبالآخرينَ في فضاءات المكان، بقدرِ ما يسعى إلى خلق وإبراز علاقةٍ تفاعلية مع المكان واستشعارِ تأثيرِه المادي والنفسي والروحي، والى مَلءِ حيزٍ كبيرٍ شاغرٍ في الوجدان صنعته مرارةُ الغربة، أو الحنينِ إلى الوطن، أو التعبيرِ عن عشقِِ المكان لذاته، أو الحاجةِ الإنسانية للتعويض عن حنانِ الوطن المفقود، فيصنعُ الأديبُ من المكانِ وطناً فعلياً أو رمزياً، يبثه المناجاةَ والبوحَ وإعلانَ الارتباط به، أو يسعى إلى إبرازِ موقعِ الأديبِ منه، أو توظيفِ دلالاتِ المكان في السياق الروائي أو الشعري. والسؤالُ الذي يطرحُ نفسه هو ما مدى هذه العلاقةِ التي تجمعُ الأدباءَ العراقيين بعمان؟ هل هي عابرة؟ هل هي تعويضٌ قسريٌ مؤقت عن الفردوسِ المفقود؟ هل هي التعبيرُ عن الجنةِ الموعودةِ أمامَ جحيمِ النفي والغربة ونكرانِ الوطن؟ هل هي تعبيرٌ إنسانيٌ خالصٌ بحد ذاته بين عاشقٍ متيّمٍ وفاتنةٍ تفرضُ حضورَها حتى يجدَ المبدعُ نفسَه أسيرَ حكاياتِها التي تطولُ كحكاياتِ ألفِ ليلةٍ وليلة؟

إن علاقةَ عمان بالأدباءِ العراقيين ليست طارئةً، ولا وليدةَ اللحظة، ولا قسريةً، ولا أظن أنها عابرةٌ فيما اطلعتُ عليه من نصوصٍ نثريةٍ وشعرية، وسمعتُه من بوحٍ متواصلٍ بصوتٍ عال. ولم تبدأْ هذه العلاقةُ مع الخروجِ الكبير للمثقفين العراقيين من العراق في عهدِ النظام السابق والتي تسارعت وتيرتُها منذ تسعينياتِ القرن الماضي. فقد كتب القاص والروائي العراقي عبد الستار ناصر، الذي عرفته عن قرب، وأحسستُ أنه لا يستطيع أن يكتمَ حديثه عن المدنِ عشقاً أو نفوراً، سكينةً أو ضيقاً: "جئتُها أولَ مرةٍ زائراً في عام 1964، أتذكرُ أن فندق فيلادلفيا [أقدمُ فنادقِها منذ عام 1925 إلى أن هُدم في عام 1988] كان قربَ المدرج الروماني، ولم تكنْ عمان آنذاك كما هي عمان اليوم. كانت عاريةً من البنايات العالية والمتاجر الكبرى والابراج، ليس فيها أنفاق ولا جسور معلقة... أظنها كانت أصغرَ عواصمِ الدنيا"(1).
وكتب الأديبُ والروائي العراقي جمعة اللامي "هذه إذن عمان.. كم تبدلتْ وتغيرتْ هذه المدينة منذ فارقتها في شهر سبتمبر / أيلول سنة 1970" وذلك في سياق ما نشره كجزء من حديث الذاكرة في شهر آب/أغسطس عام 2002 في مقالة بعنوان "أيام في عمان" في جريدة الخليج الإماراتية، وكان بذلك يشير الى تلك السنة عندما غادرها في عام 1970 بعد أن كان ينزل كما قال في: "دارةٍ فخمةٍ في جبل التاج"(2)، التقى فيها بالدكتور منيف الرزاز خلالَ تلك الفترةِ العصيبةِ من تاريخِ المدينة.

وأعادت له الذكرياتُ في ثلاثةِ مساءاتٍ متتاليةٍ قضاها في عمان في عام 2002 في بيتِ القاص والكاتب علي السوداني، رحلةَ ثلاثةِ عقودٍ من الزمن، ووصفَ عمان بأنها "مثآبة لشاعرٍ يغادرُ صالاتِ الاحتفالات الصاخبةِ، وبطاقاتِ الاحزاب، ورشى المثقفين السلطويين"(3). وقال إن علي السوداني اختارَ أن ينزلَ قريبا مما يسميه هو "وادي السيل" في عمان. ولعل تسميةَ سقفِ السيل بدت غريبةً له او لقارئه العربي فاستبدلها بوادي السيل، فما كان ذاتَ يوم يعدُّ سيلَ عمان الجاري من رأس العين والذي كانت تحيطُ به أشجارُ الحورِ والسنديانِ والسرو، قد شارف التلاشي وغُطِّيَ سقفُه بسطحٍ خرساني، وتحول مجرى السيلِ إلى شارعٍ علوي مسقوفٍ تمر بقايا السيل الآيلِ للفناء من تحته. يكتب بما يوحي بتلك الدرجةِ من الألفة والمعرفة والحميميةِ التي ربطت بين السوداني وعمان: "إنه اختار بقعة لا يهتدي إليها أعرق قصاص أثر في العاصمة الأردنية، بينما يعرف جغرافيتها بدقة ذلك العفريت العراقي الذي نافس الهدهد في تتبع عرش بلقيس"(4). من الواضح أن قولَهُ ينم عن تلك الطبيعة المتداخلة والمتشابكة والصعبة لتفاصيل المدينة وتضاريسها، التي لا تمنح ذاتها بسهولة لزائرها، وربما يكون قد وضعَ يدَهُ من غيرِ أن يدري على مشكلةٍ كانت تؤرقُ سكانَ المدينة وزوارَها وضيوفَها منذ عقودٍ، وهي تشابكُ وتداخلُ الطرقِِ والشعابِ ومداخلِ المدينة ومخارجِها، أضف الى ذلك غيابَ الترقيمِ وتسميةِ الشوارعِ الفرعيةِ، والذي تمّ بشكلٍ جميل في السنتين الاخيرتين بعد محاولاتٍ سابقةٍ غيرِ ناجحة، وما زلنا نواجُهُ ثقافةً شعبيةً مترسخة تصنعُ الأسماء للأماكنِ بعفويةٍ من واقع علاقةٍ سابقةٍ على العلاقة الرسميةِ بالمكان، ومن واقع معرفةٍ لصيقةٍ بمكونات المكان، من غيرِ أن تنتظرَ علاماتِ الترقيم، ليس في الكتابة ولكن في التخطيط المدني!

لقد صار تعبيرُ "بغدادُ انتقلت إلى عمان" مألوفاً أن تسمعَهُ يترددُ بين الأدباء في عمان. ففي معرضِ عمّان الدولي للكتاب قبل أربعِ سنوات الذي كان زاخراً ومتألقاً بالعناوين العراقية وحضورِ الأدباء العراقيين فقد كتب الناقد السينمائي يوخنا دانيال: "وفي لحظة اللقاء الجماعي غير المتوقعة، بدا للجميع كأنَّ بغداد انتقلت الى عمّان". وكتب الشاعرُ والصحافي العراقي المقيمُ في لندن حكمت الحاج خلال زيارته لعمان: "بعد أن أسمتها الحروبُ رئةَ العراق، عمّان عاصمةً للثقافة العراقية". وقال: "أينما حلّ العراقيون يؤسسون مدينتَهم الفاضلةَ المكونةَ من مقهىً، ومنبرٍ ثقافي، ومطعمٍ للكباب، ... وهذا ما فعلوه في عمّان"(5).

تستهوي حكايةُ عمان الأولى التي ولدتْ مع فجرِ تاريخها، الذي رسم العمونيون القدماءُ معالمَه، مثلما هي آثارُها العمونيةُ والرومانيةُ القديمةُ كجبل القلعة وسبيل الحوريات، الأدباء العراقيين، ويشعرون كأنما يدللون المدينة بنسبتها في كتاباتهم إلى ربّتها الأولى عمّون.

ففي كتابه "مكاتيب عراقية"- الجزء الثاني الذي صدر في عام 2009 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان، يردد علي السوداني اسمَ عمون أو ربةِ عمون عشراتِ المرات، لا بل إنه يصفُ تفاصيلَ المكان ويسردُ تاريخَه كأنما هو مؤرخٌ أو رحّالةٌ شغفه المكانُ فأقام فيه. ولم أجدْ في كل قراءاتي عن عمان القديمة ما هو أكثرُ ابتهاجاً باكتشافِ الأسطورة وأكثر حيويةً وجرأةً تحتفي بالمكان، قد لا يجرؤ كثيرون من أهلها على البوح بتفاصيل مغامراتِهم في هذه الأزقة والخبايا من أسواقها وحواريها ودروبها من كتاباتِه هو. كتب بلغة العارف على نقيض اللامي الذي سماها وادي السيل: "جاءت بي قدماي إلى منطقةٍ شعبيةٍ عتيقةٍ مزروعةٍ عند حاشيةِ قلبِ الربة عمون، اسمُها سقفُ السيل وقيل إنّ لقبَها الذي ولدت عليه كان السيلُ فقط، قبل أن يجفَّ ويتلاشى وتنضبَ أمواهُه وتموتَ أشجارُه وتغربَ نزهاتُه ويسخنَ هواؤه وتضيعَ بهجتُه بعد أن تمّ سقفُ ما تبقى من خريرِ أيامه بالقيرِ وبالاسمنتِ وبالمشاةِ وبالدكاكين لتطوى أخيرُ صفحاتٍ ندياتٍ من نهير عمان الوحيد. في الأسبوع الفائت كنتُ في غزوة هناك، هواها المعلنُ هو شراءُ قندرةٍ "نص عمر" ومثلِها بنطالٍ أو بنطلونٍ أو بنطرون افرنجي وقميصٍ أحمرَ وثانٍ أصفرَ وثالثٍ أسودَ سارتديه تالياً في الأيام المبهجة. عثرت على ما أردت واشتهيت بأثمانٍ سلسةٍ كأنها "أخو البلاش" بعدما متّعتُ عينيّ بوساطةِ التلصّصِ على باب سينما "ريفولي" وحمّامِها المشهورِ وفقاً لرواية ثقةٍ من صاحبي القصّاص العمّوني جمال القيسي، ومنها الى قبوٍ ينخسفُ تحتَ الارض بمقدارٍ رأيته أقلَّ من ثلاثةِ أمتارٍ ومنه الى باب سوق الخضار الشمالي الذي تنوجدُ على هامشه سوقٌ معروفةٌ باسم سوق الحرامية وهي تسميةٌ منفرة وقعتُ عليها في غيرِ حاضرةٍ وعاصمةٍ عربية"(6).

ولكنه لا يتركُ تفاصيلَ كثيرةً من معالم عمان وأحيائِها ودكاكينِها ومقاهيها وعاداتِها تمرُّ من أمام ناظريه دون أن يلتقطَها قلمُه بلغة عربيةٍ خاصةٍ به وصارتْ من ملامحِ إبداعه يحس فيها القارىءُ المطلعُ طرافةَ وسخريةَ الجاحظ في بخلائه، وبديعَ الحريري وسجعَه في مقاماته، وفخامةَ القلقشندي في صبح الأعشى في صناعة الإنشا، وسرديةَ ابن بطوطة الجغرافية في تحفة النظار، لكنها تطرحُ مضامينَ عصريةً للمدينة.

المدن كالذكريات فمنها ما يكون ثقيلَ الوطأة كالكوابيسِ أو خفيفاً جميلاً كالأحلامِ الهانئة، ومنها ما يخرجُ من الذاكرة كما دخلها دون أن يتركَ في لوحتها ولو كلمة، ومنها ما يستوطنُنا فيعيشُ معنا وكلَّ يومٍ يمضي يصبحُ كالنبيذ المعتق، الذي كلما طال أمدُه زادت قيمتُه وتعلقنا به أكثر. وقد اعتبر عبد الستار ناصر أن عمان قدرُهُ منذ أن جاءها مقيماً عام 1999 "هل تراني أحببت عمان؟ كيف تمكنت من البقاء بين أسواقها وبيوتها وشوارعها وحاناتها وجبالها ومقاهيها ومكتباتها كلَّ هذا الوقت؟ سبعٌ وثمانون ألفاً وستمائةُ ساعةٍ وأنا بين أحضانها أشمُ عطرَها ويزدادُ أصدقائي فيها يوماً بعد يوم، أصحو وأنام على شهيقها وأشجارها، لا فرق عندي بين شارع السلط وشارع الرشيد، لا فرق بين مقهى السنترال ومقهى الشابندر"(7).

في كتابات عبد الستار ناصر عن عمان هناك عنصر الغموض الذي يدفعك للبحث عن أسرارها وخفاياها وبواطن تاريخها، بل إنه يقفُ عاجزاً عن إدراك سببِ هذا الحنين الغريب الى المدينة عندما تكونُ فيها وتشتاقُ إليها. وتصبحُ الذكريات العمانيةُ عنده أكثرَ من مجرد نوستالجيا إلى سنوات العمر الماضية أو الى سعادة عاشها في أحضان المدينة، بل تصبحُ الذكريات جسوراً للتواصل بين بغداد وعمان، بين التاريخ والجغرافيا، وبين الماضي والحاضر وبين اندفاع الشباب وبين حكمة الكبر، كما يقدمها في تلك الثنائيات المتقابلة التي يرى فيها صوراً بغدادية في عمان ويرى في الوقت ذاته صوراً عمانية في بغداد. المكان في أدب عبد الستار مبهم غامض جميل لا يمنح نفسه لعاشقه بسهولة، لدرجة أنه قال "عشت في بغداد أكثر من نصف حياتي وما زالت تبدو مبهمة بالنسبة لي حتى اليوم"(8). ولكنه عاشقٌ متمرسٌ مثابرٌ بلا كلل في التعرف إلى حياة المدينة، وسبر غموضها وتعدد حالاتها التي تنعكس على حالاته النفسية. يقول: "مدينة يتبدل ثوبها في الربيع وفي الخريف حتى لتظن أنها ليست تلك السيدة التي جاءتك في الصيف والشتاء"(9).

حين تحدثت الأديبة والروائية العراقية لطفية الدليمي في حفل توقيع كتابها "يوميات المدن" في رابطة الكتاب الأردنيين في مساء العشرين من شهر آب 2009، فقد قالت كلاماً مؤثراً عن عمان. ولكي لا يبدو الأمرُ نوعاً من المبالغة والمجاملات عند عقد المقارنة مع باريس التي كانت في فترة من الأوقات محج المثقفين والمنفيين واللاجئين السياسيين العرب، فقد طرحتْ مسبقاً في كتابها الأسئلةَ التي يمكن أن تردَ الى أذهان مستمعيها وتنطوي على عدم التصديق أوالتكذيب أو الاتهام بالجنون. ألقت هذه التساؤلاتِ والشكوكَ على ذاتها فقالت: "أمجنونة أنتِ؟ أواعيةٌ أنتِ لما تقولين؟ تقايضين باريس بعمّان؟ وتجيب: "أتظنون أنها مقايضة بشرية؟ ألا يخطر لكم أنه خيار روحي يقوم على الزهد بالمباهج؟ وتحدثتْ بمرارةٍ وبشيء من التفصيل عن البرودة الباريسية الخطرة، عن بلاد تموت من البرد حيتانها كما قال الطيب صالح، حيث لا أحد يهتم بك اذا لم تكن منتميا لاحزاب أو منظمات دولية تساندك. وذكرت أيضا في حوار أجراه الزميل الأديب جعفر العقيلي أنها عانت الأمرين من فقدان الأمن وانتشار الجرائم والسرقة التي كانت هي نفسُها إحدى ضحاياها على أيدي عصابات كانت تملأ الحي الذي سكنت فيه من غير أن تدري: "لقد أشبعوني رعباً وأذى وجراحاً ومنحوني يقيناً جازماً أن لا مكان لي في هذه المدن ذات قلوب الحجر"(10). وبأسلوب التضادات والثنائيات الذي توظفه كثيراً في كتابها ومحاورة الذات ومواجهتها بالأسئلة المصيرية عن الأمن والخوف، والإحساسِ بفقدان الهوية واستعادتِها، وإيقاعِ الحياة الآلي السريعِ ورتابةِ المشهد البطيء الذي يمتليءُ حرارةً إنسانية، لا تترك لطفية الدليمي مجالاً للشك أن لعمان بورودها وياسمينها ومطرها وكلماتها الدافئة حباً خاصاً في قلبها وقد أعادت لها الروحَ بعد أن كادت تختنقُ في محنة التشرد والنفي بين عواصم العالم ومدنه.

ولاحظتُ أن لطفية الدليمي استخدمت مرة أخرى قصةَ الأسطورةِ العمونية في إقامةِ وشائجِ حبٍ وأواصرِ قربى بين ربات الأساطير السومرية إينانا سومر ربةِ الخصبِ والجمال ونيسابا ربةِ المعرفةِ والكتابةِ السومرية وبين ربة عمون. وإذا كان السوداني قد جذبه قاع المدينة بزواياه وأسواقه الشعبية وأدراجه وحاناته، فإن لطفية الدليمي قد جذبها مطرُ عمان وقهوتُها ورائحةُ أشجارها وترابُها المندّى بالزهر في أحيائها الغربية.

عمان في عيون لطفية الدليمي مدينةٌ عذبةٌ وسط مرارةِ المدن المبتلاة. وهي الحانية والشافية من متلازمةِ النفي والغربةِ والعذاب. تبدو في نظرها مصدرَ حنانٍ أسطوري بعد سنواتٍ من الترحال والغربة والخوف من الوِحدة. ووجدتْ فيها شيئاً آخرَ غيرَ الاصدقاء والشوارع والمباني والأسواق، وهو فتوتها وانفتاحها على الآفاق الإنسانية والثقافية، فأقامت علاقةً مع مدينة لا تقوم على المقتنيات والماديات بل على البساطة. كتبت في الفصل الاخير من كتابها "يوميات المدن" وتحت عنوان "عمان التي تتقن صياغة المطر" تقول: "عودي إلى شرق الشموس ورقص الفصول في سفوحها. مزقي فرمان اللجوء المذل وامسحي كدمات الجسد برحيق أعنابها وعالجي جرح التغرب بهبوب نسيمها الرائق فوق الضاحية أو في حي أم السماق أو في تلاع العلي، عودي إلى دوار الحاووز وجالسي أحلامك على مصطبةٍ تعانقُ أغصانَ الليلك، أو استدعي الصحوَ بفنجان قهوة فادحِ الشذا عند الفاروقي أو في (فيلا كافيه)"(11).

أما الأديبة العراقية البريطانية أمل بورتر وفي حفل توقيع رواياتها الثلاث: "دعبول"، "سوسن وعثمان"، و"نوّار"، والنّسخة العربيّة لكتابها "مذكّرات أميرة بابليّة- ماري تيريز أسمر"، والذي أقيم في شهر نيسان من العام الماضي في قاعة المدينة في مبنى أمانة عمان الكبرى في رأس العين، وحضره عدد من المثقفين والأدباء الأردنيين والعراقيين، فقد ذكرت أن عمان جذبتها ووجدت فيها مدينة فتية وعاصمة حديثة نسبياً. ولكنها تضجُّ بحراكٍ ثقافي أكبرِ من عمرها.

يتكررُ توظيفُ عمان في الكتابات العراقية بين ثنائية صورة المقر وصورة الممر. وإذا كانت عمان كما قيل في فترة من الفترات رئةَ العراق ومنفذَه إلى العالم الخارجي خلال سنوات الحصار، فقد عكست بعض الأعمال هذه الصورة التي تصبح عمان فيها مجردَ محطةِ عبورٍ نحو الحرية، أو الحلم أو الاغتراب أو الهروب من جحيم الداخل. في رواية "رقص على الماء" (أحلام وعرة) للكاتب العراقي المقيم في السويد محمود البياتي والتي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عام 2006 ، فإن عمان هي مجرد محطة لعبدو العراقي الذي سيحضر من السويد للزواج من بنت خاله التي ستحضر من بغداد، وكما تقول الرواية "إنقاذاً لها من جحيم الحصار في العراق"(12).

وفي روايته الأولى "حليب المارينز"، يقدم عواد علي عمان في صورة الممر أيضاً. سامر الأربعيني اللاجيء في مخيم رفحا للاجئين العراقيين يساعده صديق سعودي في الهرب من المخيم فيجد نفسه في الساحة الهاشمية في عمان، التي يبقى فيها ثلاثة اشهر متخفّياً يبحثُ عن مخرجٍ الى الحرية والبحث عن علاج لضمور كليتيه. وأخيراً جاء المخرجُ عبر مزوّرٍ للجوازات الذي استطاع من خلالِه أن يحصل على فيزا الى قبرص، ومنها إلى بيروت قبل أن يصل كندا محطته الأخيرة.

كما يتناول صورةَ المدينة في مشهدٍ آخر من مشاهدِ عمان الممر. فساهر الشاب الفنان النحات يرسلُ لأخيه الاكبر سامر مع أمه التي تأتي الى عمان منحوتةً صغيرةً لإمرأة يحط على رأسها طائرُ رخمة ويشبك مخالبَه على وجهها، فيلتقيان في عمان، ثم لا يلبث أن يحمل سامر معه المنحوتة الى كندا، وهناك تعجب بها روزا العراقية التي انتهى بها المطاف مهاجرة أيضاً إلى كندا فيهديها إياها كرد للجميل.

أما القاصةُ والروائية هدية حسين فانها تجعلُ من عمان مسرحاً لروايتها "ما بعد الحب" التي أصدرتها عام 2003، رغم أن تداعي الذكريات يعود بنا في كثيرٍ من الاحيان الى العراق لاستعادة ماضي الشخصيات وإبرازِ مشاهد المعاناة في الوطن. وهي من الروايات القليلة التي تعطي عمان مساحةً كبيرة تتعدى مجردَ كونها مكاناً حاضناً للشخصيات والحدث. "ما بعد الحب" شخصياتها عراقية وأردنية، تربط بينهم علاقات مختلفة في أماكن متعددة من عمان. لم يعد أبطالها عراقيين وحسب، بل هناك شخوص أردنية رئيسة لها مشكلاتها وواقعها القاسي ومعاناتها النفسية التي تنجح الكاتبة أن تجعلها لا تقلُّ تشويقاً وتعاطفاً من القارىء معها مثل سميحة وأخيها الموسيقي الكفيف سامح. ولكن المدينة لم تعد مجرد ممرٍ نحو بوابة الحرية أو الهجرة أو الهروب، بل هي ممر ومقر مفتوح على احتمالات متعددة في الوقت ذاته. تلتقي هدى الهاربة من العراق ـ لخوفها من البطش لأنها قالت (لا) للزعيم ـ بنادية في مصادفة غير متوقعة، وهما في خضم البحث عن ملابس قديمة. تنتظر هدى ونادية موافقة المفوضية على اللجوء إلى دول أخرى، ولكن المسألة طويلة ويتكرر الرفض مرات كثيرة، وهكذا تضطران للبقاء والتكيف مع الحياة الجديدة في عمان. وإذا كانت الساحةُ الهاشمية هي مكان اللقاء عند عواد علي بصفتها المحطة الرئيسة التي ترتبط في أذهان الأردنيين والعرب بوسط المدينة، فإنها في "ما بعد الحب" تصبح مجمع العبدلي المكتظ بالسيارات والناس وباعة الملابس المستعملة والمتسولين وباعة الخضار وأكشاك الأكل السريع. تبرز الرواية الصورة النمطية للمدينة في أذهان الكثيرين الذين تتكرر وتتشابه حكاياتهم ومآسيهم، والتي تلخصها الرواية في نقطتين: إنها بوابة الهروب من الجحيم، وهي مدينة قاسية ليس فيها فرص عمل للقادمين. تورد الرواية أسماء عددٍ من الاحياء والأماكن التي تجري فيها أحداث الرواية في المكان الأردني، مثل جبل الحسين، وجبل عمان، والجندويل، وطلعة المصدار، ومقبرة سحاب، وسقف السيل، وغيرها. تبدو عمان في الرواية مكاناً بعيدا عن الرومانسية والبهجة كما هو الحال في يوميات لطفية الدليمي، بل تصبح فضاءً للمعاناة بصور عدة من مثل ظروف السكن البائس، وصعوبة التنقل، والغلاء، والأعمال الوضيعة التي تسبب الإحساس بالذل، عندما تجبر الظروف هدى لتعملَ خادمة ترعى شؤون سامح الموسيقي الكفيف، لدرجة أن تقرأ له الصحف وتشاركه الاستماع إلى موسيقاه، ولكنه يصبح مرآة لتجربةٍ عميقة في النظر إلى جوهر الأشياء والإحساس بأعماقها لا مظهرها. تبرز الرواية مسألةَ التحول في النظرة للمدينة وأهلها بعد صدمة المتاعب الأولى للقادم الجديد، حيث يبدأ في اكتشاف الطبيعة الحقيقية للناس التي تختفي تحت وطأة قسوة الحياة والتجارب المرة الماضية. "لقد استطاعت سميحة خلال فترة وجيزة أن تكسر في داخلي ذلك الحاجز النفسي إزاء الغرباء واطمئنت روحي إلى التعرف إليها فبحت لها بمشكلتي..أبدت تعاطفاً معي.. كادت تدمع عيناي لفرط التأثر برقة هذه المرأة التي عرفت منها بعد ذلك أنها كرست حياتها لأخيها ولم تتزوج"(13). يلاحظ أن الرواية في نصفها الثاني أخذت تركز على لسان الراوي على التأمل في تفاصيل الطقس والشوارع والحافلات والمباني ومقتنيات البيوت، وعلى إبراز الإحساس ببعض جوانب الجمال في المشهد من حولها.

في مشهدٍ مؤثر في ختام الرواية، وبعد أن تحصل هدى على الموافقة للهجرة إلى أمريكا فإنها تحس كما لو أنها لا تستطيع ترك عمان، بل صارت متعلقة بها أكثر، وهكذا تتحول صورة عمان في نهاية الرواية من محطة ممر الى مقر. ولكنه مقر نفسي جمالي إنساني أكثر منه مادي، يهيمن على الذاكرة ويستوطن الروح ويسند الإنسان في الغربة، وتصبح الأشياء مصدر سعادة لا نريد أن نتركها.. "تخفّفت أعماقي من ترسبات كثيرة وصار بإمكاني نزع القناع في شوارع عمان والمشي على طبيعتي دون أوامر تضرب رأسي"(14). ورغم استعدادها للسفر، إلا أن عمان تتعلق بالذاكرة وتصبح مصدر فرح.."الآن بدأت أرى شوارع عمان بمحبة أكبر.. أشبع عيني بتفاصيلها.. أملأ صدري بهوائها النقي. أحس بجلبة الناس في الأسواق، تلك التي كنت أهرب منها"(15). وهكذا تصبح عمان الملاذ والمقر النفسي الآمن وبديل الوطن الجريح الذي ستحمله معها هدى إلى أمريكا. وتلخص تجربة عمان في نهاية الرواية بقولها "ها أنا اكتشفت أن الغربة التي عانيتها مجرد بروفة لأيام طويلة ستبدأ غداً"(16).

أما الشاعر والروائي العراقي صموئيل شمعون صاحب موقع "كيكا" الثقافي على الإنترنت ومؤسس مجلة "بانيبال" المختصة بترجمة الأدب العربى، والذي نشرت الصحف الأردنية قصصَ مجموعته الأولى "اليقظة المتأخرة" عام1979، فقد اتخذ من عمان مسرحاً لجانب من أحداث روايته الأولى "عراقي فى باريس" كملاذ آمن بعد أن تعرض بطله صموئيل لمحاولات قتل واعتقال وتهديد في بيروت ودمشق. وبدا الأمر كأنما يريدُ الكل قتله. في عمّان استقبله بائعُ الشاى المتجول ووجد عملاً فى الطباعة ومأوىً فى مكتب محامٍ وروائي. ثم بدأ "صموئيل" بكتابة القصص القصيرة ونشرها فى الصحافة الأردنية. لقد أراد بطل الرواية السفر إلى أمريكا لتحقيق حلمه فانتهى به المطاف منفياً في باريس.

وفي الختام فقد أردتُ أن أقدمَ نماذجَ مختارةً من قراءاتي في الأدب العراقي مع التركيز على الرواية على وجه الخصوص، والتي تمثل بعضَ جوانبِ اللوحةِ وليست كلَّها من الإبداعات العراقية التي تبرز صورةَ المدينة في عيون الأدباء العراقيين. والمعذرة ممن أعطى عمان بعضاً من قلمه وفاتني ذكره. ولعلني أطمح قريباً إلى قراءة رواية عمان بصوت عراقي. فهل تبقى مجرد أمنية؟

الهوامـش:
1.          خذوني الى عمان، عبد الستار ناصر، مجلة تايكي، العدد 38، آب 2009، ص 24
2.          أيام في عمان. أين أنت يا نخلة الله، جمعة اللامي، جريدة الخليج الإماراتية، عدد الأحد 4 آب 2002.
3.          المصدر السابق
4.          المصدر السابق
5.    "معرض عمّان للكتاب يطغى عليه طابع عراقي"، يوخنا دانيال، موقع "مرافيء"، المجلس العراقي للسلم والتضامن، 13 أيلول 2006.
6.    مكاتيب عراقية: من سفر الضحك والوجع، علي السوداني، المجلد الثاني، الطبعة الأولى، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2009 ، ص 21
7.          خذوني الى عمان، عبد الستار ناصر، مجلة تايكي، العدد 38، آب 2009، ص 24
8.          نفسه ، ص 23
9.          نفسه ، ص 25
10.     يوميات المدن، لطفية الدليمي، الطبعة الأولى، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2009 ، ص 233
11.     نفسه ، ص232
12.  رقص على الماء (أحلام وعرة)، محمود البياتي، الطبعة الأولى، الفصل السادس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، عمان، 2006 ، ص112.
13.     ما بعد الحب، هدية حسين، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، عمان، 2003، ص 91
14.     نفسه ، ص 174
15.     نفسه ، ص 179

16.     نفسه ، ص 180