الجمعة، يونيو 17

أبناء السماء

في تقرير "للجزيرة نت" حول الرواية


رواية للكاتب الأردني يحيى القيسي

"أبناء السماء" تبحث العوالم الخفية




اياد نصار: الرواية تفتح الباب واسعا أمام الجدل الفلسفي والعلمي والنفسي والديني.
 
توفيق عابد-عمّان
نظم منتدى التنوع الثقافي الأردني جلسة حوارية في مركز الحسين الثقافي وسط العاصمة الأردنية عمان السبت تناولت القضايا الإشكالية في رواية "أبناء السماء" لمؤلفها يحيى القيسي.

واعتبر نقاد أنها المرة الأولى التي يحتكم فيها روائي أردني للقراء في تقييم عمل إبداعي حيث وزعت الرواية على مجموعة من القراء ينتمون لشرائح علمية واجتماعية متباينة لقراءتها وطرح الأسئلة على كاتبها.

وشخصيات الرواية -كما يرى ناشرها مدير المؤسسة العربية للدراسات والنشر ماهر الكيالي- خاضت رحلتها الخاصة بحثا عن تفسير الظواهر الخارقة والعوالم الخفية التي تؤثر فينا دون أن نشاهدها.

وقالت رئيسة المنتدى فاطمة جعفر إن الرواية تحوي تنوعا إنسانيا ومكانيا وأحداثها تدور في أماكن مختلفة أردنية وعالمية، كما تحوي تناقضات تقترب من الإلحاد والإيمان والخرافة والأحداث التي يحاول الإنسان فهمها بأسلوب رشيق وسهل يتيح مجالا للاندماج مع الأفكار المطروحة.

وفي مداخلتها، قالت الروائية ليلى الأطرش إنه لا يحق لأي إنسان أن يملي على الكاتب ما يكتب أو يختار، فالرواية ليست مجرد "حدوتة" بل تحتاج للبحث والعلم والدراسة المعمقة، و"أبناء السماء" رواية علمية أو خيال علمي يجيده قلة من الروائيين.

رحلة روحية
وفي معرض رده على التساؤلات، قال المؤلف "عشت رحلة روحية لعشر سنوات كنت خلالها متدينا بشكل تقليدي وتوصلت للإيمان بالله تعالى عبر العلم والتصوف"، وأضاف أنه التقط المعرفة من لقاءاته مع متصوفين وكتب وبحث طويل وخبرات تراكمت خلال الرحلة الروحية، مشيرا إلى أن الرواية الجديدة لا تعتمد على الحكاية أو المتعة بل تضيف معارف حديثة للقارئ.

وتابع القيسي أن البحث قاده للاحتكاك مع العالم الخارجي، فهناك كتاب يرون عوالم أخرى (التأمل الصوفي)، وأن رحلته أدخلته عوالم تعتبر مغلقة لآخرين، وتساءل "هناك عشرة ملايين شاهدوا الأطباق الطائرة فهل هناك مجال لإنكارها وهل يكذب هؤلاء؟".
وبحسب القيسي فإن الأوروبيين يطرحون على أنفسهم أربعة أسئلة ويحاولون الإجابة عليها، وهي من نحن؟ ومن أين أتينا؟ وإلى أين ذاهبون؟ وما دورنا في الحياة؟ فهل طرح أحد هذه الأسئلة على نفسه؟ وقال "نحن نستخدم 10% من عقولنا و7% من قوة إبصارنا، فماذا يحدث إذا استخدمنا هذه النعمة الإلهية 100%؟".

شخصيات حائرة
وفي حديث خاص للجزيرة نت، أوضح القيسي أن حيرة شخصياته تعود لبحثها الوجودي، فمعظمها يتسم "باللايقين" لأن بنيتها الفكرية تستند للماركسية التي تشجع الإلحاد وبالتالي فقد خاضت رحلتها الخاصة بحثا عن الإيمان من خلال العلوم الحديثة والتصوف والبحث في الظواهر الخارقة والتنقيب فيما جاءت فيه الأديان السماوية.

وقال إن الرواية تتضمن الكثير من الأسئلة دون محاولة توجيه القارئ لإجابات محددة، إنما تفتح الآفاق للتساؤل والبحث ليخوض في النهاية رحلته الروحية الخاصة.

وعن اختياره لماركسيين كأبطال لروايته، قال القيسي إن الشخصية الرئيسية "أحمد الحسيني" درست العلوم الحديثة في الاتحاد السوفياتي خلال الثمانينيات وتشبعت بالأفكار الماركسية والمادية الجدلية التي كانت تدرس في الجامعات هناك. ورأى أن الديانات السماوية لا تختلف أو تتناقض مع العلوم الحديثة وما توصل إليه الإنسان عبر رحلته العقلية الطويلة من اكتشافات.

بحث لا إجابات
وعقب الحوار، قال الناقد إياد نصار إن الرواية تسعى للبحث عن العوالم الغريبة الغامضة أكثر من تقديم إجابات وبالتالي تستثمر شوق الإنسان لمعرفة المزيد عنها في إطار من خصوصية المكان الأردني.

وأشار إلى ازدهار أدب الباراسايكولوجي (القوى الخفية في الإنسان) والعوالم الأخرى والغرباء والخيال العلمي في الغرب للوصول لحالة أعلى من التأمل الروحاني والإحساس بالجوانب الغامضة التي تستعصي على التحليل المنطقي وفهم المجهول وإدراكه.

وقال للجزيرة نت إن الرواية تفتح الباب واسعا أمام الجدل الفلسفي والعلمي والنفسي والديني دون أن تحجر على رؤية أو تأويل بل تثبت مشروعية تقبل مختلف التفسيرات. وبحسب نصار فالرواية لم تلق ما تستحقه من تحليل نقدي ممّا جعل الكاتب يحس بالغبن والخيبة لغياب تفاعل نقدي يوافق الجهد المبذول.

من جهته رأى الكاتب تيسير النجار أن الرواية تشكل أهمية استثنائية على صعيد الرواية الأردنية لولوجها للروح البشرية بحميمية وبطريقة خرجت عن المألوف.

المصدر: الجزيرة



كثير من الحظ - نضال برقان


كثير من الحظ
نضال برقان*

* كتب الشاعر ومحرر القسم الثقافي بجريدة الدستور الأردنية نضال برقان المقالة التالية التي نشرت بتاريخ 13/6/2011

 أن تنال «شيئا» من الحظ، خير من ألا تناله أبداً.

ذلك هو ما انتابني وأنا أقرأ مجموعة القاص إياد نصار الجديدة، «قليلٌ من الحظ»، لما انطوت عليه من انحياز فعلي، وجمالي، إلى فعليّ: السرد والقص، عبر لغة رشيقة، ومكثفة، تميزت بتخلصها، بشكل داهش، للحمولات الزائدة.

في المجموعة نفسها ثمة نأي، متقصد، ربما، عن الشعر وفضاءاته، الأمر الذي يعكس احتراما للقصة، وإيمانا بها، بوصفها جنسا إبداعيا حيّـا، وقادرا على سبر أغوار الذات، المفردة والجمعية، ونقل شجونها وشؤونها بجمالية عالية، الأمر نفسه لم يستطع استيعابه الكثير من كتاب القصة، محليا وعربيا، حيث يتكئون على لغة الشعر، واستعاراته، وتشابيهه، بحجة أنهم يكتبون نصوصا مفتوحة.

ويبدو جليا، في مختلف قصص المجموعة، انحياز كاتبها للمفهوم الكلاسيكي للقصة القصيرة، ما يعيد إلى الأذهان تلك النماذج العليا التي كتبت بها، خلال فترة ازدهارها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، من دون أن يعني ذلك أن نصار نفسه غير معني بالتجريب، وهو ما كان حاضرا من خلال القص وأدواته، من مثل حركة السرد والروي، التي كانت تنتقل من شخصية إلى أخرى بخفة ورشاقة، في غير قصة من قصص المجموعة.

وثمة ما يجدر الالتفات إليه في المجموعة، وهو تقارب قصصها من حيث الحجم، على صعيد الشكل، وانحيازها للجوهر الإنساني، عبر قراءة شجون الذات المفردة في مرآة الذات الجمعية، والعكس، على صعيد المضمون، وهو ما يؤكد اشتغال كاتبها عليها بتؤدة، من دون أن يكون ثمة تفاوت فيما بين قصصها، وهو ما يعكس، من ضمن ما يعكس، وفاء نصار إلى القصة القصيرة، واحترامه لها.

وإذا كان كثير ممن يكتبون القصة القصيرة بوصفها تمرينا لكتابة رواية لاحقة، فإن نصار كتب القصة تقديرا وإجلالا لذاتها، وإيمانا بها، محترما أدواتها، ومستمتعا كذلك بتلك الكتابة، من دون شعور بالنقص، وهو ما يستطيع القارئ تلمسه في مختلف فضاءات المجموعة.

ولعلي لا أجانب الحقيقة إذا قلت إن المجموعة تبدو غريبة إذا نظرنا إليها من خلال مشهد القصة القصيرة الراهنة، محليا وعربيا. إنها كتابة تسير بالاتجاه المعاكس للسائد والراهن على صعيد القص. إنها كتابة (محترمة)، ورصينة، وجميلة، وجليلة، وأعتقد أنها تمتلك من الأدوات ما يؤهلها لأن تكون علامة بارزة على صعيد مسيرة القصة القصيرة، بخاصة على الصعيد المحلي.

وتعكس المجموعة نفسها، كذلك، دراية ومعرفة بتاريخ القصة القصيرة، واتجاهات نقادها، وهو ما جعلها تخرج بصورة بهية، بعيدة، كل البعد، عن تلك الأخطاء التي ما زال يقع فيها كتاب قصة (مرموقون).

نصار، الذي أصدر مجموعته القصصية الأولى، «أشياء في الذاكرة»، وهو في الرابعة والأربعين، قبل ثلاث سنوات، ومجموعته الثانية، «قليل من الحظ»، قبل سنتين، صاحب شخصية هادئة، ورزينة، على الصعيد الإنساني، وهو كذلك على الصعيد الإبداعي، ما يؤكد صدق تجربته، وارتباطها بشخصيته.

وبعد؛ هي تحية إجلال وإكبار من قارئ محب للقصة القصيرة وكتابها الحقيقيين، بعيدا عن النقد وتشعباته.

رابط الموضوع بصحيفة الدستور

رابط الصفحة الكاملة


أدب النكسة

في تحقيق لجريدة "الغد" الأردنية 


كتاب: "أدب النكسة" كشف أسباب الهزيمة وبعضه انجرَّ إلى جلد الذات

نصار: أدب ما بعد الهزيمة أغرق في جلد الذات

عمان- عزيزة علي ـ يؤكِّدُ كتابٌ ونقادٌ أنَّهُ بعد نكسة حزيران 1967، ظهر أدب نوعي عايَنَ أسباب الهزيمة، وطرح تساؤلات كبرى حولها، فضلا عن أعمال إبداعية اتكأت على جلد الذات.

ويذهبُ بعضهم إلى أنَّ الإبداعَ العربيَّ استطاعَ كشفَ سرِّ هزيمة حزيران، ليس بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما بالمفهوم البنيوي العميق، مبيِّنينَ أنَّ الرواية العربية تحديدا، تفاعلت مع الأحداث التاريخية الكبرى التي تعاقبت على العالم العربي، بعد هزيمة 1967، كما أن ما حدث في ذلك التاريخ أثَّر بصورة عميقة في وعي الروائي العربي.

الناقد د. سليمان الأزرعي، يُبيِّنُ أنَّ الذي تابَعَ الإنتاج الأدبي في الساحة الأردنية خلال تلك الفترة يلاحظ ظهور ثلاثة أعمال روائية هي رواية "أنت منذ اليوم" للراحل تيسير سبول، "الكابوس" للراحل أمين شنار "أوراق عاقر" لسالم النحاس، التي جاءت تعقيبا متعجلا، وفق قوله على الهزيمة.

وأشار إلى أنه في تلك الأعمال "اختفت الهتافية والشعارات والمزاج الغاضب، ووقف المبدع وجها لوجها مع السؤال الكبير وهو "لماذا هزمنا"، لتأتي الإجابة في تلك الأعمال الإبداعية أن سبب الهزيمة يعود إلى عامل أساسي وهو، تغريب الإنسان العربي من قبل الأنظمة المستبدة التي استحوذت على كل شيء، وادعت أنها تملك كل شيء، وأنَّها الوصية على كل شيء، ففتحت سجونها للمعارضين وزجت بهم في غياهب السجون دفاعا عن "الوحدة الوطنية".

وجاء الجواب، وفق الازرعي، ليفضح ادوار الأنظمة الاستبدادية الرسمية التي غامرت بكل شيء وحرقت كل أدوات التصدي الوطني في سبيل ألا يعارضها أحد وهكذا وقف "عربي" بطل سبول، "مبعدا مغربا مهمشا منبوذا" من وجهة نظر النظام الرسمية بوصفه مشاغبا وكذلك حال "أبو يعرب" بطل النحاس في "أوراق عاقر".

ولفت الأزرعي إلى أنَّ "عربي" السبول، كان يُحاكم النظم العربية ليخرج باستنتاج مهم وخطير، وهو "أنَّ النصر والهزيمة لم يكونا مسألة سلاح وذخائر وتكتيكات عسكرية، وإنما معركة انتصر فيها النظام الذي استطاع أن يتسع ليحتضن كل طاقاته الوطنية ولا يهمش منها شيئا ولا يغرب منه شيئا".

وتابَعَ "وصل هؤلاء إلى الحل الديمقراطي في تلك الأعمال التي طرحت مسألة الاستحواذ والتفرد بالتثقف والإعلان والقيادة والإدارة والتخطيط والتفرد بالبطولات الكاذبة".

وخلصَ الأزرعي إلى أنَّ الإبداع العربي استطاع كشف سر هزيمة حزيران، بأنها لم تكن بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما بالمفهوم البنيوي العميق.

من جانبه، يوضح الناقد فخري صالح أنَّ الرواية العربية تفاعلت مع الأحداث التاريخية الكبرى التي تعاقبت على العالم العربي، بعد هزيمة 1967، كما أنَّ ما حدث في ذلك التاريخ أثر بصورة عميقة في وعي الروائي العربي.

ويلفت إلى أنَّه بعد فترة قصيرة من ذلك التاريخ وحتى الآن، أي بعد مرور 44 عاما على نكسة حزيران، كتب عدد كبير من الروائيين العرب أعمالا تحاول تفسير لماذا هزم العرب أمام إسرائيل في 1967، ولماذا استطاع كيان صغير مثل الدولة الصهيونية أن يلحق هزيمة كبرى بثلاثة جيوش عربية.

ويستعرض صالح بعض الروايات التي تناولت الموضوع مثل رواية "أنت منذ اليوم" لسبول، و"أوراق عاقر" للنحاس، و"الكابوس" شنار، هذا في الرواية الأردنية، وعلى المستوى العربي كتب حليم بركات روايته "عودة الطائر إلى البحر"، ويوسف القعيد "الحرب في بر، ويحدث الآن في مصر"، وعبد الرحمن منيف كتب "الأشجار واغتيال مرزوق، والشرق المتوسط".

ونوَّهَ صالح إلى أنَّ الإنتاج الغزير الذي حصل في المشرق العربي ومغربه، كانَ مهموماً بتأمُّل ظاهرة الهزيمة، وعلاقتها مع ظواهر الاستبداد والتخلف والقمع، وعدم استعداد العالم العربي لمواجهة الاستيطان الجديد، الذي يتمثل في الدولة الصهيونية التي زرَعَها الاستعمار القديم في قلب العالم العربي لتبقى بمثابة موقع متقدم له بعد رحيله.

ويتابع صالح "حصلت تحولات عميقة طرأت على الشكل الروائي وعلى الهموم التي عالجتها الرواية العربية بعد هزيمة 1967، حيث ارتبطت ارتباطا جذريا بالهزيمة المدوية التي أضعفت الحلم القومي العربي، وأبعَدَت أمل تحرير فلسطين في تلك الحرب التي لم يكن العرب مهيأون لها بالصورة الكافة".

القاص والناقد إياد نصار، طرَحَ بدوره قضية جلد الذات التي قدمها أدب ما بعد الهزيمة، ما هو أكثر إيلاما وجلداً للذات من أربعة أعمال شهيرة: "رجال في الشمس" لغسان كنفاني، و"أنت منذ اليوم" لتيسير سبول، و"الرباعيات" لصلاح جاهين التي جسدت حزنه وكآبته بعد هزيمة حزيران العام 1967 وظلت السبب في انكفائه حتى وفاته، و"هوامش على دفتر النكسة" لنزار قباني.

ولفت نصار إلى الآلاف من الأعمال الشعرية والروائية والقصصية والمسرحية، التي ملأت ساحة الأدب العربي، وكانت مغرقة في الشكوى والتأوه لسببين: كانت تعبيراً عن صدمة نفسية كبيرة غير متوقعة وانكسار بعد فترة المد الثوري في الخمسينيات، وتفريغاً لإحساس المواطن العربي بالقهر، في وقت لم يسمح فيه تخلف الوعي وغياب وسائل الاتصال الجماهيرية للمواطن العربي أن يدرك مدى أهمية العمل الشعبي.

ورأى نصار أنَّ الأدب يعكس المزاج العام في أية فترة تاريخية يُعبِّرُ عن قضايا المجتمع خلالها، مبينا أنَّ أدب الهزيمة كان تعبيراً حقيقياً عن ذلك. واستدرك أنَّه أفرط وأغرق في البكائيات التي خلقت في وعي الانسان العربي أوهام الضعف والاستسلام وجلد الذات، وغياب أي تصور قادر على تغيير قدرية المصير.

* نشرت في جريدة الغد الأردنية بتاريخ 12/6/2011


الاثنين، يونيو 13

"المستهدف" لوحة بانورامية لمظاهر أزمات الانسان المعاصر

 



صور من تغطية الصحافة الاردنية لحفل توقيع المجموعة القصصية الجديدة لجمال ناجي

إياد نصار: "المستهدف" تقدم لوحة بانورامية لمظاهر أزمات الإنسان

عمان - قال القاص والناقد إياد نصار إنَّه في هذه الأيام التي يشهد العالم فيها طفرة غير مسبوقة في كتابة الرواية، ونشرها، والاحتفاء بها، تثبت القصة القصيرة أنَّها تظل ذات جاذبية وحيوية وتجدد، تغري كتابها بالعودة إليها.


وأضاف في حفل توقيع المجموعة القصصية الجديدة "المستهدف" للروائي والقاص جمال ناجي، في مركز الحسين الثقافي،أول من أمس، بحضور نائب مدير المدينة للشؤون الثقافية المهندس هيثم جوينات، إنَّ "القصة رغم قصرها إلا أنها "ملكة الرشاقة" التي تختبر موهبة القص لدى الكاتب".

وأكد أنَّ القصَّة ليست مجرد حكاية، بل إبداع فني كامل من تقديم خلاصة تجربة الحياة، وتحليل الشخصية، ورسم معالم اللوحة الإنسانية الذي ينطوي على المفارقات والدهشة، بلغة مكثفة موحية، تقدم متعة فنية وفكرية، واكتساب خبرة، وازدياد وعي، ومعايشة لحظات تأملٍ في معاني الحياة.

وتابع أنه هكذا يعود الروائي والقاص جمال ناجي، الذي وضع بصمته على صعيد الإبداع السردي في الأردن، والعالم العربي، مرة أخرى إلى القصة القصيرة، بعد أن قدّم لها ثلاث مجموعات هي "رجل خالي الذهن"، و"رجل بلا تفاصيل"،و"ما جرى يوم الخميس" ليضيف مجموعة جميلة.

وبيَّنَ أنَّ "المستهدف" تشكِّلُ حلقة أخرى في مشروع ناجي الذي يحمل رؤاه الفكرية والإنسانية منذ أن بدأ مشواره قبل ما يزيد على 30 عاما، حينَ كتَبَ روايته المدهشة "الطريق إلى بلحارث" التي لفتت الأنظار، حتى روايته الأخيرة "عندما تشيخ الذئاب" التي حققت حضورا لافتاً محلياً وعربياً، ووصلت نهائيات الجائزة العالمية للرواية العربية في العام 2010.

وأشار إلى أنَّ ما يتميَّزُ به ناجي أنَّهُ حينَ يكتبُ القصَّةَ يخلعُ عنهُ رداء الرواية، ويلقي بأدواتها وأجوائها وأساليبها جانباً، ويتقمَّصُ القصة لغة وروحاً وأسلوباً، مؤكِّداً على أنه يُتْقنُ "فن التنقل والإبحار بين الرواية والقصة، كربّان يعرفُ مراكبه وأدواته التي لا يخطئ متى يستخدم أياً منها".

وأوضَحَ نصار أنَّ المجموعة تطرحُ طيفاً متعدِّداً من إشكاليات الحياة الاجتماعية، وتعبِّرُ عن التفاتات نبيهة بعين القاص الحاذقة، وتفتحُ أفقَ القارئ على معان جديدة للأشياء والمواقف من حوله، وشخصياتها واقعية من الطبقة المتوسطة في مجملها.

واعتبَرَ أنَّ المجموعة تقدِّمُ لوحة بانورامية لمظاهر أزمات الإنسان، والهموم اليومية للحياة في المدينة التي تورث القلق وغياب التواصل الإنساني وفقدان الحب، وتمتاز بالحفر في الهواجس النفسية للشخصيات التي تعيش لحظات الخوف والترقب.

وذهب إلى أن بعض القصص تعكس جوانب معاصرة من أنماط حياة الناس في عمان،وتقيم مقارنات تشتمل على مفارقات بين قاع المدينة وغربها، مثلما تعكس "التغير في أنماط التدين الاجتماعي حيث عمل الخير يصبح مصدر همٍّ وقلق".

وأشار إلى أن كل قصص ناجي تتضمن "عنصر التشويق الآسر الذي لا يتخلى عنه"، نائيا بنفسه عن التهويمات اللغوية، أوالاسهاب في الوصف"قصة جمال ناجي تحكي أكثر مما تصف،وتتحاور مع شخصياتها وقارئها أكثر مما تغرقه في التأملات التي تفتقر إلى الحدث".

وتابع "لعل من أهم ما يميز أدب جمال ناجي هو التركيز على القضايا المرتبطة بتحرر الإنسان من ربقة القيم الموروثة"موضحا" لكنه في الوقت الذي لا تنسى فيه المجموعة طرح قضايا المرأة، فإنها "لا تدب الصوت في طرح قضايا النسوية"،ومن هنا تجد في قصصه اضطهاد المرأة للمرأة وخلافاتهما ومناكفاتهما.

وبيَّنَ أنَّ المجموعة تستهلُّ بقصة "الكحلاء" التي تختزل مخاوف الإنسان في حكاية نبتة لطيفة وادعة حيث تجسد "الكحلاء" ترسبات تجاربنا الفاشلة، وحين نتحرر منها ونقلع عن شتاء الحياة إلى صيفها تموت الكحلاء.تفتتح المجموعة بموضوعة الموت، وتلجأ إلى تجسيد المفاهيم التجريدية التي تتلبسنا احيانا في تكوينات مادية مرعبة تظهر مدى براعة القاص.

وأردف "وتختتم بقصة ذات نزعة صوفية حول معنى الموت أيضاً"، وهي عن رجل يتأمل أمواج البحر، فيثير منظر نورس يقع ميتاً على الصخور شهية الراوي على الاسئلة الوجودية في معاني الموت،وجدوى الحياة وعبثيتها، رائيا أن أهمية القصة تكمن في "توظيف المستوى الرمزي للحدث وإسقاطه على مصير الإنسان".

وراح إلى أنَّه تبرزُ في المجموعة اللغة القصصية المؤثِّرة والمنسابة بكل سلاسة مستشهدا بقصة "الموت شخصياً" حيثُ يحتالُ رجل عجوز على الموت، فيراه في كلِّ شيء حوله، وفي كل صوت يسمعه وهي قصة تضع قارئها في خضم مشاعر الخوف، حتى يموت الإنسان قبل الموت.

وأضاف أنَّ قصص "المستهدف" تلجأ إلى الرمز على نحو مكثف لإعطاء بعد أكثر عمقاً للمعنى، كما توظف البعد الاجتماعي لاستخدامات اللغة الشعبية في فهم نوازع البشر وتحليل شخصياتهم، معتبرا أن المؤلف وظف في أغلب قصصه"السخرية اللماحة والكوميديا للفت انتباه القارئ إلى الجوانب التي يحفزه لإدراكها".

وبيَّنَ أنَّه أيضا "يوظِّفُ النهايات الغامضة المفتوحة لدفع القارئ إلى التفكير ملياً في دوافع البشر الخفية التي تحكم تصرفاتهم الظاهرة كما في قصة "زيارة متأخرة".

وقرأ ناجي في الحفل الذي أداره المدير التنفيذي للبرامج الثقافية في الأمانة الكاتب والمهندس سامر خير قصتي"ساعة جدي" و"زيارة متأخرة" من المجموعة الجديدة الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع.



اياد نصار يشارك في ندوة حول الشاعر عمر ابو الهيجاء



نصار: قصائد الشاعر عمر ابو الهيجاء تحمل مفردات الشعر الفلسطيني ورموزه
* نشرت في جريدة الغد يوم الجمعة 3/6/2011

إربد-الغد- رأى نقاد أنَّ قصائد الشاعر عمر أبو الهيجاء تحمِلُ مفردات الشعر الفلسطيني ورموزه وأسماءه وأفعاله التي تكرَّسَت في شعر أهم أعلامه المعاصرين المرتبطة بالمكان والإنسان والفلوكلور والتاريخ، كما أنَّهُ يمتلك شاعرية وأدوات شعرية ورؤى من الفكر الشعري، وإحساسا عاشقا للشعر.


وجاءت تلك القراءة في الندوة التي نظمتها رابطة الكتاب الأردنيين فرع إربد في تجربة أبو الهيجاء أول من أمس، وتحدث فيها النقاد د. راشد عيسى، القاص إياد نصار، وأدارها د. مصلح النجار.

استعرَضَ نصار تجربة أبو الهيجاء التي تمتد عبر عشرين عاماً بدأها العام 1989 بديوان "خيول الدم" الذي صدر عن دار ابن رشد في عمان، ومنذ البدء تبدو القضية الفلسطينية بكل تجلياتها وأبعادها وانكساراتِها وآلامها حاضرةً في ديوانه كما في دواوينه الاخرى، بل تكاد تكون هي المحورُ الذي تنتظم حولَه معظمُ قصائدِ الديوان.

ورأى نصار أن الذات تبرز رغبة الشاعر -التي لا تخلو من إحساس بالحزن واليأس ـ في التعبير عن رؤاه وأحلامِه، ولكنّ الكلماتِ تعبت منه، واستوطنت توابيتَ الكتب المركونة، وتركت قلبَه المعنّى يقاسي بحثاً عن لغة أخرى للتعبير عن كوامن نفسه، ولكن لا تفقسُ اللغةُ غيرَ الإجابات المريضة.

تستحضرُ القصيدةُ الجميلة، وفق نصار، ذاتُ النَفَس الطويل وذاتُ البعد التاريخي "الملحمي" التي تصبح "سطراً من الملاحم على تراب راس العين" والمسماة "تعبت مني"، تستحضر وككثير من القصائد في هذا الديوان، ذكرياتِ المكان وأوجاعِه، فرأس العين إشارةٌ تاريخيةٌ الى بدايةِ ولادة عمان كمدينةٍ احتضنت المهاجرين والمنفيين في مستهل القرن العشرين وما تلاه.

ولفت إلى أن تلك القصيدة تسعى إلى التأكيد على الإحساس بالمرارةِ برغم براءة الرؤية الشعرية التي تفيض بالإلهام والدهشة. واعتبر نصار ان قصيدة "تعبت مني" من أهم القصائد التي يشتمل عليها الديوان والتي تتجلى فيها ملامحُ بناءٍ شعري متكاملٍ يعكس عالمَ ابو الهيجاء الفني واللغةَ ذاتَ الانزياحات الحداثية المتواصلة التي طورها عبر تجربتِه الطويلة، ويقدمُ فيها مقوماتِ الرؤية الشعرية التي تعكسها أعمالُه.

وتتضمنُ تلك القصيدة، بحسب نصار تسعَ مقدماتٍ لتسعِ فواصلَ شعريةٍ متسلسلةٍ مترابطةٍ تستخدمُ لغةَ الحكاية الفلكلورية والمناجاةَ والأغانيَ الشعبية الفلسطينيةَ الطفولية. وتظل المقدماتُ التسعُ التي تلخص تجربةَ الشاعر وذكرياتِه واحتراقَه ومعاناتَه مع الواقع والتاريخ واشتراطاتِ اللغة في سبيل تقديم حلمه الشعري المتفرد الذي يتسامى فوقَ المكرور تردد عبارةً أعطت القصيدةَ اسمَها "تعبتُ مني".

من جانبه، قال عيسى إنَّ مسألة الشعر تعود إلى مدى إخلاص الشاعر لتنامي تجربته وتخصيبها دائما، ومدى نجاحه في صناعة خصوصية جمالية في شعره، رائيا أن من العيب أبدا أن يتوقف شاعر عن الشعر من الشعراء مدة عامين أو خمسة أو عشرة ليراجع منجزه ويتفقد درجات سلّمه الإبداعي إخلاصا لتجربته واحتراما لعبقرية الشعر نفسه.

ويعتقد راشد أنَّ أبو الهيجاء يمتلك شاعرية وأدوات شعرية ورؤى من الفكر الشعوري ويملك إحساسا عاشقا للشعر، لكنه غير منتبه بما يكفي لمسألة البحث عن تفرّد فني جمالي في شعره، لكأنه يدخل بيت القصيدة قبل أن يتحقق من كفاية الحجرات والأثاث والأبواب والنوافذ، يدخل باندفاعة المحب الهائم وليس بيقظة العاشق الحذر الموسوس والمتكهّن الخنّاس. والشعر العظيم، وفق راشد، لا يلزمه حسن النوايا ودفق المشاعر وانهيالات اللغة، يلزمه قدرة فائقة على الشعوذة اللغوية والتخييل النشط المجاوز للمألوف.

وأكد أن أبو الهيجاء لا تنقصه الموهبة الشعرية والتخيل ولا الرؤى الفكرية، لكن ينقصه تقييم ذاتي لمنجزه، وخروج ذكي جسور على أنماط شعرية يفتتن بها ويوازيها ويعيش في ظلالها.

ونوه راشد إلى أن قصيدة النثر ما زالت تبحث عن شرعيتها بسبب ندرة النماذج العالية منها، معتقدا أنَّ على أبو الهيجاء إعادة حساباته مع معمار قصيدته، وقال "الشعر ليس شيئا يقال إنما طريقة يقال بها، ولا أحسب عمر بعاجز عن أن يبتدع لثوب قصيدته قماشا مختلفا، لكنه متباطئ في البحث عن الإبرة والخيط الجديدين لنص شعري يفتن القارئ العادي ويوقع القارئ الخاص في الذهول".

ورأى ان شعر أبو الهيجاء يقع في منتصف الشجرة في أعلى الجذع وبداية تسامق الأغصان، مبينا أنَّ ما أنجزه عمر من مجموعات شعرية يؤكد شاعريته، ويكشف عن قدرات فنية كامنة قادرة على تحقيق تجاوز جماليّ يلفت الإنتباه ويتجاوز المألوف.

وخلص إلى أن الشعر الناجح أو لشهرة قصيدة ما أقدار لا يمكن توقعها أو الاطمئنان إليها فما يحسبه الشاعر قصيدة متميزة قد تمر على الجمهور العام والخاص بلا أدنى اهتمام، وفي الوقت نفسه قد تشتهر قصيدة متواضعة فنيا شهرة تفوق التصور.

رابط الموضوع بجريدة الغد



الجمعة، يونيو 3

الشهادة الابداعية

مشاركة في تحقيق لصحيفة الغد حول الشهادة الابداعية
كتّاب: الشهادة الابداعية تداخل النص المفتوح مع أدب الاعترافات


شاركتُ في التحقيق الذي كتبه القاص والروائي والصحفي جمال القيسي ونُشر بجريدة الغد بتاريخ 3 /6/2011 حول موضوع الشهادة الابداعية اضافة الى الروائي والقاص جمال ناجي والقاص رسمي أبو علي. وقد جاءت مشاركتي في الموضوع كما هو مبين تالياً أدناه:

جمال القيسي ـ الشهادة الإبداعية قول على قول، وقلم آخر غير الذي يصوغ المبدع به لوحته التي يودعها أسراره الجمالية، تتماهى ألوانها أحيانا مع ألوان اللوحة، ويستل منها ذات الأجواء أحيانا، لكنها بالنتيجة تبدو كأنها جلوس المسرحي خلف الكواليس مع روحه المستعادة من الخشبة التي تطلبت جهدا استثنائيا.


تختلف طرائق الأدباء في تقديم شهاداتهم الإبداعية باختلاف تجاربهم وموقفهم منها، وباختلاف البنى الإبداعية الذاتية بينهم، البعض يعتبرها محطة اعتراف ومنديل دمعة، والآخر نقطة تنظير واستراحة محارب عتيد، وهناك من يعتبرها عصفا ذهنيا داخليا على ورق البياض، وحسن إصغاء المستمعين.

في الوقت الذي يوغل فيه كثير من الأدباء في تقديم شهاداتهم الإبداعية، التي وصل عدد صفحات بعضها أكثر مما كتب صاحبها من إبداع، هناك عدد لا بأس به من الكتاب الذين يفترض حقيقة أن نسمع منهم شهادة على الإبداع الذي احتفى بهم، ولكن بيت القصيد هنا ليس هذا، بل الوقوف على "كنه" الشهادة.

القاص والروائي جمال ناجي يقول إن الشهادات الإبداعية "خطأ شائع انسقت مرارا إلى ممارسته"، مؤكدا على أنه يعدها نوعا من كشف أسرار اللعبة الإبداعية والتي تنطوي أحيانا على "إفساد الصورة المتخيلة لدى القارئ حول كيفيات الاشتغال على العملية الإبداعية".

ويشير مبدع "عندما تشيخ الذئاب"، إلى أنه لا يتوقع أنْ تتحوّل الشهادات الإبداعية إلى جنس أدبي، ولا أنْ يستمرّ المبدعون في "البوح عن تجاربهم عبر هذه الشهادات إلى ما لا نهاية"، معتقدا أنّ المبدعين سيبلغون مرحلة كتابة السيرة الذاتية الإبداعية والحياتية كمزيج من الأنواع الكتابية الغربية، بدلا من الشهادة الإبداعية التي يكتبها المبدعون العرب.

ويذهب القاص رسمي أبو علي إلى أنّ الشهادة الإبداعية خليط من "النقد الخاص" من الكاتب لنفسه بعد مسيرة وتجربة، لافتا إلى أنّ ذلك النقد الفريد من نوعه يغرف من بحر السيرة الذاتية لصاحب الشهادة، بما يُعزّز ما يراه واجب القول فيها.

ويتابع صاحب "قط مقصوص الشاربين اسمه الريس"، أنّ "الانتقائية" تكون سيدة الموقف والمتحكمة في أجواء الشهادة لدى المبدع، الذي ينتخب آنذاك ما يراه جديرا بالتثبيت والأخذ، موضّحاً أنّ تقدير ذلك ومدى منطقيته يختلف من مبدع إلى آخر حسب عمق التجربة وروحها.

ويلفت أبو علي إلى أنّه قدّم أكثر من شهادة في مسيرته الأدبية، آخرها كان في مؤتمر القصة القصيرة الذي نظمته جمعية النقاد الأردنيين العام 2008، حيث قدّم شهادة حكت عن قصته الشهيرة "قط مقصوص الشاربين اسمه الريس".

ويعتبر أبو علي أنّ كتابة الشهادة الإبداعية كتابة من طراز خاص، أهم ما يُميّزها أن "ليس لها مواصفات معينة"، وفيها يتداخل النص المفتوح مع ما يسمى بأدب الاعترافات أو السيرة الجوانية، مشيرا إلى أنّ الطريف فيها تبدل حالها من مرحلة عمرية إلى أخرى بصورة لافتة.

فيما يرى القاص والناقد إياد نصار أنّ الشهادة الإبداعية جزء من فن السيرة الذاتية الأدبية التي تقتضي الكثير من الصدق والمصارحة ومواجهة الذات والاعتراف، وليس مناسبة لقول ما لم يقله النقاد في أعمال المبدع، مشيرا إلى أنّ بعض أصحاب الشهادات يحولون شهاداتهم الى تحليل نقدي لأعمالهم!

ويعتبر صاحب "قليل من الحظ" أنّ الغرض من الشهادة الإبداعية يندرج تحت عنوانين عريضين: توثيقي وإرشادي، حيث التوثيقي هدفه فتح الأبواب والنوافذ على بعض الجوانب المهمة، التي بقيت في الظل أو الخفاء، ما يُقدّم للدارسين والنقاد أدوات ومفاتيح يستطيعون من خلالها التعمق في فهم أعمال المبدع، ومنطلقاته، ومؤثراته، والظروف التي حكمت مسار تجربته ونتاجه.

ويتابع أنّ الجانب الإرشادي هو تقديم أمثولة للكتاب والمبدعين الآخرين، وخاصة الشباب، للاستفادة منها في تطوير تجاربهم، وتحويل محطات الفشل إلى نجاح، أو الانتباه إلى معالم مهمة قد لا يلتفتون إليها، أو اكتساب بعض العناصر التجديدية.

ويشدد نصار على أنّ الأصل في مناسبات الشهادة الإبداعية أنْ يتمّ التركيز فيها على حضور النقاد والدارسين والمهتمين بتوثيق تاريخ الأدب والسيرة الأدبية للأدباء، وبالقدر نفسه من الأهمية أنْ يدعى إليها أصحاب التجارب الجديدة من الكتاب الذين يتطلعون إلى الاستفادة من تجارب غيرهم من ذوي المسيرة الطويلة.

ويأسف على قلة نشر الشهادات الإبداعية في كتب ونقل الصحف لرؤوس أقلام منها، ما يقلل من فائدتها، ويحولها الى مناسبة إعلامية للتكريم أو للظهور، مبديا استغرابه مما يشاهده في مناسبات تقديم الشهادات الإبداعية من حيث قيام صاحب الشهادة بتأطير تجربته بكثير من التنظير النقدي الذي ينتمي الى مدارس واتجاهات نقدية لا يسير عليها، ولا يلتزم بها.

رابط الموضوع بصحيفة الغد



عرار ..الآن أكثر من أي وقت مضى


عــرار.. الآن أكثـر من أي وقـت مـضى

اياد نصار

* نشرت في الملحق الثقافي بجريدة الدستور الأردنية بتاريخ 27/5/2011

إنه لمن معاني التاريخ الرمزية التي تحمل دلالات مهمة أن تصادف ذكرى ميلاد شاعر الاردن مصطفى وهبي التل "عرار" ذكرى الاستقلال، فقد ولد الاثنان في الخامس والعشرين من آيار. كان عرار صوت الحق الجريء الذي يرفض التبعية للاجنبي ويدعو الى تحرر الانسان من جور السلطة ويقف لها ناقدا قوياً بالمرصاد. فكان ضمير الاستقلال الذي تحقق قبل رحيله بأربع سنوات. وفي ظل الاجواء القومية التحررية في مطلع القرن الماضي التي شهدت حركة الوطنيين من أبناء بلاد الشام في الاردن وسورية وفلسطين امتداداً الى الحجاز عاش عرار وترعرع، فكانت له مواقف عروبية منذ ريعان شبابه. ولو عاش "عرار" هذه الايام التي تشهد ثورة الانسان العربي على الظلم والقمع والاستبداد وتبديد ثروات الامة واحتكار السلطة والفساد والارتهان للاجنبي في سبيل تأمين مصالح الطبقة الحاكمة لكان صوت ضمير الانسان العربي الرائد المدافع عن حق الحياة والتعبير في مواجهة انهمار الرصاص. ربما الان أكثر من ذي قبل نحتاج الى أن نتذكر عرار وشعره ومواقفه، لأن عرار كان الصوت الجريء في وقت كان الصمت هو لغة الاشياء والمواقف، وكان الشاعر الحر في وقت عزت فيه الاقلام عن الوقوف بوجه الظلم، وكان السبّاق في فهم حقيقة المؤامرات التي تحاك ضد الارض والانسان والتحذير من خطر الاعداء، في وقت لم يكن هناك وعي بخفايا ما يجري من مخططات ودسائس تحيكها القوى الكبرى ضد العرب. لم يكن عرار شاعراً عادياً كأي شاعر. كان مختلفاً في كل شيء. كان شاعراً مفكراً جريئاً وصاحب نبوءة سبق عصره، مثلما كان حراً متمرداً في اسلوب حياته الذي اختاره لنفسه.

عاش عرار في فترة تعد الاصعب من فترات تاريخ العرب الحديث الذي شهد بطش الدولة العثمانية في أواخر عهدها بعد أن حولتها الحروب والروح الاستبدادية الى رجل مريض، كما شهد هجمة الاستعمار إبان الحرب العالمية الاولى وافتضاح مخططات سايس بيكو وتقسيم الوطن العربي غنائم بين الدول الاوروبية، كما عاش المراحل المبكرة من القضية الفلسطينية وثورات الشعب الفلسطيني الذي أدرك المخطط الذي كان يهدف الى الاستيلاء على الأرض والسماح للمهاجرين الصهاينة بتأسيس وطن لهم على أنقاض شعب آخر.

عرف عرار النفي مبكراً وهو في بداية العشرينيات عندما كان طالباً في دمشق، كما عرف الفصل من الوظيفة والاعتقال والسجن بسبب مواقفه الوطنية التي عبر عنها في شعره وفي مواقفه التي رويت عنه. ولهذا تظل ذكرى عرار حية في ضمير الاردنيين، وخاصة هذه الايام التي يشهد الاردن والعالم العربي برمته حركة احتجاجية تعبر عن صحوة ضمير طال انتظارها وعن انتفاضة كرامة وحرية، لأنه كان حال لسانهم الصادق في رفض الجور والاستغلال، كما كان شعره مرآة حياة الناس والمجتمع الذي يعكس الأجواء العامة التي عاشها الانسان في تلك الفترة ما بين انتشار الامية والفقر والمرض وتركة العهد العثماني الثقيل في الاستبداد والبيروقراطية واحتكار السطة، ومن ثم وطأة الانتداب وجبروته والاحساس المبكر بالمخاطر الكبرى وتقسيم الاوطان وضياع فلسطين.

يفيض شعر عرار بالهم الوطني ويفضح المؤامرات السياسية واشكال النفاق والتسلط ويقف الى جانب الفقراء والمهمشين والمنبوذين، ورغم ما أتيح له من فرص للوصول الى مناصب ادارية كان يمكن في ضوء تعليمه ودراسته للمحاماة وعمله في السلك الحكومي أن تحقق له مكانة شخصية عالية ونفوذا يطمح اليه كثيرون:

ورأيت كيف الصدق يذهب من يقول به ضحية
ونظرت أحلاس الوظائف سادة بين البرية
أيقنت أن الألمعية في ازدراء الألمعية
وحللت عقلي من عقال الهاجسين بحسن نية

إلا أنه انحاز الى جانب قناعاته ومبادئه فكان ضمير الاردن، الذي عبر، في وقت مبكر من تاريخه عن الانتماء اليه والى ترابه والى بقاعه الجميلة التي ارتبط اسمه باسمها. كما يمتاز شعره بفهم نوازع النفس البشرية التي تسقط أمام المادة والجاه والخوف من السلطة أو تسعى الى تحقيق منفعة آنية على حساب التمسك بالمبادىء الذي يورث معظم الاحيان الالم والجوع والحرمان:

هذي الوظيفـة، ان كانـت وجائبهـا، وقفاً عليكـم، فعنهـا الله يغنينـي
فالعزل والنفيّ، حبـاً بالقيـام بـه أسمى بعينـيّ مـن نصبـي وتعيينـي
يا شرّ من منيت هـذي البـلاد بهـم، ايذاؤكـم فقـراء النـاس يؤذينـي
(فبلطوا البحر) غيظا من معاملتـي وبالجحيـم، إن استطعتـم فزجونـي
فما أنا راجع عـن كيـد طغمتكـم حفظا لحق (الطفـارى) والمساكيـن

عرف عرار كل صنوف النكران والاضطهاد، من الطرد من الوظيفة الى النفي الى السجن الى تشويه سمعته وصورته فلم يتراجع ولم يهن:

لو أني أرأس الوزراء أو قاض كمولانا
لألغيت العقاب ولم أدع للنفي إمكانا
فمن سجن الى منفى لآخر شط ابوانا
فهات الكأس مترعة من الصهباء ألوانا

ارتبط شعر عرار في ذهني ومنذ أن وعيت على الدنيا بمواقفه السياسية الرافضة لمخططات قوى الانتداب البريطاني ووعد بلفور الذي وضع حجر الاساس لتهويد فلسطين في أكبر تجسيد تاريخي لمعاني الظلم وسرقة مقدرات الشعوب وأحلامها تمهيداً لإقامة كيان غاصب:

يا رب إن بلفور أنفذ وعده
كم مسلم يبقى وكم نصراني
وكيان مسجد قريتي من ذا الذي
يبقى عليه إذا أزيل كياني
وكنيسة العذراء أين مكانها
سيكون إن بعث اليهود مكاني

في هذه الأبيات تتجلى رؤية عرار التي تستشرف المستقبل وادراكه المبكر لمعنى ضياع الوطن، وتجسد ايمانه بقيمة الوحدة الوطنية، "فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا" كما كنا صغاراً ننشد.

ومن ناحية أخرى، يجسد عرار في شعره نموذجاً للشاعر الرومانتيكي الثائر. هرب الرومانتيكيون من المدن ومشكلاتها واكتظاظها ونفاقها وضجيجها وعلاقاتها التي اتسمت بالزيف الى الريف حيث الحرية والانطلاق والبحث عن الذات في معبد الجمال الطبيعي، وحيث الريح الشاردة تبعث في خيالهم أماني التحرر من الالم وحيث البلابل تثير فيهم الشجن والرغبة في التحليق فوق جحيم المكان الانساني الى عوالم أرحب من الحرية، هكذا فعل شيللي وجون كيتس واللورد بايرون وصامويل كولريدج ووردزورث وهكذا فعل أبو القاسم الشابي واحمد زكي أبو شادي وجبران خليل جبران وعلى محمود طه، لكنهم مثل عرار، لم ينسلخوا من صورة الشقاء الانساني، ولم يغب عن بالهم صور استعباد الشعوب وقهرها، فالتحق بايرون بالمقاومة اليونانية، وكتب شيللي "ثورة الاسلام"، وغنى ابو القاسم الشابي للشعب كي يعلن الثورة، وظل يدعوه للانتفاض حتى درجة السخرية، وحتى كاد يصاب بالاحباط من صمت البشر المطبق على الضيم. وهذا عرار يقول بكل مرارة ساخراً:

سيمت بلادي ضروب الخسف وانتهكت حظائري واستباح الذئب قطعاني
وراض قومي على الاذعان رائضهم على احتمال الأذى من كل انسانِ
فاستمرأوا الضيم واستخذى سراتهم فهاكهم يا أخي عبدان عبدانِ

وربما نحتاج الان أكثر من أي وقت مضى أن نتذكر عرار في ظل امتداد المعاناة وانتشار الفساد، فقد وقف مبكراً ضد كل المرابين والمنافقين وطالبي رضا السلطة كي يفوزوا بمغانم من قوت الشعب. يقول ساخراً ممن يعرف معنى الضيم ويسكت عليه:

ماذا أصاب بني أبيك؟ أما لهم فينا بقية؟
صمتاً فإن العي في بعض المواقف شاعرية
وتحامق الضعف الهضيم نهاية في العبقرية

وهكذا ثار عرار على واقعه البائس وعلى كل القيم الاجتماعية التقليدية، واختار لنفسه أن يعيش حراً يجسد الحرية في شعره ومواقفه وحتى صعلكته وتمتعه بلذة الحياة، لكنه بقي ملتصقاً بمعاني الكبرياء والكرامة. وككل الشعراء الرومانتيكيين، وجد عرار نفسه ومبتغاه في الطبيعة، ليس لمجرد جمالها الساحر أو مشاهدها الخلابة، بل لأنها تربطه بوطنه الذي غنى له وتغنى به، ولأنه يرى فيها صورة الوطن كما يتمناه، فقد صارت البديل الموضوعي لوطن مفقود.. لوطن شوهت وجهه السياسة والانتهازية وخطط الأعداء، وربما لم يغن شاعر لجبال الاردن ووديانه وتلاله وقراه كما فعل عرار:

يا مي جلعاد الأشم كعهده
ما زال يربض جاثما في مكانه
والغور ما انفكت غدائر نبته
وزهوره تحنو على غدرانه
وسماء اربد ما يزال سحابه
يسقي سهول الحصن من هتانه

في معظم قصائده، يربط عرار جمال الارض بالحب والمرأة وقيمة الوطن وتاريخه وكريم الخصال التي يألفها ابن الارض في الريف والبادية:

يا أخت (رم) وكيف (رم) وكيف حال "بني عطية"؟
هل ما تزال هضابهم شما وديرتهم عذية؟
سقيا لعهدك والحياة كما نؤملها رضية
وتلاع وادي اليتم ضاحكة وتربته غنية
وسفوح (شيحان) الأغن بكل يانعة سخية

الطبيعة في شعر عرار هي فردوسه المفقود ووطنه الذي نبذه وهي مدينته الفاضلة التي لا فرق فيها بين العبد والسيد أو الغني والفقير، ومثلما هرب الرومانتيكيون الى الطبيعة فقد هرب عرار الى حياة الخرابيش التي وجد فيها عدالة ومساواة حقيقية بلا ادعاء أو زيف:

بين الخرابيش لا حرص ولا طمع
ولا احتراب على فلس ودينـار
ولا هيــام بألقـاب وأوسمــة
ولا ارتفاع ولا خفض بأقـدار
بين الخرابيش لا عبد ولا أمة
ولا أرقاء في أزياء أحرار

يعبر شعر عرار عن معظم مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الاردن، فكأنه سجل تاريخي أدبي يعطي صورة نابضة مفعمة بكل الالوان والاصوات والظلال لنمط حياة الناس ومشكلاتهم وقضاياهم وآمالهم على اختلاف مستوياتهم، في تلك الفترة من تاريخ الاردن. لا بل إن شعره يوثق حتى اللغة الشعبية الاردنية التي يوظفها في شعره بشكل جميل، ومن هنا يكتسب ديوانه "عشيات وادي اليابس" أهمية كبرى في كونه لا يلخص سيرة حياة الشاعر ومواقفه ولكن يعد سفراً للحياة في الاردن في النصف الاول من القرن العشرين بفضل قصائده التي تعرج على كل قضية تهم الناس، مثلما يمور بقصائد الحب والوجدانيات والالم والشكوى وحب الارض الذي برى الشاعر فصار عاشقاً يكابد الوجد.

وبقدر ما كان يتبدى البعد العروبي القومي في شعره، فقد كان الاخاء والحب الانساني الذي يتسامى فوق اختلاف العقيدة. وفي أكثر من قصيدة ومناسبة عبر عرار عن ايمانه بالانسان العربي الذي يستند الى تاريخ مشترك عريق، بل هو أعرق تاريخاً من ميلاد الاديان السماوية:

إنجيل عيسى أو كتاب محمد سيان عندي فـ العروبة محتدي
إن كان عيسى للسلام يقودني فكـذاك أحمد للسعادة مرشدي

في ذكرى ميلاد عرار نتذكر شاعراً ارتبط اسمه وشعره بعزة النفس الأبية في أجواء من الحرية والتمرد ونتواصل مع تاريخ طويل من الصعلكة العربية المشرفة كصعلكة عروة بن الورد وشيبوب وعرار بن شأس الأسدي الذي تسمى تيمناً به وبقوله:

أردتِ عراراً بالهوان ومن يرد ... عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم

رابط المقالة بجريدة الدستور

رابط الصفحة الكاملة

الخميس، يونيو 2

هواجس مشروعة


هواجس مشروعة
اياد نصار

* نشرت في القسم الثقافي بجريدة الدستور الأردنية بتاريخ 23/5/2011

تشكل الأحداث الكبرى معالم بارزة ليس لصناعة التاريخ وحسب، ولكن لتجديد الفكر، وإلهام الشعوب وتفجير طاقاتها، وتثبيت حتمية التغيير، وولادة الابداع، وانطلاق الاقلام، وتصبح منابع لا تنضب من القوة الفكرية والمعنوية، كالمرجل الذي يغلي فيخرج منه البخار الذي يحرك القاطرة. هكذا هي الأحداث الكبرى كالحروب والنكبات والثورات والمواقف التي تحرك الوجدان الشعبي بمعانيها ورمزيتها، كما تصبح أهرامات للذكرى وفواصل كبرى للمبدعين، يُؤرخ بها تاريخُ الادب بفضل دورها الحاسم في التعبير عن روح المرحلة، وما تحمله من نذر التغيير القادمة. والاحداث الاخيرة التي تعصف بمنطقتنا ينبغي أن تكون الباعث الاساس على ولادة أعمال عظيمة في قادم الايام والسنين في مختلف المجالات الابداعية والفكرية. وأرجو أن تكون الآمال الكبيرة المعقودة عليها في محلها.


ويبدو للمراقب من بعيد أن الانسان العربي يصنع الان تاريخه بيده، ويعيد رسم مستقبله ومستقبل الوطن العربي. بيد أن الصورة لغاية الان ليست مدعاة للتفاؤل، والمؤشرات التي نطمح اليها في بناء عالم أفضل ليست نهضوية أو تقدمية، فمخاطر التدمير الداخلي والفتن الطائفية وتفاقم المشكلات الاقتصادية الطاحنة والانفصال والانقسام وانكفاء العرب أمام القوى الاقليمية تلقي بظلالها على المشهد العربي برمته. وربما تتغير الانظمة والقيادات، وتنقلب الاحوال على نحو جذري، ويبقى الفساد وسوء الادارة متغلغلين في المجتمع العربي لأن بواعثهما متأصلة ومترسخة وبادية في كل جوانب حياتنا كثقافة الاستبداد، وعقلية المؤامرة، واستسهال النقد والتدمير، وغياب روح المبادرة، وتراجع احترام التفكير الحر القائم على النقد والنقض والتفلسف، وعدم اخضاع المسلمات للمساءلة، وتراجع المنهج العلمي في دراسة وتحليل الظواهر، وهيمنة الرؤى الماضوية المنغلقة، دون القدرة على تقديم نموذج حداثي يأخذ الانسان الى آماد أبعد من التطور الفكري والعلمي.

ربما لن يبقى الصمت عنوان المجتمع العربي بعد اليوم ، كما صوره الاديب الجزائري محمد ديب في الجزء الاول «الدار الكبيرة» من ثلاثيته المعروفة: «الصمت يدور ثم يدور كرحى طاحون. البيت الضخم أخرس لا ينطق». لكن صدى الصخب والعنف الذي نسمعه لا يبدو أنه يحمل مشروعاً فكرياً نهضوياً يستند الى منظومة جديدة من القيم والافكار الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. لست متشائماً، ولكن النذر تبعث على القلق. الاحداث الكبرى تنطلق في الاساس من رؤى فكرية ناضجة اختمرت تحت الرماد، فحركت معها الثورات والشعوب، وهو ما لا أراه ضمن المشهد.

وما يخيفني أن هذا الجيل الذي يعرف كيف يوظف وسائل الاتصال المعاصرة في حشد القوى للتعبير عن الثورة والرفض والمطالبة بالتغيير، ويمتلك حماساً منقطع النظير، يفتقد الى الاهتمام بالمضمون الفكري لتاريخه ورموزه من المبدعين والمفكرين الرواد ودعاة التغيير والتنوير، مثلما يفتقد الى رؤى منهجية قادرة على تقديم حلول لمشكلات العرب المزمنة في التخلف وغياب مشاركة المرأة والفقر والامية وتباطؤ التنمية والتباين الطبقي الحاد وغياب سلطة القوانين وضعف مفهوم المواطنة.

فما الذي حصل حتى انكفأ الوهج ولم نعد نرى الا نزراً يسيراً من ذلك التفاعل الفكري. وما جدوى التغيير إن لم يستند الى إطار متقدم من الوعي الذي يحمل وعوداً بنهضة حقيقية؟ أخشى أن تضيع جهود هولاء الشباب المفعمين بالامل في التغيير وتتحول الى مجرد مرحلة إعلامية صاخبة دون مضمون. فكري ناضج فتخبو سريعاً. وأكاد أشاهد مظاهر من المواقف المتعصبة الانفعالية ذات النظرة الأحادية التي لا تطيق الاختلاف معها ما يعزز الهاجس من أن تؤول الامور الى مجرد تغيير قناع الاستبداد بآخر.

إن النهضة الفكرية التي مر بها المجتمع العربي بعد الاستقلال بريادة العديد من المبدعين والمفكرين ذوي الاراء التحررية التنويرية قد انكفأت هذه الايام لصالح موجة مد ماضوية، باسم التمسك بالاصالة. إن مشكلاتنا الاساسية ليست في انهيار القيم السلوكية أو الاخلاقية التي تتبدل مع تطور المجتمع بشكل حتمي، بل في غياب الحرية، وتغييب احترام حق الانسان في الحياة الكريمة، واضطهاد المرأة باسم الثوابت والعادات، والتعصب الفكري الذي لا يرى العالم الا بعين واحدة.

فهل تعيد الاحداث الاخيرة الينا الأمل بعودة الوعي والنشاط الفكري والفلسفي؟ لا أقصد النشاط على صعيد اهتمام الدوائر الاكاديمية أو اهتمام المثقفين في هيئة دراسات تبقى حكراً على طبقة الانتجلسنيا. نريد أن يتحول هذا الزخم السياسي والحراك الاحتجاجي الى نهضة عربية حقيقية على مستوى الفرد العادي، حتى لا يتكرر ذلك الموقف المحزن الساخر حينما لم يكن هناك أمام حدث عظيم مثل حملة نابليون بونابرت على مصر ضمن سياق فترة تاريخية مهمة في أواخر القرن الثامن عشر من طاقة فكرية سوى عبد الرحمن الجبرتي الذي برغم انتباهه لأهميتها التاريخية لم يعطها حقها، بينما كان الكتاب الآخرون منغمسون بالشروح والفهارس وتحقيق التحقيق! وكي لا يتكرر ذلك الجدب الابداعي والفكري حينما لم يكتب من وحي حملات أوروبا على الشرق سوى أسامة بن منقذ في «الاعتبار»!

رابط المقالة بصحيفة الدستور
 
رابط الصفحة الكاملة
 

الخميس، مايو 19

القصة النفسية وروح المدينة


القصة النفسية وروح المدينة
بقلم سلطان الزغول*

نشرت في جريدة الرأي الأردنية- ملحق الثقافة يوم الجمعة 13/5/2011

تدفع قصص مجموعة "قليل من الحظ" لإياد نصار، القارئ إلى عوالم النفس الإنسانية، مظهرة احترافا في الحفر الداخلي، ما يجعله يظنّ أنه أمام القصة النفسية في أروع تجلياتها. لكنّ قصصا أخرى تعبّر عن روح مدينة عمان، وتبرز دقائق وتفاصيل من عالم المدينة النابض، مظهرة معاناة فقرائها عبر عقد المقارنات بين شرق عمان وغربها، وهي مقارنات غاصّة بالإشارات والإيماءات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الدالّة تجعل القارئ يعيد النظر في ظنّه الأول.


إننا أمام كاتب دائم القلق والبحث، مسكون بهموم إنسانية تبدأ من المحيط الاجتماعي، ولا تقف عند معاناة الصحفيين الباحثين عن الحقيقة في العراق تحت الاحتلال، أو الحيرة أمام الاحتفاء بالأديب وتقديره بعد موته، في حين يظلّ طوال حياته يعاني الإهمال والإقصاء. حتى إن نصار يفرد قصة تتناول مشكلة أموال "البورصة الوهمية" التي شهدها الأردن في نهايات العقد الأول من هذا القرن.

نحن إذن أمام خليط غنيّ يؤكد أنّ إياد نصار كاتب معنيّ بالهمّ العام عبر تجلياته المتنوعة، بقدر حرصه على التحليق الفني بتشكيل قصة غنية على مستوى "حسن الصياغة والحبك" بتعبير الناقد العربي القديم. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى براعته في استخدام تقنية القصة داخل القصة، وهي تقنية تراثية بامتياز، طالما ظهرت في روايات شهرزاد الليلية المتوالدة أبدا. لكن هذه المقالة تتناول جانبا نفسيا يتجلّى في القصتين الأولى والثانية في المجموعة، وهما تعبّران عن قلق وخوف في مواجهة عالم قاس يغدو فيه الشعور بالأمان مطلبا عزيزا.

تعرض القصة الأولى "المصير" حالَ رجل يقيم في إحدى دول الخليج العربي، أثناء حرب الخليج الثانية التي حملت خوفا كاسحا من استخدام السلاح الكيميائي. ونستكشف عالمه الداخلي المتقلب وهو يعاني الخوف والوحدة والترقب: "يجلس على سريره وحيدا في الغرفة، أغلق على نفسه كلّ شيء، أسئلة كثيرة تدور في رأسه بلا أجوبة، اختزل الماضي والحاضر والمستقبل في دوامة من الأفكار المضطربة" (ص 11). في حين أن القصة الثانية "الدرب السلطاني" تضعنا أمام فتى يرافق شيخه في رحلة من قريته القصيّة "على أطراف جبال جلعاد الجنوبية" إلى الجامع الأزهر في القاهرة، وهي رحلة توافق الفترة التي قام فيها إبراهيم باشا بحملته العتيدة على بلاد الشام. ويعيش الفتى أهوال الرحلة ومفاتنها وأشواكها حتى ينضج ويتغلب على خوفه، فيعود وحيدا إلى قريته.

يتملك الخوفُ بطلَ قصة "المصير" ويدفعه إلى الهرب بعيدا للاحتماء من رعب الموت غريبا عن أسرته، بينما تتغلّب الرغبة بالعودة إلى حضن القرية الدافئ على مشاعر الخوف من أهوال الطريق في القصة الثانية.

في قصة "المصير" -التي تجري أحداثها بداية تسعينيات القرن العشرين- نجد الراوي العليم الذي يتقصّى أدق التفاصيل الداخلية في حياة البطل، ويجلو أفكاره ووجهات نظره حول أصدقائه، كما يتلمّس مشاعر القلق والخوف من المجهول التي تسيطر عليه. أما في قصة "الدرب السلطاني" –وزمانها أكثر بعدا- فنجد الراوي المتكلم الذي يسرد تفاصيل رحلته مع الشيخ، أهوالها وبَدْوها وقطاع الطرق فيها، فإذا ما وصلا إلى القاهرة، وسكنا فيها ذكر بعض معارفهما الجدد وعلاقتهم بالشيخ... وتأتي إشكالية زاوية الرؤية من هذا القلب في استخدام صيغة السرد، فلعل الراوي المتكلم هو الصيغة الأنسب في القصة الأولى التي تتقصى العالم الداخلي لبطلها، خصوصا وهي تجلو أبعاد حدث الحرب على نفسه ومشاعره. أما الراوي العليم الذي يمكن أن يشير بوعي أكبر إلى زمن الحدث، وتفاصيل الرحلة، ومشاعر الفتى وتقلبها مقارنة بمشاعر الشيخ، خصوصا مع نشوء شبكة علاقات متجددة عبر الطريق وفي القاهرة، فلعله مناسب أكثر في قصة "الدرب السلطاني".

تتركز معاناة بطل "المصير" داخل جدران غرفة يحتمي فيها من رعب الموت، رعب مجهول وغير ملموس يمكن أن ينفذ من أي شقّ يدخل منه الهواء. إن بطل القصة يواجه وحشا كاسحا بلا معالم محددة، يمكنه أن يحصد البشر جماعات دون أن يرفّ له جفن. بينما يتخيّل الفتى في القصة الثانية الموت على يد لصّ أو قاطع طريق أو وحش من وحوش البرية في أسوأ الأحوال. وهو موت يمكن مواجهته بالحيلة أو الشجاعة أو حتى الهرب، ما يعطي للقدرة الفردية مكانة أولى. وهذا ما يبرّر سيطرة الخوف، وامتداد الرعب على أدقّ تفاصيل قصة "المصير"، بينما يظهر الخوف عنصرا مؤثرا، ومثيرا من مثيرات بطل القصة الأخرى، لكنه عنصر يمكن لبطل القصة التغلب عليه ولجمه في سبيل تحقيق هدفه.

تنطلق قصة "المصير" عند لحظات مفصلية في حياة بطلها الذي بدأ يتذوّق طعم الموت، ويحسّ باقترابه منه. لقد سبق له أن واجه ضعف الآخرين وخوفهم بابتسامة سخرية، بل إنه قد رفض مغادرة الخليج مع من غادر في البداية، لكنه الآن –في النقطة التي يبدأ السرد منها- يتملكه الخوف والقلق، ويسيطر عليه الشعور بالوحدة والغربة عن رمال الصحراء. وسرعان ما يتحوّل القلق والرعب من القادم إلى ممارسات هستيرية لا يتفهّمها إلا من عاش أحداث حرب الخليج الثانية: "قفز عن السرير فجأة. تناول منشفة قماش قديمة... بلّلها بالماء. وضعها على حافة الباب الخشبي. أطفأ التلفاز كي لا يبقى في الغرفة أي نور حوله. أدار مفتاح المذياع. شعر بالقلق، وتوجّس قلبه خوفا من الآتي... لقد مرّت عدة ليال وهو على هذه الحالة. أعصابه مشدودة وفكره يحاول أن يتخيّل حجم الكارثة" (ص 12).

مقابل هذه الحال، تبدأ قصة "الدرب السلطاني" في لحظة الوصول إلى برّ الأمان، بعد الانعتاق من رعب الصحراء وهول الرحلة: "وصلت شبه ميت من الإعياء، والدنيا عند المغيب. هجموا كلّهم عليّ يعانقونني واحدا بعد الآخر ويحدّقون النظر بي" (ص 23).

لعل في البدايتين ما يؤشر على الفرق في منطلقات الخوف ومبرراته ومآله في الحالين؛ فإذا كانت القصة الأولى تمضي عبر دهاليز الخوف الذي يجعل نوم البطل عصيّا، وصولا إلى نومه بين مقاعد الانتظار، في المحطة التي ستنطلق منها الحافلة مغادرة المدينة، فإن القصة الثانية تنطلق من لحظة الوصول والأمان لتسترجع خوف الفتى الذي مهما بلغ أوجه فإن نتيجته محسومة، وهي الانجلاء، بدليل لحظة انطلاق السرد، وهي لحظة تدفع النهاية إلى تخوم الشعور بالاطمئنان. حيث ينهي الفتى سرد قصته التي تنتهي بنهايتها قصة "الدرب السلطاني" قائلا: "في صباح اليوم التالي استيقظت باكرا وتسللت دون أن أودعهم وأنا أحلم بالعودة إلى تل النوار! شعرت بجرأة غير مألوفة. وأحسست بنضوج لم أختبره من قبل" (ص 32).

يتفاقم الخوف في قصة "المصير" مع حركة الحدث؛ فالبطل الذي وضع منشفة مبللة على حافة الباب الخشبي نجده مع سماعه صوت صفير أثار في نفسه الرعب يمسك منشفة مبللة ويضغطها على أنفه وفمه. كأنما الخطر يقترب ويشتدّ حتى يعتصر جسده ويحاول الدخول إلى مجرى النَفَس. أما في القصة الثانية فمفاصل الخوف يجري التعبير عنها باقتصاد. وعدا مقطع قصير في بدايتها، وإشارة خاطفة في نهايتها، فإن بطلها الفتى ظلّ في كنف الشيخ وحمايته، فلما قرّر أن يرجع وحده إلى القرية تاركا شيخه في القاهرة كانت رحلة الذهاب قد أنضجته وجعلته يتغلب على خوفه. في بداية القصة يأتي المقطع المعبّر عن الخوف في سياق أقرب إلى الكابوس: "أتذكر أنني استيقظت وسط ظلام دامس والعرق يتصبّب من جبيني. كان حلقي جافّا متشققا من الظمأ كالأرض اليباب بعد موسم جفاف. أردت القيام، لكن الإنهاك نال منّي فعدت إلى حضن الظلام. أحسست بدوار غريب. كانت الدنيا تدور من حولي، والصور والأحلام تتداخل في رأسي. أمسكت جانب السرير لأوقفها دون فائدة" (ص 23-24).

ثم ينتظم السرد عبر استذكار البطل رفقته للشيخ في الطريق إلى القاهرة وصولا إلى نهاية القصة حيث يصارح الشيخ الفتى بقراره بالبقاء في القاهرة. عندها فقط يشعر الفتى بالخوف من العودة وحيدا، لكنه شعور سرعان ما تمكن من التغلب عليه: "ثار بداخلي إحساس بالخوف وأنا أفكر بالعودة وحيدا عبر الصحراء. في صباح اليوم التالي استيقظت باكرا... شعرت بجرأة غير مألوفة" (ص 31-32).

إننا أمام نموذجين من التعبير عن القلق والخوف، وهو تعبير قد تجلى وتوضّح في القصة الأولى حتى صارت له البطولة المطلقة، والهيمنة الكاملة على سير الحدث. أما في القصة الثانية فقد تراجع عن الواجهة لصالح إظهار تفاصيل أخرى. ويمكن القول إنّ ملامح الخوف في القصة الأولى أكثر بروزا لتركيزها على جلاء العالم الداخلي للبطل، وإن عبر استخدام الراوي العليم. بينما هي في القصة الثانية تتوارى عبر جلاء تفاصيل علاقات البطل الخارجية بالشيخ أولا، وباكتشاف العالم المحيط ثانيا، وإن عبر استخدام الراوي المتكلم. حتى إذا خفت وهج الخارج لصالح الداخل –كما هي الحال في البداية المذهلة للقصة، أي قبل بدء الفتى برواية ما حدث له عبر استخدام تقنية القصة داخل القصة- ظهرت ملامح الخوف وتجلّت طاغيةً على المشهد.

* ناقد وكاتب أردني

رابط المقالة

رابط الصفحة الكاملة

الجمعة، مايو 6

ترجمة السونيتات بين الشعر والنثر


ترجمة السونيتات بين الشعر والنثر
إياد نصار

نشرت في صحيفة الدستور الأردنية بتاريخ 6/5/2011
لم تحظ قصيدة بالترجمة إلى العربية مثلما حظيت به القصيدة، أو بالأحرى السونيت رقم 18 لوليم شكسبير (1564 - 1616) من بين سونيتاته المئة والأربع والخمسين. ولا أعتقد أن الترجمات ستتوقف يوماً ما. وقد بادر إلى ترجمتها كتاب وشعراء وباحثون ونقاد، كان آخرهم كاتب هذه السطور.

مثلما لمسرحيات شكسبير خلود أدبي كرست مكانته بوصفه أعظم شاعر ومسرحي إنجليزي عبر العصور، فإن لسونيتاته سحراً خاصاً، ومذاقاً أدبياً، وجمالاً لغوياً لا يحس بها إلا من نفذ إلى أعماق السونيتات، متأملاً فيها، ليكتشف عبقرية شكسبير التي سكبها في هذه القصائد، ويتلمس مظاهرها ـ فنياً، ولغوياً، وعاطفياً، واجتماعياً، وانسانياً ـ والتي ملأها بمعاني الحب والحزن والفخر والندم والحكمة والسخرية والجمال والبشاعة، وكل ما يخطر بالبال. وقد طرح فيها شكسبير خلود الأدب، خاصة الشعر، بوصفه وسيلة لتخليد صورة الجمال الحسي الزائل تحت تأثير الطبيعة القاسية المتقلبة، كما طرح فكرة انتهاء الأشياء، فلا الجمال باق ولا الحب دائم ولا متعة الإنسان مستمرة.

نُشرت سونيتات شكسبير خلال حياته عام 1609، ويبدو أنها نشرت من دون إذنه؛ فقد كانت النسخة المطبوعة سيئة ومن غير إهداء، بل كان هناك إهداء من الناشر نفسه إلى رجل غامض أشار إليه بالسيد و. هـ. وهناك من يقول بأنها ترمز إلى السيد وليام هيربرت، نبيل منطقة بمبروك، الذي كان من مقدري إبداع شكسبير، وساهم ـ هو وأخوه ـ في دعم نشر مسرحياته، علماً أنه كان رئيس جامعة أكسفورد، آنذاك، ومؤسس كلية بمبروك فيها. هناك ظن كبير أن يكون وليام هيربرت هو الرجل الذي وردت حوله إشارات في سونيتات عدة، بكونه “الشاب الجميل”، كما تؤكد أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد، والمتخصصة في الأدب الإليزابيثي، الناقدة كاثرين دنكن جونز، التي حققت السونيتات في طبعة آردن، عام 1997. ومن المعروف أن وليام هيربرت لم يتزوج، ولذا ترد إشارات ـ في السونيتات ـ إليه بأن يتزوج، غير أن شكسبير عوضه عن خلود اسمه ـ من خلال ذريته، بالزواج ـ بتخليده في قصائده. تثير فكرة إيمان الشاعر بخلود قصائده، في مقابل جمال الإنسان الزائل، الحيرة؛ فكيف يظل شسكبير يردد هذه الفكرة في السونيتات وهو لم يسع إلى نشرها، بل تم بمحض الصدفة؟

يخمّن النقاد أن السونيتات كتبت، على الأغلب، بين عامي 1595 و1596. ولا يوجد مصدر موثوق يمكن الركون إليه في ترتيب السونيتات، بيد أن الدارسين يقولون إن السونيتات المئة والست والعشرين الأولى، حيث المخاطب فيها، وعلى عكس ما قد توحي به القراءة الأولى، أو الترجمات، ليس امرأة بل شاباً ذا جمال ووسامة، ومحبوباً من الشاعر، ولكن أخلاقه محل تساؤل. في السونيتات الأولى، هناك دعوة له من الشاعر ليتزوج وينجب أولاداً، ما يثير التساؤل أن السونيتات تنطوي على عاطفة من الإعجاب والحب من قبل شكسبير تجاه هذا المخاطب. وأما السونيتات الأخرى، بدءاً من المئة والسابعة والعشرين، فإن المخاطب فيها هو "السيدة الغامضة"، وهي عشقية للشاعر، وذات جمال شهواني، يتوجس منها حذراً بعد نشوء علاقة بينها وبين صديقه، رغم أنه لا يخفي رغبته الجسدية تجاهها.

إن البناء الشعري للسونيت الشكسبيري ليس شيئاً متفرداً أو ذا بناء خاص بشكسبير، بل استخدم فيه بناء القصيدة الإنجليزية، الشائع في عصره، وهو ثلاثة أدوار (كل دور يتألف من أربعة أبيات) ذات قافية مزدوجة تبادلية في كل دور، وقفل يتكون من بيتين لهما قافية واحدة، ولكن شكسبير طور السونيت الإنجليزي من واقع اطلاعه على الشعر الإيطالي، في عصر النهضة، وبالذات قصائد فرانشيسكو بترارك الغنائية، في الحب والغزل، تجاه امرأة تدعى لورا.

ليس هناك اتفاق على أن هذه السونيت (18) هي أجملها على الإطلاق، أو أكثرها عمقاً وبعداً جمالياً وفنياً، لكنها تندرج ضمن ثماني سونيتات تعد متميزة، ولو أن بعض النقاد عدَّ سونيتات أخرى، مثل 55 و60، تظهر فيها عبقرية شكسبير ومهاراته اللغوية بشكل واضح.

وقد صادفتُ، خلال قراءاتي المتعددة للسونيتات، عبر أوقات مختلفة، ترجمات متعددة، وبالذات لهذه السونيت العجيبة، ما يدل على أنها محط اهتمام الأديب العربي ـ ترجمة، وتذوقاً ـ وفيها الكثير مما يمكن أن يقدم للقارئ العربي إضاءة حول سونيتات شكسبير وجوانب الإبداع فيها. وإذا كانت هذه السونيت قد حظيت بكل هذه الترجمات العربية، فللمرء أن يتخيل كم حظيت السونيتات بترجمات لا تعد ولا تحصى إلى لغات العالم الأخرى.

اختار شيخ المترجمين العرب، جبرا إبراهيم جبرا، أربعينَ من السونيتات التي استعذبها وترجمها بلغة أدبية جميلة أظهرت عمق فهم جبرا لمعاني شكسبير، وقدرته على فهم الخاص الثقافي المرتبط ببيئة الشاعر ومنابعه الفكرية، واستجلى فيها حلاوة العربية وتأثيرها وقدرتها على تقديم قصيدة في إيقاع فني عذب. وقد كانت هذه السونيت من بينها.

كما قام الشاعر المصري بدر توفيق بإصدار ترجمة كاملة للسونيتات، عام 1988، ونشرها بنصها الأصلي متبوعة بالترجمة، فكانت ترجمة موفقة تنم عن براعة أدبية ولغوية، وقدرة على فهم المعاني العميقة للسونيتات، والتي لا تتبدى لقارئ أو مترجم عابر. كما اطلعتُ على ترجمات شعرية للسونيت من قبل شعراء عرب حاولوا فيها تقديم معاني السونيت ولكن بقالب شعري عربي. كانت الترجمات شاعرية، لكن المعنى الأصلي ابتعد ـ في بعض الأحيان ـ عن متناول المترجم الشاعر، والقارئ على السواء. لقد حافظ المترجمون شعراً على روح السونيت، ووظفوا لغة عربية إيقاعية جميلة، ولكنهم تصرفوا بالنص بشيء من الحرية، بل حتى غيروا في استعمال بعض الكلمات، لأنهم، من أجل إيصال المعنى ـ وإن كان مهماً، عندهم ـ حكمتهم ضرورات الترجمة الشعرية. فشكسبير، مثلاً، شبه المخاطب بيوم من أيام الصيف بروعته واعتداله، وأشار في ذلك إلى شهر أيار، وهذه الفترة تعد الأجمل والألطف، خلال السنة، في بريطانيا ذات الطقس الشتائي الضبابي البارد، بينما استبدل المترجمون، شعراً، الصيف بالربيع، ولعل دافعهم في ذلك أن الصيف ـ في الذاكرة العربية ـ يرتبط بالحر اللاهب، والقيظ والجفاف بسبب اختلاف المناخ.

من الترجمات الشعرية تلك التي قامت بها الشاعرة العراقية فطينة النائب (كانت تكتب باسم مستعار هو صدوف العبيدية)، التي توفيت عام 1993، ونشرت في كتاب "فن الترجمة" للدكتور صفاء خلوصي، عام 1986. ومن الترجمات الشعرية، أيضاً، تلك التي قامت بها الشاعرة المصرية ياسمين محمد مسلم. أما من الترجمات النثرية البديعة، تلك التي قام بها أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة والمترجم والناقد، د.محمد عناني، ونشرت في جريدة المساء، عام 1962.

وآخر هذه الترجمات هو ترجمة الشاعر والمترجم والناقد المعروف، د. كمال أبو ديب، في كتابه الذي صدر عن مجلة دبي الثقافية، في شهر كانون الثاني، 2010، في إطار كتابها الشهري الذي يوزّع مع المجلة. واللافت أن د. أبو ديب، الذي يدرّس الأدب العربي في جامعة لندن، والذي سبق أن عمل أستاذاً للأدب العربي الحديث والنقد في جامعة اليرموك في الثمانينات (من القرن الفائت)، ترجم السونيتات إلى العربية في صيغتيها النثرية والشعرية. لكن ترجمة أبو ديب فيها تصرف، أيضاً، وتميل إلى الجانب التفسيري في الترجمة. فالشطر الرابع في السونيت يذكر أن فترة الصيف ما أقصر أجلها، في حين أن أبو ديب يضيف إليها: "ووجيز أجل الصيف يمر كحلم يتراءى". أطلق أبو ديب على السونيت كلمة توشيحة، وربط بينه وبين الموشحات الأندلسية، وأرجع نشوء السونيتات ـ في الآداب الأوروبية ـ إلى أصل الموشحات، حيث انتشر الحب الملكي، أو الحب في بلاط الخلفاء والقصور، وهناك دراسات سابقة كتلك التي نشرها أستاذ الأدب الإنجليزي والناقد العراقي، د. عبد الواحدة لؤلؤة، وأشار فيها إلى أن الموشحات وأجواءها كانت السبب في نشوء وازدهار ما يسمى بالشعراء الجوالين (التروبادورز)، في أوروبا، في العصور الوسطى وبداية عصر النهضة.

ورغم جمال السونيت وغنائيتها وموضوعها حول الحب وزوال الجمال وتصاريف القدر وتحولات الطبيعة ورغبة الإنسان المستحيلة في الخلود، إلا أننا لا نعرف عن "المخاطب" أي شيء سوى أنه بجمال الصيف الإنجليزي ذاته، بل أكثر جمالاً ولطفاً وثباتاً منه.

وكل القصيدة ـ ما عدا ذلك ـ تتحدث عن تأثير الزمن والطبيعة في قهر الجمال. فكل جمال عن الجمال سيزول، وكل اشتعال سيقابله خمود وانطفاء، في يوم ما. غير أن الشعر هو الوسيلة للخلود؛ الشعر هو الذي سيخلد جماله طالما بقي بشر يرددون كلمات شكسبير. ويبدو لي أن القصيدة هي عن الافتنان بالجمال ذاته أكثر مما هي عن جمال المخاطب، رغم أن من يقرأ الترجمات العربية كلها ـ بلا استثناء ـ وفي غياب أية إشارة توضيحية من المترجم، سيظن أن المخاطب فيها، لأول وهلة، هو امرأة، جرياً على عادة الشعر العربي في الغزل، وإظهار الفتنة والإعجاب بجمال الشكل الخارجي للإنسان.

وينبغي أن أشير إلى أن بعض النقاد في حيرة لماذا خص شكسبير كل هذه السونيتات لهذا الشاب الجميل، وهل هي دليل ـ كما أشار بعض النقاد الأميركيين ـ على ميول شكسبير المثلية، أم إنها كانت ـ في حقيقتها ـ تورية ذكية لامرأة لم يود أن يذكرها، أو يكشف عن علاقته بها؟

كنت، وما زلت، دائماً، من محبي سونيتات شكسبير، وكثيراً ما أعود لقراءتها بلغتها، وتذوقها واستجلاء معانيها وبراعتها في مصادر شروحاتها التاريخية. وقد لمست أنه كان لكتاب جبرا "سونيتات شكسبير"، الذي ذاع وانتشر كثيراً، أثر كبير في تذوق القارئ العربي روعة هذه القصائد، وفي الوقت ذاته الإحساس بروعة اللغة العربية حينما يطوعها كاتب ذو قلم جميل.

رابط المقالة بجريدة الدستور

رابط الصفحة الكاملة









الثلاثاء، مايو 3

في انتخابات رابطة الكتاب

في استطلاع لجريدة الدستور
3/5/2011

كتاب يدعون الرابطة إلى الاهتمام بمتطلبات الأعضاء الإبداعية والمعيشية


عمان - الدستور - عمر أبوالهيجاء

تستعد رابطة الكتاب الأردنيين لعقد مؤتمرها الانتخابي، في حزيران المقبل، لانتخاب هيئة إدارية جديدة. وتأتي هذه الانتخابات في ظل مطالب الإصلاح والتغيير، التي يشهدها عالمنا العربي. وتعرف الرابطة بمواقفها الوطنية والقومية تجاه قضايا الأمة، كما إن لها الدور الكبير في الحراك الثقافي والسياسي، في المشهد العربي.

«الدستور»، ما زالت تتابع أجواء الانتخابات وسَيْرَها، في الرابطة، وذهبت إلى استطلاع بعض أعضاء الرابطة عن رؤيتهم وتمنياتهم على الهيئة الإدارية الجديدة، التي يريدون منها النهوض بالرابطة والاهتمام بالأعضاء ومتطلباتهم، على الصعيد الإبداعي، والمعيشي، والاهتمام بالفروع. وها هي رؤاهم ومقترحاتهم:

عبد الرحيم جداية:
دائماً ـ للأسف ـ نجد أنّ الهيئة الإدارية، في رابطة الكتاب الأردنيين، هي التي تسير الرابطة وأهدافها، من وجهة نظر خاصة ومحددة وفئوية؛ غالباً بعيداً عن القطاع العريض من الكتاب والمفكرين والأدباء، الذين يرفدون الرابطة، وبعيداً عن الفروع في إربد، والزرقاء، والسلط، ومادبا، ما يشكل محدودية النظرة تجاه الجسد المتكامل للرابطة. فالرابطة تحتاج إلى إدارة تشاركية تساهمية تتفاعل، كيميائياً، مع فكر الهيئة العامة، وذلك بتوزيع المخصصات المادية ـ على الفروع ـ بعدل، وعقد الاجتماعات، مع الفروع، ووضع خطة مشتركة للنهوض بالثقافة الأردنية، من خلال توزيع الأدوار والمهام على الأعضاء، من جميع الأطياف، حتى المختلفين معهم بالفكر والرؤيا، وأن تتجرد الرابطة من سلطة الأنا عند الإدارة التي تورث القهر لأعضائها. وأمنيتي أن أرى ـ في قادم الأيام ـ هيئات إدارة قابلة لتداول السلطة، والأخذ بالرأي الآخر، مشكلة وجهاً ديموقراطياً، كما تطالب الآخر.

إياد نصار:
أطمح أن أرى رابطة الكتاب في حالة نشاط تفاعلية مع شرائح المجتمع، كافة، من خلال عقد برامج ولقاءات وندوات ودورات إبداعية طيلة العام، بشكل يومي أو اسبوعي. بل أتمنى أن يكون ـ ضمن النظام الداخلي للرابطة، ومن ضمن واجبات العضو الإلزامية ـ القيام بنشاط إبداعي، مرة واحدة ـ على الأقل ـ خلال العام، أو المشاركة فيه. لا أستطيع أن أتخيل أن هناك عضواً، في رابطة الكتاب الأردنيين، لا يقدم نتاجاً خلال سنتين، مثلاً، أو لا يشارك في أية ندوة أو نشاط أو برنامج، أو لا ينشر أية مقالة أو مشاركة إبداعية، أو لا ينجز أي عمل ثقافي طيلة سنوات؛ فإنني أرى أن يكون تجديد العضوية، في الرابطة، مرتبطاً بإنجاز عمل إبداعي أو نقدي أو معرفي، لا أقول: سنوياً، ولكن ـ على الأقل ـ كل سنتين مرة.

أتمنى أن يكون أعضاء الهيئة الإدارية من الملتزمين بتنفيذ البرامج والنشاطات بصفة مستمرة. وأتمنى أن يكون هناك اهتمام حقيقي بوضع برنامج يتولى دعم نشر المؤلفات للأعضاء، والاحتفاء بها، وتسويقها (في الأردن، والدول العربية)، من خلال اتفاقيات مع جهات داعمة.

أتمنى أن تعمل الهيئة الإدارية الجديدة على متابعة نتاج الأعضاء، بشكل منهجي وجدّي، مع الاهتمام بعقد الندوات حوله، وألا تكون النشاطات انتقائية، أو بطلب من أصحاب الإصدارات أنفسهم. هناك شعراء وروائيون وقاصون وكتاب، ممن أصدروا العديد من الأعمال المهمة، عبر سنوات، ولم تلتفت الرابطة إليهم، أبداً، ولم تخصص لهم مناسبة لعرض أعمالهم.

أطالب بتخصيص جائزة سنوية، أو حتى شهادة تكريمية لتشجيع الأبحاث النقدية والفكرية المتميزة، على أن تعطى للدراسات المنشورة أو الكتب الجديدة، التي تنطوي على جهد بحثي أصيل، شريطة أن تأتي بجديد يثير اهتمام المثقفين، وتضيف قيمة مهمة، أو تحقق إنجازاً بحثياً أو فكرياً يحظى باهتمام الدارسين ومؤسسات المجتمع، على أن تكون الجائزة، أو الشهادة دورية: مرة في الشعر، ومرة في الرواية، ومرة في القصة، ومرة في المسرح.

أتمنى أن يكون هناك جائزة لتكريم الأعمال الإبداعية المتميزة، التي صدرت خلال العام، وذلك من خلال اقتراع سري للأعضاء كافة، ويتم فيه تكريم أهم ديوان شعر، أو مجموعة قصصية، أو رواية، أو كتاب نقدي، أو مسرحية، أو غيرها من الأعمال التي كان لها حضور ثقافي ـ محلياً، وعربياً ـ وحظيت بإشادة من الكتاب ووسائل الإعلام.

أرجو ألا يفقد الأعضاء الأمل في أن تنجز الهيئة الإدارية الجديدة بعض المشاريع التي طال انتظارها، وملّ الأعضاء الوعود حولها، من دون أن يكون هناك عمل جاد وحقيقي لتحقيقها بشكل ملموس، وهي: التأمين الصحي، وتأسيس جمعية تعاونية لإسكان الأعضاء، والمنح الجامعية لأعضاء الرابطة.

جلال برجس:
نعوّل على الهيئة الإدارية القادمة، لرابطة الكتاب الأردنين، أن تتجاوز كثيراً من المعوقات التي وقفت، زمناً طويلاً، أمام تطور الرابطة، بوصفها مظلة وحاضنة للمثقفين. وهذا ـ بالطبع ـ لا يأتي إلا من خلال الجهد الحقيقي، الذي يجب أن تبذله الهيئة، بأكملها، عبر عملها كفريق واحد. ما أتمناه، في هذا الصدد، أن تصبح علاقتنا، على اعتبارنا مثقفين، بالرابطة أكثر متانة، وهذا لا يأتي إلا نتيجة للاهتمام الواضح بإعضاء الرابطة، من دون الارتهان لأي توجه أو خلاف في الرؤية؛ سواء كانت سياسية أم ثقافية. لن أكون مجحفاً إن قلت إن علاقتنا بالرابطة علاقة ضعيفة لا تتقوى إلا في موسم الانتخابات، الذي تكثر فيه محاولات ثوثيق عرى التواصل، ثم تتهاوى ـ نهائياً ـ بعد صدور نتيجة الانتخابات. في هذه الأيام تشهد الساحة العربية نفساً إصلاحياً باتجاه الأفضل، وبرأيي المتواضع، فإن هذا النفس الإصلاحي يجب أن يتجه نحو الرابطة ودهاليزها. نحن بوصفنا أعضاء في الرابطة، معنيون بما يمكن أن تقدمه لنا هذه الحاضنة الثقافية، تماماً كما هي معنية بما يمكن أن نقدمه لها. على الهيئة الإدارية القادمة أن تقصي كثيراً من المفاهيم التي جرّت الرابطة الى دور ضعيف، وأن توثق علاقتها بأعضاء الرابطة، بغض النظر عن شكل انتماءاتهم، وطبيعتها، وأن تبذل الجهد الحقيقي المأمول نحو فعل ثقافي يؤتي بثماره الحقيقية، بعيداً عن الشللية، وفوضى المصالح، وإقصاء فلان وتقريب فلان. هنالك جيل جديد من الكتاب والشعراء لديهم الكثير مما يقال، ومما يمكن فعله لخلق حالة ثقافية متميزة، بعيدة عن النمطية والروتينية التي حولتنا إلى سلبيين، بشكل مؤلم.


رابط الاستطلاع في الصحيفة

رابط الصفحة الكاملة


تخصيص يوم للمبدع الأردني

في استطلاع أجرته صحيفة الدستور
1/5/2011


أدباء ومثقفون يدعون إلى تخصيص يوم للمبدع الأردني في المدارس والجامعات
 
عمان -الدستور - عمر أبوالهيجاء

هل أخذ الأديب الأردني اهتماما واضحا في مناهج وزارة التربية والتعليم ونشاطاتها؟ سؤال قد يقود إلى إجابات كثيرة لن تكون فيها الوزارة، وغيرها من المؤسسات الرسمية، قادرة على تبرير غياب اسم الأديب الأردني وإبداعاته عن مشهدها العام، ويرى كثير من المبدعين أن وزارة التربية، على سبيل المثال، قادرة على تقديم صورة مغايرة للأديب الأردني ومدى حضوره في الحياة العامة، من خلال تخصيص فسحة من الاحتفال بالمنجز الإبداعي الأردني عبر نشاطاتها غير المنهجية، وفي هذا يتم إنصاف الأديب الأردني الذي يقف في صف واحدا مع الأدباء العرب من حيث الإبداع والمنافسة، ويتساءل هؤلاء المبدعون: لماذا لا تقوم الوزارة، والمؤسسات الأكاديمية، وفي مقدمتها الجامعات، بتخصيص يوم للاحتفال بالأديب الأردني ومنجزه الإبداعي، مرة كل عام؟

بهذا السؤال توجهت لعدد من المثقفين الأردنيين، حيث كانت الرؤى والإجابات التالية:

الجمع بين الأدب والتربية والتعليم

د. محمد عبيد الله رأى أن فكرة تخصيص يوم للأديب الأردني في المدارس والجامعات والكليات وجميع المؤسسات التعليمية بشكل عام أمر إيجابي، ومفيد للحركة الأدبية، وللمجتمع التعليمي بشكل عام، مشيرا إلى أن هذا الاقتراح «يأتي في أجواء إقصاء الأدب المحلي وتهميشه في المناهج، وعدم اهتمام مؤسسات التعليم، بالرغم من أن كثيرا من أدبائنا الأوائل في الأردن هم تربويون وأدباء في الوقت نفسه، ولهم بصمات على مسيرتنا التربوية والتعليمية».

ويعتقد د. عبيد الله أنه من الملائم العودة إلى الجمع بين الأدب والتربية والتعليم، «لأن الأدب، في جوهره، يهدف إلى صقل الذوق والشخصية وبناء الإنسان الأفضل في مجتمعه، وهذه ذاتها أهداف النظام التعليمي برمته، وإذا كان هذا النظام التعليمي يشهد إخفاقات وتحديات كثيرة في أيامنا فقد يكون الاحتفاء بالأدب والأدباء واحدا من طرق الحلول الممكنة أو المناسبة».


خطوة متميزة
فيما اعتبر د. مهند مبيضين تخصيص يوم للمبدع الأردني في العام كله خطوة متميزة يمكن أن تسهم في دفع نصاب الثقافة الوطنية في مدارس وزارة التربية المختلفة، بما يضمن تحقيق وعي وطني لدى الطلبة في رموز الثقافة الوطنية وإسهاماتهم الثقافية والحضارية والإنسانية، بما يعود عليهم بالمفردات الوطنية الثقافية للأعلام واللامعين في مسار الثقافة الأردنية، ويعتقد د. مبيضين أن «إدخال الثقافة إلى المدارس ومؤسسات التعليم العالي يسهم بشكل فاعل في تعزيز بناء الهوية الثقافية الوطنية عبر التعريف بكتابنا ومبدعينا بما يحقق الصلة بينهم وبين الطلبة والشباب من جهة، وبما يجعل هذه السير المعاصرة والآنية للمبدعين والأردنيين على اتصال مع المبدعين والأدباء الأوائل من أمثال: والملك المؤسس عرار وابراهيم مبيضين وحسني فريز وحسن الكرمي وغيرهم».


غياب طويل عن المناهج
من جانبه لفت الروائي هزاع البراري إلى أن الأديب الأردني عانى فترات طويلة من الغياب عن المناهج والأنشطة المدرسية، وكان نتيجة هذا الغياب أن الكاتب الأردني غير معروف محليا، ولا يتمتع بمقروئية واسعة، لكون الجامعات الأردنية أيضا لا تولي الإبداع المحلي عناية كبيرة ولا تسعى إلى استقطاب الكتاب الأردنيين للقيام بفعاليات وأنشطة داخل الحرم الجامعي، ويوضح البراري أن تخصيص يوم للاحتفاء بالأديب الأردني في المؤسسات التعليمية المختلفة من مدارس وكليات وجامعات من شأنه أن يعود بالفائدة على الكاتب والأجيال الجديدة من الطلبة.

ولفت البراري إلى أن الوضع الراهن «يدعونا إلى ضرورة تكاتف وتضافر الجهود المختلفة من وزارة التربية والتعليم العالي ووزارة الثقافة والهيئات الثقافية المختلفة لتحقيق يوم المبدع الأردني بشكل ناجح ضمن الغايات والأهداف المرسومة له، وهذه مبادرة تستحق الدراسة والتطبيق».


يوم وطني
أما القاص اياد نصار فقال: «ألاحظ دائماً أن المبدع في الدول الأجنبية، ومن واقع تجارب شخصية، سواء أكان روائياً أم شاعراً أم مفكراً يحظى باحترام كبير كأنه رمز وطني بين أبناء شعبه، وعندما يلتقون به في مكان عام يتحلقون حوله للاستماع إليه، وألاحظ أنه علم معروف لدى قطاع واسع ينظرون إليه باحترام بسبب مساهمته في إثراء الفكر في بلادهم، أشعر بالحسرة أمام مكانة الأديب في بلادنا».

ويؤكد نصار أن طلبة اللغة الانجليزية، في المدارس الخاصة كافة، وبعض الجامعات في الأردن، يحملون روايات من الأدب الإنجليزي والفرنسي، سواء من كلاسيكيات الأعمال المعروفة أو من الأعمال الحديثة، ويضيف: «بينما لم أر في يوم ما أن طلبة هذه المدارس يحملون رواية أو ديوان شعر لأديب أردني، والأدهى أن معلماً للغة العربية أوصى طلبته بشراء كتاب قديم لإبراهيم المازني صدر قبل نحو قرن من الزمان، وربما كان هذا الكتاب جزءاً من منهاج المعلم خلال دراسته في مصر! يستحق المبدع الأردني أكثر من هذا بكثير، أقترح أن يكون يوم الأديب الأردني يوماً وطنياً بالنسبة للمؤسسات التربوية».

رابط الموضوع بالصحيفة

رابط الصفحة الكاملة