الجمعة، نوفمبر 12

رسالة


رسالة

قصة قصيرة
بقلم: اياد نصار
* نشرت في صحيفة قاب قوسين الالكترونية بتاريخ 10/11/2010

هل تذكر هل تذكر شقيقتي التي حدثتك عنها؟ عادت يوم أمس من السفر بعد غياب طويل. لا أعرف كيف مضى واحد وعشرون عاماً ولم أرها.

حفرت سنوات الشوق الطويلة عميقاً في القلب، وحينما أطلت بوجهها الباسم نسيتُ كل تلك السنوات الضائعة، واكتشفتُ لدي نبعاً لا ينضب من الحنين اليها. حينما تفتحت عيناي على وجوه البشر من حولي، لم تكن بينهم. صورتها مسنودة على طاولتي في إطار فضي منذ أن عرفت قيمة الصور. أراها تنظر الي دائماً.. ابتسامة وبقية من كلمات على شفتيها، وشعر كستنائي طويل منسدل على كتفيها. بين حين وآخر أمسك الإطار وأمسح الغبار الذي تراكم على الزجاج، فتشرق صورتها من جديد. كنت أسمع صوتها بين حين وآخر يأتي من وراء القارات، دافئاً، حنوناً، ورقيقاً كأنوثتها التي تفيض بها نظراتها. صارت صورتها رفيقتي منذ أن رحلت أمي. أتأملها في بعض الليالي لأعاين الشبه بيني وبينها. لطالما قالت أمي إنني أشبهها. حدسي ينبئني أننا نتوافق في أمور كثيرة، رغم أننا لم ننشأ معاً. كلامها (الصامت) وصورتها يوحيان بذلك.

بالأمس زارتنا أم صفوان للسلام على سناء. كان اللقاء حاراً دامعاً. عانقت سناء وهي تترحّم على أمي. لطالما حملت سناء وهي طفلة بين يديها. ذكرتني الزائرة بتلك الظهيرة الشتوية. كانت أمي مشغولة بإعداد الغداء. ملأت الطنجرة بالماء ووضعتها فوق الموقد، ثم وضعت فوقها مصفاة حديدية مشبّكة، وألصقت لباناً حول المصفاة لتسد منافذ البخار. يتصاعد البخار من الطنجرة، فينضج المفتول. سهت أم صفوان عني.. مددت يدي، أحسست بلسعة. مزقت صرخة مفاجئة من الالم هالة السكون. أخذت أبكي وأصرخ دون توقف. غضبت أمي. خرجت أم صفوان مغضبة ولم تعد. لم تدخل بيتنا طيلة سنة كاملة، وحينما عادت بعدئذ إستقبلتها أمي بالأحضان. أقول لأم صفوان باستمرار: عندما أنظر الى الوشم في يدي أتذكرك.

فرح أبي بعودة سناء. كعادته حينما يأتي غائب، نزل الى السوق وإشترى فوارغ ومقادم. بقيت طيلة النهار منشغلةً في تنظيفها وتحضيرها وطهيها. أكره هذه الاكلة وأعجب كيف كانت تستهوي أمي. لكن أمي كانت صبورة. تذوب كالشمعة في صمت دون أن يحس بها أحد. في كل مرة كان زوج سناء يتصل بنا من أوهايو، كان يقول إنه يحنّ الى تلك الايام التي كانت تصنع أمي لهم تلك الأكلة. بعد أن رحلت أمي لم يعد يأتي على ذكرها. لا أظن أنه كان يفعل ذلك بدافع الذكرى، فأنا أعرفه جيداً. لا ذكريات لديه سوى ذكريات محلاته هناك، أراح واستراح!

حبيبي جابر، هل سأقدر، يا ترى، أن أرحل عن البيت مثل سناء؟ أفكر كثيراً بالامر. لقد نشأتُ في هذا البيت، وصار عالمي الذي لا أعرف سواه. مرت بي أيام طويلة شعرت بها بالوحدة فيه، وتمنيت الخروج منه، لكنني لم أعد أجرؤ حتى على التفكير بذلك. صار حريتي وسجني، جنتي وناري. هل سأطيق سنوات الغربة مثل سناء؟ ذهبتُ مرة الى بيت خالتي في العقبة، لأمضي عندها الصيف، بت هناك ليلتين. أحسست بالاختناق والحنين. لم أستطع المكوث بعيداً، فعدت.

صارت غرفتي عالمي الصغير. فيها كل شيء. سأصف لك بعض ما فيها، لتعرف كم تعني بالنسبة لي. أمامي مكتبتي التي صارت نافذتي على الدنيا. والى جانبي تلفاز يؤنس وحدتي في أمسيات الشتاء القارسة. تطل نافذتي على الحي الصاخب الذي لا يهدأ. منظر كئيب يصيبني بالإحباط. في أمسيات كثيرة أقف أمام النافذة وأسرّح بصري بعيداً، وأتخيل زرقة البحر أمامي، تتكسر أمواجها عند الشاطيء. ستائر غرفتي شفافة سكرية اللون ذات ثنيات جميلة. وخلفي على الحائط لوحة زيتية شرقية ذات إطار أزرق، وتحتها سريري بأغطيته ووسائده الزرقاء الزاهية. أحببت اللون الأزرق منذ كنت صغيرة. يتلاءم مع إحساسي الفطري بالحزن. ومن حولي تُحَف خشبية من صنع يدوي. بجانب الباب درسوار له مرآة صغيرة طويلة، وعلى سطحه اللامع صورة أمي وأبي في يوم زواجهما. أرى فيها عالماً مفقوداً لم أعد أحس أنه بقي منه شيء في زماننا. تمتزج الألوان والفنون والصور في كل زواية فيها، كما لو كنت معي الآن لتراها. لترى لوحاتي التي رسمتها وألواني وفراشي الرسم. على طاولتي لوحة عباد الشمس التي صارت جزءاً مني. وهنا أزهار الخزامى التي أحتفظ بها في كيس ملون، وهناك مكتبي الصغير وفوقه صورة سناء وزرافتي التي تؤنس وحدتي، والى اليسار ألعابي التي أحتفظ بها منذ صغري. وهذه هنا سفينتنا الخشبية بأشرعتها التي سنسافر فيها!.

تصور أني اشتريت تحفاً لأسطورة صينية. أحب عالم الاساطير. جابر، هذا هو عالمي. لا أحتاج الدنيا خارج غرفتي، هل كان الناس هكذا في الماضي أم أنها مجرد أوهام للتعويض عن التعاسة؟ قد يبدو عالمي صامتاً، لكنه يزخر بأحلامي وخيالي وتاريخي، لا عليك من شطحاتي!

جاءت أمك وأختك هدى يوم أمس لتسلم على سناء وأولادها. لم تجلس هدى الى جانبي طيلة الزيارة، كما اعتادت أن تفعل دائماً. رمقتني أمك بنظرات باردة بطرف عينيها من غير أن أعرف سبباً لذلك. شعرت بالتوتر. استعرضت شريط الذكريات لعلني أعرف السبب. بقيت تائهة في لجة أفكاري. شعرت باضطراب داخلي وانقباض. ماذا فعلتُ حتى ترميني بنظراتها الباردة، وتجافيني هدى على غير العادة؟ شعرت كأنني ارتكبت ذنبا عظيماً ..أجهله. قالت لسناء وهي تغمز بطرف حديثها: "أليست الحياة هناك أفضل من هنا؟ كيف ترفض من تأتيها فرصة للإقامة هناك وتبقى هنا؟" لم تتوقف طيلة الوقت عن تلميحات تحمل في طياتها اللوم. مزق كلامها سكينة نفسي. لكني احتفظت بصمتي، أتظاهر بأن ليس هناك شيء. رسمتُ ابتسامة ً باهتة على وجهي كلما تلاقت نظراتنا. كنت إحترق في داخلي. بقيت بين حين وآخر تثير أسئلة تعرف إجاباتها. كانت تتعمد أن أسمعها. "كيف هو بيت جابر؟ هل هو كبير وواسع؟ هل شاهدتيه؟ أخبرني أنه يمتد على قطعة أرض فسيحة وأمامه بستان من الأشجار؟ دعاني أن أذهب عنده للزيارة والاقامة لمدة شهر. كم أتمنى أن أذهب هناك، ولكني أنتظر نتيجة سهام في الثانوية، لا أريد أن أتركها وحدها. هذه سنة مهمة يجب أن أقف الى جانبها".

هدى الاخرى فظة ومتعالية. تقول إنها ما كانت لتبقى هنا لولا أمك. لكنها مستعدة للتضحية لأجلها. كانت تتباهى بزياراتها وجولاتها وحفلات الاستقبال التي لقيتها عندكم في الصيف الماضي. وجّهت نظراتها اليّ وقالت: "لو كنت مكانك لما بقيت هنا يوماً. لماذا تدفنين نفسك هنا؟ والدك تزوج، وأمك توفيت، فماذا بقي لك هنا؟" شعرت كم هي مختلفة عني. لم يكن عالمي الصغير بذكرياته وكائناته يعني لها شيئاً، وكأن وجودي ليس له قيمة بحد ذاته.

لا أريد أن أشغل بالك بقلقي أو أثير هواجسك بحساسيتي. ما يزعجني أنني لا أجد أحدا يفهم شخصيتي وعالمي سواي. وحدها أمي كانت تتقبلني كما أنا، وتدرك "صوفية" تفكيري. لست صعبة المزاج أو معقدة، لكن نظرتي للحياة تختلف عن كل النساء هنا. أحس باضطراب قلبي، وأبوح لك لترتاح نفسي. قد لا تدرك سبب خوفي من الغربة، أخاف إن غادرت عالمي أن تضيع ذاتي.

نسيت أن أخبرك أنني ذهبت في صباح يوم أول أمس الى محل أزهار، واشتريت باقة من أزهاري المفضلة التي تعرفها.. لتبدو هدية رائعة. خرجت سميحة الأسبوع الماضي من المستشفى. كنا نحس بها وهي تحترق في وحدتها وبؤسها. لم يكن يشعر بتراجع مساحة روحها القابلة للحياة، ظل يضغط عليها حتى لم تعد ترى أفقاً لحياتها معه. كم أثّر فيَّ ما جرى لسميحة. زرع في قلبي الرعب والخوف من المستقبل. هل يمكن أن يقع لي ما جرى لها؟ أرجو ألا تفهم كلامي خطأ. أنت مختلف وأدرك كم تتفهم طبيعتي. لكنها هواجس تبقى تلحُّ على أعصابي.

أحببت أن أكتب لك وأشاركك في كل شيء يؤرقني. أعرف أنك تتفهمني. ربما كدَّرتُ صفاءك بهمومي، ولكني أنشد وقوفك الى جانبي. كم أنا محتاجة اليك. أتمنى عودتك. طالت غيبتك عني، وقلبي ميت خوفاً من الغربة. لا أظن أنني سأتجرأ وأفعلها كما فعلتها سناء. أرجوك أن تتفهم خوفي. أنا كالسمكة إن خرجت من بحرها ماتت. أرجو أن تجد لي ساعة فراغ لتفكر بكلماتي وتجيبني. كتبت لك عدة مرات ولم يصلني منك شيء.

المشتاقة لك

غادة

في اليوم التالي حملت غادة الرسالة، احتضنتها بكل حرص، وأخذت تتأمل في العنوان الذي خطته أناملها الى البريد وأودعتها. نظرت اليها الموظفة وفي عينيها إبتسامة غامضة. موظفات في المكتب يعرفنها. كل شهر تأتي ومعها رسالة بغلافٍ ملونٍ عليه عنوان مكتوب بخط جميل. صرن يعرفن لمن ترسل الرسائل فلا يسألنها عنها. بل يلصقن الطوابع مباشرة. وضعت غادة الرسالة وخرجت ونظرات الموظفة تلاحقها. بعد أسبوعين قصدت صندوق البريد لترى إن كان قد وصل ردٌّ منه. لمحت شيئاً من ثقوب الصندوق الحديدية. فتحت الصندوق بسرعة واضطراب. أخرجت الرسالة. كانت مليئة بالأختام على وجهي المظروف. لم تعد العبارة غريبة عليها.. "المرسل اليه ترك هذا العنوان". شعرت بانكسار وترقرقت دمعة في جفنها من غير أن تهمي. عادت تجر الخطى متثاقلة حزينة. فتحت دولابها، استخرجت صندوقها الصغير وفتحته ووضعت فيه الرسالة. كانت هناك في الصندوق سبع رسائل مشابهة.

* اللوحة أعلاه بعنوان رسائل حب للفنانة الامريكية مولي بروز

رابط القصة بموقع صحيفة قاب قوسين




الجمعة، نوفمبر 5

مبادرات مفقودة


مبادرات مفقودة
إياد نصار

* نشرت في الملحق الثقافي لجريدة الدستور الاردنية يوم 5/11/2010

تتولى جهات عدة في الغرب، من مثل: كبريات دور النشر، والجامعات، ومراكز الدراسات، نشر مجلدات توثيقية بصفة منتظمة، سنوياً، تشتمل على مختارات من أفضل القصص القصيرة، والقصائد الشعرية، والمسرحيات، بحسب اختيار النقاد القائمين على جمع تلك المختارات، ونشرها، في كتب متسلسلة، بحيث تصبح مرجعاً في قراءة الاصوات الابداعية، في تلك السنة، ودراستها، من خلال ما تضمه من نماذج أعمالها، وملاحظة الاساليب السردية، والقضايا المطروقة ـ في كتاباتها ـ في إطارها الادبي التاريخي. ومن أشهر تلك المختارات، على سبيل المثال، سلسلة "أفضل مجموعات القصص القصيرة الامريكية"، التي تتولاها دار هيوتون ميفلن، في بوسطن، وتنشرها، سنوياً، وبشكل منتظم، منذ عام 1915، أو مختارات نورتون في الادب الانجليزي، سواء من القصة الانجليزية القصيرة، أو الشعر، أو المسرحيات، التي تنشرها دار نورتون للنشر، منذ عام 1962، أو قائمة أفضل مئة رواية باللغة الانجليزية، في القرن العشرين، التي أصدرتها دار النشر المعروفة باسم المكتبة الحديثة، وغيرها كثير من مثل هذه المختارات، والقوائم الانتقائية.


كما تتولى الجمعيات الادبية والهيئات، التي ترعى الجوائز الادبية، في كثير من الدول الاوروبية، والولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا، واليابان، وبعض دول شرق آسيا نشر مجلدات، سنوياً، أو كل عقد، تضم أشهر الأعمال التي صدرت خلال تلك الفترة، كالقصص، أو المختارات الشعرية. وهناك قوائم دورية تصدرها كبريات الصحف، من مثل: اللوموند الفرنسية، أو نيويورك تايمز، بالتعاون مع دور النشر، تتضمن عناوين أهم الكتب التي صدرت خلال العام، أو العقد، أو القرن، ومنها ـ على سبيل المثال ـ قائمة اللوموند، التي اشتملت على أهم مئة كتاب صدر في القرن العشرين. وهناك مبادرات وسائل الاعلام الجماهيرية، كالتي نظمتها هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي، عندما أجرت دراسة مسحية شارك فيها زهاء ثلاثة أرباع مليون شخص لاختيار أكثر الكتب المقروءة، ومن كل العصور، من قبل الشعب الانجليزي.


وبالطبع، واجهت هذه المبادرات سيلاً من النقد، في بادىء الامر، من القراء والنقاد والمؤلفين، ولكن ذلك لم يوقفها، رغم بعض الاخطاء التي انطوت عليها، من مثل: عدم وضوح معيار التراتبية، أو غموض منهجية التصويت والاختيار، أو غياب معايير محددة لدى النقاد، أو القراء، للاختيار بناء عليها، أو قلة بروز الاصوات النسوية، أو غياب أعمال مشهورة من القائمة، أو وقوع هذه الأعمال في مراكز متأخرة. رغم كل هذه الانتقادات، إلا أن هذه المبادرات لم تتوقف، بل طوّرت أساليبها ومنهجيتها حتى استقرت في الثقافة الغربية. وما يلفت الانتباه، في جلّ هذه المبادرات، التي أعلنت نتائجها على الملأ، أنها اتسمت بالجرأة، في اختياراتها، وفي البعد عن الاسترضاء، أو مراعاة العوامل الجغرافية، أو المكانة المكرّسة لبعض المؤلفين.


أما على صعيد الساحة الثقافية العربية، فهناك غياب شبه كامل لهذه المبادرات. أقول: "شبه"، لأننا لم نر من هذا النوع سوى مبادرات قليلة، تكاد لا تذكر، حتى إن تلك التي ظهرت منها، ثم اختفت، كانت تتسم بالفجائية، والانقطاع، وقلة التوثيق، وارتجالية المنهج، وغياب التراكم التاريخي. أذكر أن اتحاد الكتاب العرب، في دمشق، قام بمبادرة يتيمة، في عام 2001 ، حين أصدر قائمة بأفضل 105 روايات عربية. وأنا أعرف أن كلمة "أفضل"، وسواها، هي موضوع خلاف نقدي، لكن لا بد ـ في النهاية ـ من وجود معايير للاختيار، مثلما يحدث في العالم أجمع، ثم أنني أشير الى المعايير نفسها، التي وضعها الاتحاد؛ كان واضحاً في ديباجة الاعلان أن الاتحاد راعى مجموعة من العوامل، من بينها التوزيع الجغرافي، فكانت هناك روايات من كل دول الوطن العربي: من الامارات الى موريتانيا. وربما يفسر ذلك ما تم إعلانه وهو 105 من الروايات، وليس مئة، حيث فرضت هذه العوامل نفسها. كما لا أفهم أن يكون من بين العوامل "مراعاة تمثيل التيارات والاجيال كافة"، كما جاء في نص الاعلان، كما لو أن الهدف عدم استثناء أحد.


كانت هناك، أيضاً، مبادرة يتيمة أخرى، قبل سنوات عدة، نظمتها جريدة الحياة اللندنية في استطلاع آراء 22 كاتباً، وناقداً عربياً، لاختيار خمسة من الكتب، التي يرشحها كل واحد منهم، بوصفها أحسن ما صدر من نتاج عربي في الابداع والتأليف، في السنوات العشر الاخيرة (عشر سنوات قبل تلك السنة)، ومرة أخرى، سيطرت الرواية على الاختيارات.


أعتقد أن المسألة ليست مجرد طباعة مجلد دوري، بالمختارات، ونشره، رغم أنه غير موجود، وليس قائمة بالعناوين لمجرد التنافس والتباهي، وإنما هي مؤشر على حيوية مؤسساتنا الثقافية العربية، ومن ضمنها اتحاد الكتاب العرب، في متابعة الاصدارات، ومعرفة مدى تأثيرها في ثقافة القارىء العادي، ومدى تلقيه لها وتعلقه بها، واستعداد هذه الجهات لتحمل نتيجة مبادراتها والدفاع عنها، حتى تتكرس ثقافة المتابعة والنشر والتوثيق، وكذلك منهجية التصنيف والاختيار، وتنال هذه الاعمال المنتقاة شعبيةً لدى القارىء العادي، واهتماماً من الدارسين.


ونحن نقترب من نهاية العشرية الاولى في القرن الحادي والعشرين، أرجو أن تكون هناك مبادرات عربية تتبع وتتلمس، بأسلوب جماهيري واسع، بعيداً عن الابحاث المحصورة في لقاءات لا يحضرها سوى نقاد وكتّاب، مدى تأثير الكتب العربية التي صدرت خلال هذه الفترة في فكر المواطن العربي، وثقافته، وتوجهاته، ومواقفه، وقناعاته، وربما نمط حياته، ومدى تأثير الاعمال الابداعية العربية، خاصة في الشعر والقصة والرواية، التي صدرت خلال هذا العقد، في تغيير نظرة الانسان العربي الى واقعه. لا أريد أن يظل القارىء العادي، ونحن في نهاية هذه العشرية، يقول نجيب محفوظ، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، في عصر تغير كثيراً. أعتقد أنه من الضروري رصد ما يصبغ كل مرحلة، من تطورات، حيث تتسم كل فترة، وإن يكن التقسيم الزمني اعتباطياً، تقريباً، بمزايا معينة، وتسيطر عليها ظواهر مهمة وحاسمة، لا بد أن يعكسها الادب، وفي المقابل، لا بد من معرفة كيف تؤثر الاصدارات، خلال الفترة نفسها، في تفكير الانسان العربي العادي، ونظرته الى الحياة.

رابط المقال في جريدة الدستور

رابط الصفحة الكاملة (يرجى الانتظار ريثما يتم تحميل الصفحة)




الخميس، نوفمبر 4

رسّام من كوكب آخر


رسّام من كوكب آخر

قصة قصيرة

بقلم اياد نصار

* نشرت في مجلة أفكار الاردنية الصادرة عن وزارة الثقافة العدد 261 لشهر 10/2010


 رأيته جالساً في مكاني العتيد. ترددت قليلاً. فكرت أن أجلس في زاوية أخرى. أخذت أتلفت حولي باحثاً عن مكان آخر. شعرت باستياء. هذا مكاني المفضل الذي أجلس فيه كل مساء. مَنْ هذا ومن الذي أتى به؟ منظره ليس مألوفاً. كأنه مخلوق غريب قادم من كوكبٍ آخر. ألم يعجبه سوى مكاني؟ إنه متنفسي الوحيد. أهرب اليه من صخب الحياة في بيتنا، الذي صار كالسجن، وبؤس الحي الذي يذكرني دائماً بالكآبة. لا أظن أني أعرفه أو رأيته من قبل. يجلس مكاني على العشب الجاف، بجانب النافورة في منتصف الدوار، الذي يتوسط الطريق. ملابسه غريبة فضية لامعة تشبه ملابس رواد الفضاء. يلبس صدرية متقاطعة عريضة ذات أطراف مدببة، تخرج كثيراً عن نهاية كتفيه، ويضع فوق ذراعيه وساعديه أكماماً، تنتهي بقفازات سوداء تغطي نصف أصابعه، وفي ساقيه سراويل فضية كثيرة الثنيات. يلبس في قدميه حذاء رياضياً فضياً أنيقاً، وعلى عينيه نظارت سوداء ذات عدسات لامعة ورفيعة. شعره أبيض متموج، يميل الى الفضي، مصفف في خصلات متباعدة عن بعضها، ومرفوعة للاعلى والخلف. له شاربان أشقران عريضان تحت أنفه، ويمتدان على ذقنه حتى يصلان أسفل أذنيه. إقتربت منه وسلّمت عليه، وأنا أتأمل في منظره الغريب. نظر اليّ وابتسم. قلت له: "إنك تجلس في مكاني المعتاد". بدا عليه التأثر. أخذ يتمتم بكلمات لم أفهمها. لم أنتظر أن يشير اليّ بالجلوس، وجلست على العشب قريباً منه.


خرجت عند المساء الى الشارع العلوي، لأجلس على العشب بجانب النافورة على الدوار. كنت أشعر بالملل والحر الذي لا يطاق. بيتنا مثل صندوق من الاسمنت، الذي يصبح كالفرن في الصيف. بيت صغير معلق في منتصف سفح الجبل. درج طويل يمر من جانبه حتى يصل الى آخر الحي في الاسفل، ويصعد حتى يصل الى الشارع العلوي. عشرات من البيوت والطوابق الاسمنتية العشوائية المعلقة، تحيط بنا من فوقنا، ومن تحتنا، ومن كل جانب. يخالجني دائما خوف داخلي من مجرد التفكير بالامر. ماذا سيحصل لو تململت الارض من تحتنا، مثلما تفعل أحيانا حين تضجر من الصمت الابدي، أو تضج من تصرفات البشر فوقها؟! يتملكني احساس بالرعب، قبل أن أستطيع أن أطرد الفكرة من رأسي.هنا عشت طفولتي في منتصف السفح، وعرفت الحياة بين الادراج والجدران والبيوت المعلقة في الهواء. هنا عرفت أن البيت ليس سوى للمنام وممارسة رتابة الحياة اليومية. هنا النوافذ تطل على بيوت الاخرين، وترى وأنت في غرفتك أسطح منازلهم، وتسمع أصواتهم. ليس للبيوت أسرار هنا. حين قدمنا لأول مرة كنت صغيراً، ولكنني رأيت أن كل الساكنين على الادراج، من أمامنا، وخلفنا، ومن فوقنا، ومن تحتنا، وعن يميننا وعن يسارنا، قد أصبحوا جيراننا، وصارت حكاياتهم حكاياتنا، وهمومهم همومنا، خلال فترة قصيرة. يجمع بين الناس خيط واهٍ من الود، الذي أثقلته مصاعب الحياة وقلة الحيلة، حتى كاد أن ينقطع أحياناً. هنا مرّ الموت على حيّنا باستمرار دون أن يسمع به أو يراه العالم.


أبو راجي رجل وحيد عجوز ضخم الجثة، أقعده المرض. عندما كان يتحدث، كان يتصبب عرقاً، فيظل يمسح بمحرمته جبينه ورأسه الاصلع. إعتاد أن يزورنا كثيراً، ويروي بطولاته أيام الشباب. ولكن السكري أقعده طريح البيت. أرسلني أبي ذات يوم اليه، فبقي يروي لي سيرته. كان مع المقاتلين في جيش الانقاذ. لقد استبسل في الدفاع عن مدينته قبل أن تسقط. أحسست أنه لم يبق له في الدنيا سوى أن يعد الايام، قبل أن تأتي النهاية، التي لم تعد بعيدة. لا أظن أن المرض قتله ، بل النسيان.


وفي بيت جيراننا، الذين يسكنون خلفنا، كان هناك المسكين طلال. كم كنت أشعر بالأسى له. رأيته يسير ذات يوم على سطح بيت الجيران أمامنا. ليس هناك مكان يلعب فيه سوى الدرج وأسطح البيوت. كان يمشي تحت أوراق الدالية العالية، التي ارتفعت فوق الارض، حتى وصلت سطح الطابق الثاني. رأيته يلعب بالكرة، ويتعلق بالاوراق والاغصان. وقفت أراقبه وهو يلعب. لكنه ظل يمشي الى الطرف حتى أختفى من أمامي. يا الهي. سمعت صوت ارتطام بالارض. شعرت بهول الحدث، وركضت الى الشارع السفلي. هجم الناس عليه، ونقلوه الى المستشفى، وهو مضرج بدمائه، وقد انكسرت عدسات نظارته، وتهشم وجهه. توقع الناس في حيّنا ألا يفيق من غيبوبته. سقط من ارتفاع ثمانية أمتار، لكنه لم يمت. كان طلال مريضاً .. يظل يصرخ على النازلين والصاعدين الادراج. إعتاد أهله أن يحبسوه في غرفة، أو يشدون وثاقه الى حديد الشبابيك، حتى لا يخرج من البيت. قاسوا الامرّين لأجله، لكن ظرفهم كان سيئاً، فلم يستطيعوا تأمين ثمن علاجه. بعد أشهر افتقدته، فلم أعد أراه أو أسمع صوته. قالوا تعهدته جمعية لرعاية المعاقين، فأراحوا الحي منه وأراحوه من سقطة أخرى، كان يمكن أن تكون فيها نهايته. لا أظن أن السقوط قتله، بل النسيان.


كم مررت أسفل الجبل في حيّنا، فلم يستوقفني المشهد في يوم ما. كنت أرى البيوت معلقة في الهواء كالصناديق متراكبة فوق بعضها، فأبحث عن بيتنا من بينها، فلا أستطيع تمييزه في كثير من المرات. أقف وأدقق النظر، وأنا أبحث عنه فلا أراه. كم تبدو متشابهة ومتلاصقة ومتراتبة فوق بعضها كمدن الصفيح. هنا كانت البداية، وهنا ولدت المدينة ذات يوم. لا أعرف في أية سنة سكن الناس في هذا الحي، ولكنه أقدم أحياء المدينة، ومن أكثرها فقراً. في كل صندوق إسمنتي يوجد قصة تثير الحزن، يمرّ عليها الموت بكل صمت.


نظرت الى الرجل الفضي، وأنا أتعجب من منظره. لاحظ استغرابي، فابتسم وقال بلكنة ثقيلة: "لا تخف أنا إنسان مثلك". قلت له بانجليزتي الركيكة: "لست خائفاً ولكني لم أرَ إنسانا يلبس هكذا من قبل". قال: "أنا فنان أحب الرسم والسفر. أحب أن أرسم كل المدن التي أسافر اليها". سألته: "ومن أي البلاد أنت"؟ "من ألمانيا. أعيش في برلين. هل تعرفها"؟ "سمعت بها، لكني لم أعرف في حياتي سوى هذا الحي". قال: "أعجبني الحي كثيراً وقررت أن أقيم هنا عدة أيام لأرسم بيوته في لوحاتي". وسحب حقيبته الجلدية التي كانت الى جانبه واستخرج دفتراً كبيراً. فتحه وأعطاني إياه. أخذت أقلب أوراقه. كان فيه استكشات ورسومات بالفحم الاسود لبعض بيوت حيّنا وطرقاته وأدراجه، وكانت هناك رسومات للحي وعماراته عند سفح الجبل. قال: "غداً سأضع منصباً ولوحة وفراشي الرسم والالوان، قرب الشارع عند أسفل سفح الجبل، وسأرسم واجهة الحي. لماذا لا تأتي وتساعدني وتتعلم الرسم"؟ قلت له: "ربما، ولكنك لم تخبرني سبب إرتداء هذه الملابس والالوان". قال: "إذا أتيت غداً سأخبرك".


في تلك الليلة لم أستطع النوم من شدة الحر، وبقيت أفكر في ملابسه وألوانها وأشكالها، وأنا أضحك في سري من غرابتها، وأتعجب ما الذي أعجبه في حيّنا حتى يتوقف ليرسمه. وقلت في نفسي إن هولاء الغربيين لهم عادات غريبة. ما الذي يفعله هذا الرجل الغريب في حياته؟ يدور على البلدان ليرسم مدنها؟! وهل هناك ما هو جميل في حيّنا ليستحق رسمه؟ لم أفهم كيف أعجبته واجهات بيوتنا، وعماراتنا، التي تعطي شعوراً بالكآبه والبؤس وضنك الحياة، التي تقتل الانسان قبل أن يأتيه الموت! ربما أعجبته لأنه لم ير مثلها في بلدته؟ ولكنه لو عاش فيها لربما غير رأيه؟ لو مرّ في طرقات الحي، وشمّ رائحة المياه، ومساحيق الغسيل وأكوام النفايات فوق الحاويات وتحتها .. لو رأى السيارات القديمة، التي عفا عليها الزمن، وعلى حوافها من الخلف عبارات تدفع الحسد، لربما لم يفكر في رسمها؟! لو رأى كيف أصعد الادراج لاهثاً، أو رأى كم هي متهالكة ومعتمة البقالة التي ما زالت على حالها، وأبو جميل ينهر الصغار، حتى يدفع أهلهم له الحساب.. لا أذكر متى توقف ذهني عن التفكير في الامر تلك الليلة، ولكن تراءت في خيالي صور عن مدينته، التي حدّثني عنها ووصفها لي. في الصباح، حين فتحت عيني، سمعت صوت أبي منادياً عليّ، فعرفت أنني ما زلت هنا!


لم أستطع أن أنسى التفكير في ذلك الزائر الغريب. بقيت ملابسه ورسوماته تلح عليّ كي أذهب وأراه. لقد أثار فضولي، ولم استطع أن أفهم لمَ يهتمُّ بحيّنا الى هذه الدرجة؟ هل هناك أشياء يراها ولا نراها نحن؟ نزلت الادراج الطويلة حتى وصلت أسفل السفح. كانت الدنيا قبيل الظهر. كان قد نصب اللوحة وأعد الفراشي والالوان، وجلس على حافة السور، وقد تجمع بعض الناس حوله وهم يضحكون. كان هناك رجل يحاول أن يلتقط صورة للجالسين. جلس الرسام في الوسط، ومن حوله الى اليمين جلس رجل عجوز يلبس ثوباً وحطة وعقالاً، وهو يبتسم، وقد بدت عليه آثار الزمن القاسي، والى اليسار جلس رجل أصلع الرأس، وقد اسمرّت بشرته، وتشققت يداه، واخشوشنت. وفي الجانب الاخر جلس رجل بدين يلبس ملابس رثّة، ومن خلفهم كانت صورة الحي تثير الأسى. تقف بنايات الحي كناطحات سحاب توشك أن تتداعى. أعدت عليه سؤالي عن سبب إرتداء ملابسه الغريبة فلم يجب. بعد هنيهة نبس ببضع كلمات: "سأخبرك عندما أنتهي من رسم اللوحة". كان بارعاً في نقل المشهد الى لوحته. ولأول مرة في حياتي أخذت اتأمل تفاصيل مآسي المشهد أمامي. بقيت طيلة الوقت أتأمل في لوحته، وهي تتشكل لحظة بعد أخرى، وأساعده أحيانا في خلط الالوان. كان يتجمّع بعض الناس حولنا أحياناً، يتأملون في اللوحات، ثم يذهبون. بعد أربع ساعات إنتهى من رسم اللوحة. ابتعد قليلاً، وراح يتأملها، ويضيف بعض الرتوش هنا وهناك. ثم وضع توقيعه على اللوحة. لم أصدق ما رأيته وفغرت فمي دهشة. نظرت اليه كأنما أبحث عن إجابة، فأومأ اليّ برأسه كمن يقول نعم. فتحت ذراعي، وعانقت (طلال) والدموع تنهمر من عيني.

* اللوحة أعلاه للفنان التشكيلي الاردني سلام كنعان




الجمعة، أكتوبر 29

الفجوة لباربرة كينغسولفر.. حين يختلط التاريخ بالخيال


فازت بجائزة أورانج البريطانية للرواية النسوية لعام 2010

"الفجوة" لباربرة كينغسولفر.. حين يختلط التاريخ بالخيال
اياد نصار

* نشرت في الملحق الثقافي لجريدة الدستور الاردنية يوم الجمعة 29/10/2010
قالت الروائية والشاعرة والناقدة الكندية مارغريت أتوود، ذات مرة: "تستطيع النساء أن تكتب الرجل، لكن الرجال لا يستطيعون كتابة المرأة، لأنهم ينسون، عادة، الرأس"! وأظن أن الروائية الامريكية، باربرة كينغسولفر Barbara Kingsolver ، قد كتبت بطلها الرجل، هاريسون شيفرد، من أعلى رأسه الى أخمص قدميه، في سياقه التاريخي، بشكل جميل يعبر عن ملامح تلك المرحلة الممتدة من عشرينيات القرن العشرين الى خمسينياته، ما استحقت معه أن تنال جائزة أورانج للرواية النسوية. وعندما سئلتْ ـ في مقابلة، مع صحيفة وول ستريت جورنال ـ لماذا اختارت أن يكون البطل رجلاً، قالت إنها أرادت بطلاً يستطيع أن يخرج من قلب الثورة المكسيكية، ويزج بنفسه في الحرب العالمية الثانية، ثم يعود الى الولايات المتحدة، في فترة ما بعد الحرب، وأنه لم يكن من الممكن أن تقوم بذلك، عندئذ، امرأة.

فازت كينغسولفر بجائزة أورانج البريطانية للرواية النسوية المكتوبة بالانجليزية، في دورتها الخامسة عشر للعام 2010 ، عن روايتها "لاكونا" Lacuna، والتي تعني "الفجوة". تسعى الجائزة، التي بدأت في العام 1996، الى تشجيع الادب النسوي. وقد فازت بها، في دورتها الاولى، الروائية الانجليزية، هيلين دَنمور، عن روايتها "سحر الشتاء"، أما في العام الماضي ففازت بها الروائية الامريكية، مارلين روبنسون، عن روايتها "البيت".

تنافس على الجائزة، هذا العام، عدد كبير من الروائيات من مختلف دول العالم الناطقة بالانجليزية. وقد تأهلت لقائمة الترشيحات الابتدائية، كما الحال في جائزة مان بوكر البريطانية للرواية، عشرون رواية. وفي المرحلة الثانية، تأهلت للقائمة القصيرة ست روايات من الولايات المتحدة وبريطانيا وترينداد، وكان من بينهن هيلاري مانتل، التي شاركت بروايتها "قاعة الذئب"، التي فازت بجائزة مان بوكر نفسها في العام 2009. تألفت لجنة التحكيم من خمس نساء، ما بين ناقدة وروائية وصحفية ومحررة ومعدة برامج اذاعية.

ذكرت كينغسولفر، في حوار عقب فوزها، أنها بدأت تشتغل على روايتها في شهر شباط، من العام 2002 ، بعد أشهر من حادثة الحادي عشر من أيلول، التي أثارت شهية مؤلمة للكتابة حول غربة الفن والسياسة في الولايات المتحدة. وذكرت أنه كان هناك ذاك الشعور الذي سبق أن عانته الولايات المتحدة، حين تم فصل الفن عن السياسة، في الفترة التي عرفت باسم المكارثية، نسبة الى عضو مجلس الشيوخ، جوزيف مكارثي، الذي كان يؤكد تغلغل العناصر المعادية للولايات المتحدة، في الداخل، وما تبعها من ملاحقة الأدباء والفنانين والكتاب، بتهمة نشر الافكار الشيوعية واليسارية، أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، خلال الحرب الباردة.

أما الروائية فبلغت، هذا العام، الخمسين من العمر، وقد درست باديء الامر موسيقى، ثم تحولت الى علوم الاحياء، عندما وجدت أن "ست وظائف تمنح، سنوياً، للموسيقيين فقط، بينما يذهب الباقي للعمل في ردهات الفنادق". تابعت دراستها حتى حصلت على درجة الماجستير في علوم البيئة والنشوء البيولوجي، كما نالت درجة الدكتوراة الفخرية، في عام 1994. أما على صعيد منجزها الابداعي، فقدمت ست روايات، كانت آخرها "الفجوة" التي نحن بصددها.

بدأت كينغسولفر مسيرتها في العام 1988 برواية "أشجار الفاصوليا"، ثم رواية "أحلام الحيوانات" (1990)، ثم "خنازير في السماء" (1993)، ثم رواية "كتاب الغابة السامة المقدس" (1998)، و"صيف إعجازي" (2000). وقد حصلت على جوائز عدة، وتكريم عن كتبها، وعن مساهمتها في بعض القضايا البيئية.

تجمع رواية "الفجوة" ما بين الحقائق التاريخية والخيال وإدخال شخصيات تاريخية حقيقية، في الحبكة، لبناء العالم الروائي لشخصية هاريسون شيفرد، الذي نلتقيه، أول مرة، وعمره اثنا عشر عاماً، يتعلم السباحة على شاطيء يوكوتان، ويحاول اكتشاف كهف، أو فجوة، تحت الماء، يطلق عليها اسم لاكونا. ولاكونا كلمة اسبانية تعني الفجوة، أو القطعة المفقودة، أو الفراغ بين شيئين، أو الممر المؤدي الى كهف خفي.

يمثل العنوان استعارة لكثير من الفجوات، في حياة هاريسون، وله عدة من دلالات ثقافية وسياسية، في الرواية، سواء بالنسبة لبطلها أم بالنسبة للآخرين، وهناك جسور مفقودة بين ثقافات مختلفة، وهناك اسئلة تبحث عن اجابات، في ظل صراعات أيدولوجية محمومة، بين الرأسمالية والشيوعية، وصل تأثيرها عمق المكسيك الريفي. وهو، أي العنوان، يشير الى الفراغ بين الحقيقة والزيف، أو الفجوة بين الوقائع التاريخية وما يتم استرجاعه من ذكريات.

يمكن تصنيف الرواية ضمن النوع الذي يهتم بتناول حياة البطل الشاب، وتعليمه، وتطور شخصيته نحو النضوج. وقد انتقد بعض القراء والنقاد الرواية في ميلها الى اعادة كتابة التاريخ، وتقديمه بطريقة تبدو فيها النبرة التعليمية. ورغم أنه لا شيء، في الرواية، بلا معنى، إلا أن هناك بعض المواضع، في نهاية الرواية، حينما يخفت صوت الشخصيات، ويصبح الحوار وسيلة للمؤلفة لكي تتكلم الى القاريء مباشرة.

تغطي الرواية الفترة ما بين 1929 و1951، وتعد عملاً ذا نزعة ملحمية يسعى الى اعادة قراءة التاريخ بمنظور معاصر. تسرد الرواية قصة بطلها الذي يعيش بين عالمين وهويتين وثقافتين ووالدين منفصلين، يسعى كل منهما خلف نزواته وطموحاته، من خلال مذكراته ورسائله وقصاصات الصحف، بالاضافة الى ما ترويه سكرتيرته المخلصة، فيوليت براون، التي تسد روايتها بعض الفجوات في روايته.

ولد هاريسون في العام 1916، لأب أمريكي يعمل موظفاً حكومياً، وقد انفصل عن زوجته المكسيكية سالومي، التي أخذت الطفل معها الى المكسيك، وهي تأمل في الزواج من عشيقها الذي يملك شركة للنفط. ورغم أنها تعيش، هي وابنها، في مزرعته، في جزيرة بيكسول الصغيرة، قبالة شاطيء المكسيك، إلا أن لديه مخططاً آخر غير الزواج منها.

تقوم سالومي ـ مع استحضار الدور الذي لعبته سالومي في التاريخ ـ بدور العاشقة اللعوب، التي تسعى الى إثارة إعجاب الرجال، على أمل أن تتمكن من الزواج من أحدهم، وبالتالي تأمين سبيل عيشها، وعيش ابنها، وقد وجدت بغيتها في رجل أعمال أمريكي أطلقت عليه اسم "انتاج النقود". في أحد الظهيرات، وبينما كانت الام تستعد لموعد غرامي، فإنها تصف زوج المستقبل المحتمل بأنه "أغنى من الذهب"، فيرد عليها هاريسون: "لا بد أن لديه شروق الشمس، في جيوبه، والرحمة في حذائه". فتنظر الام ـ ساعتها ـ اليه، وتقول، في شهقة عالية: "لعل من الافضل أن تدون، في مفكرتك، قصة ما حصل لنا في المكسيك". وتعطيه الجملة الاولى: "في البدء كانت القرود الصائحة"، وهي بالطبع الجملة ذاتها التي تبدأ بها الرواية، والاستعارة لها معان عديدة تم توظيفها للاشارة الى الكذابين، وأصحاب الاشاعات، وفيها اشارة الى مكارثي نفسه، الذي خلق حالة من الهلع في صفوف الامريكيين، بادعائه الاختراق الشيوعي، والى الصحافة الصفراء، والدعاية الاعلامية.

بعد موت أمه، غير المتوقع، يجد هاريسون نفسه وحده في هذه الحياة، فيعمل في خلط الدهان لرسام الجداريات دييغو ريفيرا، ولزوجته الرسامة فريدا كالو، وهما من شخصيات الرواية الرئيسة. يشعر هاريسون بالتعلق بفريدا، كما لو أنها الاخت الكبيرة أو الام المفقودة بالنسبة له. فريدا رسامة مشهورة، ذات حيوية ونشاط، فاتنة ومغوية، لكنها مستبدة سريعة الغضب. تبدو صغيرة الحجم، وخضعت لعدة من عمليات بعد الحادثة التي أصيبت بها، لكنها بقيت تعاني عرجاً في المشي. ويبدو من اللوحة التي رسمتها لنفسها، أنه قد ظهر لها شارب، ونما الشعر بين حواجب عينيها. إنها ـ كما يقول التعبير الفرنسي: "الجميلة البشعة". تظهر معاناتها في لوحاتها التي لقيت تقديراً من محبي الفن.

فريدا ودييغو ماركسيان يحلمان بمجتمع لا طبقي. ولهذا فلم يستأجرا خادماً في بيتهما، في مدينة غواناجواتو، في وسط المكسيك، لكنهما أدركا أن التقاط الجرابات عن الارض، أو غسيل الملابس الداخلية المتسخة، ليست من مهام الفنان! وسرعان ما ملآ البيت بجيش من الخدم والطهاة والسائقين والحراس الشخصيين، الذين ضاق بهم.

كما نلتقي، في الرواية، شخصية سياسية غير متوقعة. إنها ليست من صنع الخيال، بل حقيقية، من التاريخ. فخلال الفترة، ما بين عامي 1937 و1939 كان لدى الحراس، في المنزل، ضيف قصير بدين، ذو جبهة عريضة وشعر أشيب، وينام بملابس فاخرة لمعرفته بأنه قد يقتل، وهو نائم، وموته في ملابس عادية سيكون من شأنه الحط من كرامته. إنه ليف (ليون) تروتسكي، المنشق السوفييتي الشيوعي، وخصم ستالين. وشخصية تروتسكي هي الشخصية الرئيسة الرابعة، من بعد هاريسون وفريدا ودييغو. وتقدم الرواية تصويراً دقيقاً لعملية اغتياله، التي قام بها عملاء الامن السري، الذين بحثوا عنه، في كل مكان، الى أن تمكنوا من رصده في المكسيك، ومن ثم قتلوه وعائلته هناك. ورغم معرفة القاريء بالنهاية التي تنتظره، إلا أن جمالية السرد تجعله متشوقاً لمتابعة التفاصيل.

تشكل قصة هاريسون الاطار العام لحبكة الرواية، التي تبدأ وتنتهي بها. وتمثل شخصيته النقيض الذي يظهر نقائص الآخرين. ويمكن تقسيم الرواية، زمنياً، الى أربعة أجزاء تلخص المراحل التي مرت بها حياة البطل من خلال التنقل والاقامة بين الولايات المتحدة والمكسيك. يغطي الجزء الاول السنوات من عام 1929 الى عام 1932 وتجري أحداثه في المكسيك. وتبدع المؤلفة في تصوير المشاهد والاصوات وحتى الروائح بكل حيوية.

أما الجزء الثاني فيغطي السنوات من 1932 الى 1934، حيث أعادته أمه الى أبيه، في واشنطن، الذي أرسله، بدوره، الى مدرسة عسكرية. تطرح الرواية معاناة البطل في أسرة لا تريده، وعند ذاك يبدأ في كتابة مذكراته. يشهد هاريسون فترة الكساد العظيم، ويسجل الكثير من تفاصيل الاحداث، في الثلاثينيات، وموقف الرئيس هربرت هوفر، غير المكترث تجاه المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي الجزء الثالث، الذي يغطي الفترة من 1935 الى 1941، يعود هاريسون الى المكسيك، ولكن ـ هذه المرة ـ طباخاً وطابعاً في منزل ريفيرا. لا يعرف تروتسكي ولا مساعدته، جين فان هيجنورت، الا القليل من الاسبانية، فيتولى هاريسون القيام بالترجمة. يمضي البطل جزءاً كبيراً من وقته مع فريدا وريفيرا وتروتسكي، ويصبح قريباً من كل واحد منهم، بطريقته الخاصة، لكنه غير مغرم بتوجهاتهم السياسية. فلا تحس أنه له رأياً محدداً في الشيوعية، كما تراه غير مهتم في مناقشة المشكلات والاضطرابات، لكنه مهتم في مراقبة كيف يتعامل تروتسكي مع الناس. وبعد سنتين يختلف تروتسكي مع ريفيرا، ويترك المنزل، فيقرر هاريسون الالتحاق به، من غير سبب واضح، حيث يلاقي تروتسكي حتفه بعد سنة.

وفي الجزء الرابع، والاخير، والذي يمتد من عام 1941 والى عام 1951 ، فإنه ـ ومن بعد مقتل تروتسكي ـ يصبح كل الناس الذين كانوا في محيطه موضع شك، فترسل فريدا هاريسون الى الولايات المتحدة، وهناك يبدأ في كتابة روايات اعتماداً على مذكراته التي ضاع جزء منها. يصبح هاريسون كاتباً مشهوراً تتحدث الصحف عن رواياته، كما وقّع عقداً لتحويلها الى فيلم. كتب هاريسون روايتين تاريخيتين، لكنه يجد نفسه موزعاً بين عالمين، وأحيانا ضائعا في مساحات فارغة. وهنا تأتي أهمية سكرتيرته، فيوليت، التي تشارك في سرد الرواية، وسد الفجوات في مذكراته، ويغدو لصوتها أهمية كبيرة تزداد مع تطور الاحداث.

يجذب هاريسون انتباه لجنة مكافحة النشاطات المناهضة لأمريكا، فقد عاش في بيت مع شيوعيين، منذ كان صبياً. وهكذا تلاحقه المباحث الفيدرالية، ويكفي أنه نصف أمريكي، وأنه عمل مع ريفيرا وتروتسكي، لكي يتم اعتباره غير مناسب للخدمة في الجيش الامريكي. وهكذا يلغى عقد فيلم روايته بزعم أنها ذات محتوى مناهض لأمريكا.

تتجاوز المؤلفة محددات هذا النمط، من السرد، من خلال المذكرات والرسائل وقصاصات الصحف، بابتكار شخصية البطل وتستخدمه راوياً بضميرالأنا. ورغم أن الراوي يبقى يتحدث، طيلة الوقت، لكنه يبدو أكثر اهتماما بالناس حوله، فلا يتحدث عن نفسه الا ما ندر، وبصيغة ضمير الغائب أو يستخدم اسما مستعاراً، ما يزيد من صعوبة الامر، على القاريء، في رسم معالم الشخصية، وادراك طبيعة تكوينها النفسي، وفهم ماضيها والمؤثرات الكبرى التي صاغت مصيرها. ذكرت فيوليت أن هاريسون مثل المصور الذي يوثق أحداث حياته، بحيث لا يُرى في الصور كافة!

بطل الرواية رجل عادي يمتلك رؤية للحياة، غير أنه ضحية الظروف. تتقاطع دربه مع رموز الفن والسياسة. يبدو هاريسون، في بداية الرواية، ولداً خائفاً، ضعيف القلب، ليس له سوى القراءة في الكتب، وكتابة المذكرات التي رافقته طيلة حياته، وحتى نهايته المأساوية، حيث يختفي أثناء السباحة في المحيط، بالقرب من مكسيكو سيتي.

لاكونا مهرجان من الكلمات الجميلة، وهذا ما أكسب الرواية جمالياتها. قوتها في لغتها، وتجسيد شخوصها، بحالاتها المختلفة على صعيد الابعاد النفسية والاجتماعية والسياسية والفكرية والعاطفية. وقد أجادت المؤلفة صوغ حبكتها. يتسم أسلوب كينغسولفر بأنها تكتب النثر بروح الشعر، وتضمنه الكثير من التداعي الحر للافكار والهواجس، التي تجري في ذهن البطل. كما يتسم الحوار بالجاذبية والواقعية والقدرة على التأثير في القاريء. ويمتاز وصف الاماكن والناس، في الرواية، بسلاسة وايحائية كما في مفتتح الرواية: "في البدء كانت القرود الصائحة. كانت تبدأ صياحها، دائماً، في الساعة الاولى للفجر، حينما تأخذ قبة السماء بالتحول الى البياض. كانت تبدأ بصوت قرد واحد: صوت همهمته وزمجرته متناغم قوي، مثل حد المنشار. كان هذا يثير الآخرين قربه، ما يدفعهم أن يصيحوا، معه، بنغمة صوته المتوحشة. وحالاً كانت القردة الاخرى تعيد ترديد الصوت من على الاشجار الاخرى وحتى الشاطيء البعيد، حتى تمتليء الغابة بصوت زئير الاشجار! كان يحدث هذا كل يوم. اعتقد الصغير وأمه أن هذه هي الشياطين تصرخ بين الاشجار، تتقاتل حول حقوقها الاقليمية في أكل لحوم البشر"!

تبرز الرواية الجانب الانساني في شخصياتها، خاصة تروتسكي، أكثر من الصورة السياسية المعروفة عنه معارضاً ومنشقاً. كما تفضح الرواية تلك الحقبة في التاريخ الامريكي، الذي اتسم بأخذ المعارضين والادباء والفنانين كبش فداء في حرب إيدولوجية قذرة. فعندما يصبح هاريسون محل ملاحقة، فإنه يفكر بكتابة روايات مسلّية، لكن فيوليت تبقى تسأل أسئلة من مثل: "كيف يمكن أن يكون رسم صورة عن الحزن شيئاً مناهضاً لأمريكا؟"، وعندما يجبره الناشر على توقيع افادة تنكر أي ارتباط له بالشيوعيين، فإن محاميه، آرثر غولد، يقول: "يمكنك توقيع ذلك. لكنني سأخبرك شيئاً عن تاريخ يجري صناعته.. أنت تجبر الناس أن تتوقف عن طرح الاسئلة، وقبل أن تعرف سيكونون قد ألغوا علامة السؤال.. لا شجاعة، لا أفكار جديدة لإصلاح ما خرب على هذه الارض".

تنطوي الرواية على حجم كبير من التاريخ الذي يجري مزجه مع قصة حياة البطل، ويصبح كله أقرب للتصديق بدلاً من الخيال، كأنما جرى فعلا. كما تتناول الرواية تأثير التاريخ في الحاضر والمستقبل، وترصد التحولات، لدى الانسان، تحت المؤثرات السياسية والاجتماعية، وتطرح مسائل مهمة مثل اللجوء الى العنف، والتفكير المستقل، وتوظيف عالم الخوف في السيطرة على الاخرين، وما أحدثته القنبلة الذرية الاولى من تغيرات، في العالم، وقوة الرأي العام، ودور الاعلام في فرض القناعات.

تنتقد الرواية، بشكل قوي، تأثير وسائل الاعلام الجماهيرية في الناس، والالوان التي يشاهدون بها الاشياء، ويكونون انطباعاتهم وأفكارهم عنها، الى أن يفكر الجميع في الطريقة ذاتها. يقول آرثر غولد: "إنه المذياع الذي تشاهده. المذياع يجعل كل انسان يشعر الشعور ذاته، في الوقت نفسه. وبدلاً من ملايين الافكار المختلفة، هناك سيطرة نفسية كبيرة واحدة". ولهذا كثيراً ما يلجأ ناشر روايات هاريسون الى تغيير عناوينها لتناسب مزاج الجمهور!

رابط المقال بصحيفة الدستور
 
رابط الصفحة الكاملة (يرجى الانتظار قليلا ريثما يتم تحميل الصفحة)
 
 
 

رأي نقدي في قصص على خشبة المسرح


رأي نقدي في قصص على خشبة المسرح

نشرت صحيفة الاتحاد الاماراتية في الملحق الثقافي ليوم الخميس 28/10/2010 تحقيقاً أجراه الزميل توفيق عابد بعنوان
أول تجربة مسرحية أردنية لتقديم قصص قصيرة على الخشبة
إخراج النصوص من سباتها الورقي

وقد كان لي شرف المشاركة به.
كتب يقول: "لأول مرة تتجرأ فنانة أردنية بمسرحة قصص قصيرة بحضور مؤلفيها حتى يصبحوا شاهدين ومتفرجين ومتورطين في قصصهم التي كتبوها بمحض خيالهم بما فيها من إيحاءات وإسقاطات سياسية واجتماعية. فقد قدمت أسماء مصطفى كمخرجة وراوية وفريقها، بربط درامي لمفلح العدوان أربع قصص على المسرح الدائري في عمان بعنوان “قصص على الخشبة” في ختام فعاليات ملتقى القصة القصيرة.

ويتحدث نص “شوارع المدينة” لعدي مدانات عن ذاكرة عمان والحنين لبيوتها وحاراتها وأزقتها القديمة، فيما يعرض نص “من ثقب العالم” لسامية عطعوط ذكريات الطفولة ويطرح سؤالا مهما هو “هل يمكن رؤية العالم من خلال جريدة؟”. أما نص “النهاية المحتملة لدنجوان آخر” لرسمي أبو علي فيحكي عن مثقف يورط صاحبه البسيط أثناء جلوسهما في مقهى بحب سيدة جميلة ليجد نفسه في مواجهة مسدس الزوج، فيما يكشف نص “عرض مسرحي” للعراقية هدية حسين ممثلين مشهورين يفتعلان السعادة في زواجهما لكن نهايتهما تكون الطلاق.

ووصفت أسماء مصطفى مبادرتها بالمغامرة والمحاكاة في محاولة لطرح فيض الدهشة الكامن في المتن القصصي، وقالت: "أحببت إن أخوض تجربة “قصص على الخشبة” ليكون القاص جزءا من الجمهور ونحن من يحكي قصته". وأضافت: "لقد نقلنا من خلال رواة مختلفين كل قصة من سباتها ككلام على الورق لتكون حية بشخوص موجودة وأخرى قمنا بتخيلها لإعطاء القصة بعداً ثالثاً".

وعقب العرض قال القاص عدي مدانات: "أعتقد أن الفنانة أسماء مصطفى نجحت إلى حد ما وحافظت على روح القصة ولو اقترب بطلا العمل وهما فهد باكير وفارس البطوش في ملابسهما وهيئتهما وحوارهما الحنون الخاص بشوارع عمان من روح القصة وما صور فيها وما رسم لنجحت المسرحية أكثر". ورأت سامية عطعوط ان الفنانة أسماء مصطفى نجحت في إيصال المعنى المراد من القصة التي تطرح إشكالية مواجهة الإنسان لعصر العولمة وتعامله مع التكنولوجيا شعوره وانفراده في العالم الكبير دون أن يتمكن من مجاراته.

أما الناقدة الدكتورة رفقة دودين فرأت أن مسرحة القصص وإعادة إنتاجها بالإفادة من إمكانات المسرح تجربة تستحق الالتفات بوصفها وسيلة لتوريط المتلقي وإشراكه في تلقي النصوص وإنتاج دلالاتها من جديد تمكننا قياس تقبله وحضوره على صعيد الذائقة والجماليات وسمة التأويل الاجتماعية.

وقالت: "إن هذا الطقس الاستثنائي يكسر في الواقع الحدود التي نقيمها عادة باتجاه جامع النص لكن القصة تبقى الأصل ومسرحتها تنويع عليها في لعبة توهم وتورط جميلة".

من جانبه وصف القاص محمود الريماوي “قصص على الخشبة” بأنها "مبادرة جيدة لمسرحة القصص قلما حدث مثيل لها فقد لاحظنا إقبال وتفاعل الجمهور مما يدل على تعطشه غير أنها في النهاية كانت نوعا من الأمسية القصصية أكثر من العرض المسرحي". وقال إن "الديكورات والأغاني كادت أن تتفوق على أداء بعض الممثلين". وانتقد الريماوي ضعف صوت الممثلين لكنه استدرك القول إنها "بداية تستحق أن تستكمل فقد نجحت أسماء مصطفى نسبيا في مغامرتها ولها فضل المبادرة".

ورأى الناقد إياد نصار أن تقديم نص قصصي على المسرح يحقق انتشاراً جماهيرياً لفن القصة بين جيل الشباب الذين تجذبهم الفنون البصرية والأدائية في عصر هيمنة الصورة والصوت على الفنون الإبداعية.

وقال: "لقد قرأت ثلاثاً من القصص وحينما شاهدتها ممسرحة شعرت أنها تدل على فهم كبير لمفهوم الحكاية من قبل الفنانة أسماء مصطفى واستيعابها لاشتراطات القصة من حيث تكثيف الموقف الإنساني وإبراز الدهشة والتعبير عن المفارقة وتجسيد أزمة الشخصية".

وأوضح أن معالجة الشخصية وتقديمها لم يكن ناجحا تماما من قبل الممثلين لقلة الخبرة في تقديم المعاناة الشخصية من الداخل وتقمص الدور والاكتفاء بالتركيز على المظهر الخارجي كالملابس والديكور.

ورأى أن الحوار كان رتيبا أو يميل للصوت العالي للفت انتباه الجمهور وقال إن مسرحة قصة شوارع الروح باهتة للغاية.

تاريخ النشر: الخميس 28 أكتوبر 2010

رابط التحقيق بموقع صحيفة الاتحاد

 

السبت، أكتوبر 23

ماريو بارغاس يوسا.. عودة الى البدايات الباهرة


ماريو بارغاس يوسا.. عودة الى البدايات الباهرة
اياد نصار

* نشرت في الملحق الثقافي لجريدة الرأي الاردنية يوم الجمعة بتاريخ 22/10/2010

ينتمي البيروفي، ماريو بارغاس يوسا، الى مجموعة من الكتاب، الذين أخرجوا أدب أمريكا اللاتينية من العزلة، ورتابة الاجواء المحلية، التي امتاز بها القرن التاسع عشر، الى العالم كله. ومن هولاء خورخي لويس بورخيس، وخوليو كورتزار، وكارلوس فيونتس، وغابريل غارسيا ماركيز. ويعد بارغاس يوسا من أبرز الكتاب الذين ساهموا في إعادة الحياة الى الرواية الامريكية اللاتينية وتجديد روحها.

كتب ماريو بارغاس يوسا أكثر من ثلاثين كتاباً، ما بين روايات ومسرحيات كوميدية وغيرها، لكن تأثير رواياته الخمس عشرة نابع من تناولها للابعاد التاريخية والسياسية للاحداث في بلده، وفي دول أمريكا اللاتينية الأخرى، من مثل رواية "محادثة في الكاتدرائية" التي أصدرها في العام 1969، وتناولت الظروف السياسية في البيرو تحت حكم الدكتاتور مانويل أودريا في الخمسينيات، وروايته "موت في الانديز" (1993) التي تركز على العنف في عالم قديم متخلف، كأنه ما يزال يعيش اساطير الحضارات القديمة الدموية، وحيث الحياة بائسة في مجتمع على هامش العالم الحديث، وتروي مآسي القتلى الذين سقطوا نتيجة أعمال ميليشيا جماعة "الدرب المضيء" الماوية في البيرو، وتعكس تعاطف بارغاس يوسا مع المضطهدين والمسحوقين في محنتهم. وقد ترجمت رواياته الى إحدى وثلاثين لغة من بينها العربية.

كان بارغاس يوسا في شبابه نوعاً من الثوري اليساري الغاضب. كان اشتراكياً، ومن المعجبين بجان بول سارتر، وصديقاً لكوبا الثورية. لكنه أخذ يتحول منذ منتصف الثمانينيات الى اليمين. وأصبح الان من سكان لندن المعروفين، ومن المدافعين عن النظام الرأسمالي بوصفه النظام العملي الوحيد المتوفر حالياً، وصار من أشد الداعين الى الليبرالية الديمقراطية. ويذكر التاريخ أنه قاد مظاهرة كبيرة في ليما، العام 1987، ضد خطط الرئيس الأسبق للبيرو، آلان جارسيا، الداعية الى تأميم قطاع واسع من النظام المالي.

ينظر كثير من الكتّاب في العالم العربي، بشيء من الارتياب الى التحول في مواقفه من تأييد الفكر اليساري والاعجاب بثورة كاسترو في كوبا، الى اليمين، حيث صار لا يخفي ايمانه باقتصاد السوق، والليبرالية. وظهرت خلافات الى العلن في السنوات الاخيرة في بعض المناسبات بين بارغاس يوسا والرئيس الفنزويلي اليساري شافيز، كما أن هذا الكاتب صار في السنوات الاخيرة دائم الانتقاد لنظام كاسترو في كوبا، وأثار أيضاً حفيظة صديقه، الروائي المكسيكي أوكتافيو باث، عندما وصف النظام السياسي في المكسيك، الذي كان يسيطر عليه، الحزب الحاكم الوحيد في وقت من الاوقات، بقوله إنه "نظام الديكتاتورية المثالية".

بدأ ظهور بارغاس يوسا روائياً في العام 1962، حينما صدرت روايته الاولى تحت عنوان "المدينة والكلاب" بالاسبانية، وكان عمره ستة وعشرين عاماً، ويقال أنه راجع مخطوط روايته، التي بلغ عدد صفحاتها 1500 صفحة، وإعادة كتابتها من جديد، واختصرها الى الثلث تقريباً، ثم وجد في برشلونه ناشراً، يعد أهم ناشر للكتب باللغة الاسبانية. أما ترجمتها الانجليزية، التي صدرت العام 1967، فحملت العنوان الذي عُرفت به عالمياً وهو "زمن البطل". وكلمة "الكلاب" في العنوان الاسباني تستخدم بطريقة تحقيرية، وتشير الى طلبة السنة الاولى في أكاديمية ليونسيو برادو العسكرية، وقد اعتمد فيها الروائي على تجربته الخاصة حينما كان طالباً في الكلية نفسها.

نالت الرواية شهرة واسعة منذ صدورها، حيث حازت على جائزة في برشلونة في العام نفسه، وعلى جائزة النقاد الاسبان في العام التالي، وكان استقبالها النقدي كبيراً، وتراوح بين تقدير شفافية النقد الاجتماعي لدى الروائي، وبين قدرته على استخدام أساليب حداثية. وقد قال مرة، "لقد أحببت وليم فوكنر، لكنني قلدت هيمنغواي". كانت الرواية دقيقة في تصويرها للاكاديمية خصوصاً، وللفساد في المؤسسة العسكرية عموماً، لدرجة أن السلطات أحرقت ألف نسخة منها، وأدانتها بوصفها خطة من الاكوادور للتقليل من شأن البيرو. وهكذا ضمن الاستقبال العدائي انتشاراً للرواية، ومبيعات جيدة!

تسرد "زمن البطل" قصة جريمة قتل. يخبر طالب في الكلية العسكرية عن مرتكب جريمة بين زملائه الى سلطات الكلية، فتقرر عصابة من الطلبة تدعى "الحلقة" أن تسكت صوته. تُظهر الاسباب التي تذكرها العصابة، وكذلك التفسير الذي تقدمه السلطات لتبرير الموت على أنه حادثة عرضية، ثقافة الصمت والخوف في عالم يسيطر عليه الجيش. أراد بارغاس يوسا أن يفضح جانباً من الثقافة العسكرية آنذاك، حيث تعلم الكلية طلبتها كيف يعيشون ضمن هياكل وأنظمة هرمية تقوم على إطاعة الاوامر، وحماية السمعة بأي ثمن، وعدم الاخبار عن خطأ أو تقصير. ورغم أن مواضيع الرواية مستمدة من المجتمع البيروفي، إلا أنها تمثل قضايا عالمية تدور حول الهيمنة الذكورية، والسرية، والجيش، والجنس، وتجارب الحب الاول، وتحديات الانتقال من الطفولة الى الرجولة.

كل شخص في الكلية له لقب يعرف به، ولا يستخدم الاسم الاصلي الا في حالة البرتو فيرنانديز "الشاعر"، وريكاردو آرانا "العبد". وفي القصص التي تجري في الماضي، فإنه يتم استخدام اسم الشخصية المجهولة الحقيقي، لكننا لا نعرف ما لقبها الذي تعرف به في الحاضر. ولا يتم الكشف عن هويتها الا في النهاية، مما يضيف غموضاً آخر الى الشخصية.

تفتتح "زمن البطل" في الليل بالمزاح وإطلاق النكات والعبث، بين أربعة رفاق مراهقين في سنتهم الأخيرة في الكلية، وتنتهي بالقتل. تضم عصابة "الحلقة" جاكوار القائد، وكافا، وجامبوا، والبرتو "الشاعر". يعد "جاكوار" أكثرهم قسوة. وهناك شخصية "العبد" المهمة في الرواية والتي تمثل الضعيف والجبان المستعبد. أما المكان الذي يجتمعون فيه فليس سوى مرحاض بلا نوافذ، ليقرروا، من خلال رمي حجر النرد، من منهم سيسرق اجابات إمتحان الكيمياء. النجاح مهم بالنسبة لهم لأجل التخرج. يتفق الطلبة مع كافا على القيام بذلك، ويخططون لابعاد الطلبة المناوبين، كي يمر دون أن يلحظه أحد، عن طريق إعفاء بوا وكيورلي من دورة المراقبة بحسب قرعة النرد.

وبينما كان "الشاعر" يشغل الضابط هوارينا في نقاش ميتافيزيقي غريب، بعيداً عن مكانه الطبيعي، يرى "العبد" فجأة كافا يدخل مبنى الكلية. وخلال عملية الاقتحام، يكسر خطأ زجاج نافذة، مما يؤدي الى اكتشاف سرقة الامتحان، فيتم حجز الذين كانوا يقومون بالحراسة تلك الليلة، في الثكنات، وتلغى إجازاتهم، حتى يعترف المسؤول عن ذلك، أو يقوم شخص بالاخبار عنه. لم يكن "العبد" الذي اصبحت حياته جحيماً، بسبب الاساءة التي تهطل عليه من قبل القسم، وتحديداً من عصابة "الحلقة"، حراً. وفي الفترة الاخيرة، أرسل "العبد" صديقه "الشاعر" الى بيت حبيبته تيريزا للاعتذار اليها عن عدم حضوره موعداً بينهما. وبسبب سرقة الامتحان، فقد أُحتجز "العبد" مرة أخرى. يطلب "العبد" من "الشاعر" أن يكتب رسالة الى تيريزا، لكنه يرفض، فيشعر "العبد" بخيبة الامل، وبالغضب من استمرار منعه من رؤيتها، ويظن أن الفرصة قد جاءته لنيل ما يريد، إذا أخبر عن مضطهديه، فيعمد الى إخبار الضابط هوارينا عن كافا، وينال بذلك تصريحاً بالخروج.

في نظر العصابة، ووفق الثقافة السائدة في الكلية، فإن إفشاء الاسرار والاخبار عن المخطئين يعد اسوأ جريمة يمكن أن يرتكبها طالب ضد زميل له. يقسم قائد المجموعة على أخذ الثأر. يصاب "العبد" خلال المناورات العسكرية، مما يؤدي الى موته بشكل مأساوي، وتعلن الكلية أن موته نتج عن حادثة عرضية.

يقول جامبوا: "كيف يستطيع أن يظل على ثقته العمياء بالسلطة بعد الذي حدث؟ لعله كان من المعقول أكثر لو أنه جارى الاخرين. لقد كان الرائد جاريدو حتماً على حق حينما قال إنه يجب تفسير القواعد والانظمة وفق الظروف السائدة، وأن الاهم من ذلك كله أن تحافظ على أمنك ووظيفتك".

يعيش "الشاعر" صراعاً أخلاقياً في داخله؛ هل يجب كشف الحقيقة أم السكوت عن القاتل. وفي النهاية يخبر قادة الكلية أن وفاته لم تكن مجرد حادثة، وإنما جريمة قتل ارتكبها "جاكوار". تفتح الكلية تحقيقاً في الموضوع، وعندما تدرك أن هذا من شأنه الاساءة الى سمعة الكلية، وكشف الفساد فيها، فإنها تقرر تعليق التحقيق، وعد موته حادثة غير مقصودة. وعندما يدرك "جاكوار" خطأه، ويعترف به، فإنه يكون قد فات الاوان، لأن الكلية أغلقت الملف وعدّت الامر حادثاً خلال المناورات. وهكذا لا يتعرض أحد للعقوبة، ويتخرجون، ويذهب كلٌّ في سبيله. يمكن القول أن "العقوبة" النفسية المتمثلة في الصراع الداخلي تأخذ حيزاً كبيراً، وتفرض نفسها على تفكير الشخصيات، وتغير من نظرتهم الى أنفسهم، والى الاخرين حولهم، والى معنى الحياة بشكل عام.

إحدى القضايا التي تشغل ذهن بارغاس يوسا دائما هو الصراع بين الاب والابن، الامر الذي عالجه من زوايا عدة. لا يختلف السيد آرانا والد ريكاردو "العبد" عن والد البرتو "الشاعر". هجر زوجته مرات كثيرة، ولديه عدد من العشيقات. بالنسبة لريكاردو فهو أب غائب. وعندما يصاب ريكاردو بالرصاص، وهو على فراش الموت في المستشفى، يهمس والده الى البرتو عن التحدي الذي واجهه في جعل ابنه رجلاً، "لم يكن من السهل صناعة رجل منه، إنه مجرد ابني". يود الاب تصديق أن الكلية قامت بالشيء المناسب تجاهه، لمنحه شعورا بالرضى عن الذات، وتعزيز قناعته القديمة بأن كل ما فعلته زوجته وخالته اديلين أضعفَ الجانب الرجولي فيه. يفعل السيد آرانا كل شيء، إلا التفكير في تقصيره في تنشئة ابنه، أو فهمه بالشكل الصحيح.

تؤكد الرواية أن الانتقال من عالم البراءة الى عالم الخبرة، أو من عالم المراهقة الى الرجولة، لا يمكن أن يكون من دون ثمن، وأنه لا بد أن تنكسر القشرة التي يظن كثيرون أنها تحمي الانسان، وتغنيه عن خوض تجاربه الخاصة، كما توجّه الرواية نقدا شديداً الى نظام التعليم، من خلال ابراز الفساد والبيروقراطية التي تصيب المؤسسات التعليمية. تحتوي الرواية على مشاهد تظهر حجم القسوة وامتهان الكرامة التي يمارسها الطلبة في الكلية العسكرية، والتي يعكس قبول ادارتها بها نوعاً من الرضا عنها. تصور الرواية تلميذين صغيرين يلاحقهما تلميذان كبيران، ويجبرانهما أن يقعيا على الارض، وأن يتصرفا ككلبين في وضع تزاوج.

من المواضيع الرئيسة التي طرحتها الرواية، الصدام بين الضمير الفردي والمؤسسة، وحالة الفرد الذي يجد نفسه بمواجهة أوامر المجموعة. كما تعد الرواية نموذجاً قوياً في تصوير مثالية الشباب وسذاجتهم أحياناً أثناء خوضهم تجربة الحب الاول.

يقوم بناء الرواية على تناول مفارقات عدة، وليس فقط الاختلاف بين الحياة العسكرية والمدنية، كما تمثله الكلية والمدينة، اللتان تبدوان عالمين منفصلين، فهناك مستويات أعمق وأكثر تعقيداً من التضاد في شخصيات أبطالها. وهناك مفارقة مهمة بين الشك واليقين، حيث تبدو شخصياته غير قادرة على تقرير مصيرها، أو تحديد موقفها، بل تصبح أسيرة الظروف والمواقف والبيئة.

كان القاص والروائي الامريكي هاري سيلفستر من أوائل الكتاب الغربيين الذين انتبهوا الى أهمية الرواية الاولى لبارغاس يوسا، وقيمتها الفنية، وهو من أوائل من كتب عنها عقب صدورها، فقد كتب في العام 1966 مقالة في "نيويورك تايمز" يتناول فيها بالتحليل شخصية "جاكوار"، والتحولات التي طرأت عليه. وقد أشاد فيها يومها بالكاتب الشاب ذي الموهبة الذي استطاع أن يستفيد من تجربته في الكلية العسكرية بكتابة غير نمطية، تمزج بين الواقعية والتجارب الذاتية، لكنها لا تقع أسيرة النمذجة. كما يقدم أمثولة أخلاقية بعيداً عن اسلوب الوعظ المباشر، ولكن من خلال اختيارات شخصياته. ومن هنا جاء التطور في شخصية "جاكوار"، الذي أدرك خطورة جريمته، فبادر الى الاعتراف بها. نلمح في الرواية تأثراً بوجودية سارتر من خلال الاقتباس الذي يستهل به بارغاس يوسا روايته.

أسلوب الرواية غير تقليدي، حيث لا تسير أحداثها بنسق زمني متتابع، وهو نمط فضّله كتاب فترة الطفرة الروائية لامريكا اللاتينية الذين كانوا معجبين بالحداثيين، من مثل فرجينيا وولف، وجيمس جويس، ووليم فوكنر. تقدم الرواية وجهات نظر متعددة من زوايا مختلفة، وتنتقل بين صيغ الزمن المختلفة، كما يتحول ضمير الراوي من الغائب الى المتكلم. ورغم أن الرواية قليلة الاحداث، إلا أن تطور أسلوب السرد عند بارغاس يوسا يشد القاريء للمتابعة حتى النهاية. يجري السرد في الوقت الحاضر بضمير الغائب، ويتحول الى ضمير المتكلم في حالة البرتو، وفي الوقت نفسه، يجري سرد ثلاثة مسارات في الماضي معاً عن ثلاثة أشخاص في الكلية.

تبدو الرواية غامضة ومعقدة في البداية، حيث تتداخل وجهات النظر المختلفة. يحب ثلاثة رجال مرأة واحدة لها ثلاثة أسماء مختلفة هي ثيريا، وتيريزا، وتيري. لا يكشف السرد في الماضي لقب الشخصية الحالي في الحاضر، مما يزيد من التشوش والتعقيد. هناك خيوط مختلفة للحدث تسير في حبكات مختلفة، يضيف بعضها معان جديدة الى القصة، وبعضها يموت دون أن يضيف شيئاً.

ربما تبدو الرواية عادية، لكن أسلوب السرد وتطور الحبكة فيها على درجة عالية من النضوج، حيث تتطور الشخصيات الرئيسة بشكل كبير. ويدفع السرد القاريء الى أن يأخذ جانب "الشاعر" أكثر من جانب "جاكوار" طيلة الرواية، غير أنه في النهاية يظهر "جاكوار" "الشرير" شخصية أفضل مما كنا نظن، مما يجعلنا ندرك مخاطر افتراض الحقيقة.

وقعت الرواية في هنات فنية، مثل كثير من الروايات الاولى، التي تعتورها مشكلات البدايات، فهناك مشاهد غير ضرورية، وتراخٍ في ايقاع السرد أحياناً، والرغبة في قول أكثر مما يجب، ليس فقط عن الكلية التي تشكل قلب الرواية، ولكن عن المجتمع البيروفي عموماً، وصعوبة التمييز بين أصوات بعض الشخصيات. واذا كانت الرواية قد نجحت في تطوير الشخصيات من الذكور، فإن الشخصيات النسائية فيها بقيت هامشية، أحادية الجانب. تبدو تيريزا شخصية مكتملة الجوانب، ليس بسبب تطويرها من جانب المؤلف، ولكن لأنها تخوض ثلاث قصص للحب مع ثلاثة رجال في آن معاً.

كان عمر بارغاس يوسا ستة وعشرين عاماً عندما كتب هذه الرواية، وبالتأكيد فإنها ليست أفضل ما كتب، إلا أنها كانت تبشر بولادة موهبة عملاقة ستفتح نوافذها لاحقاً على أبعاد أعمق وأحداث أكثر تأثيراً.

رابط المقالة بجريدة الرأي
 
رابط الصفحة الكاملة (يرجى الانتظار ريثما يتم تحميل الصفحة)
 

عالم بارغاس يوسا بين التاريخ والسياسة والنقد الاجتماعي



عالم بارغاس يوسا بين التاريخ والسياسة والنقد الاجتماعي
اياد نصار

* نشرت في الملحق الثقافي لجريدة الدستور يوم الجمعة بتاريخ 22/10/2010

ينسب بعض النقاد الفضل في قيام الموجة الثانية من طفرة الازدهار، في أدب أمريكا اللاتينية، الى روايات البيروفي، الحائز على جائزة نوبل للأدب هذا العام، ماريو بارغاس يوسا Mario Vargas Lliosa. بدأت الموجة الاولى للطفرة على يد المكسيكي كارلوس فيونتس، في عام 1958، بروايته "حيثما يكون الهواء صافياً"، ثم جاء الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز، بروايته الشهيرة "مئة عام من العزلة" في عام 1967.

لا يقل اهتمام ماريو بارغاس يوسا في النقد السياسي والاجتماعي، في إطار من إعادة اكتشاف تاريخ أمريكا اللاتينية، وتقديمه، في كتاباته الروائية، عن كتاباته الاخرى، غير السردية. وتجسد قصة حياته ذاتها، وما مر بها من تطورات ونجاحات واخفاقات، وتجاربه السياسية، وانتاجاته الادبية، وكتاباته الصحفية، هذا الانشغال الدائم بقضايا الحرية، والاضطهاد، والتخلف، والصراعات السياسية، والديكتاتورية، والفساد، وإعادة كتابة التاريخ الكولونيالي الاستعماري، وما بعده خلال فترات حكم العسكر الطويلة، في صوغ أدبي على درجة عالية من النضوج الفني والعمق. وتقدم رواياته نظرات نقدية عميقة، وإن اعتراها التحول، في حصاد التجربة الانسانية، وصمود الثقافات الوطنية أمام محاولات الطمس، من خلال التحليل المستند الى رؤية فكرية، تؤمن بالحرية، وتبرز أزمات مجتمعات أمريكا اللاتينية المنكوبة، بالصراعات المسلحة، والفقر، والتحولات الراديكالية العسكرية، وتسبر غور الثقافة الشعبية السائدة، والمقولات الاجتماعية التي تولد العنف والاستبداد في المجتمعات المتخلفة. لذا يشار الى بارغاس يوسا بأنه الضمير الوطني للبيرو. تنطوي كتاباته على رؤى عميقة حول معاني الحياة، والحرب، والحب، والجنس، والاخوة، والانسانية بطريقة ذكية، وتنم عن منهجية وثقافة ذات توجهات انسانية عالمية، وبأسلوب فريد جذاب.

ظهرت مجموعته الاولى من القصص القصيرة، المسماة "الرؤوس" في عام 1959. وعندما ظهرت روايتاه: "المدينة والكلاب" و"البيت الأخضر"، في عامي 1962 و1966، ومن ثم ترجمتاهما الى الانجليزية في عامي 1967 و1969، فقد صار ينظر اليه على اعتباره معجزة رواية أمريكا اللاتينية، الجديدة، وحلم ازدهارها القادم، نظراً لأن عمره ـ عندما صدرت "المدينة والكلاب" ـ كان ستة وعشرين عاماً. من غير الواضح ما هو السبب الذي حدا به، أو بالناشر، الى تغيير عنوان روايته الاولى، في الترجمة الانجليزية، الى "زمن البطل"، رغم أنه قد يكون معبراً أكثر. وقد قال، مرة: "لقد أحببت وليم فوكنر، لكنني قلدت هيمنجواي".

بنى بارغاس يوسا عالمه الروائي، من خلال تطويع أحداث شخصية وتاريخية، باستخدام أساليب متقدمة، توظّف تعدد الاراء، ووجهات النظر، بعيداً عن السرد الخطي الاحادي. تجري أحداث أغلب رواياته في البيرو، وتعكس دور الاحتجاج الاجتماعي للرواية التي تفضح الفساد، والهيمنة الذكورية، والتمييز العرقي، والعنف، إلا أنه يؤمن أن على الكاتب ألاّ يلجأ الى الوعظ، أو التنازل عن الاهداف الجمالية لصالح الدعاية الايدولوجية.

وفي هذا الصدد، وعند الحديث عن المؤثرات التي شكلت عناوين اهتمامات بارغاس يوسا السياسية والاجتماعية، ونظرته الى بدايات الرواية الامريكية اللاتينية، لا بد من التطرق الى الادب، خلال المرحلة الكولونيالية الاستعمارية، وما بعدها، مع بزوغ شمس الاستقلال، في الثلث الاول من القرن التاسع عشر. خدمت مدينة ليما، عاصمة البيرو، التي كانت تعرف ـ في القرنين السادس عشر، والسابع عشر ـ لدى الاسبان، بأنها مدينة الملوك، بوصفها مركزاً انتقالياً، للتنقيب عن الفضة، في الانديز، ونقله الى اسبانيا. ومع سقوط الامبراطورية الاسبانية، ومع نفاد الفضة السهلة الاستخراج، فقد تراجع دور ليما. وبرغم من أن المحتلين الاسبان دمروا مكتبات حضارة الانكا، إلا أن المثقفين من الهنود، ومن الاصول الاسبانية، حاولوا استعادة أكثر ما يمكن من أدب البيرو ما قبل الاستعمار. وهكذا نقلت الى الاسبانية مجلدات عدة من أساطير الانكا، ومعتقداتهم، ومعابدهم، وشخصيات أبطالهم التاريخية والاسطورية، التي استمد منها، بارغاس يوسا الكثير، في رواياته.

في روايته الشهيرة "موت في الأنديز" التي أصدرها في عام 1994، فإنه يبني عالماً يسيطر عليه الخوف والموت، في منطقة مناجم في جبال البيرو، ويقدم مأساة اجتماعية سياسية، يشهد العريف، "ليتوما"، فصولها، حيث تستحضر الرواية الكثير من الاساطير والمؤثرات الثقافية التاريخية، المستمدة من حضارة الانكا، في عالم عدائي، تحت تهديد مقاتلي جماعة "الدرب المضيء"، الماويين.

تجرأ ليتوما على سؤال الدكتور بول ستيرمسون، في منجم لاسبيرانثا، عن الآبووات. فقال: "إنهم آلهة الموت، أرواح مرتفعات السلسلة وجبالها ـ قال البروفيسور، وهو يشعر بسعادة التحدث في أمر يبدو أنه يداعب طرف لسانه: "كل مرتفع في الانديز، مهما كان صغيراً له إلهه الحامي. وعندما جاء الاسبان، وحطموا الآلهة والهواكات، وعمّدوا الهنود، ومنعوا العبادات الوثنية، ظنوا أنهد قضوا، بذلك، على تلك العبادات. والحقيقة أنها ظلت متداولة، عبر اختلاطها بالشعائر المسيحية. والآبووات هم الذين يحسمون شؤون الحياة والموت على هذه الأراضي، ونحن مدينون لهم بوجودنا، هنا، أحياء، يا أصدقائي. فلنشرب كأساً كاملة، حتى آخر قطرة، على شرف آبووات منجم لاسبيرانثا".

عندما ترك الاسبان أمريكا اللاتينية، نهائياً، في عام 1830، كانت الأوضاع في قمة البؤس والفقر، وفي داخل البلاد، عاش الهنود الحمر في دائرة مغلقة، من الفقر، بدأت مع الحكم الاسباني، وما زالت حتى وقتنا القريب. ظل الهنود، حتى تسعينيات القرن العشرين، يشكلون طبقة الفلاحين الفقراء، المعدمين، في المجتمع البيروفي، وقد فتكت بهم الامراض، مثل الكوليرا، في التسعينيات، والامية، والفقر. ولا تخلو روايات بارغاس يوسا تقريباً من شخصيات تستمد أصولها منهم.

باستثناء بعض الاسماء القليلة، مثل جوانوت مارتوريل، من بلنسية، في اسبانيا، في القرن الخامس عشر، الذي يعتبر رائد بواكير الرواية الحديثة، في أوروبا، وفكتور هوغو، الذي قرأ بارغاس يوسا روايته "البؤساء" في أثناء وجوده في الكلية العسكرية، فإن الرواية ما قبل جوستاف فلوبير، ووليم فوكنر، كانت، في نظره، بدائية. جرّب كتاب أمريكا اللاتينية، من بعد خروج الاسبان، الاساليب الرومانتيكية في السرد، قبل أن يتبنّوا شكل الرواية الواقعية. وتصف هذه الروايات، التي تسمى روايات الارض، أو الروايات المحلية، أراضي أمريكا اللاتينية، وحياتها الريفية، بتفصيل شديد.

حملت الروايات في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ملامح مدرسة الواقعية والطبيعية. وقد جعلوا الرواية تخدم غرض التوثيق، في حين أن الروائي الحداثي، كما كتب بارغاس يوسا، عن ذلك، مرات عدة، يستخدم ما توثقه الرواية: كالمشاعر، والاحداث، والحقائق ... الخ لصنع الفن. يقول في كتابه "طقوس دائمة": "يعتمد كل شيء، أساساً، الشكل، وهو العامل الحاسم في تقرير ما اذا كان موضوع ما جميلاً أو بشعاً، حقيقة أم زيفاً.. على الروائي أن يكون فناناً قبل كل شيء، وصانعَ أسلوب محترف لا يكل ولا يتسرب اليه الفساد".

يؤكد بارغاس يوسا على أهمية مشاركة الكاتب في ما يجري من حوله، وفي مجتمعه، من نشاطات، وألا يبقى حبيس مكتبه، ظاناً أن دوره هو أن يؤلف، وحسب. وربما هذا يفسّر، في جانب منه، انخراطه في السياسة، كثيراً، واستمرار تحركاته وجولاته الى أماكن مختلفة من العالم، فقد سبق أن زار الاردن، وفلسطين، والعراق، والكونغو، وايرلندة الشمالية، وأماكن أخرى كثيرة، خاصة دول أمريكا اللاتينية. يقول: "يجب ألا يتحول الكاتب الى تمثال، أبداً. لم أحب، في حياتي، فكرة أن يبقى الكاتب في مكتبته، معزولاً عن العالم، مثلما كان يفعل مارسيل بروست. أحتاج أن أبقى على اتصال مع العالم، ولهذا أمارس الصحافة".

جمعت مقالات بارغاس يوسا، عن الحرب، في العراق، والتي كتبها لصحيفة "البايس" الاسبانية، في كتاب بعنوان "يوميات العراق" (2003). كما سافر مع ابنته مورجانا، وبصحبة مصور، الى فلسطين في عام 2005، وسجل انطباعاته في كتاب بعنوان "اسرائيل / فلسطين: سلام أم حرب مقدسة؟" (2006). لقي الكتاب ردود فعل مختلفة بين الجالية اليهودية، في أمريكا اللاتينية. وقال بارغاس يوسا، في مقابلة صحفية، بعد صدوره: "أصبحت اسرائيل دولة قوية ومتعجرفة، وإن دور أصدقائها أن ينتقدوا سياساتها بشدة".

وفي معرض حديثه عن أعماله القادمة، بعد فوزه بجائزة نوبل، قال إن إطلاعه على قصة بطل وطني ايرلندي، يدعى روجر كيسمنت، في بداية القرن العشرين، بينما كان يقرأ في سيرة حياة الروائي البريطاني جوزيف كونراد، أوحى له بفكرة روايته التي يعمل عليها، الان. كان كيسمنت معارضاً للحكم الانجليزي لبلاده، ومن أوائل الاوروبين الذين شاهدوا فظائع الاستعمار في افريقيا، خاصة ممارسات الجيش البلجيكي ضد المدنيين، وكتب تقارير تفضح هذه الممارسات. لعبت التقارير دورا مؤثراً، لاحقاً، في القيام بمراجعة داخل الجيش البلجيكي. كما دافع كيسمنت، أيضاً، عن الحقوق المسلوبة لهنود حوض الامازون. لكن الانجليز ألقوا القبض عليه في عام 1916، وشنقوه بتهمة الخيانة العظمى.

التحق بارغاس يوسا بخلية شيوعية، في صباه، وهرب مع صديقته البوليفية، التي كانت تكبره سناً، وهي جوليا أوركويدي، وتزوجها. ومن واقع هذا الزواج، الذي استمر تسع سنوات، كتب بارغاس يوسا، في ما بعد، روايته "الخالة جوليا وكاتب النص". ورغم أنه يعد من أهم الكتاب في الدول الناطقة بالاسبانية، إلا أنه بدأ مسيرته الادبية في أوروبا، وبالذات في فرنسا، حيث انتقل، بعد زواجه، الى باريس، عندما شعر أنه لن يستطيع كسب قوته في البيرو، بوصفه كاتباً جاداً. وفي فرنسا عمل بارغاس يوسا أستاذاً للغة الاسبانية، وصحفياً لوكالة الانباء الفرنسية، ومذيعاً في الاذاعة والتلفزة الفرنسية، في أوائل الستينيات. حصل على الجنسية الاسبانية، وانتخب في عام 1996 عضوا في الاكاديمية الاسبانية. عاد في عام 1975 ليستقر في البيرو، منهياً بذلك المنفى الاختياري الذي فرضه على نفسه، وخاصة أن الديكتاتورية العسكرية، التي بدأت سنة 1968، في بلاده، حينما استلم الحكم الجنرال فرانشيسكو موراليس بيرمديز، انتهت في عام 1980.

دهش التحولُ في قناعات بارغاس يوسا السياسية، من يساري متعاطف مع الثورة الكوبية، ومهاجم ـ بضراوة ـ للامبريالية والطبقية في رواياته، الى اليمين الليبرالي، خصومه، وجعل من الصعب النظر الى أعماله من زاوية واحدة. ويمكن تلمس عملية التحول الايدولوجي التدريجية في رواياته ما بين أعماله المشهورة الاولى، من مثل "البيت الأخضر"، و"محادثة في الكاتدرائية"، وأعماله اللاحقة، من مثل: "موت في الأنديز" و"حفلة التيس". أكدت روايته "حفلة التيس" التي أصدرها في عام 2000 أن "السياسة هي أحد أكثر الشياطين الذين فجروا فيه الابداع". كان بارغاس يوسا مرشحا محافظاً، عن الجبهة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية في البيرو، في عام 1990، لكنه هُزم، فيها، على يد البرتو فوجيموري، ذي الاصل الياباني. وقد ضم كتابه المسمى "سمكة في الماء" في عام 1993 مذكراته، وخاصة حملته الفاشلة للرئاسة، التي كان كثير من الناس يتوقع أن يفوز بها أمام مرشح غير معروف، نسبياً.

كانت روايته الاولى، "زمن البطل"، التي أصدرها في عام 1962، سبباً في تعريف العالم بروائي جديد، يمتلك موهبة روائية حداثية، تستلهم اسلوب وليم فوكنر، وتيار الوعي، كما في أعمال فرجينيا وولف، وجيمس جويس. تعد الرواية صورة مصغرة للمجتمع البيروفي. وأشارت دراسات عدة الى موقف الرواية القوي، في النقد الاجتماعي والسياسي. وطبقاً لنظرية بارغاس يوسا، فإن الشياطين الشخصية والاجتماعية والتاريخية تعطي معنى للرواية، وتتحول الانشغالات، في العقل الباطن، خلال عملية الكتابة، الى قضايا جوهرية بالنسبة للروائي.

واذا كانت "زمن البطل" تبرز، من خلال موقفها الجريء، فساد المؤسسة العسكرية الخفي من جهة، والهيمنة الذكورية، في المجتمع، من جهة أخرى، فإنه في رواية "البيت الاخضر" في عام 1966، عاد الى تجارب طفولته وشبابه. تضم الرواية المعقدة مكانين رئيسين: الاول مدينة ريفية، والثاني الغابة، وهي بيئة عدائية، لكن فيها جاذبية وتحدياً. سافر، في عام 1957، مع مجموعة من علماء الاثار الى الغابة، وشاهد كيف يتم اجتذاب الفتيات الهنديات للعمل في البغاء على الشاطيء. قصة "البيت الأخضر" قصة بيت للدعارة، احترق وتهدم، وأعيد بناؤه من جديد.

أما رواية "حرب نهاية العالم" التي صدرت في 1981، فتحكي قصة ثورة ضد الحكومة البرازيلية، في أواخر القرن التاسع عشر، والرد الوحشي الذي قامت به السلطات. هناك متعصب ديني معروف باسم المستشار، ومعه جماعة كبيرة من الاتباع والتلاميذ، من المهمشين، في المجتمع. جاء في الرواية: "كان صوته مقنعاً، يصل روح الشخص من دون أن يجتاز رأسه، وحتى بالنسبة لشخص مخبول مثل جواو الكبير، فقد بدا مثل عشبة عطرية، شفت الجروح القديمة الاليمة. وقف جواو، هناك، يستمع له متسمّراً في المكان، من دون أن يرمش، وقد حركته الكلمات التي كان يستمع لها حتى النخاع، مثلما حركته موسيقى الصوت الذي كان يردد هذه الكلمات. كانت هيئة القديس تتوارى، أحياناً، خلف الدموع في عيني جواو. وحينما تابع الرجل مسيره، فقد بدأ يتبعه، تاركاً مسافة بينهما، مثل حيوان خائف".

تتحرك رواية "تاريخ مايتا"، أو "الحياة الحقيقية لأليخاندرو مياتا"، التي أصدرها في عام 1983، في عدة مستويات سردية. تتناول الرواية فشل ثورة ماركسية لينينية، يقودها الكهل تروتسكيست أليخاندرو مايتا في جبال الانديز. وقع مايتا في الأسر، وأعدم مساعده الثاني، فاليجوس. يُجري الراوي، لكونه روائياً في القصة، مقابلات مع عدد من الناس، الذين يعطون شهادات متناقضة، حول شخصية مايتا. وفي النهاية يدرك القاريء أنه، في أثناء تأليف الرواية داخل الرواية، فإن الراوي قد اخترع حياة مايتا، وقلّل من قيمة كتابة التاريخ وقراءته.

تابعت روايته "حفلة التيس"، التي صدرت عام 2000، اهتمام المؤلف السياسي في التاريخ الحديث لأمريكا الجنوبية، وتجري أحداث الرواية في جمهورية الدومينيكان، في عام 1961 والتي يحكمها الديكتاتور رافائيل ليونيداس تروجيلو. عادت أورانيا شابرال الى مدينة سانتو دومينغو لزيارة والدها المريض، وهو عضو مجلس شيوخ سابق، وخادم مطيع للديكتاتور. "وكم من المرات رجعت الى البيت حزيناً؛ لأنه لم يتصل بك، وخائفاً؛ لأنك لم تعد ضمن حلقة المقربين منه، وأنك قد صرت ضمن المراقبين؟" وفي النهاية فإن كابرال فقد حظوته.

يصور بارغاس يوسا تروجيلو مثل سوبرمان منتشٍ بقواه السياسية والجنسية، والذي يكاد يعبده رجاله الشياطين القساة، الذين يعملون في سراديب التعذيب. بنى بارغاس يوسا الرواية، مثل قصص الرعب، التي تقود القاريء الى قلب الظلام.

في رواية "الطريق الى الجنة" (2002)، هناك الاشتراكية فلورا تريستان التي تهجر زوجها لتدافع عن حقوق النساء، وحفيدها، الرسام بول غوغان اللذين تجذبهما الافكار العظيمة والصورة المثالية للحياة. تكرس فلورا وقتها لخدمة الانسانية، وإقامة جنة العمال. يترك غوغان الحضارة الاوروبية، وعائلته، خلفه، في باريس، ليعيش في تاهيتي كأنه في جنة مدارية.

أشار خوزيه ميغيل أوفيدو، وهو أحد أهم نقاد أعمال بارغاس يوسا، الى أن الحرية، دائماً، تكون مرهونة بالبيئة، أو بالمواقف التي يعبر فيها الضغط الاجتماعي عن نفسه، مما يجعل رواية بارغاس يوسا نوعاً من الرواية الوجودية، التي تتحكم فيها الظروف القاسية، والثورة غير المنطقية بالابطال الذين يجدون أنفسهم في موقف قاهر.

وأخيراً، ورغم أن بارغاس يوسا واقعي، من حيث الشكل، إلا أنه ليس كذلك، في أسلوب السرد، فهو لا يؤمن بالراوي الكلي العليم، وإنما يؤمن بأن يدع شخصياته، تحكي قصصها من خلال توظيف تعدد الاصوات، وتداخل صيغ الزمن، ويمزج، في رواياته، بين تيار الوعي، والاحلام، والانعكاس، والتأملات، بالاضافة الى توظيف أجواء العنف، والجريمة، والغموض، والحرب، ومآسي التاريخ وأساطيره المخيفة، في عالم يعكس أجواء الحب المحاط بالشر والسوداوية، ويصوغ نسيجاً روائياً فنياً فريداً يقوم على ثلاثية التاريخ والسياسة والنقد الاجتماعي.

رابط المقالة بصحيفة الدستور

رابط الصفحة الكاملة (انتظر قليلاً ريثما يتم تحميل الصفحة)


مشاركة نقدية في تحقيق حول الادب البوليسي


مشاركة نقدية في تحقيق حول الادب البوليسي في صحيفة "الغد"
الادب البوليسي نشأ في الغرب وما يزال يبحث عن معادل عربي

إعداد وتقديم: القاص والروائي جمال القيسي

عمان- القصة البوليسية، التي تنتمي إلى مصطلح أوسع هو "الأدب البوليسي"، يتأخر حضورها في الأدب المحلي الأردني، ويبقى بروزها عربيا مرهوناً، وفق كتاب ونقاد، إلى التعامل معها على اعتبار أنها "أدب أقل".


وبينما يزدهر "الأدب البوليسي" في "منشئه" في الغرب، ويعزّز تفوّق السينما والدراما التي تستند إلى "الروائع الأدبية"، تخفت كذلك الثيمة البوليسية في الفنّ المرئي العربي، باستثناء بعض الأعمال الدرامية مثل المسلسل السوري "الهشيم"، وأخرى مصرية قليلة مأخوذة من ملفات المخابرات المصرية لصالح مرسي.

التفوّق الغربي يتأكد بأنّ روائية أردنية، تحمل الجنسية الأميركية، هي ديانا أبو جابر، استفادت من الاحتفاء الغربي بالأدب البوليسي، فخاضت غماره واشتهرت بروايتيها "الجاز العربي" و"هلال". ونالت رواية "هلال" جائزة بن سينتر للقصة الأدبية للعام 2004، وجائزة مؤسسة بيفور كولمبس، كما صنفت الرواية بين أفضل عشرين رواية للعام 2003 من قبل صحيفة "كريشيان ساينس مونيتور" الشهيرة. في حين نالت رواية "الجاز العربي" جائزة كتاب أوريغون ورشّحت لنيل جائزة بين فولكر.

والمقارنة شديدة الميلان نحو الغرب، فمن المعروف أنّ الأديب الأميركي إدغار الن بو (1809-1894) يعدّ رائد القصة البوليسية وأستاذها المنظر لها في كتابه المنشور 1852 "حكايات الغموض والخيال والرعب"، ومنه انتقل بذلك الفنّ الصعب إلى اوروبا.

لم تكن أوروبا لتهزأ بهدية الن بو، فتلقفها البريطاني آرثر كونان دويل (1859ـ 1930) الذي ابتدع شخصية "شرلوك هولمز" التي برزت لأول مرة في العام 1887 فى رواية "غرفة مطالعة سكارلت"، و"الآنسة دورثي سايرز" (1893 ـ 1957) وأبدعت فيها أجاثا كريستي التي كانت تتعمّد خداع القارئ، وتخرق قواعد القصة البوليسية.

أستاذ الأدب والنقد في جامعة البترا د.خالد الجبر يحيل تفوق الأدب البوليسي في الغرب إلى أنّ المجتمعات هناك وصلت تشريعاتها إلى "درجة من التعقيد والتشابك"، موضّحا أنّ "علم الجريمة تجذر وضرب فيها، وأصبح له مساقات تدرّس في الجامعات مثل علم الجريمة والعقاب وما يسمى بعلم النفس الإجرامي. ويذهب إلى أن ذلك جاء "استجابة لما عليه حال الجريمة وتنوعها واختلاف أدواتها" في الغرب، فيما يجد أنّ الوطن العربي، والردن تحديدا ـ لم يشهد الجريمة المتنوعة والصارخة إلا في العقدين الأخيرين.

أما الروائي والسيناريست المصري المعروف بلال فضل، فيعتقد أنّ المسألة تعود إلى "إحجام الكتاب عن التطرق للأدب البوليسي بسبب عدم التفات النقاد إلى كتابه". ويؤشر بذلك إلى أمثلة في مصر، حيث كتبها إبراهيم عيسى وأحمد خالد توفيق، لكتها تجارب "لم تنل النقد الذي تستحقه"، وفق قوله.

ويقول مؤلف مسلسل "أهل كايرو" الذي عرض في رمضان الماضي بتصريحه إلى "الغد" إنّ غالبية الكتاب في العالم العربي لا تخرج رواياتهم وقصصهم عن التمسك بزمام الحالة الشخصية، أو تلك التي تستند إلى ما يرتبط به الكاتب من علاقات خاصة/ عامة، أو ما يعرف بـ "الرواية الاجتماعية". ويشير إلى أنّ كثيرا من الكتاب العرب يعتمدون على مقولة ماركيز "اكتب عما تعرف"، متناسين، برأيه، أنّ ماركيز ذاته كتب "وقائع موت معلن" التي يجد فضل أنها "رواية تشويقية متماهية مع الوجهة البوليسية إلى حد كبير".

وحول التساؤل المشروع بحتميّة أنّ الأدب مرتبط بالراهن، ولا بدّ أن يعكس مرآة الواقع، يرى الجبر أنّ الحال مختلف لدينا، لاعتقاده أنّ الروائيين خصوصا لا يعتمدون في أعمالهم الجانب الاستقصائي البحثي، وإنما "يتوكأون على عصا المخيلة والعاطفة"، معتبرا أنّ ذلك "لا يكفي في زمن بات للرواية فيه مصادرها العلمية والبحثية".

وبات تشكل الأدب في العالم العربي عموما، بحسب الجبر، يتوخّى الشهرة أكثر مما يبتغي تناول قضاياه الداخلية، مبينا أنه لذلك برزت أصوات تعود إلى التاريخ، ونبش شخصياته المرتبطة في حقب معينة فيه للوصول إلى التميز، على حساب الارتهان إلى اللحظة التي على الأدب أن يقول فيه كلمته الجريئة في الذي يقع من حوله.

القاص والناقد إياد نصار يفسّرغياب الأدب البوليسي، عربيا، بأنه "يستلزم وجود مجتمع مدني متطور، يمتاز بتعقيد الحياة المدينية، وتضارب المصالح، والصراعات حول المادة والمكانة التي ينشأ عنها بالضرورة، مشكلات وجرائم ذات دوافع مختلفة".

ويستدرك أنّ المجتمع العربيّ حتى وقت قريب كان يمتاز بأنه مجتمع ريفي قروي، ومدنه صغيرة، مبيّنا في المقابل أنّ الأدب البوليسي يعتمد على فكرة انتشار الجريمة حتى تصبح مظهراً مألوفاً من مظاهر حياة المجتمعات.

بيد أنّ فضل يرى أن الرواية والقصة إذا أحسن الكاتب حبكها ورسمها وجعلها مرآة صقيلة تحاكي نبض الناس، وتحترم عقولهم لن يلاقوها إلا بالقبول والاعتراف، ذاهبا أنّ ذلك يسهم آنذاك في تشجيع الكثير من الكتاب على طرق الأدب البوليسي وعبوره إلى عقل وقلب القارئ والمشاهد. إلا أنّه يعتقد أنّ الكاتب العربي يرتطم جهده بـ "الإهمال النقدي"، الذي هو رافعة من روافع الأدب، مبينا أنه من قبل "سلب وجرّد من حقوق الملكية الفكرية والأدبية التي يحظى بها كتاب العالم".

وتتعدد القراءة في أسباب غياب الأدب البوليسي، إلى حد أن يرى نصار أن لذلك علاقة بأمور تقنية، وأخرى بالكتابة الحديثة، مبينا أنه أمر يحتاج إلى ثقافة واسعة بعمل الأجهزة والمرافق والمؤسسات، كالفنادق والمستشفيات، والمحاكم، والبنوك، والمطارات، والموانئ، والسجون، وأدواتها كالطائرات والسفن والمال وغيرها.

ويضيف إلى ذلك المعرفة الدقيقة بأدوات الجريمة والقتل، كالأسلحة والسموم، وتوظيفها في القصة أو الرواية، وحتى إلى معرفة أكثر دقة بالأنظمة والقوانين، وكذلك خبرة في التعامل معها.



الثلاثاء، أكتوبر 19

لغة التواصل الصامت في عالم الوحدة


"من يؤنس السيدة" لمحمود الريماوي

لغة التواصل الصامت في عالم الوحدة

اياد نصار

* نشرت في جريدة النهار اللبنانية يوم الثلاثاء 19/10/2010


تقدم الرواية الأولى للقاص والصحافي محمود الريماوي، "من يؤنس السيدة" التي صدرت العام الماضي عن "دار فضاءات" في عمّان بناءً روائيا جذاباً في بساطته الشكلية من حيث الاحتفاء في جو تشيكوفي بتفاصيل حياة الانسان العادي، التي تستحق أن يُكتب عنها، بحيث تصبح القضايا الكبرى في الظل، لكنها باقية لا تمحى من الذاكرة، وتؤثر بشكل جسيم في حياتنا، بل وترسم مصيرها، ومن جانب آخر، تركيزه على الجانب التأملي لعالم النفس الداخلي، التي تعيش صراع الوحدة، واستيعاب الدروس في ختام تجربة حياة طويلة، بما يكتنفها من التفكير العميق في معنى حياة الانسان الموزعة بين الحاضر والماضي والمستقبل لشخصيتين رئيسيتين، وبطلة أخرى من نوع آخر، لا تقل أهميتها في الرواية عن البطلتين الأخريين، ألا وهي السلحفاة، التي تصبح محور الاهتمام طيلة الرواية. ويبدو الانشغال واضحاً عبر فصول الرواية العديدة بالبحث عن طرق التعبير والتواصل الأكثر فعالية.



يقوم بناء الرواية على تعدد الاصوات السردية، وخصوصاً ذلك الصوت الذي يأخذ فصلا قصيراً، لكنه في ظني من أكثر الفصول امتاعاً، وهو الذي ترويه السلحفاة ذاتها. تكمن أهمية الرواية في تناول حياة الانسان العادي، وهي في هذه الحالة وعلى نحو ليس مألوفاً كثيراً، امرأة عجوز سبعينية تدعى حسيبة أم يوسف، في إطار محيطها اليومي البسيط الذي تملأ جانبا كبيراً منه جارتها ورفيقة عمرها أم عوني، وذلك الحاضر الغريب المتمثل في السلحفاة، التي تكاد تعكس صورة البطلة إذ تنظر الى نفسها في المرآة.


يقوم السرد على توظيف البحث في أعماق النفس البشرية أكثر من انشغاله بالأحداث الكبرى التي تشكل مفاصل الحبكة المألوفة. وإذا كان بعض النقاد يعتبرون ذلك نوعا من السرد الثقيل الذي يتبع نسقاً هادئا بطيئاً، إلا أن تداعي الذكريات وحوار الشخصيات يغوصان في المعاني الكبيرة لأحداث كبرى عصفت بالمنطقة، وغيرت من سيرة حياة أبطالها وطموحاتها وأحلامها الضائعة. تفتتح الرواية باقتباس من مجموعة قصصية سابقة للمؤلف. يتضح في هذا الاقتباس استغراب الراوي من سلحفاة بطيئة تستطيع أن تكبح أشواقها، وتضع قناعاً صلداً لضميرها الشفاف. ويبدو أن المؤلف يواصل ارتياد ذلك الأفق الذي سبق أن قدمه في مجموعات قصصية سابقة مثل "رجوع الطائر" و"سحابة من عصافير" ليؤكد أننا نستطيع في خضم الحياة أن نعيش تجربة تعلم فريدة من نوعها، من كائن فريد حول معاني الصبر واختمار التجربة والدأب وتنمية أساليب مواجهة الحياة.


يضع الراوي القارئ في قلب الحدث بدون مقدمات، بتقديم شخصية البطلة مباشرة في أولى كلماته: "السيدة السبعينية بالكاد رأت سلحفاةً في سنيِّ عمرها الطويلة". يتضح في ما بعد أن هذه العلاقة المفقودة لسنوات طوال بين المرأة والسلحفاة، كان يمكنها أن تغيّر من مسرى حياة المرأة في ما مضى ومرّ بها من تجارب، بدلالة ما سيجري للمرأة من تطور في وعيها، وبداية إدراك عميق لفلسفة الحياة بعد الرؤية الأولى؛ سلحفاة تدب من غير أن ينتبه لها أحد للدلالة على انشغال الآخرين بهمومهم ومشكلات حياتهم، ونقد جانب مهم من جوانب الحياة المعاصرة المتمثل في عدم المبالاة والانشغال بالذات على حساب البيئة والآخرين، حينما يعيش الإنسان في وسط لا يعيره اهتماماً، فتمر التفاصيل والجزئيات عابرة مجهولة، فلا وقت للإنسان ليتأمل فيها مما يوحي بنقد السلوكيات المعاصرة.


تعقد الرواية مقارنة بين بطلتها الانسانية، وهي السيدة السبعينية، وبين بطلتها الحيوانية، وهي السلحفاة، فيما ينطوي على نقد لعالم الانسان. تبرز السلحفاة كنقيض للإنسان تكشف عريه وضعفه وخوفه وشكوكيته. فكما يقول الراوي فإن السلحفاة مخلوق صغير "يدبّ ببطء واستقامة نحو هدف غير معلوم، لا يلتفت الى الوراء كحال البشر وبعض الحيوانات، وبدا هاربا من خطر يكمن وراءه، دون أن يلوذ بشيء غير اندفاعه الى الأمام". في حين أن السيدة تسير هائمة بلا هدف محدد تواجه خوفها وضعفها ووحدتها بالعودة الى الماضي وذكرياته.


تبرز الراوية أهمية الاتصال وأدواته ولغته، ليس بين البشر وحسب، بل بين البشر والحيوان. ولعل الفصل الذي ترويه السلحفاة حول شعورها بالوحدة، وافتقادها الى أمها، والخوف الذي تعيشه بين أقدام البشر، يثير في النفس مشاعر التعاطف والتفهم. أما أم يوسف فلم تكن تعجز في الماضي عن مناداة أي حيوان أو طير باستخدام نداء صوتي ما، بل كانت عندما يفشل صوت ما، تلجأ الى نداء صوتي آخر. وحين تصمت السلحفاة ويسود البيت سكون، تقلق أم يوسف من أن ضيفتها تأسرها معها بهذا السكون، وهي التي تأملت أن تؤنسها، فالسلحفاة في نظرها صارت مثل طفلة صغيرة وحيدة، وهي اشتاقت لتلعب دور الأم. يبدو الاتصال هنا في أرقى درجاته حينما تهم أن تحتضنها كالأم، بل وتمارس دور الأم حينما تقف أمام السلحفاة وتمشي ببطء كي تتبعها مثلما فعلت عندما كانت تعلم أطفالها المشي.


تكتشف أم يوسف أنها يفوتها الكثير لتتعلمه في طريقة تواصلها مع هذا الكائن على رغم كل خبراتها وتجاربها. وقد سلطت الرواية الضوء بشكل واضح على مفهوم مهم في معنى التواصل، مفاده أن لكل إنسان أو حيوان أسلوباً للتواصل، ويجب عدم التقليل من فهم الأشياء الصغيرة البسيطة حولنا. تسأل حسيبة السلحفاة بابتسامة، فتهز السلحفاة رأسها ويلمع بريق في عينيها الناعستين. بالنسبة الى حسيبة هذا البريق يمثل بريق الحياة والاستجابة: "أهل الحارة لا يدرون شيئاً عن السلاحف". لكن الأمر أعمق من ذلك، فهم لا يعرفون شيئاً، ولكنهم يتفلسفون ويثرثرون حول كل شيء يخطر ببالهم. وسيثيرون كل ما أمكنهم من أسئلة تتخيلها عن ماهية حياة السلحفاة ليس حباً في المعرفة بل لقتل الوقت في حياة رتيبة مكرورة.


تهتم الرواية بالتأكيد على لغة التواصل في الحي، ليس بين السيدة والسلحفاة وحدهما، بل تقدم نماذج من علاقات الجيران وتوتراتها الصغيرة وتكتيكاتها الغريبة. عندما يأتي ابنها ماجد وعائلته لزيارة السيدة، فهناك مشاعر خفية من عدم الارتياح ما بين زوجة ماجد وحماتها، في حين تتسم علاقة السيدة حسيبة بجارتها المسيحية أم عوني بالدفء والقوة والصدق، مما مكّنها من أن تصمد ما يزيد على سبعة وعشرين عاماً. وتكاد تعوضها عن حضور أبنائها العابر في حياتها في هذه السن. "الأولاد يأتون عندما يأتون زواراً، ولا يلبثون أن يرجعوا مهرولين الى بيوتهم". تنادي السيدة حسيبة على جارتها باعتبارها مثل ابنتها، ولكن الجارة تعترض وتقول لها إنها قد أصبحت جدة في الخامسة والخمسين، وتحيطها بذراعيها وتقول لها نحن أختان على دين المحبة والنية الصافية.


يقدم الراوي ملامح شخصية السيدة ببطء تدريجي للقارئ يناسب بطء إيقاع الحدث، وخصوصاً أن بطلتي الرواية الرئيسيتين تتصفان بالبطء المتوقع منهما: السلحفاة والسيدة. تقيم الرواية علاقة مقارنة بينهما لإبراز أوجه الاختلاف والتقارب، لكنها تعقد اتصالا روحيا بينهما، فعندما تتوقف المرأة تتوقف السلحفاة، آنذاك يحدث أول اتصال، وتفكر السيدة عندذاك في حاجتها الى من يؤنس وحدتها. يساور المرأة شعور أن حياتها على وشك التبدل، وأنها لن تكون وحيدة بعد اليوم مع مخلوق لن يزعجها بصوته أو بحاجته للطعام والشراب دائماً.


يحس القارئ بذلك الاهتمام من الكاتب بتجسيد الانطباعات الأولى، واللقاءات الأولى، وما تتركه في النفس من أثر. وتقدم الرواية مقاربة ممتعة وشيقة لتفاصيل اللقاء الأول بين السيدة والسلحفاة. تحول اللقاء فرصة لاستعادة الذكريات. وصار الأمر أشبه بالذاكرة التي تشحن من جديد بعدما كانت فارغة إلا من صور وترجيعات قديمة. سرد دقيق يهتم بتفاصيل الأشياء، وينقل البعد النفسي المتمثل في أحاسيس الشخصية ومخاوفها وهواجسها، ويخلق انطباعاً حول التوتر الذي يهيمن على العلاقة بينهما. كما ينقل السرد مشاعر الخوف والرهبة والاستيحاش التي أصابت السيدة عندما خرجت السلحفاة من مكانها وهي تصلي، ومشاعر الفزع التي انتابتها.


تتميز الرواية بقدرتها على سبر غور شخصية السيدة أم يوسف وإبراز احتياجاتها الإنسانية النفسية التي فقدتها خلال رحلة العمر، وتلقي الضوء على الشعور بالاغتراب والعزلة والضياع والوحدة الذي تعاني منه. ولكن الأهم هو ربط مشكلاتها الناشئة عن الفراغ والعزلة وغياب الطمأنينة بمشكلة النكبة والتشرد من فلسطين وما نتج عنها من فقدان الأماكن والأصوات وسلام الروح. ونراها في الوقت نفسه مشوشة الذاكرة، فلا تفرق بين ما سمعته وبين ما رأته، تسير مشتتة الذهن لمجرد التجوال والتقاط الأخبار من غير غاية لإبراز الحاجة الى التواصل الإنساني.


للرواية قيمة توثيقية شعبية مهمة للقرية الفلسطينية، إذ تضعنا في الجو عشية النكبة في عام 1948 وتفاصيل دخول العصابات اليهودية للقرى الفلسطينية وبدء عملية التهجير من قريتها (بيت نتيف) الى (بيت أُمّر) الى مخيم (عقبة جبر) بأريحا الى مخيم الحسين في عمان: "..لقيت أكبر ترويع وأعظم كراهية من أشخاص غريبي الوجه واليد واللسان". وهكذا وجدت السيدة نفسها لاجئة. هذه الكلمة التي تكرهها ويقشعر لها بدنها وتعدها صفة ذميمة طال عهدها مثل معاقة أو مريضة. كما تصف الرواية طقوس الفلاحين في فلسطين ما قبل النكبة في استخدام ما كان يسمّى راجمات الألغام، وكذلك الموكب الصوفي برجال العدة وراياتهم الخضراء من قرية السيدة والقرى المجاورة حين يخرجون الى مقام النبي بولس للاستسقاء وهم يحملون الدفوف ويقرعونها ويتمايلون بالأدعية من الضحى الى المغيب والبنات تسير خلفهم تقلدهم وهن يأكلن الخبز بالسمن والسكر والقطين. ثم ينتظرون نزول المطر وهم يشعرون بالسعادة أن السماء كانت أقرب اليهم. يلعب الماضي دورا كبيرا في الرواية بالنسبة الى الشخصيات، فنعود بالذاكرة الى ماضي السيدة حينما كانت طفلة في فلسطين قبل النكبة في عام 1948. لكن الراوي يعمد الى عقد المقارنات بين عالم البشر والحيوان بعدما قُتل الضبع في قرية السيدة عندما كانت طفلة، ليبين المفارقة ويربط مسار حياتها بمسار قضية بلدها: "لم ترَ بعد ذلك ضباعاً ولو من بُعد رأت بشراً أشد سوءاً من ضباع ووحوش، منهم أولئك الذين هجّروها من بيت نتيف تحت حراب البنادق".


تهتم الرواية بإبراز إيقاع الحياة في مدينة الزرقاء وسماتها. إيقاع بطيء رتيب مغرق في الانتظار. بيد أن هناك الروح التعاونية التي تساعد الناس على التأقلم. فالعجوز تساعد في تفلية الأرز والعدس وتكييف بنطلون أو تقصير ثوب، وفي المقابل تقوم أم عوني بكل ما تستطيع من باب المشاركة الإنسانية الوجدانية في الفرح والحزن. الشجيرات المزروعة في داخل بيتها تكسر جفاف الزرقاء وتمتص غبارها. كما تبين الرواية طبيعة رتابة الأشياء ومصير الانسان البائس والمحتم بين خيارات محدودة لا يمكن رفضها.


تتسم لغة السرد بالطابع الشعبي الذي يمزج ما بين الفصيح والعامي المستمد من صميم الواقع الاجتماعي. الكلمات بسيطة مفهومة من واقع أحاديث الناس اليومية في الأحياء الشعبية والزقاق والاسواق. تبتعد لغة الرواية عن التحليلات الفلسفية للتغيرات والأحداث الكبرى التي أثرت في مصير شخصياتها أو المدينة التي تعيش فيها. لكن المقارنات والمفارقات التي تجسدها ببراعة تدفع القارئ الى التفكير فيما وراء السطور وإدراك تأثير القضايا الكبرى على الإنسان البسيط. لغة الحوار واقعية عادية مألوفة بما تشتمل عليه من توظيف للأمثال والمقولات الشعبية وتضمين المفردات التي تشير الى أسلوب الحياة في زمن ماض قريب.


رابط المقالة بجريدة النهار