الخميس، يونيو 2

هواجس مشروعة


هواجس مشروعة
اياد نصار

* نشرت في القسم الثقافي بجريدة الدستور الأردنية بتاريخ 23/5/2011

تشكل الأحداث الكبرى معالم بارزة ليس لصناعة التاريخ وحسب، ولكن لتجديد الفكر، وإلهام الشعوب وتفجير طاقاتها، وتثبيت حتمية التغيير، وولادة الابداع، وانطلاق الاقلام، وتصبح منابع لا تنضب من القوة الفكرية والمعنوية، كالمرجل الذي يغلي فيخرج منه البخار الذي يحرك القاطرة. هكذا هي الأحداث الكبرى كالحروب والنكبات والثورات والمواقف التي تحرك الوجدان الشعبي بمعانيها ورمزيتها، كما تصبح أهرامات للذكرى وفواصل كبرى للمبدعين، يُؤرخ بها تاريخُ الادب بفضل دورها الحاسم في التعبير عن روح المرحلة، وما تحمله من نذر التغيير القادمة. والاحداث الاخيرة التي تعصف بمنطقتنا ينبغي أن تكون الباعث الاساس على ولادة أعمال عظيمة في قادم الايام والسنين في مختلف المجالات الابداعية والفكرية. وأرجو أن تكون الآمال الكبيرة المعقودة عليها في محلها.


ويبدو للمراقب من بعيد أن الانسان العربي يصنع الان تاريخه بيده، ويعيد رسم مستقبله ومستقبل الوطن العربي. بيد أن الصورة لغاية الان ليست مدعاة للتفاؤل، والمؤشرات التي نطمح اليها في بناء عالم أفضل ليست نهضوية أو تقدمية، فمخاطر التدمير الداخلي والفتن الطائفية وتفاقم المشكلات الاقتصادية الطاحنة والانفصال والانقسام وانكفاء العرب أمام القوى الاقليمية تلقي بظلالها على المشهد العربي برمته. وربما تتغير الانظمة والقيادات، وتنقلب الاحوال على نحو جذري، ويبقى الفساد وسوء الادارة متغلغلين في المجتمع العربي لأن بواعثهما متأصلة ومترسخة وبادية في كل جوانب حياتنا كثقافة الاستبداد، وعقلية المؤامرة، واستسهال النقد والتدمير، وغياب روح المبادرة، وتراجع احترام التفكير الحر القائم على النقد والنقض والتفلسف، وعدم اخضاع المسلمات للمساءلة، وتراجع المنهج العلمي في دراسة وتحليل الظواهر، وهيمنة الرؤى الماضوية المنغلقة، دون القدرة على تقديم نموذج حداثي يأخذ الانسان الى آماد أبعد من التطور الفكري والعلمي.

ربما لن يبقى الصمت عنوان المجتمع العربي بعد اليوم ، كما صوره الاديب الجزائري محمد ديب في الجزء الاول «الدار الكبيرة» من ثلاثيته المعروفة: «الصمت يدور ثم يدور كرحى طاحون. البيت الضخم أخرس لا ينطق». لكن صدى الصخب والعنف الذي نسمعه لا يبدو أنه يحمل مشروعاً فكرياً نهضوياً يستند الى منظومة جديدة من القيم والافكار الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. لست متشائماً، ولكن النذر تبعث على القلق. الاحداث الكبرى تنطلق في الاساس من رؤى فكرية ناضجة اختمرت تحت الرماد، فحركت معها الثورات والشعوب، وهو ما لا أراه ضمن المشهد.

وما يخيفني أن هذا الجيل الذي يعرف كيف يوظف وسائل الاتصال المعاصرة في حشد القوى للتعبير عن الثورة والرفض والمطالبة بالتغيير، ويمتلك حماساً منقطع النظير، يفتقد الى الاهتمام بالمضمون الفكري لتاريخه ورموزه من المبدعين والمفكرين الرواد ودعاة التغيير والتنوير، مثلما يفتقد الى رؤى منهجية قادرة على تقديم حلول لمشكلات العرب المزمنة في التخلف وغياب مشاركة المرأة والفقر والامية وتباطؤ التنمية والتباين الطبقي الحاد وغياب سلطة القوانين وضعف مفهوم المواطنة.

فما الذي حصل حتى انكفأ الوهج ولم نعد نرى الا نزراً يسيراً من ذلك التفاعل الفكري. وما جدوى التغيير إن لم يستند الى إطار متقدم من الوعي الذي يحمل وعوداً بنهضة حقيقية؟ أخشى أن تضيع جهود هولاء الشباب المفعمين بالامل في التغيير وتتحول الى مجرد مرحلة إعلامية صاخبة دون مضمون. فكري ناضج فتخبو سريعاً. وأكاد أشاهد مظاهر من المواقف المتعصبة الانفعالية ذات النظرة الأحادية التي لا تطيق الاختلاف معها ما يعزز الهاجس من أن تؤول الامور الى مجرد تغيير قناع الاستبداد بآخر.

إن النهضة الفكرية التي مر بها المجتمع العربي بعد الاستقلال بريادة العديد من المبدعين والمفكرين ذوي الاراء التحررية التنويرية قد انكفأت هذه الايام لصالح موجة مد ماضوية، باسم التمسك بالاصالة. إن مشكلاتنا الاساسية ليست في انهيار القيم السلوكية أو الاخلاقية التي تتبدل مع تطور المجتمع بشكل حتمي، بل في غياب الحرية، وتغييب احترام حق الانسان في الحياة الكريمة، واضطهاد المرأة باسم الثوابت والعادات، والتعصب الفكري الذي لا يرى العالم الا بعين واحدة.

فهل تعيد الاحداث الاخيرة الينا الأمل بعودة الوعي والنشاط الفكري والفلسفي؟ لا أقصد النشاط على صعيد اهتمام الدوائر الاكاديمية أو اهتمام المثقفين في هيئة دراسات تبقى حكراً على طبقة الانتجلسنيا. نريد أن يتحول هذا الزخم السياسي والحراك الاحتجاجي الى نهضة عربية حقيقية على مستوى الفرد العادي، حتى لا يتكرر ذلك الموقف المحزن الساخر حينما لم يكن هناك أمام حدث عظيم مثل حملة نابليون بونابرت على مصر ضمن سياق فترة تاريخية مهمة في أواخر القرن الثامن عشر من طاقة فكرية سوى عبد الرحمن الجبرتي الذي برغم انتباهه لأهميتها التاريخية لم يعطها حقها، بينما كان الكتاب الآخرون منغمسون بالشروح والفهارس وتحقيق التحقيق! وكي لا يتكرر ذلك الجدب الابداعي والفكري حينما لم يكتب من وحي حملات أوروبا على الشرق سوى أسامة بن منقذ في «الاعتبار»!

رابط المقالة بصحيفة الدستور
 
رابط الصفحة الكاملة
 

الخميس، مايو 19

القصة النفسية وروح المدينة


القصة النفسية وروح المدينة
بقلم سلطان الزغول*

نشرت في جريدة الرأي الأردنية- ملحق الثقافة يوم الجمعة 13/5/2011

تدفع قصص مجموعة "قليل من الحظ" لإياد نصار، القارئ إلى عوالم النفس الإنسانية، مظهرة احترافا في الحفر الداخلي، ما يجعله يظنّ أنه أمام القصة النفسية في أروع تجلياتها. لكنّ قصصا أخرى تعبّر عن روح مدينة عمان، وتبرز دقائق وتفاصيل من عالم المدينة النابض، مظهرة معاناة فقرائها عبر عقد المقارنات بين شرق عمان وغربها، وهي مقارنات غاصّة بالإشارات والإيماءات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الدالّة تجعل القارئ يعيد النظر في ظنّه الأول.


إننا أمام كاتب دائم القلق والبحث، مسكون بهموم إنسانية تبدأ من المحيط الاجتماعي، ولا تقف عند معاناة الصحفيين الباحثين عن الحقيقة في العراق تحت الاحتلال، أو الحيرة أمام الاحتفاء بالأديب وتقديره بعد موته، في حين يظلّ طوال حياته يعاني الإهمال والإقصاء. حتى إن نصار يفرد قصة تتناول مشكلة أموال "البورصة الوهمية" التي شهدها الأردن في نهايات العقد الأول من هذا القرن.

نحن إذن أمام خليط غنيّ يؤكد أنّ إياد نصار كاتب معنيّ بالهمّ العام عبر تجلياته المتنوعة، بقدر حرصه على التحليق الفني بتشكيل قصة غنية على مستوى "حسن الصياغة والحبك" بتعبير الناقد العربي القديم. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى براعته في استخدام تقنية القصة داخل القصة، وهي تقنية تراثية بامتياز، طالما ظهرت في روايات شهرزاد الليلية المتوالدة أبدا. لكن هذه المقالة تتناول جانبا نفسيا يتجلّى في القصتين الأولى والثانية في المجموعة، وهما تعبّران عن قلق وخوف في مواجهة عالم قاس يغدو فيه الشعور بالأمان مطلبا عزيزا.

تعرض القصة الأولى "المصير" حالَ رجل يقيم في إحدى دول الخليج العربي، أثناء حرب الخليج الثانية التي حملت خوفا كاسحا من استخدام السلاح الكيميائي. ونستكشف عالمه الداخلي المتقلب وهو يعاني الخوف والوحدة والترقب: "يجلس على سريره وحيدا في الغرفة، أغلق على نفسه كلّ شيء، أسئلة كثيرة تدور في رأسه بلا أجوبة، اختزل الماضي والحاضر والمستقبل في دوامة من الأفكار المضطربة" (ص 11). في حين أن القصة الثانية "الدرب السلطاني" تضعنا أمام فتى يرافق شيخه في رحلة من قريته القصيّة "على أطراف جبال جلعاد الجنوبية" إلى الجامع الأزهر في القاهرة، وهي رحلة توافق الفترة التي قام فيها إبراهيم باشا بحملته العتيدة على بلاد الشام. ويعيش الفتى أهوال الرحلة ومفاتنها وأشواكها حتى ينضج ويتغلب على خوفه، فيعود وحيدا إلى قريته.

يتملك الخوفُ بطلَ قصة "المصير" ويدفعه إلى الهرب بعيدا للاحتماء من رعب الموت غريبا عن أسرته، بينما تتغلّب الرغبة بالعودة إلى حضن القرية الدافئ على مشاعر الخوف من أهوال الطريق في القصة الثانية.

في قصة "المصير" -التي تجري أحداثها بداية تسعينيات القرن العشرين- نجد الراوي العليم الذي يتقصّى أدق التفاصيل الداخلية في حياة البطل، ويجلو أفكاره ووجهات نظره حول أصدقائه، كما يتلمّس مشاعر القلق والخوف من المجهول التي تسيطر عليه. أما في قصة "الدرب السلطاني" –وزمانها أكثر بعدا- فنجد الراوي المتكلم الذي يسرد تفاصيل رحلته مع الشيخ، أهوالها وبَدْوها وقطاع الطرق فيها، فإذا ما وصلا إلى القاهرة، وسكنا فيها ذكر بعض معارفهما الجدد وعلاقتهم بالشيخ... وتأتي إشكالية زاوية الرؤية من هذا القلب في استخدام صيغة السرد، فلعل الراوي المتكلم هو الصيغة الأنسب في القصة الأولى التي تتقصى العالم الداخلي لبطلها، خصوصا وهي تجلو أبعاد حدث الحرب على نفسه ومشاعره. أما الراوي العليم الذي يمكن أن يشير بوعي أكبر إلى زمن الحدث، وتفاصيل الرحلة، ومشاعر الفتى وتقلبها مقارنة بمشاعر الشيخ، خصوصا مع نشوء شبكة علاقات متجددة عبر الطريق وفي القاهرة، فلعله مناسب أكثر في قصة "الدرب السلطاني".

تتركز معاناة بطل "المصير" داخل جدران غرفة يحتمي فيها من رعب الموت، رعب مجهول وغير ملموس يمكن أن ينفذ من أي شقّ يدخل منه الهواء. إن بطل القصة يواجه وحشا كاسحا بلا معالم محددة، يمكنه أن يحصد البشر جماعات دون أن يرفّ له جفن. بينما يتخيّل الفتى في القصة الثانية الموت على يد لصّ أو قاطع طريق أو وحش من وحوش البرية في أسوأ الأحوال. وهو موت يمكن مواجهته بالحيلة أو الشجاعة أو حتى الهرب، ما يعطي للقدرة الفردية مكانة أولى. وهذا ما يبرّر سيطرة الخوف، وامتداد الرعب على أدقّ تفاصيل قصة "المصير"، بينما يظهر الخوف عنصرا مؤثرا، ومثيرا من مثيرات بطل القصة الأخرى، لكنه عنصر يمكن لبطل القصة التغلب عليه ولجمه في سبيل تحقيق هدفه.

تنطلق قصة "المصير" عند لحظات مفصلية في حياة بطلها الذي بدأ يتذوّق طعم الموت، ويحسّ باقترابه منه. لقد سبق له أن واجه ضعف الآخرين وخوفهم بابتسامة سخرية، بل إنه قد رفض مغادرة الخليج مع من غادر في البداية، لكنه الآن –في النقطة التي يبدأ السرد منها- يتملكه الخوف والقلق، ويسيطر عليه الشعور بالوحدة والغربة عن رمال الصحراء. وسرعان ما يتحوّل القلق والرعب من القادم إلى ممارسات هستيرية لا يتفهّمها إلا من عاش أحداث حرب الخليج الثانية: "قفز عن السرير فجأة. تناول منشفة قماش قديمة... بلّلها بالماء. وضعها على حافة الباب الخشبي. أطفأ التلفاز كي لا يبقى في الغرفة أي نور حوله. أدار مفتاح المذياع. شعر بالقلق، وتوجّس قلبه خوفا من الآتي... لقد مرّت عدة ليال وهو على هذه الحالة. أعصابه مشدودة وفكره يحاول أن يتخيّل حجم الكارثة" (ص 12).

مقابل هذه الحال، تبدأ قصة "الدرب السلطاني" في لحظة الوصول إلى برّ الأمان، بعد الانعتاق من رعب الصحراء وهول الرحلة: "وصلت شبه ميت من الإعياء، والدنيا عند المغيب. هجموا كلّهم عليّ يعانقونني واحدا بعد الآخر ويحدّقون النظر بي" (ص 23).

لعل في البدايتين ما يؤشر على الفرق في منطلقات الخوف ومبرراته ومآله في الحالين؛ فإذا كانت القصة الأولى تمضي عبر دهاليز الخوف الذي يجعل نوم البطل عصيّا، وصولا إلى نومه بين مقاعد الانتظار، في المحطة التي ستنطلق منها الحافلة مغادرة المدينة، فإن القصة الثانية تنطلق من لحظة الوصول والأمان لتسترجع خوف الفتى الذي مهما بلغ أوجه فإن نتيجته محسومة، وهي الانجلاء، بدليل لحظة انطلاق السرد، وهي لحظة تدفع النهاية إلى تخوم الشعور بالاطمئنان. حيث ينهي الفتى سرد قصته التي تنتهي بنهايتها قصة "الدرب السلطاني" قائلا: "في صباح اليوم التالي استيقظت باكرا وتسللت دون أن أودعهم وأنا أحلم بالعودة إلى تل النوار! شعرت بجرأة غير مألوفة. وأحسست بنضوج لم أختبره من قبل" (ص 32).

يتفاقم الخوف في قصة "المصير" مع حركة الحدث؛ فالبطل الذي وضع منشفة مبللة على حافة الباب الخشبي نجده مع سماعه صوت صفير أثار في نفسه الرعب يمسك منشفة مبللة ويضغطها على أنفه وفمه. كأنما الخطر يقترب ويشتدّ حتى يعتصر جسده ويحاول الدخول إلى مجرى النَفَس. أما في القصة الثانية فمفاصل الخوف يجري التعبير عنها باقتصاد. وعدا مقطع قصير في بدايتها، وإشارة خاطفة في نهايتها، فإن بطلها الفتى ظلّ في كنف الشيخ وحمايته، فلما قرّر أن يرجع وحده إلى القرية تاركا شيخه في القاهرة كانت رحلة الذهاب قد أنضجته وجعلته يتغلب على خوفه. في بداية القصة يأتي المقطع المعبّر عن الخوف في سياق أقرب إلى الكابوس: "أتذكر أنني استيقظت وسط ظلام دامس والعرق يتصبّب من جبيني. كان حلقي جافّا متشققا من الظمأ كالأرض اليباب بعد موسم جفاف. أردت القيام، لكن الإنهاك نال منّي فعدت إلى حضن الظلام. أحسست بدوار غريب. كانت الدنيا تدور من حولي، والصور والأحلام تتداخل في رأسي. أمسكت جانب السرير لأوقفها دون فائدة" (ص 23-24).

ثم ينتظم السرد عبر استذكار البطل رفقته للشيخ في الطريق إلى القاهرة وصولا إلى نهاية القصة حيث يصارح الشيخ الفتى بقراره بالبقاء في القاهرة. عندها فقط يشعر الفتى بالخوف من العودة وحيدا، لكنه شعور سرعان ما تمكن من التغلب عليه: "ثار بداخلي إحساس بالخوف وأنا أفكر بالعودة وحيدا عبر الصحراء. في صباح اليوم التالي استيقظت باكرا... شعرت بجرأة غير مألوفة" (ص 31-32).

إننا أمام نموذجين من التعبير عن القلق والخوف، وهو تعبير قد تجلى وتوضّح في القصة الأولى حتى صارت له البطولة المطلقة، والهيمنة الكاملة على سير الحدث. أما في القصة الثانية فقد تراجع عن الواجهة لصالح إظهار تفاصيل أخرى. ويمكن القول إنّ ملامح الخوف في القصة الأولى أكثر بروزا لتركيزها على جلاء العالم الداخلي للبطل، وإن عبر استخدام الراوي العليم. بينما هي في القصة الثانية تتوارى عبر جلاء تفاصيل علاقات البطل الخارجية بالشيخ أولا، وباكتشاف العالم المحيط ثانيا، وإن عبر استخدام الراوي المتكلم. حتى إذا خفت وهج الخارج لصالح الداخل –كما هي الحال في البداية المذهلة للقصة، أي قبل بدء الفتى برواية ما حدث له عبر استخدام تقنية القصة داخل القصة- ظهرت ملامح الخوف وتجلّت طاغيةً على المشهد.

* ناقد وكاتب أردني

رابط المقالة

رابط الصفحة الكاملة

الجمعة، مايو 6

ترجمة السونيتات بين الشعر والنثر


ترجمة السونيتات بين الشعر والنثر
إياد نصار

نشرت في صحيفة الدستور الأردنية بتاريخ 6/5/2011
لم تحظ قصيدة بالترجمة إلى العربية مثلما حظيت به القصيدة، أو بالأحرى السونيت رقم 18 لوليم شكسبير (1564 - 1616) من بين سونيتاته المئة والأربع والخمسين. ولا أعتقد أن الترجمات ستتوقف يوماً ما. وقد بادر إلى ترجمتها كتاب وشعراء وباحثون ونقاد، كان آخرهم كاتب هذه السطور.

مثلما لمسرحيات شكسبير خلود أدبي كرست مكانته بوصفه أعظم شاعر ومسرحي إنجليزي عبر العصور، فإن لسونيتاته سحراً خاصاً، ومذاقاً أدبياً، وجمالاً لغوياً لا يحس بها إلا من نفذ إلى أعماق السونيتات، متأملاً فيها، ليكتشف عبقرية شكسبير التي سكبها في هذه القصائد، ويتلمس مظاهرها ـ فنياً، ولغوياً، وعاطفياً، واجتماعياً، وانسانياً ـ والتي ملأها بمعاني الحب والحزن والفخر والندم والحكمة والسخرية والجمال والبشاعة، وكل ما يخطر بالبال. وقد طرح فيها شكسبير خلود الأدب، خاصة الشعر، بوصفه وسيلة لتخليد صورة الجمال الحسي الزائل تحت تأثير الطبيعة القاسية المتقلبة، كما طرح فكرة انتهاء الأشياء، فلا الجمال باق ولا الحب دائم ولا متعة الإنسان مستمرة.

نُشرت سونيتات شكسبير خلال حياته عام 1609، ويبدو أنها نشرت من دون إذنه؛ فقد كانت النسخة المطبوعة سيئة ومن غير إهداء، بل كان هناك إهداء من الناشر نفسه إلى رجل غامض أشار إليه بالسيد و. هـ. وهناك من يقول بأنها ترمز إلى السيد وليام هيربرت، نبيل منطقة بمبروك، الذي كان من مقدري إبداع شكسبير، وساهم ـ هو وأخوه ـ في دعم نشر مسرحياته، علماً أنه كان رئيس جامعة أكسفورد، آنذاك، ومؤسس كلية بمبروك فيها. هناك ظن كبير أن يكون وليام هيربرت هو الرجل الذي وردت حوله إشارات في سونيتات عدة، بكونه “الشاب الجميل”، كما تؤكد أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد، والمتخصصة في الأدب الإليزابيثي، الناقدة كاثرين دنكن جونز، التي حققت السونيتات في طبعة آردن، عام 1997. ومن المعروف أن وليام هيربرت لم يتزوج، ولذا ترد إشارات ـ في السونيتات ـ إليه بأن يتزوج، غير أن شكسبير عوضه عن خلود اسمه ـ من خلال ذريته، بالزواج ـ بتخليده في قصائده. تثير فكرة إيمان الشاعر بخلود قصائده، في مقابل جمال الإنسان الزائل، الحيرة؛ فكيف يظل شسكبير يردد هذه الفكرة في السونيتات وهو لم يسع إلى نشرها، بل تم بمحض الصدفة؟

يخمّن النقاد أن السونيتات كتبت، على الأغلب، بين عامي 1595 و1596. ولا يوجد مصدر موثوق يمكن الركون إليه في ترتيب السونيتات، بيد أن الدارسين يقولون إن السونيتات المئة والست والعشرين الأولى، حيث المخاطب فيها، وعلى عكس ما قد توحي به القراءة الأولى، أو الترجمات، ليس امرأة بل شاباً ذا جمال ووسامة، ومحبوباً من الشاعر، ولكن أخلاقه محل تساؤل. في السونيتات الأولى، هناك دعوة له من الشاعر ليتزوج وينجب أولاداً، ما يثير التساؤل أن السونيتات تنطوي على عاطفة من الإعجاب والحب من قبل شكسبير تجاه هذا المخاطب. وأما السونيتات الأخرى، بدءاً من المئة والسابعة والعشرين، فإن المخاطب فيها هو "السيدة الغامضة"، وهي عشقية للشاعر، وذات جمال شهواني، يتوجس منها حذراً بعد نشوء علاقة بينها وبين صديقه، رغم أنه لا يخفي رغبته الجسدية تجاهها.

إن البناء الشعري للسونيت الشكسبيري ليس شيئاً متفرداً أو ذا بناء خاص بشكسبير، بل استخدم فيه بناء القصيدة الإنجليزية، الشائع في عصره، وهو ثلاثة أدوار (كل دور يتألف من أربعة أبيات) ذات قافية مزدوجة تبادلية في كل دور، وقفل يتكون من بيتين لهما قافية واحدة، ولكن شكسبير طور السونيت الإنجليزي من واقع اطلاعه على الشعر الإيطالي، في عصر النهضة، وبالذات قصائد فرانشيسكو بترارك الغنائية، في الحب والغزل، تجاه امرأة تدعى لورا.

ليس هناك اتفاق على أن هذه السونيت (18) هي أجملها على الإطلاق، أو أكثرها عمقاً وبعداً جمالياً وفنياً، لكنها تندرج ضمن ثماني سونيتات تعد متميزة، ولو أن بعض النقاد عدَّ سونيتات أخرى، مثل 55 و60، تظهر فيها عبقرية شكسبير ومهاراته اللغوية بشكل واضح.

وقد صادفتُ، خلال قراءاتي المتعددة للسونيتات، عبر أوقات مختلفة، ترجمات متعددة، وبالذات لهذه السونيت العجيبة، ما يدل على أنها محط اهتمام الأديب العربي ـ ترجمة، وتذوقاً ـ وفيها الكثير مما يمكن أن يقدم للقارئ العربي إضاءة حول سونيتات شكسبير وجوانب الإبداع فيها. وإذا كانت هذه السونيت قد حظيت بكل هذه الترجمات العربية، فللمرء أن يتخيل كم حظيت السونيتات بترجمات لا تعد ولا تحصى إلى لغات العالم الأخرى.

اختار شيخ المترجمين العرب، جبرا إبراهيم جبرا، أربعينَ من السونيتات التي استعذبها وترجمها بلغة أدبية جميلة أظهرت عمق فهم جبرا لمعاني شكسبير، وقدرته على فهم الخاص الثقافي المرتبط ببيئة الشاعر ومنابعه الفكرية، واستجلى فيها حلاوة العربية وتأثيرها وقدرتها على تقديم قصيدة في إيقاع فني عذب. وقد كانت هذه السونيت من بينها.

كما قام الشاعر المصري بدر توفيق بإصدار ترجمة كاملة للسونيتات، عام 1988، ونشرها بنصها الأصلي متبوعة بالترجمة، فكانت ترجمة موفقة تنم عن براعة أدبية ولغوية، وقدرة على فهم المعاني العميقة للسونيتات، والتي لا تتبدى لقارئ أو مترجم عابر. كما اطلعتُ على ترجمات شعرية للسونيت من قبل شعراء عرب حاولوا فيها تقديم معاني السونيت ولكن بقالب شعري عربي. كانت الترجمات شاعرية، لكن المعنى الأصلي ابتعد ـ في بعض الأحيان ـ عن متناول المترجم الشاعر، والقارئ على السواء. لقد حافظ المترجمون شعراً على روح السونيت، ووظفوا لغة عربية إيقاعية جميلة، ولكنهم تصرفوا بالنص بشيء من الحرية، بل حتى غيروا في استعمال بعض الكلمات، لأنهم، من أجل إيصال المعنى ـ وإن كان مهماً، عندهم ـ حكمتهم ضرورات الترجمة الشعرية. فشكسبير، مثلاً، شبه المخاطب بيوم من أيام الصيف بروعته واعتداله، وأشار في ذلك إلى شهر أيار، وهذه الفترة تعد الأجمل والألطف، خلال السنة، في بريطانيا ذات الطقس الشتائي الضبابي البارد، بينما استبدل المترجمون، شعراً، الصيف بالربيع، ولعل دافعهم في ذلك أن الصيف ـ في الذاكرة العربية ـ يرتبط بالحر اللاهب، والقيظ والجفاف بسبب اختلاف المناخ.

من الترجمات الشعرية تلك التي قامت بها الشاعرة العراقية فطينة النائب (كانت تكتب باسم مستعار هو صدوف العبيدية)، التي توفيت عام 1993، ونشرت في كتاب "فن الترجمة" للدكتور صفاء خلوصي، عام 1986. ومن الترجمات الشعرية، أيضاً، تلك التي قامت بها الشاعرة المصرية ياسمين محمد مسلم. أما من الترجمات النثرية البديعة، تلك التي قام بها أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة والمترجم والناقد، د.محمد عناني، ونشرت في جريدة المساء، عام 1962.

وآخر هذه الترجمات هو ترجمة الشاعر والمترجم والناقد المعروف، د. كمال أبو ديب، في كتابه الذي صدر عن مجلة دبي الثقافية، في شهر كانون الثاني، 2010، في إطار كتابها الشهري الذي يوزّع مع المجلة. واللافت أن د. أبو ديب، الذي يدرّس الأدب العربي في جامعة لندن، والذي سبق أن عمل أستاذاً للأدب العربي الحديث والنقد في جامعة اليرموك في الثمانينات (من القرن الفائت)، ترجم السونيتات إلى العربية في صيغتيها النثرية والشعرية. لكن ترجمة أبو ديب فيها تصرف، أيضاً، وتميل إلى الجانب التفسيري في الترجمة. فالشطر الرابع في السونيت يذكر أن فترة الصيف ما أقصر أجلها، في حين أن أبو ديب يضيف إليها: "ووجيز أجل الصيف يمر كحلم يتراءى". أطلق أبو ديب على السونيت كلمة توشيحة، وربط بينه وبين الموشحات الأندلسية، وأرجع نشوء السونيتات ـ في الآداب الأوروبية ـ إلى أصل الموشحات، حيث انتشر الحب الملكي، أو الحب في بلاط الخلفاء والقصور، وهناك دراسات سابقة كتلك التي نشرها أستاذ الأدب الإنجليزي والناقد العراقي، د. عبد الواحدة لؤلؤة، وأشار فيها إلى أن الموشحات وأجواءها كانت السبب في نشوء وازدهار ما يسمى بالشعراء الجوالين (التروبادورز)، في أوروبا، في العصور الوسطى وبداية عصر النهضة.

ورغم جمال السونيت وغنائيتها وموضوعها حول الحب وزوال الجمال وتصاريف القدر وتحولات الطبيعة ورغبة الإنسان المستحيلة في الخلود، إلا أننا لا نعرف عن "المخاطب" أي شيء سوى أنه بجمال الصيف الإنجليزي ذاته، بل أكثر جمالاً ولطفاً وثباتاً منه.

وكل القصيدة ـ ما عدا ذلك ـ تتحدث عن تأثير الزمن والطبيعة في قهر الجمال. فكل جمال عن الجمال سيزول، وكل اشتعال سيقابله خمود وانطفاء، في يوم ما. غير أن الشعر هو الوسيلة للخلود؛ الشعر هو الذي سيخلد جماله طالما بقي بشر يرددون كلمات شكسبير. ويبدو لي أن القصيدة هي عن الافتنان بالجمال ذاته أكثر مما هي عن جمال المخاطب، رغم أن من يقرأ الترجمات العربية كلها ـ بلا استثناء ـ وفي غياب أية إشارة توضيحية من المترجم، سيظن أن المخاطب فيها، لأول وهلة، هو امرأة، جرياً على عادة الشعر العربي في الغزل، وإظهار الفتنة والإعجاب بجمال الشكل الخارجي للإنسان.

وينبغي أن أشير إلى أن بعض النقاد في حيرة لماذا خص شكسبير كل هذه السونيتات لهذا الشاب الجميل، وهل هي دليل ـ كما أشار بعض النقاد الأميركيين ـ على ميول شكسبير المثلية، أم إنها كانت ـ في حقيقتها ـ تورية ذكية لامرأة لم يود أن يذكرها، أو يكشف عن علاقته بها؟

كنت، وما زلت، دائماً، من محبي سونيتات شكسبير، وكثيراً ما أعود لقراءتها بلغتها، وتذوقها واستجلاء معانيها وبراعتها في مصادر شروحاتها التاريخية. وقد لمست أنه كان لكتاب جبرا "سونيتات شكسبير"، الذي ذاع وانتشر كثيراً، أثر كبير في تذوق القارئ العربي روعة هذه القصائد، وفي الوقت ذاته الإحساس بروعة اللغة العربية حينما يطوعها كاتب ذو قلم جميل.

رابط المقالة بجريدة الدستور

رابط الصفحة الكاملة









الثلاثاء، مايو 3

في انتخابات رابطة الكتاب

في استطلاع لجريدة الدستور
3/5/2011

كتاب يدعون الرابطة إلى الاهتمام بمتطلبات الأعضاء الإبداعية والمعيشية


عمان - الدستور - عمر أبوالهيجاء

تستعد رابطة الكتاب الأردنيين لعقد مؤتمرها الانتخابي، في حزيران المقبل، لانتخاب هيئة إدارية جديدة. وتأتي هذه الانتخابات في ظل مطالب الإصلاح والتغيير، التي يشهدها عالمنا العربي. وتعرف الرابطة بمواقفها الوطنية والقومية تجاه قضايا الأمة، كما إن لها الدور الكبير في الحراك الثقافي والسياسي، في المشهد العربي.

«الدستور»، ما زالت تتابع أجواء الانتخابات وسَيْرَها، في الرابطة، وذهبت إلى استطلاع بعض أعضاء الرابطة عن رؤيتهم وتمنياتهم على الهيئة الإدارية الجديدة، التي يريدون منها النهوض بالرابطة والاهتمام بالأعضاء ومتطلباتهم، على الصعيد الإبداعي، والمعيشي، والاهتمام بالفروع. وها هي رؤاهم ومقترحاتهم:

عبد الرحيم جداية:
دائماً ـ للأسف ـ نجد أنّ الهيئة الإدارية، في رابطة الكتاب الأردنيين، هي التي تسير الرابطة وأهدافها، من وجهة نظر خاصة ومحددة وفئوية؛ غالباً بعيداً عن القطاع العريض من الكتاب والمفكرين والأدباء، الذين يرفدون الرابطة، وبعيداً عن الفروع في إربد، والزرقاء، والسلط، ومادبا، ما يشكل محدودية النظرة تجاه الجسد المتكامل للرابطة. فالرابطة تحتاج إلى إدارة تشاركية تساهمية تتفاعل، كيميائياً، مع فكر الهيئة العامة، وذلك بتوزيع المخصصات المادية ـ على الفروع ـ بعدل، وعقد الاجتماعات، مع الفروع، ووضع خطة مشتركة للنهوض بالثقافة الأردنية، من خلال توزيع الأدوار والمهام على الأعضاء، من جميع الأطياف، حتى المختلفين معهم بالفكر والرؤيا، وأن تتجرد الرابطة من سلطة الأنا عند الإدارة التي تورث القهر لأعضائها. وأمنيتي أن أرى ـ في قادم الأيام ـ هيئات إدارة قابلة لتداول السلطة، والأخذ بالرأي الآخر، مشكلة وجهاً ديموقراطياً، كما تطالب الآخر.

إياد نصار:
أطمح أن أرى رابطة الكتاب في حالة نشاط تفاعلية مع شرائح المجتمع، كافة، من خلال عقد برامج ولقاءات وندوات ودورات إبداعية طيلة العام، بشكل يومي أو اسبوعي. بل أتمنى أن يكون ـ ضمن النظام الداخلي للرابطة، ومن ضمن واجبات العضو الإلزامية ـ القيام بنشاط إبداعي، مرة واحدة ـ على الأقل ـ خلال العام، أو المشاركة فيه. لا أستطيع أن أتخيل أن هناك عضواً، في رابطة الكتاب الأردنيين، لا يقدم نتاجاً خلال سنتين، مثلاً، أو لا يشارك في أية ندوة أو نشاط أو برنامج، أو لا ينشر أية مقالة أو مشاركة إبداعية، أو لا ينجز أي عمل ثقافي طيلة سنوات؛ فإنني أرى أن يكون تجديد العضوية، في الرابطة، مرتبطاً بإنجاز عمل إبداعي أو نقدي أو معرفي، لا أقول: سنوياً، ولكن ـ على الأقل ـ كل سنتين مرة.

أتمنى أن يكون أعضاء الهيئة الإدارية من الملتزمين بتنفيذ البرامج والنشاطات بصفة مستمرة. وأتمنى أن يكون هناك اهتمام حقيقي بوضع برنامج يتولى دعم نشر المؤلفات للأعضاء، والاحتفاء بها، وتسويقها (في الأردن، والدول العربية)، من خلال اتفاقيات مع جهات داعمة.

أتمنى أن تعمل الهيئة الإدارية الجديدة على متابعة نتاج الأعضاء، بشكل منهجي وجدّي، مع الاهتمام بعقد الندوات حوله، وألا تكون النشاطات انتقائية، أو بطلب من أصحاب الإصدارات أنفسهم. هناك شعراء وروائيون وقاصون وكتاب، ممن أصدروا العديد من الأعمال المهمة، عبر سنوات، ولم تلتفت الرابطة إليهم، أبداً، ولم تخصص لهم مناسبة لعرض أعمالهم.

أطالب بتخصيص جائزة سنوية، أو حتى شهادة تكريمية لتشجيع الأبحاث النقدية والفكرية المتميزة، على أن تعطى للدراسات المنشورة أو الكتب الجديدة، التي تنطوي على جهد بحثي أصيل، شريطة أن تأتي بجديد يثير اهتمام المثقفين، وتضيف قيمة مهمة، أو تحقق إنجازاً بحثياً أو فكرياً يحظى باهتمام الدارسين ومؤسسات المجتمع، على أن تكون الجائزة، أو الشهادة دورية: مرة في الشعر، ومرة في الرواية، ومرة في القصة، ومرة في المسرح.

أتمنى أن يكون هناك جائزة لتكريم الأعمال الإبداعية المتميزة، التي صدرت خلال العام، وذلك من خلال اقتراع سري للأعضاء كافة، ويتم فيه تكريم أهم ديوان شعر، أو مجموعة قصصية، أو رواية، أو كتاب نقدي، أو مسرحية، أو غيرها من الأعمال التي كان لها حضور ثقافي ـ محلياً، وعربياً ـ وحظيت بإشادة من الكتاب ووسائل الإعلام.

أرجو ألا يفقد الأعضاء الأمل في أن تنجز الهيئة الإدارية الجديدة بعض المشاريع التي طال انتظارها، وملّ الأعضاء الوعود حولها، من دون أن يكون هناك عمل جاد وحقيقي لتحقيقها بشكل ملموس، وهي: التأمين الصحي، وتأسيس جمعية تعاونية لإسكان الأعضاء، والمنح الجامعية لأعضاء الرابطة.

جلال برجس:
نعوّل على الهيئة الإدارية القادمة، لرابطة الكتاب الأردنين، أن تتجاوز كثيراً من المعوقات التي وقفت، زمناً طويلاً، أمام تطور الرابطة، بوصفها مظلة وحاضنة للمثقفين. وهذا ـ بالطبع ـ لا يأتي إلا من خلال الجهد الحقيقي، الذي يجب أن تبذله الهيئة، بأكملها، عبر عملها كفريق واحد. ما أتمناه، في هذا الصدد، أن تصبح علاقتنا، على اعتبارنا مثقفين، بالرابطة أكثر متانة، وهذا لا يأتي إلا نتيجة للاهتمام الواضح بإعضاء الرابطة، من دون الارتهان لأي توجه أو خلاف في الرؤية؛ سواء كانت سياسية أم ثقافية. لن أكون مجحفاً إن قلت إن علاقتنا بالرابطة علاقة ضعيفة لا تتقوى إلا في موسم الانتخابات، الذي تكثر فيه محاولات ثوثيق عرى التواصل، ثم تتهاوى ـ نهائياً ـ بعد صدور نتيجة الانتخابات. في هذه الأيام تشهد الساحة العربية نفساً إصلاحياً باتجاه الأفضل، وبرأيي المتواضع، فإن هذا النفس الإصلاحي يجب أن يتجه نحو الرابطة ودهاليزها. نحن بوصفنا أعضاء في الرابطة، معنيون بما يمكن أن تقدمه لنا هذه الحاضنة الثقافية، تماماً كما هي معنية بما يمكن أن نقدمه لها. على الهيئة الإدارية القادمة أن تقصي كثيراً من المفاهيم التي جرّت الرابطة الى دور ضعيف، وأن توثق علاقتها بأعضاء الرابطة، بغض النظر عن شكل انتماءاتهم، وطبيعتها، وأن تبذل الجهد الحقيقي المأمول نحو فعل ثقافي يؤتي بثماره الحقيقية، بعيداً عن الشللية، وفوضى المصالح، وإقصاء فلان وتقريب فلان. هنالك جيل جديد من الكتاب والشعراء لديهم الكثير مما يقال، ومما يمكن فعله لخلق حالة ثقافية متميزة، بعيدة عن النمطية والروتينية التي حولتنا إلى سلبيين، بشكل مؤلم.


رابط الاستطلاع في الصحيفة

رابط الصفحة الكاملة


تخصيص يوم للمبدع الأردني

في استطلاع أجرته صحيفة الدستور
1/5/2011


أدباء ومثقفون يدعون إلى تخصيص يوم للمبدع الأردني في المدارس والجامعات
 
عمان -الدستور - عمر أبوالهيجاء

هل أخذ الأديب الأردني اهتماما واضحا في مناهج وزارة التربية والتعليم ونشاطاتها؟ سؤال قد يقود إلى إجابات كثيرة لن تكون فيها الوزارة، وغيرها من المؤسسات الرسمية، قادرة على تبرير غياب اسم الأديب الأردني وإبداعاته عن مشهدها العام، ويرى كثير من المبدعين أن وزارة التربية، على سبيل المثال، قادرة على تقديم صورة مغايرة للأديب الأردني ومدى حضوره في الحياة العامة، من خلال تخصيص فسحة من الاحتفال بالمنجز الإبداعي الأردني عبر نشاطاتها غير المنهجية، وفي هذا يتم إنصاف الأديب الأردني الذي يقف في صف واحدا مع الأدباء العرب من حيث الإبداع والمنافسة، ويتساءل هؤلاء المبدعون: لماذا لا تقوم الوزارة، والمؤسسات الأكاديمية، وفي مقدمتها الجامعات، بتخصيص يوم للاحتفال بالأديب الأردني ومنجزه الإبداعي، مرة كل عام؟

بهذا السؤال توجهت لعدد من المثقفين الأردنيين، حيث كانت الرؤى والإجابات التالية:

الجمع بين الأدب والتربية والتعليم

د. محمد عبيد الله رأى أن فكرة تخصيص يوم للأديب الأردني في المدارس والجامعات والكليات وجميع المؤسسات التعليمية بشكل عام أمر إيجابي، ومفيد للحركة الأدبية، وللمجتمع التعليمي بشكل عام، مشيرا إلى أن هذا الاقتراح «يأتي في أجواء إقصاء الأدب المحلي وتهميشه في المناهج، وعدم اهتمام مؤسسات التعليم، بالرغم من أن كثيرا من أدبائنا الأوائل في الأردن هم تربويون وأدباء في الوقت نفسه، ولهم بصمات على مسيرتنا التربوية والتعليمية».

ويعتقد د. عبيد الله أنه من الملائم العودة إلى الجمع بين الأدب والتربية والتعليم، «لأن الأدب، في جوهره، يهدف إلى صقل الذوق والشخصية وبناء الإنسان الأفضل في مجتمعه، وهذه ذاتها أهداف النظام التعليمي برمته، وإذا كان هذا النظام التعليمي يشهد إخفاقات وتحديات كثيرة في أيامنا فقد يكون الاحتفاء بالأدب والأدباء واحدا من طرق الحلول الممكنة أو المناسبة».


خطوة متميزة
فيما اعتبر د. مهند مبيضين تخصيص يوم للمبدع الأردني في العام كله خطوة متميزة يمكن أن تسهم في دفع نصاب الثقافة الوطنية في مدارس وزارة التربية المختلفة، بما يضمن تحقيق وعي وطني لدى الطلبة في رموز الثقافة الوطنية وإسهاماتهم الثقافية والحضارية والإنسانية، بما يعود عليهم بالمفردات الوطنية الثقافية للأعلام واللامعين في مسار الثقافة الأردنية، ويعتقد د. مبيضين أن «إدخال الثقافة إلى المدارس ومؤسسات التعليم العالي يسهم بشكل فاعل في تعزيز بناء الهوية الثقافية الوطنية عبر التعريف بكتابنا ومبدعينا بما يحقق الصلة بينهم وبين الطلبة والشباب من جهة، وبما يجعل هذه السير المعاصرة والآنية للمبدعين والأردنيين على اتصال مع المبدعين والأدباء الأوائل من أمثال: والملك المؤسس عرار وابراهيم مبيضين وحسني فريز وحسن الكرمي وغيرهم».


غياب طويل عن المناهج
من جانبه لفت الروائي هزاع البراري إلى أن الأديب الأردني عانى فترات طويلة من الغياب عن المناهج والأنشطة المدرسية، وكان نتيجة هذا الغياب أن الكاتب الأردني غير معروف محليا، ولا يتمتع بمقروئية واسعة، لكون الجامعات الأردنية أيضا لا تولي الإبداع المحلي عناية كبيرة ولا تسعى إلى استقطاب الكتاب الأردنيين للقيام بفعاليات وأنشطة داخل الحرم الجامعي، ويوضح البراري أن تخصيص يوم للاحتفاء بالأديب الأردني في المؤسسات التعليمية المختلفة من مدارس وكليات وجامعات من شأنه أن يعود بالفائدة على الكاتب والأجيال الجديدة من الطلبة.

ولفت البراري إلى أن الوضع الراهن «يدعونا إلى ضرورة تكاتف وتضافر الجهود المختلفة من وزارة التربية والتعليم العالي ووزارة الثقافة والهيئات الثقافية المختلفة لتحقيق يوم المبدع الأردني بشكل ناجح ضمن الغايات والأهداف المرسومة له، وهذه مبادرة تستحق الدراسة والتطبيق».


يوم وطني
أما القاص اياد نصار فقال: «ألاحظ دائماً أن المبدع في الدول الأجنبية، ومن واقع تجارب شخصية، سواء أكان روائياً أم شاعراً أم مفكراً يحظى باحترام كبير كأنه رمز وطني بين أبناء شعبه، وعندما يلتقون به في مكان عام يتحلقون حوله للاستماع إليه، وألاحظ أنه علم معروف لدى قطاع واسع ينظرون إليه باحترام بسبب مساهمته في إثراء الفكر في بلادهم، أشعر بالحسرة أمام مكانة الأديب في بلادنا».

ويؤكد نصار أن طلبة اللغة الانجليزية، في المدارس الخاصة كافة، وبعض الجامعات في الأردن، يحملون روايات من الأدب الإنجليزي والفرنسي، سواء من كلاسيكيات الأعمال المعروفة أو من الأعمال الحديثة، ويضيف: «بينما لم أر في يوم ما أن طلبة هذه المدارس يحملون رواية أو ديوان شعر لأديب أردني، والأدهى أن معلماً للغة العربية أوصى طلبته بشراء كتاب قديم لإبراهيم المازني صدر قبل نحو قرن من الزمان، وربما كان هذا الكتاب جزءاً من منهاج المعلم خلال دراسته في مصر! يستحق المبدع الأردني أكثر من هذا بكثير، أقترح أن يكون يوم الأديب الأردني يوماً وطنياً بالنسبة للمؤسسات التربوية».

رابط الموضوع بالصحيفة

رابط الصفحة الكاملة








الجمعة، أبريل 8

حوار مع جريدة الغد

قاص يجد أنَّ القصة لديها من الحيوية ما يجعلها قابلة للتجاوب مع التجريب

نصار: ازدهار الرواية ليس حقيقة دائمة أو ثابتة

حوار في جريدة الغد يوم الجمعة 8/4/2011 (رابط الحوار)

نصار: أسعى لتجسيد أزمات الإنسان العربي الحالية ومواكبة مشكلاته-

عمان- كتب جمال القيسي - استطاع القاص والناقد اياد نصار رغم مشواره الأدبي القصير، انجاز الكثير على صعيد القصة القصيرة، حيثُ صدرت له مجموعتان قصصيتان هما "أشياء في الذاكرة" 2008، و"قليل من الحظ" 2010، وهناك مجموعة ثالثة له قيد الطبع.

ورغم انتمائه إلى الجيل الجديد الذي برَزَ في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلا أنه "بدأ مشواره مع القصة القصيرة منذ خمسة وعشرين عاماً، ببدايات قليلة مبكرة توقفت لفترة طويلة من الزمن، "كما لو أنه دخل في بيات شتوي طويل".

يقولُ نصار إنَّهُ يشعرُ بالحسرة على سنين عمره الضائعة بعيداً عن لذَّة كتابة القصة، إلا أنَّه يعتبرُ مشاركته في ملتقى القصة القصيرة الذي أقامته أمانة عمان الكبرى في العام الماضي "اعترافاً بحضوره على الساحة الأردنية".

ويعلن نصار عشقه للقصة التي يستمد منها الاحساس الشفيف بروعة فضائلها الفنية، من حيث أنها "عالم يعيد اليّ صفاء الاحساس ونبل التعاطف مع الانسان الذي يرزح تحت وطأة خيباته وانكسار أحلامه"، لافتا إلى أنَّ ذلك "يُجدِّدُ انتمائي إلى الإنسانية التي ترى في الفنِّ والإبداع خلاصاً، ومحاوَلةً جادَّةً لفهم قضايا الانسان المعاصر".

ويُتابِعُ انَّهُ يسعى دائماً إلى "تجسيد أزمات الانسان العربي الحالية، ومواكبة مشكلاته في إطار فني قادر على اثارة التفاعل مع القارئ وتقديم الجديد من خلال الغوص في المربعات التي تقبع في الظل والقضايا المستجدة غير المطروقة".

ويعتقدُ أنَّه ليس هناك من "وقت متأخر أبدا للابداع أو للنشر، فحينما تنضج الرغبة وتفور، لن يمنعها شيء من الخروج والمشاركة والاعلان عن نفسها، يستطيع الكاتب أن يتلمس بوادرها وأن يهيئ لها الظروف لتبرز، وعليه ساعتها أن يقبض عليها كي لا تضيع اللحظة، وهي ما نسميه لحظة الكشف والالهام والرؤيا".

ويكشف عن أمر أصدقاء له يكتبون بشكل جميل ويرغبون في النشر،"ولكنهم لا يعرفون كيف يدخلون هذا العالم الغامض، ويعتقدون أنَّ إنجازَ كتاب يحتاجُ إلى معجزة، وحلم بعيد المنال، لافتا إلى تجربة محمد شكري الذي ألّف "الخبز الحافي" في السابعة والثلاثين، وحنا مينة الذي نشر روايته الاولى "المصابيح الزرق" في الثلاثين.

ويُشيرُ كذلك إلى الروائية الأميركية النوبلية توني موريسون التي بدأت مشوارها في سن الأربعين وخوزيه ساراماغو الذي بدأ في أول العشرينات برواية، ثم انقطع أكثر من عشرين عاماً، وحينما عاد في منتصف الأربعين لم يتوقف حتى وفاته العام الماضي وحظي بتكريم جائزة نوبل.

ويرى نصار في مقولة "الإبداع المتميز يقوي حركة النقد "-ورغم ان النقد يعيش عالة على الإبداع أو يتبعه- نظرةً جزئية، تنظر إلى النقد على أنه "تحليل للعمل الفني واكتشاف ما يحتويه من مهارات أسلوبية ولغوية ومضامين".

ويشير إلى أنَّ هناك اليوم في العالم "نقدا فكريا يجمع ما بين النقد الأدبي والفلسفي والاجتماعي والتاريخي، ويُؤسِّسُ لدراسة التحولات الفكرية، وتحليل نتائج بحوث العلوم الانسانية، ورصد الظواهر الإنسانيَّة الكبرى كالثورات ونشوء الحضارات، وبروز المذاهب والتيارات الأيدولوجية مما يدخل في بحثه جميع فروع الدراسات الإنسانية والفنية".

ويُتابعُ أنَّه بمعنى آخر تحوَّلَ من الدراسات الفلسفية إلى الدراسات النقدية الفكرية الأدبيَّة الشاملة، ومثال ذلك كتابات إدوارد سعيد، ومحمد أركون، ومحمد جابر الانصاري، وعبد الله العروي وغيرهم، منوِّهاً إلى أنَّ النقدَ "صار منهجاً واسعاً لا ينتظرُ نصوصاً إبداعية لكي يتحرك وينتج، لأنَّه يتعامَلُ مع نشاطات الإنسان ونصوصه ووسائل تعبيره المختلفة ويتعامل مع حركة المجتمعات".

ويذْهَبُ إلى أنَّ التحوُّلات على صعيد مكانة القصة والرواية تجري "على مستوى الإبداع العالمي، حيثُ الروايَةُ ديوان العالم اليوم"، مشيرا الى كتابات كثيرة من قبل "نقاد في العالم تتحدث عن تراجع الاهتمام بالقصة القصيرة لصالح الرواية، وترسم صورة يكتنفها الغموض بخصوص مستقبل القصة، وتحاول أنْ تسبر الأسباب التي أدَّت إلى هذا الواقع.

ويقول على الرغم من أن "عوامل النشر والترجمة والجوائز التي تخصص للرواية وتحتفي بالروائيين تلعب دوراً رئيساً، إلا أن معظم هذه الاسباب خارجة عن جوهر فن القصة ذاتها"، معتبرا أن القصة لديها من الحيوية ما يجعلها "قابلة للتطور والاستمرار والتجاوب مع التجريب واستكشاف آفاق أخرى لتطوير اسلوب القص واستخدام تقنيات حديثة في بنائها".

ويؤكد أنَّ "ازدهار الرواية ليس حقيقة دائمة أو ثابتة حيث مرت الرواية الغربية في الستينات والسبعينات بتراجعٍ حدا ببعض النقاد وخاصة في بريطانيا مثل آلان ماسيه وجايلز غوردون وبيرنارد بيرغونزي الى القول إنها "فقدت زخم حضورها ومعناها ولذتها".

ويعتبر الرواية اليوم في ازدهار مرة أخرى بفضل ما يتوفر لها من "حوافز وتطور في وسائل الاتصال الحديثة التي تعزز الذاتية في هذا العصر، حيث ساهمت ثورة الاتصال وشبكة المعلومات في تعزيز حضور النثر وخصوصاً السرد على حساب الشعر".

وفيما يتعلق بالمنطقة العربية يقول "كانت فترة الستينيات والسبعينيات فترة طغيان الشعر على الانواع الأخرى، أما الآن فنشهد زمن الرواية"، رائيا أن العامل الاهم الذي ساهم في ازدهار الرواية العربية قبل غيره هو "اتساع حركة الترجمة والتي كانت المفتاح الى بروز مشاريع الجوائز والتفرغ الابداعي والدعم الاكاديمي الجامعي".

وفي جانب النقد الانطباعي والمتخصص يشير الى أنه في معظم الصحف الغربية وحتى العربية هناك كتاب ونقاد يقومون بعرض الكتب بقراءات نقدية انطباعية تتناول عموم "العمل الابداعي بما يقرب الصورة للقارئ ويضعه في مناخ العمل "مقرا بأهمية هذا النوع من "النقد المهم في الصحافة".

أما مجالات النقد المتخصص فيراها "الدراسات التي تقدم في المؤتمرات والندوات وتنشر في المجلات الأدبية والأكاديمية المتخصصة، وتسعى الى أن تكتشف مواضيع وعلاقات ودلالات وظواهر وقضايا في العمق بما تحتاجه من خبرة واطلاع ومقارنات ومقاربات تستند الى خبرة لغوية ومعرفية وفكرية".

ويخلص في هذا السياق إلى أن "النقد الانطباعي يقول للقارئ في عجالة ما اراده المؤلف أو ما يظن الناقد أن المؤلف أراد أن يعبر عنه. هذا النوع من النقد مهم لعموم القراء، أما النقد المتخصص المستند الى مناهج البحث والتحليل والاستنتاج فهو ضروري ومهم للقارئ المتخصص والمثقف الباحث ومبدع العمل نفسه ليرى ما يراه الآخرون في أعماله".

وفيما اذا كان يلوح في داخله بارق رواية يكشف عن أنه لا يفكر في أن يبقى "راهباً في معبد القصة! أو أن يتزوجها زواجاً كاثوليكياً، فليس بالقصة وحدها يحيا الانسان" معلنا "بعد أن ترى مجموعتي الثالثة النور، سأخوض تجربة الرواية".

ويتابع "إن نفَسي القصصي وبشهادة بعض الاصدقاء من كتاب القصة والرواية "مثل جمال ناجي ومحمود الريماوي وهدية حسين"طويل وقريب من الرواية"غير مقلل من حقيقة أن القصة بالنسبة له "عالم كامل رغم مساحته الضيقة وتكثيفه، فالقصة أكثر من لحظة دهشة ومفارقة. لا بد من الايجاز والتكثيف والمفارقات.

ويشير إلى ما يراه د. محمد عبيدالله في حديثه عن مجموعته الثانية، من نزوعه الى تناول الحدث "بأبعاده الخارجية والداخلية وتركيزه على عوالم النفس الداخلية" ما يفسر تركيزه على القصة السيكولوجية، حيث يهتم بتجسيد الظلال النفسية والتفاعلات الداخلية وابراز الاحاسيس والمشاعر والتأملات الفلسفية"، وهذا ما يجعلني "قريباً من عالم الرواية".




مقالات في النهار والقدس العربي


بين الجسد والجسر
في "حوض مالح" لحسين نشوان
نشرت في جريدة النهار اللبنانية يوم الثلاثاء 6/4/2011
رابط المقال بصحيفة النهار

الفائزة بجائزة بوكر البريطانية للعام 2010 
مسألة فينكلر.. رواية كوميدية لكنها خطيرة
نشرت في صحيفة القدس العربي يوم الخميس 7/4/2011
رابط المقال بصحيفة القدس العربي

الخميس، أبريل 7

اياد نصار يوقع مجموعته "قليل من الحظ" في المركز الثقافي العربي


قراءات نقدية لحسين نشوان وسلطان الزغول 
في مجموعة "قليل من الحظ" لاياد نصار

حفل توقيع وقراءات نقدية في مجموعة "قليل من الحظ"


قراءات نقدية وتوقيع "قليل من الحظ" في المركز الثقافي العربي
بمشاركة الناقدين حسين نشوان وسلطان الزغول

اياد نصار يوقع مجموعته الجديدة في المركز الثقافي العربي


نشوان والزغول: "قليل من الحظ" تقترح منهجاً معرفياً للسؤال الوجودي لمعنى الحياة

مشاركة في ملف حول الادب البوليسي للمجلة العربية





في مشاركة في المجلة العربية حول موضوع الادب البوليسي

النقد الغربي لم يحتفِ بالأدب البوليسي

يقول القاص والناقد إياد نصار: إن الرواية البوليسية هي ذلك النوع من الروايات الذي يعنى بتقديم عالم الشر المرتبط بالنوازع الإجرامية لدى الإنسان من خلال توظيف الأسرار الغامضة الخفية لعالم الجريمة والتحقيقات الجنائية التي ترافقها، وتقديمها في بنية سردية مع ما يكتنفها من تشويق وإثارة من خلال الكشف عنها تدريجياً، بما يحفز رغبة القارئ في إشباع رغبته لمعرفة كنه هذا الجانب. مضيفاً: إن الرواية البوليسية تتسم بالتركيز على صوغ حبكة تمتاز بالتعقيد والتشابك والميل إلى الفعل أكثر من التأملات النفسية والفلسفية لعالم الإنسان الجواني، وتعتمد على قوة الحدث واستمراريته على نحو يخلق الإحساس بحركية الرواية والانتقال عبر المكان والزمان بما يضمن شد انتباه القارئ للمتابعة.

ويرى نصار أن الأدب البوليسي رغم ازدهاره عالمياً من حيث الانتشار والتوزيع الهائلين، ووجود الجوائز التي تكرم كاتبيه، والصحف التي تعرض لمثل هذا النوع من الكتابات، إلا أن الأدب البوليسي، وأقصد هنا القصة والرواية، لم يحظ بمكانة كبيرة في الأدب الغربي نفسه، فيما يتعلق بالدراسات النقدية.

ويؤكد أن: الأدب البوليسي أو أدب الجريمة بشكل عام، سواء في الأردن، أو الأقطار العربية، لم يحظ بمكانة أو انتشار أو حتى اهتمام نقدي إلا فيما ندر، وهناك عدة أسباب موضوعية لذلك، حيث يستلزم الأدب البوليسي وجود مجتمع مدني متطور، يمتاز بتعقيد الحياة المدنية، وتعدد العلاقات الاجتماعية والمهنية والعاطفية والإنسانية، وتضارب المصالح، والصراعات حول المادة والمكانة التي تنشأ عنها بالضرورة مشكلات وجرائم ذات دوافع مختلفة. أما المجتمع العربي فحتى وقت قريب كان يمتاز بأنه مجتمع ريفي قروي أو بدوي في أغلبه، وأما المدن فكانت تمتاز بصغرها، وقلة عدد سكانها، الذين تجمعهم روابط اجتماعية أو عائلية قوية.

ويتابع صاحب المجموعة القصصية (قليل من الحظ): من ناحية أخرى فإن هذا النوع من الأدب يعتمد على فكرة انتشار الجريمة حتى تصبح مظهراً مألوفاً من مظاهر حياة المجتمعات المعاصرة، ورغم انتشار الجريمة كثيراً هذه الأيام، وارتفاع وتيرتها في مجتمعاتنا، إلا أنها ظاهرة حديثة لم تتعمق بهذه المعدلات العالية إلا في أواخر الثمانينات من القرن الماضي مع الأزمة الاقتصادية الحادة، التي عصفت بالأردن عقب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وهبوط الدينار بشكل حاد، وانتشار الفقر والفساد وبروز الفوارق الطبقية الحادة بين أغلبية فقيرة وأقلية ثرية، وتدهور الطبقة الوسطى.

وفيما يتعلق بتصنيفات الأدب البوليسي يقول: إن هنالك مشكلة في التصنيف قائمة وموجودة في الأدب الغربي قبل أن تكون مشكلة نقدية لدينا. يعد بعض النقاد الأدب البوليسي جزءاً من أدب الجريمة بمفهومه الواسع، وتندرج تحته روايات التحري والشرطة السرية والمباحث، وهناك روايات مستمدة من أروقة المحاكم وملفات القضايا ذات الطبيعة الإنسانية المأساوية التي تستدر عاطفة الإنسان واستغرابه وحزنه وذلك إما لوحشية المأساة التي تجعل من قلب الإنسان أقسى من أكثر الحيوانات المتوحشة افتراساً، وإما لفداحة الظلم والإجحاف الذي لحق ببعض الناس الى حد يكاد العقل لا يتصور أنه يمكن أن يقع. مشيراً إلى أن هناك روايات النزاعات القانونية وصراعات المحامين والمدعين وما يترتب عليها من معارك قانونية ضارية ومضنية من مواجهة النصوص القانونية والذرائع والقوانين والتشريعات التي قد تحيل حياة الإنسان إلى جحيم إذا دخل دهاليزها المظلمة. غير أن هناك من يرى الأدب البوليسي جزءاً من أدب الغموض والإثارة عامة، الذي يشمل أيضاً روايات التجسس والمؤامرات السياسية والنشاطات العسكرية السرية.

* نشرت في المجلة العربية عدد شهر نيسان / أبريل 2011

الجمعة، أبريل 1

حوار اياد نصار في جريدة الدستور

في حوار مع جريدة الدستور الأردنية بتاريخ 1/4/2011

 
اياد نصار: الادب العربي بدأ يحقق حضوراً لافتاً في الدوائر الأكاديمية في الغرب

القرن الحادي والعشرون سيكون قرن الحداثة للعالم العربي

حاوره عمر ابو الهيجاء

يرى القاص والناقد إياد نصّار أن الأدب ينبغي أن يكون مرآة النفس، ويعبر عن حالاتها أمام القوى العاتية، ويذهب إلى القول بأن القصة القصيرة في حالة تراجع على مستوى العالم ككل أمام زحف الرواية. «الدستور» التقت القاص نصّار بمناسبة صدور مجموعته القصصية الثانية، «قليل من الحظ»، التي تأتي بعد مجموعته الأولى، «أشياء في الذاكرة»، وحاورته حولها، وحول قضايا القصّ والترجمة والنقد، فكان هذا اللقاء.

• وصف الناقد د. محمد عبيدالله مجموعتك القصصية الجديدة بأنها تدخل في توصيف القصة النفسية أو السيكولوجية، كيف تلملم أطراف قصتك ضمن هذه الرؤية؟

- القصة أكثر من اقتناص لحظة داهشة لحدث يحمل دلالات مكثفة ومعاني رمزية، في سياق البحث عن متعة التكوين الإبداعي أمام تحديات جماليات البناء الفني، ومهارات التشكيل، ولعبة اللغة المعاندة، وضبابية الرؤية، وهي في طور البحث عن جوهر التجربة الإنسانية. ينبغي أن تدخل القصة عالم النفس الداخلي وتستشف ما يدور فيه من هواجس مختلطة من إحباطات الإنسان وانكساراته وأحلامه وتطلعاته وهمومه. فالصراع الحقيقي للأحداث والأفكار يجري في العالم الباطني قبل أن يتجسد في الواقع، ويرسم ملامح اختيارات الإنسان ومصيره. وإذا كان القرن العشرون قد شهد بروز تيارات الشك والتمرد ورفض الثابت والثورة على التقليد وتوسيع حدود التعبير إلى اللامعقول والعبثي والفوضوي والسوريالي والغرائبي، فإن ذلك كان انعكاسا للصراعات النفسية التي مر بها الإنسان الغربي، ويبدو لي أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الحداثة للعالم العربي، فقد تعمقت فيه المشكلات على كل الأصعدة، وتنذر بواكيره بصراعات محتدمة وتغييرات هائلة في المنطقة، وسيعاني فيه الإنسان العربي ـ على نحو حاد وخطير ـ القلق والخوف والشك وغياب اليقين وعجز الفكر الميتافيزيقي، ويصبح فريسة الخوف من المجهول. ينبغي أن يكون الأدب مرآة النفس في حالاتها المختلفة، ويعبر عن معاناتها أمام هذه القوى العاتية. ولهذا أسعى لوضع القارئ في هذه الأجواء، وأعمّق إحساسه بالجانب السيكولوجي للأزمات، فكل قصة تطرح أزمة من أزمات الإنسان المعاصر.

• إلى أي مدى تتدخل أدواتك النقدية في صوغ قصصك القصيرة، أي هل يتصدى الناقد فيك للقاص في لحظة تجلياته؟

- عندما أكتب القصة فإن القاص والناقد في حالة حوار دائم حول النص وأساليبه ومضامينه، وتصل حد التنازع والرفض، لكني أعترف أن الناقد يغلب في النهاية. أتعامل مع نصي كما أتعامل مع نصوص الآخرين، بل أقسو عليه أكثر. وفي أحيان كثيرة أتعمد أن أهجر النص عدة من أيام كي ينسلخ القاص عنه، ويتحرر من تأثيراته النفسية التي يجعله يتمسك به، حينها يشعر الناقد في داخلي بحرية أكبر في التصرف. غير أن كتابة القصة عملية لا تنتهي بوضع الكلمة الأخيرة، بل تبدأ كتابة القصة الحقيقية، أحيانا كثيرة، بعد نقطة النهاية، وأحيانا يعز علي التخلص من هذه الزوائد والإضافات، وخاصة إذا كانت مقاطع كبيرة. وأذكر أنني صنعت، مرة، قصة مترابطة من كولاج مقاطع محذوفة من قصص أخرى، فكانت قصة بديعة ونشرت في إحدى الصحف، وأعجب كثيرون بها. النقد يفتح لي آفاق أوسع في التجريب، ويحررني من القوالب الكلاسيكية أو الكتابات الفوضوية سواء بسواء. ولقد لمست أن انغماسي في النقد قد سرّع من نضوج التجربة وتطوير لغتي القصصية وبنائها الفني. تأثرت بأساليب القصة الغربية أكثر من القصة العربية، وعلى عكس الانطباع السائد، فإن القصة الغربية منضبطة أكثر تجاه اللغة والقالب القصصي. بعض مما يصنّف تحت باب القصة في الكتابات العربية، وخاصة الأردنية الحديثة، هو شغب سردي أو تهويمات حرة أو كتابات متشظية بلا هوية، وهي في مكانة حائرة بين قصيدة النثر والقصة.

• بوصفك ناقدا، هل لنا أن نقول معك إن هناك ملامح واضحة لقصة قصيرة في الأردن، بمعنى هل نجحت القصة في تقديم إجاباتها المقنعة ضمن المشهد الثقافي الأردني؟

- تطورت القصة القصيرة في الأردن منذ وقت مبكر، وبرزت أقلام رائدة تكتب من واقع حياة الناس، وكانت كتاباتها متقدمة شكلاً ومضموناً. لكن القصة القصيرة في حالة تراجع على مستوى العالم ككل أمام زحف الرواية. وأظن أننا ـ في الأردن ـ نمر بفترة شبيهة، فقد تحول كثير من كتاب القصة المعروفين إلى الرواية، ورغم أنهم ما زالوا يكتبون القصة بأقلامهم بين حين وآخر، لكن قلوبهم مع الرواية. ورغم أن الرواية أكثر انتشاراً من حيث اهتمام الصحافة والجوائز وأرقام البيع، لكني أزعم أنها لا تعكس زيادة حقيقية في القراءة، وأعتقد أن القصة ما تزال أكثر مقروئية من الرواية لدى القارئ العادي في بلادنا. وأخشى أن أكثر من يقرؤون الرواية، هذه الأيام، هم الكتاب والنقاد أنفسهم. القصة القصيرة فن جميل وله إمكانيات للبقاء والتطور، وأؤمن أنه لن يفنى مهما تعرض لحصار من جانب فنون أخرى. طالبت، في أكثر من مناسبة، بإقامة نادي القصة القصيرة الأردنية، وأن يكون له مقر خاص به، وهيئة إدارية ترعى شؤونه، وتفتح العضوية فيه لكتاب القصة كافة: القدامى والجدد. وأعتقد أن الصديقين: عدي مدانات، ويوسف ضمرة من أشد المؤمنين بهذه الفكرة، لكن عدم توفر المكان والإمكانيات المادية يحول دون إقامة النادي الذي أعتقد أنه سيسهم في ازدهار القصة الأردنية.

• في ظل ثورة المعلوماتية، ما الذي يمكن أن يستفيد منه المبدع من خلال زخم الترجمات لأشكال مختلفة من الأدب العالمي؟ هل الترجمة ضرورة لتنمية الإبداع؟

- إن تطور الكتابات السردية العربية الحديثة وخاصة في العقدين الأخيرين يعود ـ في جانب كبير منه ـ إلى اهتمام الكتاب العرب بالاطلاع على تجارب إبداعية أخرى من العالم، من مثل: الآداب الغربية، وآداب أميركا اللاتينية، وأفريقيا، ما ساهم في ابتعادهم عن الأشكال التقليدية للروايات الاجتماعية والسياسية. ويتيح الاطلاع على الترجمات المجال للكاتب ليطور أساليبه ومهاراته السردية، ويفتح عينيه على أشكال ثورية جديدة للتجريب والتطوير، كما يفتح المجال أمامه لمعاينة أهمية الترجمة في تعريف القراء والنقاد به في دول العالم الأخرى. هناك إدراك واسع بأهمية الترجمة، وبدأ الأدب العربي يحقق حضوراً لافتاً في الدوائر الأكاديمية في الغرب، لكن ينبغي أن نقر بأن الاطلاع على الترجمات والتقنيات المعلوماتية تسهم إلى حد كبير في تنمية أساليب الإبداع، ولكن قد لا تعني بالضرورة تحقيق ازدهار أو طفرة في الفن السردي. الهنود من أكثر الشعوب اطلاعاً على الترجمات، ويقرؤون كثيراً، بحكم انتشار الإنجليزية في بلادهم، الآداب المكتوبة بالإنجليزية، لكن الإبداع الهندي غائب عن الساحة العالمية، في حين أن الأدب الأفريقي وأدب أميركا اللاتينية أكثر ازدهارا، رغم قلة الاطلاع على الترجمات مقارنة بالهند.

رابط الحوار بصحيفة الدستور

رابط الصفحة الكاملة (انتظر ريثما يتم تحميل الصفحة)



توماس ترانسترومر.. الشعر ذلك اللغز الكبير


توماس ترانسترومر.. الشعر ذلك اللغز الكبير

اياد نصار

* نشرت في الملحق الثقافي بجريدة الرأي الأردنية بتاريخ 25/3/2011

كانت هناك توقعات كبيرة أن يفوز الشاعر السويدي الكبير توماس ترانسترومر Tomas Tranströmer بجائزة نوبل للأدب في العام الماضي. لا بل إن موقع لادبروكس الذي يتيح المراهنات على جائزة نوبل قد ذكر أن فرصته في الفوز بها كانت واحداً الى خمسة، متقدماً على الشاعر السوري الكبير أدونيس، والشاعر البولندي آدم زاجاجيفسكي والشاعر الكوري الجنوبي كو أون. وكان الظن بأن شاعراً سيفوز بها مبعثه أن نوبل قد غابت عن الشعر مدة ستة عشر عاماً عندما منحت لآخر مرة في عام 1996 للشاعرة البولندية فيسلافا شيمبورسكا. والى جانب ترانسترومر، كانت هناك توقعات أن يفوز بها الشاعر الدنماركي انجر كريستنسن، لكنه توفي قبل موعد الجائزة.


ولا أعرف إن كان ترانسترومر البالغ من العمر ثمانين عاماً (1931) سيظل على قيد الحياة ليدخل المنافسة مرة أخرى، فهو مريض للغاية نتيجة الجلطات التي أصيب بها منذ عام 1990، وفقد القدرة على النطق وعلى تحريك يديه. وقد ألف عدد من الموسيقيين السويديين مقطوعات موسيقية وأهدوها له كي يعزفها على البيانو، علها بذلك تساعده على استرداد القدرة على تحريك أطرافه. وفي السنوات الأخيرة صار يؤلف مقطوعات شعرية قصيرة "هايكو"، والتي تأخذه عدة أيام وبمساعدة زوجته حتى يؤلف قصيدة قصيرة منها. ولذلك يبدو أنها فرصة اللحظة الأخيرة. وسواء أحصل على نوبل أم لا، وسواء أبقي على قيد الحياة حتى يحين موعدها، أم لا، فإن تجربته الشعرية الحداثية الطويلة التي تمتد أكثر من نصف قرن، والتي قدم خلالها خمسة عشر ديواناً، قد رسخت مكانته في الشعر العالمي. وستبقى أوراقه معلقة بذاكرة الشعر، وكما قال في إحدى قصائده النثرية: إنني شجرة قديمة ذات أوراق ذابلة لكنها تبقى معلقة ولا تسقط على الأرض".

يعد ترانسترومر المولود في استكهولم والذي فرض حضوره على مشهد الشعر السويدي منذ خمسينيات القرن الماضي، أشهر شاعر الآن يمثل اسكندنافيا في شمال أوروبا. وقد ترجمت أشعاره الى خمسين لغة. وصدرت أعماله الكاملة في تسع عشرة لغة. يتسم شعره بالصور السوريالية، حيث جموع الناس تصبح مرآة ذات سطح خشن، وظلال الأشجار أرقاماً سوداء، وحيث شحاد يحمل شحاداً آخر بلا قدمين على ظهره، وسيارت تمر في الظلام فتتحول الى أطباق طائرة.

يسير ترانسترومر على تقاليد شعراء سويديين آخرين من أمثال جونار ايكيلوف، وفيرنر آسبنستروم، بالإضافة الى شعراء الحداثة الفنلنديين الذين يكتبون بالسويدية مثل ايديث سودرغران وجونار يورلنغ، وقد قال ناشره البريطاني نيل آستلي بأن شعره رغم بساطته إلا أنه ليس سهلاً على الترجمة بما يتضمنه من طبقات الصوت والمعنى، وبما يعكس مشاهد الطبيعة الاسكندنافية، ولهذا لم يكن الشاعر راضياً عن ترجمات شعره الى الانجليزية الا تلك التي قام بها روبين فولتن. وفولتن متخصص بترجمة شعر ترانسترومر منذ ثلاثين عاماً، وترجم كل مجموعاته لغاية الآن. أما الآخرون من المترجمين فقد مزجوا في ترجماتهم بين ما يترجمونه وأصواتهم وأحاسيسهم الشعرية أو أضافوا عناصر لم تكن في الأصل وهو ما شوه شعرية قصائده.

وفي السنة التي أصيب فيها بجلطة لأول مرة، قد أصدر كتابه النثري الذي يتضمن مذكراته "للأحياء والموتى"، وقد مرّ نتيجة المرض بعدها بفترة من الصمت، استمرت حتى عام 1996 حينما عاد بمجموعته "الجندول الحزين". وقد أصدر منذ ذلك الحين عددأ من المجموعات الشعرية، من أشهرها "اللغز الكبير" في عام 2004، والذي ضم خمس قصائد قصيرة، وعدداً كبيراً من قصائد الهايكو القصيرة جداً. ومن ديوانه "اللغز الكبير" اخترت وترجمت مقاطع الهايكو التالية:

-1-


دير

ذو حدائق معلقة

صورُ معركة

الأفكار تقف بلا حراك

مثل قطع الفسيفساء

في ساحة القصر.

على طول المنحدرات

وتحت الشمس – كانت الماعز

ترعى النار.

واقفاً على شرفة

في قفص من أشعة الشمس -

مثل قوس قزح.

مثل طنين في السديم.

هناك، زورق صيد بعيد -

تذكار يطفو على المياه.

-2-


أكمة باردة من الصنوبر

على الأرض المأساوية ذاتها

دائماً وأبداً.

يحملها الظلام.

رأيت ظلاً هائلاً

بعيني الاثنتين.

هذه المعالم

قد انطلقت في رحلة.

اسمع صوت يمامة الغابة.

-3-

يستريح كتاب الموعظة

على رف في مكتبة الحمقى

لم يمسسه أحد.

زادت سعادتي

وغنت الضفادع في مستنقعات

بوميرانيا*.

إنه يكتب، يكتب...

وطفحت القنوات بالصمغ.

البارجة تسير عبر نهر ستايكس**

اذهب بهدوء مثل المطر

قابل الاوراق الهامسة

اسمع صوت جرس الكرملين.

-4-

فُتح السقف

يرانى الميت

هذا الوجه.

حدث شيء ما.

أضاء القمر الغرفة.

عرف الله به.

اسمع أنين المطر

إنني أهمس سراً ليصل

إلى هناك.

مشهد على المسرح

يا له من هدوء غريب –

الصوت الداخلي.

* مقاطعة في شمال غرب بولندا كانت جزءا من ألمانيا

** نهر في العالم السفلي الى حيث تحمل أرواح الموتى

ولد توماس في استكهولم عاصمة السويد لأب صحافي وأم تعمل مدرسة لم يلبثا أن انفصلا. قضى الشاعر جزءاً من طفولته مع أمه على جزيرة رنمارو، وقد عكس مشاهدها الطبيعية الخلابة في أشعاره وخاصة مجموعته المسماة "البلطيق" في عام 1974. كان توماس يحب دراسة الآثار والاكتشافات في صباه، غير أنه سرعان ما تحول اهتمامه الى علم النفس والشعر والموسيقى وخاصة البيانو، وقد تخرج في جامعة استكهولم في عام 1956 في تخصص علم النفس. وقد عمل بعدها أخصائياً نفسياً في مؤسسة لرعاية الأحداث المنحرفين.

تفتحت موهبته الشعرية في سن الثالثة والعشرين حينما أصدر مجموعته الأولى "سبع عشرة قصيدة" في عام 1954. وقد تحول من شعر الطبيعة التقليدي في سن العشرينيات الذي كان يتسم به الشعر السويدي بنزعته الجمالية إلى شعر أكثر ذاتية وسوداوية. ومنذ مرحلة مبكرة في مشواره الأدبي أخذ يميل الى التجريب في الأوزان والصور، وأغلب أعماله من الشعر الحر. وقد تتابعت مجموعاته الشعرية بعد ذلك بأجوائها السوريالية التي تركز على الصورة وخاصة المستوحاة من الطبيعة في إطار غير مألوف كمفتاح الى الفكرة الفلسفية التي تظهر كومضة مثل "أسرار على الطريق" في عام 1958، و"نصف سماء منتهية" في عام 1962، و"النوافذ والحجارة" في عام 1966 و"المسالك" في عام 1973، وقد تأثرت دواوينه اللاحقة وخاصة "نصف جنة منتهية" الذي أصدره في عام 2001 بأسفاره الكثيرة الى دول البلطيق وإسبانيا وإفريقيا والولايات المتحدة. وآخر أعماله التي صدرت في العام الماضي 2010 كان بعنوان "صوت يقول أن الحرية موجودة".

وظف الشاعر تجاربه الذاتية ودراسته في علم النفس ومشاهداته في شعره، حيث يبني القصيدة حول صورة تبدو خادعة لكنها تفتح الباب أمام التأملات النفسية واستبطان العالم الداخلي والتفسيرات الميتافيزيقية كما في ديوانه "رؤية ليلية" الذي أصدره في عام 1970. وصار ينحو شعره نحو إدراك سر الموت والحياة والمجهول والعدم والتسامي الى عالم الفكر، وكان يأمل دائماً في الوصول الى ما سماه "السلام الكوني". يقول في قصيدة "فيرمير":

السماء الأثيرية قد أخذت مكانها

مستندة الى الجدار

إنها مثل صلاة للفراغ

والفراغ يدير وجهه الينا

ويهمس

"أنا لست فارغاً، أنا مفتوح".

تبدو في شعره صور البيئة المحيطة بالمكان في حركة وتغير وصراع كأنما تصبح آلهة ورموزاً من الأساطير الاسكندنافية، حيث البحر والبر في صراع دائم، يأخذها الشاعر الى آماد أبعد من الرمزية في الصراع بين الحرية والكبت، والطبيعة والوجود الانساني، وخاصة في قصائده في مرحلة السبعينيات عندما كانت دول البلطيق جزءاً من الاتحاد السوفياتي. يقول في إحدى قصائده:

"أنا المكان

حيث يصنع الوجود نفسه من هناك"

وفي قصيدة "شوارع في شنغهاي" فإن نشوة الجموع تعكس عالماً داخلياً من الحزن الأسود:

نبدو كأننا سعداء تحت الشمس

بينما ننزف حتى الموت

من الجروح التي لا نعرف عنها شيئاً

وفي قصيدة الجندول الحزين التي قدمها كنوع من التقدير لمعزوفات البيانو للموسيقار الهنغاري (ليست)، فقد صوّر "البرودة الخضراء للمحيط التي تغمر أرض القصر" والتي لها ذلك "العمق الذي يحب أن يغزو البشرية دون أن يظهر وجهه". في أعماله اللاحقة بدأ الشاعر بتوظيف الموسيقى في الشعر والمزج بينهما، حيث شعر بأن التعبير الإنساني بالكلمات له حدود يقف عندها، وهنا يأتي دور الفنون الاخرى وخاصة الموسيقى، وهذا ما نلحظه في أغلب مجموعاته التالية.

أخذ بعض النقاد على شعر ترانسترومر قلة اهتمامه بالقضايا السياسية التي شغلت شعراء جيله وتركيزه على القضايا التأملية الكونية ذات النزعة الغنائية بتأثير واضح في الأسلوب والمضمون من المذهبين التعبيري والسوريالي.

ومن الجدير ذكره أن الشاعر تربطه علاقة صداقة قوية بالشاعر الأمريكي روبرت بلاي، وقد نشرت رسائلهما في عيد ميلاده السبعين في كتاب تحت اسم "بريد جوي". وفي فترة السبعينات انتشر في أمريكا اتجاه شعري يدعى "الصورة العميقة". وقد اشتق الاسم الشاعران جيرومي روثنبيرغ وروبرت كيلي متأثرين بالصور التي اشتمل عليها شعر الاسباني لوركا والاتجاه الرمزي في الشعر. وقد كان شعر ترانسترومر المترجم الى الانجليزية أحد العناصر المهمة التي لعبت دوراً في تشكيل ذلك الاتجاه، حيث انتشر شعره على نطاق واسع في أمريكا. يقول ترانسترومر في كتابه "للأحياء والموتى": "يمشي الناس خلال غابات الرموز، والتي تنظر هي الأخرى بدورها اليهم وفي عينيها نظرة تحديق عارفة بكل شيء". وفي قصيدته "شوارع في شنغهاي" التي يدل عنوانها على حيرة الرموز يقول: "إنني محاط بالإشارات التي لا أستطيع تفسيرها". هذا هو عالم توماس ترانسترومر الشعري الذي تتجسد فيه عصارة تجربته وفكره، وكأني به يؤكد أن الشعر يبقى ذلك اللغز الكبير.

رابط المقال بصحيفة الرأي

رابط الصفحة الكاملة (انتظر قليلا ريثما يتم تحميل الصفحة)




قراءة في تجربة عبود الجابري الشعرية

الشاعر بين فهرس أخطائه وقمصانه الشعرية
إياد نصار

* نشرت في الملحق "شرفات ثقافية" بصحيفة الدستور الأردنية بتاريخ 25/3/2011

تمتد تجربة الشاعر العراقي ، عبود الجابري ، فوق ديوانين من الشعر ، وعدد من الإلقاءات الشعرية في عمان. أصدر ديوانه الأول "فهرس الأخطاء" ، في عام 2007 ، عن دار أزمنة ، ثم أصدر ديوانه الثاني "يتوكأ على عماه" ، في عام 2009 ، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. يحاول الجابري أن يجد له موطئ قدم بين الأسماء العراقية الكثيرة التي تمتلئ بها ساحة الشعر العربي الحديث. لم تكن مسيرته سهلة ، فقد انطلقت موهبته بعيداً عن أرض الوطن الذي خرج منه في العام 1993 ، ولم يعد بعدها ، حيث استقر به المقام في عمان وتزوج من أردنية. ولم تكن سهلة: لأن شعره نثري في إطار سوريالي ، يعيد تشكيل علاقات الأشياء ودلالاتها السيميائية ، ويقيم علاقات جديدة ، توظّف معانيْ وصوراً غير مألوفة ، وتعتمد أسلوب الدهشة في مجانسة الكلمات غير المتجانسة ، في وقت هيمن فيه الشعر السياسي على الفضاء الشعري العراقي ، وفي وقت استطاعت فيه الرواية أن تسجل حضوراً بارزاً لتناولها قضايا العراق الكبرى ، كمآسي الاحتلال ، والطائفية ، والموت العبثي ، وصراعات الأحزاب السياسية بعد الفوضى التي خلّفها الغزو.

يحتوي الديوان الأول على خمس وعشرين قصيدة ، تتوزع فوق ثمانْ وستين صفحة ، ما يعطي انطباعاًً أن معظم قصائد الجابري تنزع إلى القصر عموماً ، إذ يميل إلى الاقتصاد في جملته الشعرية ، بينما يحتوي الديوان الثاني على عشر قصائد. بيد أنه لا بد من الإشارة إلى وجود باقة من القصائد الفرعية الأخرى فيه ، والتي تنظمها ثيمة مشتركة ، ألا وهي القميص ، وقد أوردها ضمن ما سمّاه "كتاب القمصان"، الذي يشكل الجزء الأكبر من الديوان الثاني.

إن إحدى أبرز ميزات شعر الجابري هو لجوءه ، بشكل دائم ، إلى توظيف النص القرآني ، أو مأثور القول العربي ، في صورة حداثية جديدة تقوم على إعادة توظيف النص الأصلي ، شعرياً ، في إطار فني وسياق جديدين بما يناسب الجو العام للقصيدة ، والحالة النفسية التي تعبر عنها ، وكذلك مضامينها ومعانيها ، وبما يوحي بقدرة اللغة على أن تستوعب مأزق الفوضى في مشهد الواقع ، وأن تعبر ـ بدقة ـ عن تعقيدات حياتنا واضطراباتها ، مثلما تنم عن رغبة الشاعر في البحث عن هدوء النفس من خلال استرجاع الماضي الجميل ، وإعادة ترتيب أحلامنا المنهارة وآمالنا ، بما يشبه تشكيل اللوحة الفنية ، كقوله: "يقلب كفيه ذات اليمين.. وذات الخواء" ، وقوله "ويسعين بين الصفا.. والمرارة". ولا يقف الأمر عند مجرد استخدام مفردة في إطار جديد ، بل إنه يتعدى ذلك إلى توظيف الصورة التراثية ، أحياناً ، بكلّيتها المركبة ، وإن كان في سياق تأويلي أدبي عصري بما يحافظ على بلاغة النص الأصلي ، وينقل روحه إلى القصيدة ، ويضمن سلاستها وقربها إلى نفس القارئ. يقول في قصيدته "لم يمهله طويلاً" ، من ديوانه الثاني:

وإذ قلتُ لهُ:

ما ذلك بمرآتك؟

قالَ: هو عمايَ

أتوكّأُ عليه

وأهشُّ به على ما أرى

من الظلام.

ورغم أن جملته الشعرية مكثفة للغاية ، إلا أنها تنحو إلى الأسلوب السردي ، الذي يروي ـ بكلمات موجزة مثقلة بالمعاني والإسقاطات ـ قبسات من قصة إنسانية كبيرة بكل أبعادها النفسية. ويتسم شعره بالابتعاد كثيراً عن الوصف ، والميل إلى التحرش الفلسفي في إثارة الفكر لدى القارئ ، ودفعه إلى إدراك المفارقات التي تنطوي عليها حياتنا ، وإلى التحليل بعمق أكثر من مجرد التلذذ بإدراك الصورة. ولذلك لا ينشغل شعره بإثارة ارتباط القارئ بالقصيدة بصرياً ، أو بجمالياتها اللغوية التي تثير شهية الحواس ، بل في تقديم صور تأملية تركز على الأصوات وتأثيراتها في الإنسان أكثر من تركيزه على الألوان:

يجرحك قميصي المتغضن

وصلوات الورد في كل الجهات

وتجرحك البوصلة

وأنا أمير البسملات

التي أقشرها على جهاتك الطاغية

أحمل رعويتي

وبدائية الخزف المتكسر في صوتي:

أحمل عصاي

وأقود قطيع انكساراتي.

يسيطر على قصائد الجابري هاجس البحث عن المرأة الحلم ، التي لا يجدها في الواقع ، ولا في الشعر الذي فقد رقته في أجواء الخراب والخواء ، ويفتش عنها في بقايا المدن المنهكة ، ويحلم أن يجد المرأة التي تسمو فوق الشكل ، أو الظاهر ، لتدرك المعاني الدفينة في إلهامه:

وأحلمُ بامرأة

لا تجادلُ في النحو أو في البلاهة.

يعكس حضور الأم في عدد من القصائد إحساس الشاعر بالألم من صخب الحياة ، وبفقدان الأمل ، وينقل المعاناة من فضائها الشخصي إلى الفضاء العام:

فاحمليني ،

فقد تعبت هذه الأرض من صخبي

وجرّحها خيزران الطغاة..

لم تكوني هناك

فكوني هنا ،

عند مفترق الدرب ،

وامنحيني صلاتك

أو هدهديني..

يوظف الجابري ، في قصائده ، شخصيات أسطورية ذات دلالات ، من مثل "بينيلوب" زوجة أوديسيوس ملك إيثاكا ، التي ارتبط اسمها بالوفاء في الأسطورة اليونانية ، والتي تقول إنها انتظرت عودة زوجها عشرين عاماً ، غير أن الجابري يعيد تقديم الأسطورة بايحاء مكثف ، تماماً ، في صورة جديدة تعتمد وعي القارئ بالأسطورة ، كي يرسم إخلاص المرأة النموذج التي تعيش على أحلامها الذهبية.

عالم الجابري الشعري عالم من شظايا الحلم ، وبقايا الذكريات ، وصور الموت ، والخراب ، والقتل ، والخسارات التي لم تترك سوى أطلال من البشر. وهو

عالم يعتمد الصور المركبة المتلاحقة ، التي لا تمنح نفسها بسهولة ، وإعادة تكوين العلاقات بين الأشياء كقوله: "مقهى من أجل تكرير الجنون" ، وغيرها مما تمتلئ بها القصائد.

يتشكل عالمه الشعري من مفردات تتردد في أغلب قصائده ، وتمثّل ثيمات أساسية يعود إليها مراراً. وقد وجدت أنه كثير الارتباط بجزئيات من واقع حياة الناس اليومية ، وفضاءات مساكنهم ودروبهم ، كالجدار ، والنافذة ، والسور ، والنهر ، والمرآة ، والشوارع ، والريح ، والغيم ، والحرب ، والليل ، والسماء بأقمارها ونجومها.

رغم البعد الذاتي ، الذي يبرز في كثير من قصائده ، إلا أن البعد الجمعي حاضر دائماً ، ويتمثل في الإسقاط السياسي الرمزي ، الذي ينطوي على نقد شديد للواقع العربي ، وإحساس مرّ بسقوط الذرائع ، ودائماً يبدو الشاعر غير قادر عن الانفكاك من تأثير الجو السياسي العام ، حتى في قصائده الوجدانية ، فترى الحرب والدم والظلم والقمع ساكنة في زوايا قصائده ، مستفيداً من ظلال المناسبة ورمزيتها وألوانها في إعادة تقديمها في إطار عراقي سياسي إنساني أشمل. يقول في قصيدة "فالانتين":

بيننا...

شحوب الورد...

بانتظار حمرة الربيع المؤجل

منذ ثلاث حروب...

فلا تحزني....

كلّ شيء حولنا أحمر...

عيون الأمهات

ونشرة الأخبار

والشفق الذي كان قرمزياً.

يقدم الشاعر في قصائده ، من خلال إشارات عابرة ، أو وقفات متأنية ، تمثيلات شتى من فصول المأساة العراقية ، التي تنتهي ـ كما يراها ـ بالغربة والنفي ، وقد حمل العراقي معه إلى مدن غريبة بعيدة حزنه على الوطن ، وحزن الوطن المقتول على أبنائه. قصيدة "بلاد تضيق بأهلها" مسكونة بعشق الوطن الممتزج بالألم والإحساس القاسي بالضياع. تقدم القصيدة لقطات معبرة للوداع المر ، حيث يرحل العراقيون عن وطن توقف عنده الزمن ، يحملون معهم "مروحة سوداء من سعف محترق" ، ووتراً مراً ، وذاكرة امتلأت بحروب شبعت من الدماء ، و"قتيلاً يشاطر قاتله حزنه على البلاد".

يتسم شعر الجابري باستخدام البرقيات الشعرية ، التي تحمل صوراً من النقد لجوانب ثقافية واجتماعية من حياتنا ونفاقها الاجتماعي. كتب في قصيدة "ما تساقط من منقار العصفور":

تكريم

أيها الشاعر.. مت


مت.. فقط

لكي نسمي شارعاً يحمل اسمك..

يسعى الشاعر إلى توظيف الأساليب الحوارية والمسرحية في إطار من الرمز والغموض ، ولا يبذل أي جهد في توضيح الفكرة ، مفترضاً أن جمالية الشعر في غموضه وإيماءاته. وأعتقد أن القارئ يلمس في شعر الجابري شيئاً من المدرسة الأدونيسية ، التي تؤمن بأن الشعر عالم يستمد مبرراته وجمالياته من رمزيته ، وقابليته للتأويل ، التي تبتعد به عن التعبيرية العاطفية. تعكس قصيدة "تحولات الغرفة" جوانب من فلسفته الشعرية. تقدم القصيدة تحولات الواقع العربي في مشهد رمزي ثلاثي عند الصباح والمساء ومنتصف الليل. تجتمع أصوات شتى في الغرفة التي نكتشف أنها تتحول إلى ما يشبه السجن ، تتداخل الأصوات وتتقاطع ، حيث يعبر كل منها عن أزمة ، تجسد غياب تواصل الإنسان العربي مع الآخرين من حوله ، فكأنما تغتال الجدرانُ الأحلامَ ، وتحيل البشرَ إلى جزر متنافرة متباعدة.

تكتسب قصيدة "فهرس الأخطاء" أهمية كبيرة ، في الديوان ، لما تختزله من أسلوبه وهواجسه ، ولعل هذا ما يبرر تسمية الديوان باسمها. ترد كثيراً ، في شعر الجابري ، مسألة التحولات والصور العديدة التي يقدم بها الأشياء ، والتي تحمل معها معاني متعددة حسب زاوية النظرة ، وهذه إحدى أهم ميزات الشعر الحديث ، الذي يقارب الحقيقة بمنهج التأويل ، ومحاولة الفهم ، ورصد الاحتمالات ، وتعدد زوايا الرؤية ، والاختلاف في النظرة إلى الشيء ذاته ، فلا مقدس ولا حقيقة ثابتة أو مطلقة في الشعر سوى حقيقة الإبداع ذاتها ، التي لا يحكمها قالب أو منهج أو أسلوب واحد أو نظرة أو فلسفة بعينها. ولهذا جاء عنوانها الفرعي "احتمالات".

اذا كانت أغلب قصائد الديوان الأول قد كتبت خلال العام 2006 ، فإن أغلب قصائد الديوان الثاني قد كتبت في العام ,2009 لقد طرأت بعض التطورات على شعر الجابري ، من مثل الاستعانة بنصوص نثرية حكائية تستلهم أجواء التراث ، وتخصيص جزء كبير من الديوان في فصل سمّاه "كتاب القمصان" ، والذي جاء في حوالي ثلاثين صفحة. تقوم فكرة كتاب القمصان على إعادة توظيف المعاني التي ارتبطت بالقميص في التراث العربي واستلهامها ، من مثل: قميص يوسف ، وقميص عثمان ، وقميص الشهيد ، والتوسع في استثمار المعاني المرتبطة بالقميص ، واستخدامه في معان سياسية واجتماعية وأدبية معاصرة ، فصار هناك قميص فلسطين ، وقميص العراق ، وقميص مانديلا ، وقميص بغداد ، وقميص الحلاج ، وقميص المتنبي ، وقميص أبي ، وقميصي.. إلخ.

نلاحظ رغبة الجابري في ديوانه الثاني ، "يتوكأ على عماه"، في استكناه الدلالات المختلفة للمفردات وسبرها ، خاصة تلك التي ترتبط بالتفسيرات والتأويلات والتوظيفات اللغوية والمعرفية في عالم الإبداع ، وهذه احدى التحولات التي طرأت على تجربته الشعرية. في قصيدة "غيوم ورقية"، يلجأ الشاعر إلى تركيب استعارات شعرية متوالية تنطوي على النقد السياسي والاجتماعي من خلال استغلال المعاني ، التي قد ترتبط بالغيم في الذاكرة الجمعية العربية:

وحده الألم

نتمنى أن يكون غيمة عابرة
**

غيمة غاضبة...

أمطرتنا بوابلْ... من الرصاص
**

ما الذي سنراه

لو صارت الغيوم مرايا؟

رابط المقال بصحيفة الدستور

رابط الصفحة الكاملة (انتظر قليلا ريثما يتم تحميل الصفحة)