الجمعة، نوفمبر 20

يوسف الشاروني.. عميد القصة العربية






في عيد ميلاد عميد القصة العربية الخامس والثمانين
يوسف الشاروني .. كاتب أخلاقيات الزحام وطقوس الحياة المدينيّة

بقلم: اياد نصار

لا أعرف أحداً من كتاب القصة القصيرة العرب ممن بقي منتمياً ومخلصاً لفن القصة القصيرة أكثر من يوسف الشاروني. عندما تذكر القصة، يذكر معها اسم يوسف الشاروني. كأني بإسمه والقصة صنوان لا يفترقان لأي دارس وباحث وقاريء متابع ومتعمق لتاريخ القصة العربية. مرت الذكرى الخامسة والثمانون لميلاده مؤخراً وما زال يحمل الراية ويكتب القصة القصيرة. ندعو له بالصحة والعمر ومزيد من العطاء الذي لم ينضب أو يخفت أو يتراجع منذ أن أمسكت أنامله القلم وخط أول قصة قصيرة له في أواخر الاربعينيات من القرن العشرين. ولكن "الزحام" كان سبب شهرته! فقد أراد أن يعكس موضوع القصة ألا وهو الزحام وأزمة المواصلات والاكتظاظ وبالذات في مدينة القاهرة في قصة ليس في المضمون فقط، بل وفي الشكل أيضاً! فقد نشر قصة "الزحام" سنة 1963 وهي تروي حكاية فلاح جاء للمدينة وعمل سائقاً للأتوبيس. وأسلوب القصة نفسه يتسم بالزحام، حيث حذف حروف العطف وأسماء الوصل فكانت الجمل متلاصقة متزاحمة! كأنما أراد أن تنقل القصة موضوع تزاحم الناس في المواصلات في كل مظهر من مظاهرها. ولقيت القصة إهتماما كبيراً وترجمت لعدة لغات وكانت أحد أسباب شهرته.


بدأ يوسف الشاروني كتابة القصة في السنة ذاتها التي نشر فيها يوسف ادريس مجموعته الاولى "أرخص ليالي" في عام 1954 حيث نشر مجموعته الاولى "العشاق الخمسة" بعد صدور مجموعة إدريس بشهر واحد. ولكنه إبتعد عن الواقعية الاشتراكية التي إنتهجها يوسف إدريس في أعماله. ومن الطريف أن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين رفض أن يكتب له مقدمة لمجموعته القصصية الاولى في حين كان يفضل يوسف إدريس عليه!


ومن المضحك المبكي أن المجلات والصحف المصرية كالرسالة، وكعادة الصحف والمجلات العربية، رفضت في بداية مشواره الادبي أن تنشر له أعماله، فأخذ ينشر أعماله في مجلة الاديب اللبنانية. ثم ما لبثت المجلات المصرية وبعد أن أخذ إسمه يتردد في الاوساط الثقافية أن أخذت تنسخ عنها وتنشر له قصصه تحت اسم الاديب اللبناني يوسف الشاروني!


فاز الشاروني بجائزة سلطان العويس الادبية في الامارات العربية في دورتها العاشرة للعام 2007 في حقل القصة تكريما له على مساهمته الجلى في نشر وتطوير القصة العربية في العصر الحديث. فقد قضى حياته كلها مخلصاً للقصة القصيرة ولم يقتحم عالم الرواية الا مرة واحدة عام 2006 حينما نشر رواية "الغرق" وهو في الثالثة والثمانين من العمر، والتي تستند الى حادثة غرق العبارة المصرية "المحروسة" في كانون الاول عام1991 . وتصف الرواية الدقائق الحرجة المأساوية التي حدثت فيها كارثة السفينة. وقد ذكرت لجنة التحكيم أنه واحد من أهم رواد التجديد في القصة العربية الحديثة، الذي رصد توترات الواقع وأزمة الإنسان المعاصر في رؤية حياتية مفعمة بالتناقضات والصراعات.


ما زال يوسف الشاروني يكتب بالهمة ذاتها والامل رغم مرور السنوات. وأجمل ما فيه أنه وعلى خلاف ما درج عليه كبار الكتاب عندما يبلغون من السن عتياً، أنهم يعيشون في الماضي ويقتلهم الحنين اليه والترحم عليه، إلا أن الشاروني كتب ذات مرة في مقالة قبل سنتين يقول: "أكتب هذه الكلمات وأنا في الثالثة والثمانين، وأنا أذكر ذلك لأنه يقال إن من هم في مثل هذا العمر لا يعجبهم الحاضر عادة ويولون وجوههم نحو الماضي يلوذون به باعتباره الأنا السعيدة المفقودة".


ولد يوسف الشاروني في عام 1924 في منوف بمصر، لكنه إنتقل مع أسرته الى القاهرة وعمره ثلاث سنوات. وهكذا نشأ في جو المدينة المزدحم الصاخب وتشرب عادات الحياة اليومية بفقرها وطقوسها ومحلاتها الشعبية. وعن سبب تسميته بالشاروني فهو نسبة الى قرية أبيه "شارونة" في محافظة المنيا، وقرية والدته التي شاءت الصدف أن تكون هي أيضاً من قرية اسمها "جزيرة شارونة" وهي عبارة عن جزيرة في وسط النيل.


كان ليوسف السباعي دور في تحويل مسار حياته للابد، فقد إكتشف موهبته عندما كان يتردد على مجلس نجيب محفوظ في كل يوم جمعة، وساعده على الانتقال ليعمل موظفاً في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بعد أن كان مدرساً للفلسفة. وقد تدرج بالعمل في المجلس الذي صار يسمى بعد ذلك "المجلس الأعلى للثقافة" حتى وصل منصب وكيل الوزارة قبل أن يحال الى المعاش.


وكعادة كثير من الادباء الذين يجربون حظهم باديء الامر في الشعر قبل أن يكتشفوا أنه لا باع لهم فيه ولا ذراع، فقد كتب الشعر النثري الذي سماه النثر الغنائي ونشر ديوانه الوحيد "المساء الاخير"عام 1963 . كتب عددا كبيرا من المجموعات القصصية منذ عام 1954 كان أولها العشاق الخمسة، ومنها ورسالة إلى امرأة 1960، والزحام 1969، وحلاوة الروح 1971، ومطاردة منتصف الليل 1973، وآخر العنقود 1982، والكراسي الموسيقية 1990، والضحك حتى البكاء 1997، وأجداد وأحفاد 2005.


حاز على جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة عن مجموعته القصصية (الزحام) عام 1969م، وعلى جائزة الدولة التشجيعية في النقد الادبي عن كتابة (نماذج من الرواية المصرية) عام 1978م، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 2001.

ترجمت أعماله إلى عدد كبير من اللغات العالمية. وكان دائم النشر في مختلف المجلات الثقافية العربية الدورية كالعربي والدوحة وغيرها. وله عدد كبير من الكتب والدراسات والترجمات والتحقيقات والكتابات التاريخية والسير الادبية. وقد كُتب عنه وعن أدبه العديد من الكتب والدراسات باللغة العربية والانجليزية.



ينتمي يوسف الشاروني الى الاتجاه التجريبي في القصة. تسيطر على قصصه أجواء المدينة الصاخبة المزدحمة وهو ما سماه مرة "أخلاقيات الزحام". وتعكس التطور الذي حصل بسبب تطور وسائل المواصلات التقليدية والصحافة ووسائل الاتصال، ولكن هذا التطور جلب معه التناقض والاضطراب، فاصبح الانسان يمر بظروف عاطفية ويتأثر بمؤثرات متناقضة بين الحزن والفرح وبين الامل واليأس وبين الحياة والموت في اللحظة ذاتها التي يتأثر بها بهذه الظروف المتناقضة والحالات الشعورية المختلفة. وقد تأثر في بداية مشواره الادبي بمقولات وفلسفات مدارس الحداثة والتجريب كالسوريالية التي كانت تسعى الى تحطيم الاطر التقليدية للفن والادب وأقامة علاقات جديدة. كما تحفل قصصة بالاجواء الكابوسية والمأساوية. يجمع في قصصه الكثير من متناقضات الحياة اليومية العادية للدلالة على طقوس الحياة المدينية التي تشهد المتناقضات كل يوم، وتعبر عن الاغتراب وتفكك العلاقات الاجتماعية وانكفاء الانسان على ذاته أو محيطه الصغير. يؤمن يوسف الشاروني باسلوب التناص من خلال توظيف الشخصيات التي سبق تقديمها في أعمال سابقة لكتاب آخرين بأعمال جديدة ومضامين جديدة لكنها تتكيء على القصة الاصلية.


وإذا كان الحذاء قد إكتسب شهرة كبيرة بعد حادثة القاء الحذاء على الرئيس الامريكي جورج بوش من قبل الصحفي العراقي منتظر الزيدي‘ فإن يوسف الشاروني قال إنه قد كتب قصة عن الحذاء في عام 1952 يقول أنه تنبأ فيها بثورة يوليو أو تموز 1952! وفي هذه القصة فإن البطل وهو موظف حكومي فقير إعتاد أن يصلح حذاءه بالترقيع، حتى لم يعد فيه مكان صالح لدرجة أن الاسكافي أخبره أنه لا ينفع معه الرتق، وأنه يجب استبداله. وعندما يعود الى بيته يشعر بأن حدثاً كبيراً وعظيماً سوف يقع ويغير حياته.

وبرغم انتاجه الوفير في عدة مجالات كالقصة والنقد والدراسات الادبية والترجمات والسير، إلا أنه مقل في أعماله! قال في لقاء: "أنا كاتب مقل فعلا‏؛ لم أكتب خلال أكثر من عشرين عاما إلا حوالي خمسين قصة قصيرة، بمعدل قصتين أو ثلاث في العام الواحد‏.‏ وترجع هذه الظاهرة عندي إلي عدة عوامل أهمها‏:‏ أنني لا أكتب القصة في جلسة واحدة‏. بالرغم من أن الفكرة العامة للقصة قد تكون واضحة بحيث إنني قد أكتب بدايتها ونهايتها قبل أن أكتب ما بينهما،‏ إلا أن عملية الكتابة بالنسبة لي هي نفسها عملية الإبداع الفني‏. فعن طريق الكتابة والكتابة وحدها تتم اكتشافاتي التعبيرية. كما أحس بأنني لا أتعرف علي شخصياتي الفنية مرة واحدة‏،‏ بل تحدث الألفة بيني وبينها شيئا فشيئا، تماماً كما تلتقي بشخص غريب لأول مرة‏، فإنك لا تعرف عنه كل شئ مرة واحدة حتي يأتي اليوم الذي تعرف عنه فيه أدق تفاصيل حياته‏. لهذا فإنني أكتب القصة مرة بعد أخرى بحيث أعيد نسخها أكثر من خمس وعشرين مرة‏. فتستغرق كتابتها نحو ثلاثة أشهر‏. بل إنها مادامت لم تنشر فإنني أظل أعدل وأبدل فيها ويكون النشر هو طريق الخلاص الوحيد منها‏".




* اللوحة أعلاه بعنوان الصياد وطيور البحر للفنان المصري فاروق وجدي 1997
* نشرت المقالة في جريدة الدستور الاردنية ليوم الجمعة 20/11/2009. فيما يلي رابط المقالة على موقع صحيفة الدستور:
يوسف الشاروني - الدستور الثقافي

والرابط التالي أدناه للانتقال الى الصفحة الكاملة في الجريدة وتحميلها:




الاثنين، نوفمبر 16

"قليل من الحظ" في جريدة الدستور

نشرت صحيفة الدستور الاردنية في عددها الصادر يوم الاثنين 16/11/2009 خبراً حول صور مجموعتي القصصية الثانية "قليل من الحظ" كما يظهر من صورة صفحة الثقافة. يمكنك الضغط على الرابط التالي للانتقال الى الصفحة في الجريدة وتحميلها مباشرة

"قليل من الحظ" في جريدة الدستور



الأحد، نوفمبر 15

العشق ليس له خاتمة



العشقُِ ليس له نهاية
اياد نصار

عيناكِ ساحة ُ التاريخ ِ
وأرجوحة ُ النّجم ِ
وشهقة ُ ميلادي
يا أسطورة َ عشق ٍ
دائمة.


في وجهِكِ الباسمِ
رأيتُ زرقة ِ البحر ِ
واخضرارَ اللوزِ
وحمرةَ الثغرِ
تحرسُهُ قلاعٌ
نائمة.


عادَ الشتاءُ
مباغتاً كالحبِّ
رقيقاً كما تشتهينه
من رمادِ سماءٍ
غائمة.


سقى رياحينَك العطشى
وغفا على أسوارِكِ العالية.
تقرأُ الدنيا
في عيونِك أسراراً
فتصمتُ في جلال ٍ
ضفائرُك
الناعمة.


ويلمعُ الحجرُ المصفرُّ
وردياً موشّى
بعبقِ الماضي
كأهدابِ عينيك
الحالمة.


من خلفكِ عادت قرونٌ غافيةٌ
ذابَ الندى على أوراقِ البرتقالِ
وقرأَ نشيدَ الترابِ والخُزامِ
في دفاترِ عشقٍ
هائمة.


كتبتُ تاريخي
بحبرِ عطرِك
ورَحَلُ البحرُ في الافقِ
أخذتني الدروبُ
الى بريقِ عينيكِ
الساهمة.


يا أميرة ً جبلية ً
سارت الفراشاتُ
خلفكِ وحطّتْ
على معطفِكِ
الانيق..
مَنْ سرقَ منا في فجرِ الوعد
قصة َ عشق ٍ 
حكيناها؟
آه أيتها الوساوسُ
الآثمة


أشرقتْ ملامحُ عينيكِ
كشعاعٍ أثيري
بلّله المطرُ
على شرفاتِ زهرٍ
حطتْ عليها نوارسٌ
ورحلتْ الى البحر
نادمة.


أحرقتني أنفاسُك الحرّى
حملتني الى
بابِ الشمسِ خلفَكِ
والظلالِ التي عادت
من زوايا التاريخِ والصورِ
والاقواسِ
ما تزالُ
قائمة.


وردةٌ
نبتتْ ذاتَ يومٍ
على قمةِ
رباكِ الاطلسية
وتحتَ سنى أهدابِكِ
هنا ولدتْ
أميرةٌ أندلسية..
غارَ القدرُ حين غنينا
حكايتَنا معاً
فقطفتها يدُهُ
الغاشمة.


يا شهرزاد
عودي
من زوايا النسيانِ والكتبِ
الى حكاياتِ لياليكِ
وقولي للمحبِِّ
حرامٌ ما صنعتْ يداكَ
العشقُ ليس له
خاتمة.

* اللوحة أعلاه بعنوان جمال شرقي للرسام الامريكي فريدريك آرثر بريجمان (1847 - 1928)

السبت، نوفمبر 14

مجمع رغدان.. حوارات المهمشين من قاع المدينة



مجمع رغدان..

حوارات المهمشين من قاع المدينة

بقلم اياد نصار

أصدر الصديق الكاتب والقاص نواف نصار مؤخرا مجموعته القصصية الاولى التي حملت عنوان "مجمع رغدان". واذكر أنه عندما انتسبت لرابطة الكتاب الاردنيين أنني سئلت أكثر من مرة من بعض الاصدقاء ومن بينهم الاستاذ محمد المشايخ إن كان نواف نصار شقيقي أو قريبا لي، فكنت اقول إنها قرابة القلم وليس الدم التي جمعت بيننا بعد أن جمع بيننا تشابه في الاسماء. تسيطر على المجموعة التي تعد باكورة أعمال الاستاذ نواف نصار في القصة القصيرة أجواء الحياة الشعبية في الاردن وفلسطين ويغلب على قصصها نمط البطولة المشتركة المتعددة الاقطاب أو البطولة الثنائية بدلا من شخصية البطل الفردية المألوفة، حيث أن الكثير من شخصياتها هي نماذج بشرية اعتيادية بل وهامشية لأناس تراهم في الواقع في كل مكان، أكثر من كونهم أبطالا فرادى، وما يترتب على ذلك من تحالف بريء أو عدواني بينها لمواجهة قسوة الواقع والتحايل عليه، وكذلك ما يترتب على البطولة المتعددة الاقطاب من صراعات الشخصيات وتجاذبها وتنافرها في أجواء من الندية والمنافسة التي ربما تتحول الى نوع من التعاطف أحياناً، أو من التشفي حينا آخر.


تطرح المجموعة بشكل أساس هموم ومشكلات الانسان في الواقع الاجتماعي للحياة الشعبية للطبقات الوسطى والفقيرة المهمشة، وقدرته على التكيف وابتكار الوسائل للخلاص بغض النظر عن نبل الوسائل من عدمها، وتقدم بلغة موجزة ورشيقة تخلو من الزوائد اللفظية والاغراق في التهويمات الفلسفية والاختلاجات النفسية الكابوسية التي تتسم بها القصة المعاصرة ألواناً من أنماط الثقافة الاجتماعية السائدة التي ترسم أطر العلاقات الانسانية بين أفرادها، كما تقدم نماذج نمطية لأبطال هم في واقع الامر ضحايا وأشقياء في الوقت ذاته، وتتناول بشكل خاص المشكلات اليومية على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تعتري العلاقة بين الرجل والمرأة بشكل عام، وبين الرجل والمرأة في إطار الزواج والاسرة بشكل خاص، وبين الاباء والابناء، وبين الاخوة أنفسهم، وبين رفاق الصنعة وأولاد الشارع ورؤساء العمل ومرؤوسيه وبيئته وما ينشأ عن ذلك من العلاقات المتوترة المضطربة، وما تنطوي عليه من مشكلات وصدامات.


نجح الاستاذ نواف نصار في تقديم عالم متجانس يتسم بسمات مشتركة رغم اختلاف المكان والاحداث والشخصيات بما يؤكد في نهاية المطاف أن هموم ومعاناة المعذبين والفقراء والمهمشين واحدة وان اختلفت الصور، وبما يبرز أيضاً أن الالم لا يعرف سوى لغة انسانية واحدة يصرخ بها وان اختلف الاسماء والوجوه والكلمات. وهكذا يصبح مجمع رغدان رمزا لكل بقعة وشارع وحي ومخيم ينطوي على قصص المعاناة المتشابهة. ورغم أن المجموعة تقدم شخصيات عديدة في مواقف مختلفة من عالم الكبار من الرجال والنساء، إلا أن هناك خيط مشترك يكاد ينظم كل قصص المجموعة ألا وهو طرح هموم الطفولة البائسة الفقيرة التي تصبح ضحية المجتمع مع شيء من التركيز على مجتمع أولاد الشوارع بما يسمح للقاريء أن يتلمس الاسباب الحقيقية لانحراف الطفولة ومعاناتها. في كل قصص المجموعة هناك أبطال صغار من الفتية والاشقياء الذين يمثلون الادانة للواقع. ورغم أن المجموعة تندرج تحت أدب الواقعية السوسيولوجية بفضل ما تقدمه من مشاهد من عالم الالم والمعاناة وقسوة العيش والظلم الذي تقاسيه هذه الفئة من الناس، إلا أن شخصيات المجموعة جذابة متحركة متطورة تمر بتجربة اكتشاف الذات وكشف الوعي الذي ينقلها الى مستوى أعمق في فهم التجربة الانسانية بكل أبعادها وعلاقتها بظواهر المجتمع الاخرى كالاستغلال والفقر، وتضفي حواراتها الذكية المستفيضة أبعاداً أخرى من قدرة المؤلف على رسم لوحات عامرة تضج باللون والحركة والصوت مثل أمكنتها.


كما توحي أحداث قصص المجموعة وأمكنتها وشخصياتها بأنها مهتمة بتقديم نماذج واقعية من الحياة اليومية الاعتيادية المألوفة من طبقة المهمشين فاختار عالم قاع المدينة في سقف السيل ومجمع رغدان في الاردن، كما قدم نماذج من معاناة الفلسطيني في عدة أماكن كالمخيم مثل مخيم عقبة جبر وعين السلطان، والقرى والمدن الفلسطينية مثل أريحا وبيت حنينا وقرية المغار.


تفتتح القصة الاولى في المجموعة المسماة صفير الليل على ما يبدو أنه نوع من اللعب الطفولي الذي يريد تأكيد الذات المجهولة في الاحياء الشعبية، الذي يقوم على مهارة الصفير والصفير المقابل بين عدد من الصبية. ولكننا سرعان ما نكتشف أن الراوي في حالة استدعاء الذكريات لماضيه الطفولي بما يكتنفه من لعب ومباريات ومبارزات وتحدٍ تهدف الى اثبات الذات التي أخذ يتفتح وعيها حديثاً على العالم أمام الكبار وبين الاقران الذين يبرز من بينهم نضال. نضال ذلك البطل الغامض الذي يشكل حضوره نوعا من التحدي للاخرين، وكذلك محمد الصالحي الذي يفوق الاخرين سناً ومهارة فيعطيهم نوعاً من الامان. وتتحول المبارزة في اليوم الموعود الى مبارة كرة قدم حامية أشبه ما تكون بمعركة اثبات الوجود. ولكنها تطرح بشكل أعمق من ذلك، موضوع الصراعات الخفية بين الشخصيات وهي تبحث عن ذاتها وعن اثبات ثقتها في نفسها وقبول التحدي والنضوج المبكر. ولكن حديث الذكريات ليس منولوجاً بل يقوم على الحوار وايراد تفاصيل كثيرة تجسد صورة الحياة في المخيم الفلسطيني قبل النكسة مثل مخيم عقبة جبر، ليس بدءأ بالحديث عن جلوس الناس امام البيوت، وليس انتهاء بما تعانيه المرأة عندما تجد نفسها وحيدة في هذه الحياة من منة وسوء معاملة من قبل عائلة الزوج. تمتاز القصة الاولى كما هو الحال في كل قصص المجموعة بتوظيف الحوار بشكل أساسي ومطوّل بين شخصياتها المتعددة كمصدر يكاد يكون وحيدا وبديلا لتطوير الحبكة وطرح القضايا المختلفة والذي يأتي في الغالب على حساب الوصف الذي افتقدته أغلب القصص تماماً من جهة ، وعلى حساب السرد من جهة أخرى.


واذا كانت القصة توحي أنها ذكريات اللعب الطفولي الذي ينقل جانبا من أجواء المدرسة الشعبية بحكم خبرات المؤلف الطويلة في التدريس في الاردن وفلسطين، وتعكس جانباً من توثيق صور مختلفة للحياة الشعبية وتجسيد أسلوب عيش الناس في المخيم والقرية والمدينة، إلا أننا نكتشف أننا إزاء قصة أخرى داخل القصة أعمق من ذلك حيث تطرح معاناة الطفولة وعذاباتها كجزء من تفكك الاسرة وما ينطوي على ذلك من معاناة للمرأة مثل حكاية أم نضال ومعاناتها المريرة مع شقيقات زوجها بعد أن توفي زوجها صابر وما تعرضت له من سوء المعاملة من أهل زوجها دفعا لها كي تهجر البيت وبالذات إزاء محاولات شفيقة وهي أخت صابر التي كانت تريد أخذ نضال من أمه ليعيش في بيت أهله بينما ترغب في طرد أمه من البيت فتذهب الى بيت أخويها في عمان وهناك تجد نفورا وكرها لها من زوجتي أخويها مما يدفعها الى الالتجاء الى بيت خالتها في مخيم عين السطان وتتزوج. لا بل تشير القصة بشكل غير مباشر الى قصة أخرى تتشكل معالمها بهدوء وبطء وغموض لا تمنح نفسها بسهولة للقاريء وهي الانتقال من حالة التوجس والتوقع بين الراوي الذي يشارك الاولاد لعبهم بصفته واحدا منهم وبين البطل القادم نضال الى حالة من الاحساس بالتقارب الروحي بينهما.. فالراوي يصف صفير نضال في البداية انه قوي يسخر منهم، ثم يتحول الى نوع من الدهشة من ثقته بنفسه، ولكنه لا يلبث ان يتحول الى نوع من التعاطف معه عندما تمسك شفيقة بيده وتحاول أخذه معها فيمنعها الاولاد، ولكن الراوي يكتشف على نحو خفي ذاته في شخصية نضال ويرى فيه الجانب المفقود ويبادر بشكل فردي من غير معرفة الاخرين الى التعرف عليه وزيارته في حارته ويبدو سعيدا باللقاء. تضع القصة القاريء في خضم الحدث مباشرة بدون مقدمات في بداية مقطوعة توحي فنياً أن شيئاً قد بدأ قبل أن يسمع القاريء صوت الراوي. لاحظنا ذلك في صفير الليل التي تبدأ بالقول:".. وعاد الصفير مرة ثانية... ولاحظناها في درس خصوصي أيضاً حيث يشرع الراوي: ".. وانفجر العجل الخلفي الايسر".


لا يهتم الراوي كثيرا بتقديم وصف للمكان بما يجعل منه مكانا فريداً بذاته أو ما يدل على خصوصية للمكان في ذهن او وجدان الشخصيات، أو ما يجعل منه مكانا واقعيا بهوية معروفة لدى سكان المدينة، مما يجعل المكان تجريديا يؤدي وظيفة مكانية عامة يمكن أن يؤديها في أية جزء آخر من هذا العالم. ففي قصة درس خصوصي كل ما نعرفه أن الاحداث تجري في الحي الشرقي من المدينة، وحتى عندما يغادر الاستاذ وسام بيت أبي لطفي بعد انتهاء الدرس الخصوصي فإن الراوي يقول أنه ركب سيارته وأخذ الشارع الهابط الى وسط البلد.


تدور قصة "درس خصوصي" حول موضوع الخيانة الزوجية التي لا تتكشف خيوطها للقاريء الا في أواخر القصة بأسلوب يقوم على التشويق وتأزيم الامور تدريجيا وكشف معالم الصورة للقاريء تدريجيا حتى يدرك أن القصة التي يرويها أبو لطفي للراوي هي أعمق مما كان يظن من أنه مجرد خلاف عائلي يدور أساساً حول رغبة الرجل في السيطرة على مقاليد الامور في البيت وحساسيته من تصرفات زوجته الراغبة في توفير معلم يعطي درسا خصوصيا لابنها في الرياضيات وما يتبعها من خلافات اجتماعية وخاصة أن القصة تطرح موضوع التفاوت في المستوى التعليمي بين الرجل وزوجته الذي يميل لصالح المرأة، مما يمهد البذرة لشعور الرجل بالغيرة وانزعاجه من اسنقلالية زوجته التي تدعو المعلم لمباشرة الدروس بل وتدعوه للعشاءايضا دون معرفة مسبقة من زوجها، مما يجعله متوترا طوال الوقت.


تقدم القصة نموذجا حيا من واقع حياة الطبقة الشعبية في المجتمع حيث تسود مفاهيم الثقافة الذكورية التي لا تسمح بهامش للمرأة وتربط حريتها بمشكلات أخلاقية واجتماعية فجاءت القصة لتعزز هذا المفهوم حيث جسدت القصة حرية المرأة في اتخاذ القرار بصورة استغلال الحرية لقضاء مآربها حيث تستغل أم لطفي الظروف العائلية لتحقيق رغباتها من خلال افتعال حاجة ابنها للدرس الخصوصي وكل ما تلا ذلك من وجود علاقة سرية مع المدرس. لا يتعاطف الراوي مع المرأة التي لم تعد مجرد امرأة مطلقة بل ومنبوذة، حيث أهملها من أحبته وتركت زوجها لاجله فتخلى عنها، ولكن زوجها رفض بالطبع اعادتها رغم توسلات أهلها.


تنتقد القصة برود العلاقات الاجتماعية وسطحيتها وزيفها من خلال البداية الثلجية ، حيث تبدأ القصة بموقف طاريء عند هطول الثلج وتعطل سيارة الراوي وصفي في الطريق عند عودته من تغطية مهمة صحفية متعبة ومملة بناء على طلب رئيس التحرير، فيضطره الطقس الى ترك سيارته والالتجاء الى بيت متعهد توزيع الصحيفة أبي لطفي. ويلاحظ هنا أن الراوي لم يكن ليهتم بما جرى لمضيفه أو لمشكلاته الاجتماعية لولا الثلج الذي أرغمه على زيارته في وقت غير متوقع. بل ان اهتمامه بمضيفه ليس أكثر من باب الفضول حين رآه يقدم له الضيافة المرة بعد الاخرى بنفسه من غير زوجته. تقوم القصة على توظيف الحوار بشكل رئيسي ومطوّل وعلى حساب الوصف في تناول قضايا الخيانة الزوجية والخلافات والطلاق مما يعد درساً خصوصيا أكثر ايلاماً من درس الاستاذ وسام حيث يسعى كل طرف الى توجيه درس قاس لا يُنسى للطرف الاخر، كما فعل ابو لطفي مع زوجته.


أما القصة التي أعطت المجموعة اسمها فهي "مجمع رغدان" التي تطرح مجتمع قاع المدينة من المهمشين والمنبوذين والفقراء، ولعل اختيار مجمع رغدان لم يكن عبثاً، فهو أكثر من مجرد مكان كوعاءٍ تجري فيه الاحداث، بل هو صورة رمزية لمجتمع يمور بالمشكلات الاجتماعية والاخلاقية والاستغلال وطرق العمل غير الشريف أحياناً والصراعات العديدة التي تفرض نفسها على المكان. ويذكر الراوي في أكثر من مرة صورا مختلفة عن المعاناة والمشكلات التي تجعل منه بيئة فاسدة حتى بات يرتبط في الذاكرة الشعبية ويتردد في الخطاب العام بأن المكان يرمز الى المشكلات العديدة التي تتسم بها حياة العاملين في وسائل المواصلات وعلاقاتهم ببعضها، وبما يعكس الصورة النمطية للمهمشين الذين يحترفون كل صور الفساد والانحراف والاستغلال المالي وغياب قيم الوفاء والالتزام الاخلاقي تجاه الاخرين. يقول السائق برهم بطل القصة، رغم أن القصة ليس بها ابطالا بالمعنى الحرفي بقدر ما فيها من ضحايا مهمشين معذبين يتبادلون فيما بينهم أدوار البطولة الوضيعة: كل المجمع .. مجمع الاوغاد والمطلوبين للعدالة. ويقول مناجيا مساعده شنوان: " لا أظن أن أحدا من اصحاب مهنتنا يحبها يا شنوان، أنا أكرهها، .. كل يوم شجار.. كل يوم نسمع عن عراك". بل لا يتورع عن وصفه بأنه مجتمع مقرف. ولهذا نجحت القصة في ايراد العدد الاكبر من الشخصيات في حوارات متعددة طرحت قضايا مختلفة متشابكة ترسم لوحات من اشكالية العلاقة بين الفرد في مجتمع قاع المدينة وبين الاخرين، ولكنها لم تدع خيط القصة الاساس يفلت من الزمام.


توظف القصة أسلوب المفارقات والنماذج المتضادة لتأكيد الاحساس بالظلم والتهميش، حيث قدمت القصة نماذج مختلفة من الشخصيات المتناقضة في ثنائيات عديدة فهناك الشخصيات التابعة وهناك القيادية ، وهناك السائق وهناك المحصل الكونترول، وهناك صاحب العمل والعامل، وهناك الاخ المتعلم الغني الذي يحل مشكلات الاخرين بالمال ويحظى باحترام الاخرين بسبب مظهره وعمله الذي لا يلقى فيه جزءا بسيطا مما يلقونه هم من كد وشقاء في وظائفهم، وهناك الاخ الفقير الذي فشل في الدراسة فوضعه المجتمع في أتون نمطية ترسم معالم الشخصية وتؤطرها باخلاقيات رغما عن ارادتها فتصبح متهمة قبل أن تفعل شيئاً، وغيرها. يقول برهم في موضع آخر: "لم أدخل السجن في حياتي الا عندما عملت في هذه المهنة.. وكثيرون من العاملين معنا تعرضوا للتجربة نفسها".


تنجح القصة في اثارة اهتمام القاريء بتوظيف اسلوب التشويق والكشف التدريجي البطيء لملامح الصورة الكلية بما يسمح ببناء الحدث تصاعديا نحو الازمة، كما توظف القصة أسلوب البدء من نقطة متأزمة في السياق أو بداية تنطوي على الغموض والفضول مما يكسبها درجة من الامساك بتلابيب القاريء لكي يعرف خفايا المقدمات الذكية التي تمتاز بها هذه المجموعة، وتعود القصة كما في قصص المجموعة الاخرى بالقاريء من خلال تنقل متكرر بين صيغ الزمان المختلفة ما بين الماضي والحاضر واحيانا المستقبل لرسم معالم بيئة مجتمع قاع المدينة بشروره وآثامه وصراعاته. هناك كثرة واضحة في الشخصيات في القصة ولكن ذلك لم يضعف القصة بل منحها قوة التمثيل حين لم تعد الشخصيات نماذج فردية تعبر عن قضايا مشكلات فردية، فأغلبها شخصيات هامشية مهمشة ليس لها من قضايا ذاتية خاصة بها سوى القضايا التي تتشارك بها مع الاخرين من الفقر والمعاناة والاستغلال والبيئة الفاسدة وتحكم أصحاب العمل بهم واستغلال مستواهم التعليمي.


ينطوي كلام برهم على كثير من تفاصيل الحياة اليومية من مجتمع مجمع رغدان، مثل الخوف من فقدان العمل، والنزاعات مع العاملين الاخرين، والاحساس بفقدان الهوية وقيمة الذات، وهناك الكثير من الاحداث والمقارنات والمفارقات بينه وبين أخيه سعيد، وهناك المشكلة الرئيسة الاخرى المتمثلة في النزاع العنيف بين برهم وابي السيخ حول الشريط الغامض الذي يخشى منه برهم ويؤدي بهما الى الشرطة.. كل هذه التفاصيل ليست مهمة كثيرا بحد ذاتها بل هي مجرد صور رمزية مصغرة ومعبرة عن قضايا أخرى عديدة مكرورة للحياة في هذا المجتمع. برغم أهمية الجانب النفسي للصراعات الداخلية واشتباكها مع الذات، وبرغم الاحساس بالظلم والقهر والرغبة في البوح للاخرين، وبرغم معاناة الشخصيات في المكان، الا أننا لا نلمس كثيرا من الرتوش التي تحاول أن تجسد للقاريء عالم الشخصيات الجواني بما يكتنفه من احساس بالتهميش. لقد ساعدت طبيعة المشكلات والصراعات الصغيرة اليومية المتكررة والحوارات بين شخصيات القصة في التغطية على غياب الجانب النفسي.


أما في قصة أبناء الشوارع، فنعيش عالم المشردين والمعذبين واليتامى ومحترفي السرقة والابتزاز الذين حولهم المجتمع من ضحايا الى مشروع لصوصٍ صغار بين الازقة وواجهات المحلات والسجون والمخافر وعالم سقف السيل السفلي. في أبناء الشوارع نلتقي بثلاثة أبطال فقراء معذبين ما بين التشرد واليتم: سعدو وحريز وحمودة. تطرح القصة معاناة الطفولة البائسة نتيجة الفقر وغياب الاب واستغلال المجتمع، مما يضطر هولاء الثلاثة الى مواجهة عالم قاس لا يرحم. يختار حمودة الجانب السلمي فيمارس البيع على عربة لساعات طوال في الشارع، ويحظى برعاية اصحاب المحلات والشرطة لسلوكه وأمانته، في حين يلجأ سعدو وحريز الى الجانب الانحرافي في السرقة من المحلات كوسيلة للعيش. يتعرض سعدو وحريز الى عدة تجارب قاسية تتمثل في ملاحقتهم واستغلالهم من أبي سليم وأبي سريع، ويعيشان رعب القاء القبض عليهم بعد أن القت الشرطة القبض على صديقهما رشوان. يضرب حمودة مثلاً رائعا في مد يد المساعدة لهما حين يعرض عليهما مشاركته العمل بالبيع على العربة، وهكذا تنتهي القصة نهاية سعيدة في اجتماع الاصدقاء وترك السرقة. التحول في نهاية القصة سريع، وربما اراد الكاتب التركيز على الجانب الخيّر في الانسان لينتصر للطفولة المشردة كأحد الحلول المطروحة أو توجيه رسالة بأن الشر لا يولد في الانسان بل يُصنع من البيئة.


توظف القصة الحوار بشكل رئيس كما اسلفنا، ولكننا هنا أمام عين تهتم بتفاصيل الحياة لهذه الفئة من المهمشين والمعذبين، فالراوي يأخذ القاريء الى التفاصيل الدقيقة لخفايا وألاعيب هذا العالم بشكل واقعي، كما تنجح القصة في اثارة تعاطف القاريء مع شخصياتها برغم سلوكياتها لأنها تجابه العالم وحيدة. أبناء الشوارع قصة واقعية ممتعة بامتياز في لغتها وحواراتها والخفايا التي تقدمها.


أما قصة "شبح في المخيم" المتميزة موضوعاً واسلوباً واستهلالا مشوّقاً، فهي تعود لتطرح معاناة الفلسطيني في المخيم الذي سبق أن طرحته المجموعة بشكل غير مباشر في قصة صفير الليل.


- يبدو أن هذه الرسالة لن تصل أبداً


قالتها أمي بيأس وتبرم، فرد والدي وهو ينظر الى ساعته ليقرأ التاريخ:


- الوقت ما زال أمامنا، وعادل ما زال في مطلع سنته الاولى.


ومرة أخرى يسند الكاتب صوت الراوي الى واصف، شاب ما يزال في سنته الثانوية الاخيرة وهو يرى معاناة أسرته في المخيم بانتظار تدبير تكاليف تعليم أخيه الاكبر. ويبدو الصراع بين أفراد الاسرة ما بين التمسك بالمخيم الذي صار يرتبط بالذكريات والماضي وحب المكان، وبين الرحيل عنه كما في موقف الاخ الاكبر محمود. لقد ركز نواف نصار في هذه المجموعة على جانب مهم يتمثل في تقديم هموم الجيل الناشيء بأصواتهم، بل ودخل الى تفاصيل مغامراتهم وحياتهم كما رأينا سابقاً في قصة أبناء الشوارع. وكما لاحظنا في هذه المجموعة، فإن نواف نصار يبدو منشغلا في تقديم صور معبرة عن الحياة اليومية المثقلة بهموم الواقع الاجتماعي في الاردن وفلسطين، ونقد المفاهيم الشعبية بشكل غير مباشر من خلال ابراز وطأتها على مصير الشخصية. يلاحظ القاريء فكرة الانتظار الذي لا ينتهي الذي اتسمت به كل نواحي حياة الفلسطيني في الداخل وفي مخيمات الشتات، وفكرة الامل الضائع الذي لا يأتي. وبرغم الفقر والحاجة يتمسك أبطال القصة بتعليم عادل في الجامعة لأنه الامل الوحيد الباقي للخروج من محنة الفقر والمخيم وضياع الوطن. كما تقدم القصة من خلال الحوار نموذجاً من الاساطير الشعبية والحكايات الفلكلورية التي تبحث في موضوع الاشباح وأرواح القتلى التي تسكن البيوت وتظهر بين حين وآخر وتصبح حديث الجميع في القرية، لنكتشف أن الشبح لم يكن سوى محمود الشاب الشقي الذي يريد أن يرغم أهله على الرحيل عن المخيم الى أريحا.


ويعود القاص نواف نصار مرة أخرى الى فضاء مجمع رغدان في قصة "الصباح الاسود". واذا كان السائق برهم والكونترول شنوان هما ثنائيا قصة مجمع رغدان، فإنهما في الصباح الاسود يصبحان عدلي وخالد. ولكن هذه المرة يبتعد عن طرح حكايات الشكوى والعذاب التي تصبح القاسم المشترك الاعظم بين شخصياته، بل يعود لطرح معاناة الطفولة التي سبق أن قدمها في صفير الليل، وفي أبناء الشوارع وفي شبح في المخيم. سعيد يجد نفسه متسرباً من المدرسة ليعمل في كراج بعد أن دخل والده السجن نتيجة خديعة من فريد الذي وضع ثقته فيه فصار في نظر الشركة لصاً بعد أن كان حارسا نهارياً. ولكن سعيد يصبح ضحية سوء المعاملة من صاحب الكراج فيتحول الى نشال يسرق محافظ السواقين من سياراتهم. في هذه القصة المؤثرة يؤكد نواف نصار أن الخير سيبقى في الانسان مهما تعرض للالم والفقر. بل إن عدلي الذي تعرض للسرقة من الصبي سعيد، اصبح يمثل اليد البيضاء التي تنتشل والد سعيد من محنته وتعيد البسمة لأسرته. تمثل التجربة التي يمر بها عدلي حمدان في القصة مفهوما متقدما في النضوج الذي يمكن أن يمر به الانسان حينما يتحول وعيه من شعور الضحية بالخديعة والالم الى شعور الضحية بالتعاطف مع جانيها ادراكاً أنه هو الاخر ضحية المجتمع والبيئة. وفي الختام اقول شكرا للاستاذ والقاص نواف نصار الذي آثر ألا يصمت فحمل قلمه وجعل أدبه نابعاً من نبض الشارع.


* اللوحة أعلاه بعنوان الموسيقي العجوز للفنان الاسباني بابلو بيكاسو (1881 - 1973)
* نلقت جريدة الدستور الاردنية في عددها ليوم السبت 13/11/2009 خبر المشاركة في حفل توقيع مجموعة رغدان مع مقتطفات من المقالة أعلاه
يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل صفحة الجريدة وقراءتها

مجمع رغدان - جريدة الدستور


الجمعة، نوفمبر 6

نخلة الواشنطونيا


"نخلة الواشنطونيا" لعواد علي..

كوابيس بغداد وفشل محاولات الخلاص الذاتي

بقلم: اياد نصار

يشكل عنوان رواية "نخلة الواشنطونيا" للروائي والناقد المسرحي العراقي عواد علي التي صدرت مؤخراً عن دار فضاءات في عمان كما في روايته الاولى "حليب المارينز" التي صدرت العام الماضي أهمية رمزية كبيرة ترتبط بالحالة العراقية. وإذا كانت نخلة واشنطونيا يمكن أن تصادفها في شوارع أية عاصمة عربية أو أجنبية، فإنها في الرواية ليست مجرد نخلة. تشغل نخلة الواشنطونيا بال البطل (كمال) مثلما تشغل بال الراوي وبعض الشخصيات الرئيسة الاخرى على امتداد الرواية، ويمكن النظر اليها تخيليّاً على أنها إحدى "الشخصيات" أو العناصر المهمة في الرواية.


يتردد وصف نخلة الواشنطونيا في الرواية باستمرار منذ البداية وحتى النهاية حسب الحالات النفسية للشخصيات الي تنظر اليها وخاصة كمال الاستاذ الجامعي العلماني ذي العلاقات النسائية المتعددة، و(راهبة) الارملة الخمسينية الصابئية المندائية صاحبة صالون الشعر للسيدات الذي تحول الى بقالة للمواد التموينية تحت تهديد الجماعات الدينية المسلحة، و(ألماس) الارملة الثلاثينية التي قتل زوجها الذي كان يعمل مع شركة بلاك ووتر الامريكية وعشيقة كمال التي تتأمل الزواج منه، و(فيفيان) الارملة المسيحية التي قتل زوجها لأنه كان يبيع الخمور.


لشجرة الواشنطونيا في الرواية قيمة رمزية دلالية في غاية الاهمية تشير الى الاحتلال الامريكي للعراق وتتبدى في الوصف المتغير للنخلة على لسان الشخصيات أو الراوي بما يعكس حالة الشخصيات النفسية في حواراتها ومذكراتها وكوابيسها وتطورات الاحداث على أرض الواقع. تمر نخلة الواشنطونيا بتحولات في نظر الاخرين مثلما تمر الشخصيات ذاتها بتحولات تحت وطأة أزمات الحرب المأساوية، وتتحول النخلة في الرواية من رمز للقوة والاستعلاء الى رمز بشع غريب في تعبير رمزي عن التحول في النظرة الى الاحتلال الامريكي في العراق من الاحساس بالضعف أمام صدمة القوة الى الاصرار على المواجهة وانطلاق المقاومة. يبرز هذا المقطع المهم كيف ظهرت النخلة الغريبة فجأة في شوارع بغداد وكيف أحس الناس تجاها، مستمداً من الايحاء الواضح في الاسم المرتبط بواشنطن عمقاً رمزياً أكبر يعبر عن الاحتلال، وعن ردة الفعل العراقية:


"أطل ذات صباح الى الشارع من نافذة شقته، فذهله وجود نخلة ضخمة غريبة على الرصيف، تحمل سعفاتٍ مروحية ً داكنة الخضرة، وتتدلى أوراقها على شكل خيوط كبيرة، ولها ساق طويلة غليظة عند القاعدة ومنتفخة من الوسط، وثمارها كروية صغيرة سوداء.
- من الذي اقتلع نخلة الكناري وغرس محلها هذه النخلة البشعة؟ سأل الصيدليَ، الذي كادت النخلة تغطي واجهة صيدليته، فأجابه:
- لا أدري، بالأمس لم تكن موجودةً.
- وهل تعرف أي نوع من النخيل هي؟
- اسمها نخلة الواشنطونيا.




إنها ذلك الغريب والهجين -كما تصفها الرواية - الذي يصبح مرادفاً للمحتل والويلات التي جاءت معه ولهذا فهي تبقى غريبة في شوارع بغداد. وتتعزز أهمية الرمز في الرواية فيما يجري للشجرة من أحداث تبدأ باستنفار بعض شبان الحي الذين سكبوا عليها نفطاً وأضرموا فيها النار ولكنها لم تحترق بل بقيت تقف بخيلاء، ولكن يستمر رفضها ومقاومتها حتى تنتهي بقطعها واجتثاثها بعد تفجيرها وحرقها، ولكن تتم زراعة شجرة واشنطونيا أخرى مكانها من قبل جنود المارينز وهكذا تكثر وتزداد في شوارع بغداد مما يزيد من أهميتها الرمزية.

ذكرت نخلة الواشنطونيا في سبعة عشر موضعاً في الرواية التي تتألف من 14 فصلا قصيراً، بدءاً من صفحة 26 وانتهاء بالصفحة قبل الاخيرة 169. حين ذكرت أول مرة كانت في نظر كمال صورة لشيء غريب بشع ظهر على المشهد فجأة، ولكنها "منتصبة بخيلاء تهز سعفاتها اللامعة وكأنها تسخر ممن حاول إفناءها" في إشارة الى غطرسة القوة التي تهزأ بردة الفعل. بل تصبح في نظر كمال نقيضه المفقود الذي يشعره بالعار والعجز حيث يقارن بين "ضعفه المخجل وقدرتها على التحدي، واصرارها على البقاء". يصفها كمال بأنها شجرة مشؤومة حيث انهالت الكوارث على العراق منذ أن غرسوها. يبدأ كمال يزدريها، كما يبول على سياجها كلب مارٌ من الشارع، وتصبح غبراء الوجه كسعلاة مصابة بالوهن يتجمهر حولها الاطفال ويرجمون تاجها بالحصى. ثم تنتشر في كل شوارع بغداد لتستبدل أشجار النخيل الاخرى. ولكن كمال يرى لافتة معلقة عليها تقول: "ارفعوا هذه القمامة وأعيدوا لنا نخلتنا".
أما في نظر ألماس فقد صارت الشجرة عملاقة وبدأت تتحول الى ما يشبه ناطحة سحاب. ولكن هذه الناطحة في سماء حالكة تغطي كل أسطح البنايات والمنازل على امتداد البصر بما يوحي بانتشار الظلم والفوضى وهيمنة القوة وما أفرزته من مآسٍ. وتقول ألماس عنها لراهبة: "ربما تكون شجرة سامة. إنها تجثم على صدور الناس وتخنقهم". كما يرى كمال في أحد كوابيسه نسرين موثقة بجذع النخلة، والامريكان يطفئون سجائرهم في بدنها، بينما يتردد صدى الالم والصراخ في الفضاء. ورغم أن كمال يراها لآخر مرة وقد قُطع تاجها وتدلى على جذعها مثل رأس مذبوح، الا أنها تبقى مصدر هواجسه وكوابيسه، الى درجة أنه يرى في كابوسه الاخير نفسه معصوب العينين، موثقاً بحبل سميك الى جذع نخلة الواشنطونيا، تلامس كتفه كتف ألماس، وقد أحاط بهما حشد من المارينز المدججين ببنادق أل أم 16 ... وبعد لحظات وجّه اثنان منهم رشقات رصاصٍ متتالية صوب النخلة".

تجري أحداث الرواية في بغداد ما بين الشتاء الدموي والصيف الملتهب من عام 2006 وقد مضى على الاحتلال ثلاث سنوات وهو الصيف الذي تصفه الرواية بأنه "حدث ما يشبه القيامة في بغداد.. أصابت تفجيرات رهيبة قلب المدينة وأطرافها.. تفجيرات ذات دافع انتقامي أعمى. سالت دماء كثيرة من أجساد غضة ويافعة ومنهكة.. أجساد من كل الشرائح والطوائف: في الاسواق والشوارع والمساجد والحسينيات والاحياء المكتظة بالسكان. وفي اليوم التالي ظهرت ردة الفعل، هستيريا طائفية لا تقل عماءً: مداهمة منازل، قطع رقاب، حفلات شوي أجساد حية، تهديدات وتحذيرات..."، ولكن الزمن في الرواية متعدد ومتشعب.

تفتح نوافذ الزمن المتعدد في الرواية من خلال أحاديث وذكريات وتداعيات ومذكرات الشخصيات ويعود أحياناً في لمحات سريعة الى الفترة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بالحديث عن الزهاوي ورشيد القندرجي والحكم الملكي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي بالحديث عن حي نجيب باشا الذي تحول بعد فيضان دجلة وانكسار السدة الترابية الى حي الكسرة، مع التركيز على العراق في فترة صدام حسين منذ ما يسميه الراوي ترهات وحماقات النظام وما تلاها من أحداث مأساوية مثل سقوط بغداد وحتى عام 2006. بل إن كمال يعترض على مصطلح سقوط بغداد بقوله: "يقولون إن بغداد سقطت. لماذا يختزلونها الى تمثال"؟ في إشارة الى إسقاط تماثيل صدام عقب دخول المارينز بغداد، فيجاوبه صديقه (سلام الياسري): "هو اختزلها قبلهم".

بطل الرواية كمال ترزي وهو أستاذ جامعي عربي أصله من كركوك ويدرّس اللغة الاسبانية، وقد سبق له أن عاش فترة في اسبانيا وزار قرية الشاعر الاسباني لوركا وهو واسع الاطلاع على الثقافة الاسبانية التي تظهر في مذكراته والكتب التي يقتنيها ويقرأها ويستشهد بها الراوي في كثير من الاحيان وفي الموسيقى التي يعشقها وفي الحفلات التي يحضرها وحتى الأكلات التي يصنعها لعشيقاته. يعيش كمال في بغداد ويمر بكل الكوابيس والاحداث الرهيبة التي مرت بها بغداد، ولكنه يرفض الهجرة لأنه يعتقد أن الغربة ذلٌّ للانسان. ولكنه يبدأ في الشك في صحة موقفه عندما رأى ما حل بصديقته نسرين التي تحولت الى بائعة هوى في اللاذقية ودمشق. قال فيما يبدو نادماً على قراره: "لماذا لم أرافقها؟ ألم يكن بإمكاني أن أسافر أنا وإياها بعد سنة أو سنتين على بدء الاحتلال؟ ما الذي كنت آمله منه أن يمنحنا؟ يا لي من أحمق.. لقد اضعت امرأةً أعدتُ تكوينها بيديّ مثلما أعاد هيجنز تكوين بائعة الزهور أليزا في مسرحية برنادشو".

تعيش كل شخصيات الرواية أزمات نفسية واجتماعية ودينية، وتدل تصرفات كمال كما هي تصرفات ساكيني البناية الاخرين من النساء الارامل على أنهم يبحثون عن حلول فردية للخلاص من أزمات الحرب وويلاتها فيصبحون ضحايا الخوف والذعر والغربة والتطرف العبثي.

يبدو واضحاً توجهات كمال السياسية التي تحمّل الاحتلال الامريكي وممارسات النظام السابق كل آثام ما جرى، بينما تسعى لإظهار أن المقاومة هي عراقية وليست تابعة لقوى اقليمية مثل ايران ويبدو ذلك واضحاً من حديثه مع (راهبة) جارته الأرملة المندائية، فحين تقول راهبة: "رأيتهم قبل مجيئك يقفون هناك على مقربة من النخلة، وقد شبهتهم بايرانيين يقفون في السوق"، فإنه يقول لها: "هولاء ليس لهم يد في تفجيرها".

تتناول الرواية تأثير الحروب والسياسات التي شهدها العراق وتدخلات القوى الخارجية على الانسان العراقي بغض النظر عن أصله أو طائفته الذي ينعكس في صورة القلق والخوف والضياع والغربة وانتفاء الاحساس بجدوى القيم الوطنية، كما تطرح تفكك النسيج الوطني والاجتماعي والديني والثقافي. كما تتناول غياب الاستقرار النفسي لأبطالها وغرقهم في وطأة الكوابيس والاحلام المنهارة والبحث عن الجنس لأجل استعادة الحب المفقود والطمأنينة حيث لا يعود هناك قيمة جمعية للحياة يتعلق بها الانسان سوى الرغبات الذاتية، مثلما تبرز سخرية أبطالها من القيم الدينية والتقليدية المحافظة عندما يرون حوادث القتل والانتقام والخطف تحت شعار الدين.
تطرح الرواية مسألة الاحساس بعودة العراق للوراء وتخلفه في ظل هذه الاجواء على صعيد حقوق المرأة والتسامح الديني حيث تضطر فيفيان المسيحية الى ارتداء الحجاب خوف الانتقام من المليشيات في حين تتذكر هي وكمال أبياتاً من شعر الزهاوي في القرن التاسع عشر وفيها دعوته للمرأة للتحرر والسفور. وقبلها كان كمال قد كتب في مذكراته حواراً جرى بينه وبين سلام الياسري حول الاغاني العراقية القديمة لرشيد القندرجي والاغاني الحديثة التي يبدو كأنها ارتدت للوراء، فيقول: "أي ارتداد هذا؟ من ما بعد الحداثة الى الكلاسيكية؟"

يعاني كمال من حالة غريبة تنتابه طوال الرواية وهي انتصاب عضوه كلما سمع صوت انفجار، ولهذا يتعرض لعدة مواقف محرجة عندما يقع انفجار سيارة أو قذيفة أو صاروخ وخاصة عندما يكون في زيارة لإحدى جاراته أو أصدقائه. تستمر معه هذه الحالة التي قال له الطبيب أن أسبابها نفسية وتسبب له أرقاً. يبدو البعدان الرمزي والنفسي واضحاً في أن ويلات الحرب والاحتلال الجاثم تثير لدى الانسان غريزة التمسك بالحياة، والمقاومة وتصبح ردة الفعل متجهة أكثر نحو اشباع الذات في غياب القيم الدينية والاخلاقية وسقوطها بفضل النموذج العبثي تحت ضربات الطائفيين الذين يفرغون هذه القيم من محتواها الانساني. وهكذا يصبح الجنس والمحافظة على الحياة واشباع الذات المقهورة المحرومة هو الاكثر تحركاً وتجاوباً مع التحدي. ولهذا نرى في نهاية الرواية كمال حيث لم يعد عضوه ينتصب رغم الانفجار في دلالة مزدوجة على النهاية: نجاح الاحتلال في تعزيز وجوده كأنه شيء طبيعي والقضاء على مبدأ الرفض لوجوده، وفي الوقت ذاته سقوط كمال ضحية معبراً عن الاستكانة وفقدان الرجولة وتراجع غريزة التحدي والبقاء حيث يتعرض للخطف على أيدي جنود الاحتلال بعد أن وشى به الشيخ العلاّسي.

تعتمد الرواية على أسلوب السرد بضمير الغائب، ولكن هناك بالاضافة الى المذكرات والرسائل التي يرويها أصحابها، فصلان مهمان في الرواية يرويهما كمال وألماس بضمير المتكلم تحت عنوان (ما لا يعرفه الراوي) يكشف كل منهما فيه عن مرحلة سابقة من صباه ومراهقته. وتظهر في هذين الفصلين إشكالية الدين مبكراً لكل واحد منهما. فكمال يعثر على صندوق مغلق يثير فضوله ليكتشف فيما بعد على إثر قيامه بكسره أنه يحتوي "ألواح حضرة بهاء الله" وهو الكتاب المقدس عند البهائيين ويقع تحت تأثير اندهاشه أول الامر من نصوصه ومضامينه، لكنه يستغرب علاقة والده به، ليكتشف أن أباه وجدّه وكل عائلته كانوا بهائيين ولكن أباه اضطر للتحول الى الاسلام ليتزوج من امرأة مسلمة في كركوك. ومع الخشية من رعب المليشيات يقوم الاب بحرق الكتاب في الاتون. كما تتعرض ألماس الى موقف مواجهة وجدال حول معتقد الانسان ودوره في حياته مع زوج خالتها الخوري الذي يرفض وبشدة زواجها من ابنه ساندر اذا لم تتحول للمسيحية رغم الحب الشديد الذي يجمعهما، وتحاول بكل ما أوتيت من منطق أن تقنعه بجدوى الحب والزواج برغم اختلاف الدين، إلاّ أنه يرفض باصرار، وعندما تكشف له سر ممارستهما الجنس فانه يتوعدهما بالويل والثبور وطردهما مما يؤدي الى افتراقهما وموت الحب. واضح هنا توظيف مبدأ المفارقة في تقديم موقفين متشابهين متضادين ليعكس التراجع في حرية المعتقد والتسامح في أربعينيات وثلاثينيات القرن الماضي مقارنة بما يجري الآن، وتأكيد فكرة أن الامور عادت للوراء.

تعتمد الرواية على تقنية كتابة الرواية داخل الرواية، فكمال يكتب رواية هي أشبه ما يكون بكتابة المذكرات تختلط فيها الوقائع بالخيال ولكننا نكتشف كلما تقدمت الرواية أن أحداث رواية كمال هي جزء من ماضيه وحاضره، كما يفكر صديقه الفلسطيني جهاد البشير والذي يعرض عليه كمال أن يحميه في شقته على إثر الاضطهاد الذي تعرض له الفلسطينيون في بغداد في خضم العنف الطائفي فيما يسميه شاتيلا بغداد أن يكتب مشروع رواية هي أشبه ما تكون رواية كابوس يرى فيه أنه يقيم علاقة جنسية مع تسيبي ليفني كتعويض له عن القهر وفقدان الكرامة الذي يشعر به تجاه أفعالها القبيحة التي يخفيها جمال وجهها، من أجل إذلالها والانتقام منها في الخيال اذا لم يكن ذلك ممكناً في الواقع! كما يكتب صديقهما الحميم سلام الياسري الذي اغتالته عصابات القتل الطائفي مدونته وفيها يحكي عن فتاة رائعة يحبها اسمها غزالة يخطفها منه جنرال عسكري ويجعلها جارية له! ولكن سلام متعلق بها لأنه تذكره بغزالة في ديوان الاغاني الغجرية للوركا الشاعر الاسباني الذي قتل خلال الحرب الاهلية. ومن المفارقات أن سلام يقتل أيضا خلال الحرب الطائفية في العراق. كما تكتب نسرين رسائل الى كمال من مكان غربتها تروي له فيها معاناتها وإذلالها في سبيل لقمة العيش.

تمتاز لغة السرد في الرواية بالانسيابية والسلاسة والشعرية من خلال لغة بسيطة سهلة بعيدة عن الفلسفات الفكرية والحوارات التجريدية المغرقة في تأويلات الفكر والمطلق، ولكنها في الوقت ذاته مثقلة بالمعاني والاشارات والرموز ونقل ظلال نفسية تتمثل في الغوص في عالم الشخصيات الجواني لنقل معاناتها وأحزانها المكبوتة وأحلامها المقتولة التي تحولها إلى شخصيات بائسة يرثى لها. تنجح الرواية بلغة مشحونة في إظهار أزمات شخصياتها مما يمكن معه تصنيفها بالرواية النفسية أو السيكولوجية رغم زخم الاحداث فيها ولكن ما يجري في العالم الداخلي من كوابيس وأفكار سوداء وخوف وأمنيات لا تتحقق والتعبير عنها أهم من أحداثها الخارجية. 
يبدو واضحاً في الرواية تأثير القضية الفلسطينية والبعد القومي الذي يغلب على تفكير بعض الشخصيات وخاصة كمال وصديقه سلام الياسري برغم انهماكهما ومعاناتهما من مأساة الواقع العراقي، لكأنما تؤكد الرواية الارتباط بين القضيتين العراقية والفلسطينية. فسلام يشعر بالتشاؤم لأنه سافر الى اسبانيا يوم الخامس من حزيران الموافق لذكرى النكسة، كما أن كمال وسلام قد عاشا ودرسا مع صديقهما الفلسطيني جهاد البشير الذي أصبح من أعز أصدقائهما وتقاسما معه كل شيء. كما يبدي كمال تعاطفاً حقيقيا مع صديقه جهاد حين يتعرض للاضهاد ويتفاعل كثيراً مع فكرته حول الشروع في رواية حول تسيبي ليفني.

توظف الرواية الجنس وتبرزه كأحد افرازات الاحتلال الامريكي لبغداد وكأحد طرق التعبير عن العواطف المكبوتة في ظل الخوف بصورة مفرطة للغاية حتى يكاد لا يوجد فصل في الرواية دون ذكر أو اشارة أو تصوير لقاء جنسي. بل إن الاغرب من ذلك أن الرواية فيها حوالي خمس عشرة شخصية نسائية ما بين شخصية رئيسة مثل نسرين أو راهبة أو ألماس أو أنثى عابرة في الرواية مثل تلك المرأة التي يذكرها جهاد البشير لأنها باعته زجاجة من العرق وتنام معه ليلة مقابل عشرة الاف دينار.. لا يوجد ولا إمرأة واحدة في الرواية لا تمارس الجنس كعشيقة أو بائعة هوى حتى فيفيان العجوز الارملة المسيحية توحي كلمات كمال أنها على علاقة ببنيامين الخوري!


يلاحظ أن هناك تسارعاً في إقحام الشخصيات في الجزء الاول حيث تم تقديم سبع عشرة شخصية في الصفحات التسع الاولى. كما نلاحظ أن الراوي يسرع وتيرة السرد في الفصل الاخير المكون من خمس صفحات. ففيه يرحل زهراب هاكوبيان وزوجته الى أرمينيا، كما يرحل جهاد الفلسطيني الى مخيمات الحدود بعد أن يترك رسالة قصيرة لكمال دون أن يودعه، مثلما تتصل زهراء من إسبانيا بكمال لتخبره عن فشل محاولاتها في التوسط للحصول على عمل له في السفارة العراقية في مدريد مما يعني انتهاء علاقته بها، كما اختفت ألماس التي كان مقرراً أن يتزوج بها كمال، ويتعرض كمال نفسه للاختطاف على أيدي جنود المارينز أمام مدخل البناية في نهاية مفتوحة على التأويلات إن كان ذلك مجرد اختطاف أم اغتيال كما تقول الجملة الاخيرة: "التفت بسرعة الى يمينه والى يساره فإذا بالكفّين اللتين تمسكان به هما لكائنين يفوقانه طولاً، يرتديان بزتين مرقطتين شبيهتين بجلد أفعى..."

وفي الختام، فقد نجحت الرواية في تناول شفيف وذكي لأبعاد متعددة لويلات الحرب بما يترك للقاريء إدراك أزمات أبطالها النفسية والحياتية والتعاطف معها بأسلوب بعيد عن التقريرية أو الرثائية وتقديم شخصيات متنوعة تعكس الواقع الفيسفسائي للمجتمع العراقي بتعدد أصوله ودياناته وثقافاته والتي حولت الحرب حياتها الى كوابيس متواصلة وحولتها هي الى ضحايا مذعورة خائفة تبحث عن الخلاص الذاتي. ولعل رسالة جهاد البشير قبل رحيله عن بغداد تلخص فشل حلول الخلاص الذاتي: "لقد ايقنت تماما أن القوة تصنع الحق كما يقول شكسبير. " كل الامكنة هنا تنطوي اليوم على غدر متخفٍ تباغتنا به في كل لحظة عشوائية لترسلنا الى الموت على غفلة من تدابيرنا وتوقعاتنا".

* نشرت المقالة في الملحق الثقافي لجريدة الدستور الاردنية يوم الجمعة بتاريخ 6/11/2009
يرجى الضغط على الرابط التالي لقراءة المقال في الصحيفة:
الدستور الثقافي

كما يمكنك تحميل صورة الصفحة المنشورة على الرابط التالي:
صورة الصفحة الكاملة



الجمعة، أكتوبر 30

نوبل - مظلومون منسيون ومرشحون ملّوا الانتظار!



على هامش فوز هيرتا موللر بـ نوبل للادب


مظلومون منسيّون ومرشّحون ملّوا الانتظار

بقلم اياد نصار

ما بين سنة 1914 التي نشر فيها الأديب الإيرلندي الشهير جيمس جويس أول أعماله النثرية: الدبلنيون (سكان دبلن)، التي أصبحت من أبجديات القصة القصيرة في العالم، وسنة 1939 التي نشر فيها آخر أعماله: رواية يقظة فينيجان قبل وفاته بسنتين، منحت جائزة نوبل ثلاثا وعشرين مرة إلى العدد نفسه من الأدباء، ولم يكن جويس من بينهم.


يعد جويس من أهم الادباء الذين غيروا وجه القصة القصيرة والرواية على مستوى العالم، منذ نشر روايته صورة الفنان في شبابه العام 1916، التي أتبعها بروايته الضخمة عوليس العام 1922. ولا يذكر تاريخ الأدب والنقد اسما من أولئك الأدباء الثلاثة والعشرين الذين فازوا بالجائزة، مثلما يذكر جويس، ذلك أن أحدا منهم لم يؤثر فيه مثلما فعل هذا الأديب. وإذا جهد المرء في التذكر، فربما يعثر على عدد قليل من الأسماء التي نالت الجائزة، وما يزال لها حضور بشكل أو بآخر في زمننا الحاضر، من مثل: أناتول فرانس، وليم بتلر ييتس، جورج برناردشو، توماس مان، سنكلير لويس، لويجي بيرانديللو، يوجين أونيل، وبيرل باك. أما الباقون، فظلوا نكرات مغمورين.

جويس لم يكن وحده في ذلك، فقد نسي أديب فرنسا اللامع غزير الإنتاج ورائد الرواية النفسية الحديثة التي عدت إحدى أهم روايات القرن العشرين على الإطلاق مارسيل بروست، صاحب البحث عن الزمن الضائع الذي توفي العام 1922، بعد أن منحت الجائزة قبل وفاته عشرين مرة منذ العام 1901، وهي السنة التي أعلن فيها عن اسم الشاعر الفرنسي سولي برودوم بوصفه أول فائز بنوبل للأدب. والمرء لم يعد يتذكر من الأدباء الفائزين خلال تلك الفترة سوى ثلاثة: الشاعر الإنجليزي رديارد كبلنغ، والشاعر الهندي طاغور، والشاعر والروائي الفرنسي أناتول فرانس.


المنسيون من الجائزة والمظلومون بسببها كثر. كان الروائي الروسي ليو تولستوي المرشح الأوفر حظا للفوز بالجائزة في دورتها الأولى العام 1901، والثانية العام 1902، لكنها ذهبت في المرة الأولى بصورة مفاجئة إلى برودوم، وفي المرة الثانية إلى الألماني تيودور مومسن، وعندما بلغه ذلك قال: كان ذلك من حسن حظي، فلم أكن أعرف ماذا سأفعل بالنقود، ووفرت علي ذلك الألم الذي لا بد منه لقاء التعامل بالمال، إنه أساس كل الشرور!


هناك أدباء كبار تجاهلتهم قرارات الجائزة، رغم أنه كان لهم حضورهم على ساحة الأدب العالمي، وبعضهم لسنوات طويلة قبل موته، كما منحت الجائزة خلال حياتهم، وفي بعض الحالات عشرات المرات، ولم تقترب منهم. من الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن المسرحي النرويجي هنريك إبسن الذي توفي العام 1906، والروائي الأميركي مارك توين (ت. 1910)، والروائي الأميركي هنري جيمس (ت. 1916)، والروائي الإنجليزي بولندي الأصل جوزيف كونراد (ت. 1924)، والروائي النمساوي فرانز كافكا (ت. 1924)، والشاعر الفرنسي بول فاليري (ت. 1945)، والمسرحي الألماني بيرتولت بريخت (ت. 1956)، والروائي الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف (ت. 1977)، والروائي الإيطالي إيتالو كالفينو (ت. 1985).


تذكر المصادر أن الشاعر والمسرحي والروائي الألماني المعروف غونتر غراس كان مرشحا دائما كل سنة على قوائم الترشيحات لمدة عشرين عاما، حتى فاز بها في العام 1999 عن روايته التي أصدرها العام 1956 بعنوان "الطبل القصديري"، والتي تعد الجزء الأول في ثلاثيته المعروفة باسم ثلاثية دانزيغ.




وإذا كان للمرء أن يذكر من الأدباء العرب الكبار الذين رحلوا ولم يحظوا بها رغم جدارتهم، فإن من بينهم عميد الأدب العربي طه حسين، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والروائي عبد الرحمن منيف، والشاعر محمود درويش، والشاعر نزار قباني، والمسرحي سعد الله ونوس، والشاعرة نازك الملائكة، والشاعر عبد الوهاب البياتي، والأديب جبران خليل جبران، والروائي والمسرحي توفيق الحكيم.


ولا شك أن هناك شعوبا أخرى تعتقد أن عددا من أدبائها الراحلين استحقوا الفوز بالجائزة، خصوصا أن أغلب الفائزين بها هم من دول أوروبا، بينما يبقى أدباء دول العالم الثالث الأقل حظا، حتى الأميركيون شعروا بخيبة أمل كبيرة هذا العام، ويعتقدون أن هناك تجاهلا للأدباء الأميركيين منذ سنوات من جانب الأكاديمية السويدية، إذ كانت آخر مرة نال فيها أديب أميركي الجائزة ذلك قبل ستة عشر عاما، وذلك عندما فازت الروائية الأميركية السوداء توني موريسون بالجائزة العام 1993. وقد ثارت في العام 2008 ضجة كبيرة حول تصريحات الناقد ومؤرخ الأدب السويدي هوراس إينغدال الذي شغل منصب السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، منذ العام 1997 حتى حزيران 2009، عندما صرح العام 2008 بأن الولايات المتحدة معزولة كثيرا، وغير منفتحة على الآداب الأخرى، مما يمنعها من لعب دور أساسي في صياغة واقع أدب اللغة الإنجليزية، وأضاف: إنها جاهلة كثيرا إذا اعتقدت أنها يمكن أن تنافس أوروبا، المركز الأدبي للعالم، وهي لا تساهم كثيرا في الحوار الأدبي العالمي.


كان الأميركيون يطمحون أن تعدل اللجنة موقفها أو أن تكفر عن تصريحات إينغدال، بمنح الجائزة إلى الأديب الأميركي جون أبدايك. لكن أبدايك رحل في مطلع العام الجاري، فعقد الأميركيون رجاءهم على الكاتبة الأمريكية غزيرة الإنتاج جويس كارول أوتيس، كون الجائزة لا تمنح إلا للأحياء. لكن أملهم خاب كثيرا. وهكذا ستنتظر أوتيس سنة أخرى وربما سنوات مقبلة، إذ إن اسمها ضمن الترشيحات منذ سنوات، وكان ترتيبها السابع في هذا العام على قائمة التوقعات، وحصلت على 4 في المئة من الأصوات.


هناك أمم كثيرة في العالم ممن يطمح أدباء من أبنائها بالحصول على الجائزة التي صار لها قيمة تاريخية ومعنوية علاوة على قيمتها المادية، والتي تفتح المجال أمام الفائز ليدخل بها إلى الثقافات العالمية إذا تابع حضوره الفعال على المستويين الوطني والعالمي، واستمر في تقديم أعمال متميزة تطرح قضايا المجتمع المعاصر من منظور الثقافة التي ينتمي اليها، وساهم في المشاركة في الدفاع عن القضايا الإنسانية الكبرى، ومناصرة الشعوب في سعيها للتقدم والتخلص من مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزمنة.


تشير استطلاعات الرأي والتقارير الصحفية والمقالات الأدبية والموقع الشهير للمراهنة على المرشحين لنيل الجائزة على الإنترنت لادبروك، إلى أن أكبر نسبة توقع للفوز بالجائزة في الدورة الأخيرة كانت للكاتب والروائي الإسرائيلي عاموس عوز، الذي يشغل منصب أستاذ الأدب في جامعة بن غوريون، والذي نال 21 في المئة من الأصوات قبل الإعلان عن اسم الفائزة هيرتا موللر، التي كانت في المرتبة الخمسين على القائمة.


أما المرشح الذي نال ثاني أعلى نسبة من التوقعات (13 في المئة)، فكان الروائي الياباني هاروكي موراكامي البالغ من العمر ستين عاما والمعروف بإنتاجه الضخم، إذ وضع اثنتي عشرة رواية وستا وأربعين مجموعة قصصية. ورغم ذلك كان مرشحا في الترتيب التاسع بين الأدباء المحتملين. وقد فاز موراكامي بجائزة إسرئيلية في شباط 2009 عقب الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة، فحاول المتظاهرون ضد الحرب في اليابان ثنيه عن السفر إلى القدس لتسلمها، لكنه حضر الاحتفال وانتقد الحرب الإسرائيلية خلال خطابه. يتردد اسم موراكامي كمرشح مفضل لدى النقاد للفوز بالجائزة منذ سنوات طويلة، حتى قيل إنه قد نال الجائزة في الانتظار!


أما العرب، فقد طال انتظارهم مرة أخرى، منذ أن نال نجيب محفوظ الجائزة العام 1988، وطال انتظار أدباء من مثل أدونيس، الذي كان العام 2008 في المنزلة الثانية في التوقعات، فتراجع إلى المنزلة الثامنة هذا العام، بعد الروائي الأميركي المعروف فيليب روث الذي مل هو الآخر الانتظار، خصوصا أن آخر مرة منحت الجائزة فيها لشاعر كانت في العام 1996 من نصيب البولندية فيسلافا سيمبروسكا. يتردد اسم أدونيس للفوز بالجائزة منذ فاز نجيب محفوظ فيها العام 1988.


وخابت الآمال مرة أخرى، في أن تفوز الروائية الجزائرية الفرانكوفونية آسيا جبار التي كانت هذا العام، وبحسب موقع لادبروك، في الترتيب الثالث بين التوقعات بنسبة 7 في المئة من الأصوات. جبار كانت مرشحة متقدمة للفوز بالجائزة، وقد أظهر الموقع أنها نالت المركز الثالث في التوقعات. وهي معروفة كثيرا في الغرب وبعض دول العالم، وربما أكثر من العالم العربي، وقد ترجمت رواياتها إلى ثلاث وعشرين لغة، ويقال عنها إنها تستطيع أن تؤلف رواية في ثلاثين يوما. وقد ملت الانتظار منذ العام 1999. ويبدو أن قائمة المنتظرين لسنوات طوال ستزداد، وقائمة المستحقين الراحلين ستزداد، بينما تصر الأكاديمية السويدية على اختياراتها الأوروبية في كثير من الأحيان.

* اللوحة أعلاه للفنانة الهولندية المعاصرة ليندا غروين بعنوان زهرة الليل، وهي زهرة العاطفة والموت التي تنمو على ضفاف نهر النسيان في العالم السفلي حسب الاسطورة اليونانية.

** نشرت المقالة في الملحق الثقافي لجريدة الرأي الاردنية بتاريخ 30/10/2009.
اضغط على الرابط لرؤية الملحق الثقافي

اضغط على الرابط التالي لتحميل الصفحة



الاثنين، أكتوبر 26

"قليل من الحظ" في الصحافة العربية



"قليل من الحظ" في الصحافة العربية

نشرت بعض المواقع الثقافية والاخبارية الالكترونية والصحف العربية تنويها بمناسبة صدور كتابي الثاني "قليل من الحظ". بامكانك الضغط على الروابط المبينة لرؤية ما نشر حول الكتاب في تلك الصحف والمواقع الالكترونية، وسيتم تحديث هذه الروابط تباعاً في الايام القادمة






وفي هذا الصدد أود أن اشير الى مشاركتي في الندوة الثقافية التي أقيمت في ثاني أيام مهرجان الايام الثقافية العراقية في عمان وذلك يوم الجمعة 23 تشرين اول/اكتوبر 2009 والتي أدارها الاستاذ والناقد د. حيدر سعيد والتي شارك فيها كلاً من الناقد د. يحيى الكبيسي، والاديب والاعلامي علي عبد الامير عجام، والروائي والناقد المسرحي عواد علي، والشاعر عبود الجابري، حيث قَدّمتُ ورقة نقدية حول "صورة عمان في الرواية العراقية". يرجى الاطلاع على الروابط التالية لمزيد من التفاصيل:




الثلاثاء، أكتوبر 20

صدور المجموعة القصصية الثانية "قليل من الحظ"




صدور المجموعة القصصية الثانية "قليل من الحظ"

صدرت مجموعتي القصصية القصيرة الثانية "قليل من الحظ" عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان، وقد قال مدير الدار الشاعر جهاد أبو حشيش في معرض الاعلان عن صدورها: "نهنئ أنفسنا والقارئ بصدور المجموعة الثانية للقاص والناقد اياد نصار "قليل من الحظ" والذي تتشرف دار فضاءات بأن كانت انطلاقته منها في مجموعته الأولى "أشياء في الذاكرة" فكان وفياً للدار، وكانت الدار وفية له ولابداعه وتميزه واشتغاله على مشروعه الابداعي".

تطرح المجموعة، التي تضم بين دفتيها خمس عشرة قصة قصيرة، قضايا الانسان المعاصر وأزماته النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، حيث تمثّل كل قصة محورا رئيساً من محاور العلاقة الشائكة والمشتبكة بين الفرد والمجتمع، وافرازاتها من القلق والصراعات والضياع والهموم والموت العبثي التي صارت تتسم بها حياة الانسان، وخصوصاً في المجتمعات التي ينهشها العنف والتطرف في مستهل القرن الحادي والعشرين، وبما تنطوي عليه من إضطراب وتمزق وخديعة وإحساس بالخوف واغتراب عن المكان.

كما كتب الناقد الاردني المعروف الدكتور محمد عبيد الله كلمة نقدية على الغلاف الاخير، جاء فيها: "في هذه المجموعة كثير من الحظ، خلافاً لعنوانها الدال، والحظ الذي نقصده يتشارك فيه القارىء والكاتب معاً، إذ سيحظى القارىء بمجموعة قصصية جديدة تعيدنا الى وهج القصة النفسية أو السيكولوجية، التي تحاور أعماق الانسان ووجدانه في عالمنا الراهن، وخلال ذلك ترصد تأثيرات الأحوال الكبرى والتغيرات الجذرية التي تواصل فعلها وتأثيرها، سواء ما يتصل بالحروب وما خلفته من تشوهات وتمزقات، أو تحولات العالم الجديد، عالم الاتصال والعولمة والانفتاح والتجارة وما خلفه ذلك على الوجدان الانساني.

تؤكد هذه المجموعة المتميزة مع مجموعات أخرى لكتّاب معاصرين أن القصة القصيرة لم تستنفد أغراضها، ولم تزل نوعاً أدبياً حياً مفتوحاً على المستقبل، وأن التلويح بموتها ليس إلاّ إحدى إشاعات النقد الجديد المولع بصيغ الموت وإعلانات التأبين.

مجموعة إياد نصار الجديدة تطل بلغة أنيقة متقشّفة، ومركّزة على الوصف الداخلي، وعلى حركة الإنسان الجوانيّة، دون أن تنسى متطلبات السّرد وتتابع الحكاية، ودون أن تتخلّى عن منظور القصة القصيرة التي تتخذ من الإختزال ومن الاقتصاد اللغوي أساساً لبنائها، وهي في ذلك تسير على المبادىء الكبرى لروادها الأوائل، وتطوّرها بما يناسب زماننا الراهن".

وكانت مجموعتي القصصية الاولى بعنوان "أشياء في الذاكرة" قد صدرت في شهر ايلول /سبتمبر من العام الماضي، وقد نفدت طبعتها الاولى، وهناك ترتيب حالياً مع الناشر لأجل اصدار الطبعة الثانية منها

اياد

الجمعة، أكتوبر 16

هيرتا موللر: مفاجأة جائزة نوبل للاداب للعام 2009





هدية سويدية مفاجئة في ذكرى سقوط الستار الحديدي

هيرتا مولر: تكريم صوت الاقلية المضطهدة أم تكريس لممارسات الحرب الباردة؟

بقلم: اياد نصار

هل يمثل فوز هيرتا مولر، الروائية والشاعرة وكاتبة المقالة، الرومانية الجنسية، الالمانية الاصل واللغة، التي لم تكن معروفة من قبل خارج حدود بلادها بجائزة نوبل للعام 2009 التي أعلنت قبل أيام تكريماً مستحقاً لصوت الاقلية المضطهدة أم استمراراً غير معلن لممارسات وثقافة مرحلة الحرب الباردة، واستمراراً للاحتفال الغربي الكرنفالي بذكرى النصر على كل ما يمت للمعسكر الشرقي بصلة؟ هل يمثل فوزها انتباهاً متأخراً للمحرومين والمضطهدين من ضحايا نظام تشاوشيسكو الشيوعي في رومانيا أم تكريساً لصورة من صور انتصار الغرب الذي يرى في نفسه تجسيدا للحرية في صراع الشرق والغرب الذي يقوم على توظيف كل مجالات الحياة العسكرية والثقافية والاعلامية وكذا الجوائز الادبية لتكريس هذه الصورة؟ هل أرادت الاكاديمية السويدية أن تقدم هدية من نوع خاص في الذكرى السبعين لقيام وانهيار الاتحاد السوفياتي رسمياً أو في الذكرى العشرين لسقوط النظام الشيوعي والذي كان الغرب يشير اليه دائما بالستار الحديدي؟

قالت الاكاديمية السويدية في إعلان منح الجائزة تكريماً لأعمالها أنها "تتسم بتكثيف الشعر وصراحة النثر التي تهتم بتصوير المكان للمحرومين والمشردين". وقالت هيرتا مولر في بيان صدر عن ناشر كتبها في ألمانيا بعدما تبلّغت بخبر فوزها بالجائزة "إنني مندهشة كثيراً، ولا أستطيع تصديق الأمر لغاية الان. لا يمكنني أن أقول أكثر من ذلك في هذه اللحظة".


من المؤكد أن يفتح قرار اللجنة باب الجدل مرة أخرى حول نمط قرارات الاكاديمية السويدية في منح الجائزة وخصوصاً لكتاب لم يكن متوقعاً فوزهم في الترشيحات والتكهنات. فهيرتا مولر لم تكن كاتبة معروفة خارج المانيا أو رومانيا، وقد منحت الجائزة على كتاباتها الناقدة التي تعنى بتصوير مشاهد الحياة خلف الستار الحديدي، ويأتي ذلك في الذكرى العشرين لسقوط الشيوعية. ومما يؤكد ذلك، أن أغلب انتاج مولر هو بالالمانية وقليل منه تمت ترجمته الى الانجليزية والفرنسية والاسبانية مثل روايات "جواز السفر" و"أرض الخوخ الاخضر" و"السفر على ساق واحدة" و"الموعد". ولكن بالطبع ستزيد وتيرة ترجمة أعمالها منذ الان فصاعداً بعد فوزها بالجائزة.

ولدت مولر في منطقة بانات من إقليم ترانسلفانيا في غرب رومانيا في 17 آب من العام 1957. وتجسد أعمالها الظروف القاسية للحياة في رومانيا تحت حكم نظام نيكولاي تشاوشيسكو الاستبدادي الذي انتهى بثورة شعبية عليه ومحاكتمه هو وزوجته واعدامهما، كما تصور الاضطهاد الذي تعرضت له الاقلية الالمانية التي تنتمي لها في مقاطعة ترانسلفانيا على يد القوات السوفياتية. تتحدث هيرتا الالمانية لغتها الام بطلاقة وتخصصت في الدراسات الالمانية والادب الروماني في جامعة تيمشوارا. عملت معلمة في روضة للاطفال وكانت تعطي دروساً خصوصية في اللغة الالمانية. نشرت كتابها الاول وهو مجموعة قصصية باللغة الالمانية في رومانيا في العام 1982 بعد اجازته من الرقابة الشيوعية في تلك الفترة. وقد حضرت بعدها معرضاً للكتاب في فرانكفورت وانتقدت علنا النظام في بلدها فمنعت من النشر. غادرت موطنها برفقة زوجها الروائي ريشتارد فاغنر الى المانيا الغربية في العام 1987 عندما ازداد الاضطهاد وسوء الحال في رومانيا. نالت هيرتا عدداً من الجوائز الادبية وأصبحت عضوة في الاكاديمية الالمانية للكتابة والشعر في عام 1995. أرسلت في العام الماضي خطاب احتجاج الى رئيس المعهد الثقافي الروماني الذي قام بتعيين اثنين من المخبرين السريين السابقين للعمل فيه.

ومن الاحداث المهمة في حياتها والتي شكلت انعطافة كبيرة في مسيرتها الابداعية وكانت الاساس الذي طالما وظفته في كل أعمالها بصور أخرى عديدة للخوف من القمع والاضطهاد هو تلك الحادثة التي ذكرتها كل الكتابات التي تناولت سيرتها الذاتية. ففي السبعينات عملت لمدة ثلاث سنوات في مصنع للجرارات الزراعية وكانت وظيفتها هي ترجمة الادلة الفنية التي تم احضارها من ألمانيا الشرقية والنمسا الى اللغة الرومانية. كان زملاؤها ورؤساؤها مخبرين في الشرطة السرية. ومن أجل البقاء في وظيفتها كمترجمة كان لا بد من أن تصبح عنصراً في الاستخبارات السرية لضمان ولائها وتعاونها، ولكنها رفضت فتعرضت للفصل من العمل بعد ثلاث سنوات، وللتهديد حيث أخبرها رئيسها بأنك "سوف تندمين، سنغرقك في النهر".

بعد أن تركت هيرتا بلدها خوفاً من الاضطهاد وانتقلت الى برلين، صارت تجسد في كتاباتها مسألة الاغتراب ومحنة النفي السياسي. ومن طريف ما يروى أنها قالت عندما سألها الصحفي البريطاني جوليان ايفانس يوم التقى بها في برلين عن الحياة في ألمانيا: "البيروقراطية الالمانية عصية على الاختراق أكثر من رومانيا"! ويصف أحد الفصول السريالية الغريبة في روايتها "أرض الخوخ الاخضر" وداع الراوي بعد أن أصبحت موضع شك سياسي: "عندما رفعتْ غطاء السرير، وجدتْ أذن خنزير على الملاءة. رفعت الملاءة وهززتها ولكن الاذن بقيت ملتصقة بها كأنما هي زر مثبت بها".


لم تكن هيرتا هي الاولى من الفائزين في الاونة الاخيرة بجوائز نوبل الذين تناولوا قضية الاقليات فهناك الكاتب الفرنسي جان ماري لوكليزيو للعام 2008، والكاتبة المسرحية والروائية النمساوية الفريده جيلينك للعام 2004، والروائي الهنغاري اليهودي ايمري كيريتس للعام 2002، والكاتب المسرحي والروائي الصيني تشاو زينغ تشيان للعام 2000، والشاعرة البولندية فيتسلافا سيمبروسكا للعام 1996.
رُشحت روايتها الاخيرة التي أصدرتها العام الحالي 2009 بعنوان "كل شيء أملكه أحمله معي" لجائزة الكتاب الالماني وتم اختيارها ضمن ستة أعمال تتنافس على الجائزة التي لم تعلن نتيجتها بعد. تطرح الرواية رحلة شاب ألماني الى معسكر للعمل في الاتحاد السوفياتي كنموذج على مصير السكان في ترانسلفانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد استندت في كتابها على مذكرات كاتب يدعى اوسكار باستيور التي قامت بمراجعتها وعلى ذكريات أمها عن تلك الفترة.

كان انتاجها الاول عبارة عن مجموعة قصصية نشرت في بوخارست بعنوان "الارض المنخفضة" وصدرت عام 1982 بعد أن حذفت منها الرقابة بعض المقاطع. ثم أصدرت مجموعتها الثانية بعنوان "التانغو القاهر" في العام 1984، وقدمت أول رواية بعنوان "جواز السفر" في العام 1986 في برلين، ثم نشرت نصوصاً نثرية بعنوان "شباط عاري القدمين" في برلين عام 1987، كما نشرت في ذات العام نوفيلا بعنوان "الرجل الفارغ المطلق". ومن أعمالها المميزة التي جذبت أنظار النقاد اليها كانت رواية "السفر على قدم واحدة" في العام 1989 في برلين، وقد تمت ترجمتها الى الانجليزية في العام 1992، وكذلك رواية "أرض الخوخ الاخضر" التي صدرت عام 1994 في هامبورغ، وحققت شهرة وتمت ترجمتها الى الانجليزية في العام 1996، ورواية "الموعد" التي صدرت عام 1997 في هامبورغ أيضاً، وترجمت الى الانجليزية عام 2001. وليس آخرا روايتها الاخيرة التي صدرت هذا العام "كل شيء أملكه أحمله معي". ومن أشعارها ديوان "امرأة تعيش في عقدة شعر" صدر في العام 2000، وديوان "الملك ينحني ويقتل" الذي أصدرته عام 2003 في ميونخ، ودواوين أخرى.

يمتاز أسلوب هيرتا في القصة والرواية بالنثر الشاعري حيث يتحول النص الى ما يشبه قصائد نثرية تعكس أجواء الخوف الذي يسكن أعماق شخصياتها. ويتسم أدبها باحساس رقيق في اللغة سواء أكان نثراً أم شعراً، كما تنظر بعين أمينة الى حد القسوة الباردة نحو تفاصيل الحياة في رومانيا الشيوعية، غير أن النقاد يأخذون عليها صعوبة أسلوبها، حيث أن متابعة تسلسل السرد في قصصها ليس بالامر السهل على القاريء إدراكه. كما أنها يؤخذ عليها اهتمامها بنقل الصورة من خلال اللغة والوصف أكثر من الحدث ذاته، ويتحول الوصف الامين أحيانا الى جو من الكآبة. كتبت ميريل روبين في صحيفة لوس انجليس تايمز عن رواية "الموعد" تقول: "مثل روايتها السابقة، والتي تجسد عالماً من الخوف والعصاب والاضطراب، فإن رواية "الموعد" ليست سهلة القراءة".

حصلت مولر على عدد كبير من الجوائز الالمانية في الشعر والنثر بدءاً من العام 1981، ويكاد يصل الامر حد فوزها بجائزة كل عام! ومن الجوائز المهمة التي حصلت عليها قبل نوبل هو فوز روايتها "أرض الخوخ الاخضر" بجائزة دبلن الدولية الادبية في العام 1998. كما خصصت مجلة تكست كريتيك الادبية الالمانية الرفيعة عدداً بأكمله عنها. وقد انسحبت مؤخرا من الجمعية الدولية للكتّاب عندما علمت ان هناك نية لدمج الفرع في ألمانيا مع فرعها الاخر في برلين احتجاجا على ضم بعض الكتاب الذي عملوا سابقا مع الشرطة السرية.

ومن روايتها "كل شيء أملكه أحمله معي" أقتطف النص التالي: "حملت معي كل شيء كان عندي. لم تكن في الواقع لي. إما أنها كانت تستخدم لغرض آخر او لشخص آخر غيري. الحقيبة المصنوعة من جلد الخنزير كانت في الاساس صندوق الغراموفون. والمعطف كان لأبي. والبنطال القصير من عمي ادوين. والجرابات الطويلة استعرتها من جارتي السيدة كارب، والقفازات من عمتي فيني. أما الوشاح الحريري وحقيبتي الشخصية وحدهما كانتا لي من هدايا أعياد الميلاد السابقة.

كانت ما تزال الحرب مشتعلة في كانون الثاني عام 1945. لقد صُدموا ونحن في عز الشتاء عندما علموا بأن الروس سوف يأخذونني الى مكان لا أعلمه، فأراد كل واحد أن يعطيني شيئاً، حتى لو لم تكن له فائدة. في الحقيقة لم يكن هناك شيء على الارض يمكن أن يساعدني في ذلك الموقف. ولم يكن هناك خلاص لي: اسمي على قائمة الروس. أعطاني كل واحد شيئاً ورسم في ذهنه النتيجة التي توصل اليها. حملت الاغراض، ووصلت وأنا آنذاك في سن السابعة عشر الى النتيجة التالية: الوقت مناسبا للذهاب بعيداً. كان بامكاني القيام بذلك بدون تلك القائمة. أردت الذهاب بعيدا عن هذه البلدة حيث كل الحجارة لها عيون".

وفي مكان آخر كتبت تقول: "رجلا بوليس- روماني وروسي- أخذا القائمة من بيت الى بيت. كانت تلك هي الدورية. لم أعد أعرف أي شيء، أو إن كانا قد نطقا في بيتنا كلمة معسكر. واذا لم يفعلا ذلك، فما هي الكلمة الاخرى –غير روسيا- التي نطقا بها؟ واذا كانا قد فعلا ذلك فإن كلمة معسكر لم تخفني. برغم الحرب وصمت الموعد حول عنقي، كنت ما أزال في السابعة عشر استمتع بطفولة شقية مرحة. كنت أسمع كلمات مثل الالوان المائية واللحم، ولكن دماغي كان أصماً عن كلمة معسكر".

تُعدّ هيرتا مولر من أكثر الكتّاب تقديراً في ألمانيا. ومنذ أن ظهرت على الساحة الادبية لاول مرة عام 1982 حينما نشرت مجموعة قصصية بعد أن أجازتها الرقابة في بوخارست وحذفت منها، فقد نشرت ما يزيد عن عشرين كتاباً منذ ذلك الحين. ورغم أنها تعيش في ألمانيا منذ اثنين وعشرين عاماً، إلا أنها لم تنفك تنشغل بقضايا وطنها الام وخصوصا الاقلية الالمانية فيه، في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ العالم بأسره. تقول: "كانت أهم تجربة في حياتي هي العيش تحت النظام الديكتاتوري في رومانيا. وعيشي على بعد مئات الكيلومترات منها في المانيا لا يمحو ببساطة تجربتي الماضية. لقد حملت معي ماضيّ عندما غادرت. تعلمت أن أستمد معنى حياتي من كتابتي. أردت أن أعيش على القيم التي حلمت بها. الكتابة بالنسبة لي السبيل الذي أعبّر به عما لم أتمكن من أن أحياه".

وقد استضافها المعهد الثقافي الروماني في بوخارست في عام 2007 لتقرأ مقتطفات من كتابها الاخير "سيدة تعيش في شينون"، وهو ديوان شعر يقوم على مبدأ الكولاج الذي امتاز به شعرها منذ أن أصدرت ديوان "الحارس يأخذ مشطه معه" في العام 1993 والذي احتوى على 94 قصيدة تقوم على فكرة الكولاج حيث تقتطع الشاعرة كلمات أو مقاطع من مجلات وتجمعها معاً بعدة طرق. وقد بدأ اهتمامها بشعر الكولاج حين كانت ذات مرة في رحلة سفر فقامت بملء البطاقات البريدية العادية بكلمات ومقاطع مأخوذة من المجلات.في حوار أجرته إذاعة رومانيا الدولية معها في شهر آب عام 2007 قالت هيرتا: لقد أثرت فيّ الموسيقى الشعبية الرومانية لأنها مرتبطة كثيرا بالوجود بطريقة لها معنى. لم يكن الفلوكلور الالماني ملهماً لي البتة." واضافت أنه لم يكن أحد يتكلم الرومانية في بلدتها. وحين تعلمت الرومانية فيما بعد، فقد وجدت كم هي مختلفة عن الالمانية. الاستعارات في الرومانية أكثر حسية ومباشرة للمعنى، ولهذا أرادت تعلم اللغة. وتضرب مثلا فتقول "في الرومانية فإن ذرات الثلج هي "دموع صغيرة" بينما في الالمانية هي "كرات أيار الصغيرة". الامر ليس مجرد اختلاف في اللغة بل اختلافاً بين عالمين. عند رؤية نجم ساقط، يقول الرومانيون أن أحدا قد مات، أما الالمان فيضمرون أمنية طيبة".

تطرح أعمال هيرتا مولر قضايا الدمار الانساني للديكتاتورية والاحساس بالضياع وفقدان الجذور في معاناة المنفى السياسي. طرحت في أعمالها القصصية الاولى وبالذات "الارض المنخفضة" و"التانجو القاهر" موضوع النفاق السياسي والقهر الذي لا يرحم الذي يتعرض له غير الموالين، كما صورت العقلية الفاشية للاقلية الالمانية وفسادها وعدم تسامحها. ولذلك تعرضت لنقد شديد في وطنها على محاولتها تحطيم الصورة الساحرة البسيطة للحياة الالمانية الريفية في رومانيا.

تقدم هيرتا صوتا أميناً الى درجة القسوة وحزيناً الى درجة فظيعة، وتصوغ مشاهداتها ببساطة لا تعرف الخوف، وتجعل مشاهد العنف اللفظي الذي يقوم به الكبار في العائلة واضحا ومؤلما للقاريء مثلما هو للطفل. ويخفف من شدة القمع الذي تتناوله جمال نصها السردي وومضات السخرية التي تستخدمها، كما يخفف منها ما تتصف به أعمالها من لغة شعرية صافية واستعارات وتوريات رمزية تتكرر في غالبية أعمالها.

تعكس الكثير من أعمالها جوانب من سيرتها الذاتية وتاريخ بلدتها. فرواية "جواز السفر" عام 1986 تؤرخ جهود عائلة فلاح الماني روماني للحصول على جواز سفر لمغادرة البلد. وبعكس أعمالها السابقة، فإن هذه الرواية تفضح فساد القرية القاسي، من خلال اظهار فساد المسؤولين من مدير البريد الى الكاهن، الذين يسعون للحصول على مكاسب شخصية وجنسية من اولئك الساعين للحصول على جواز سفر لمغادرة البلد.

قال الناقد جيسون باسكين من مجلة شيكاغو ريفيو في مقالة له عام 2002: "في أعقاب الجرائم التي ارتكبت باسم الامة والعرق، فقد وجد الافراد أنفسهم مدفوعين لحماية هوياتهم وإقامة خطوط دفاع شفافة في وجه الاضطهاد. لقد أعادت روايات هيرتا مولر الحياة الى نضال الناس العاديين".

أما رواية "السفر على ساق واحدة" التي صدرت عام 1989 فتتطرق الى مشكلات الاقامة والاستقرار في الغرب، والشعور بالاغتراب الذي يعصف بحياة المنفي السياسي. أما في رواية "الثعلب كان هو الصياد" التي كتبتها عام 1992 فإن الشخصية الرئيسة هي مدرّسة يطاردها البوليس السري. تصوّر هذه الرواية تشظي الذات الذي يصيب أمة بأكملها يحكمها الخوف. ووصف وليم فيرغسون في مقالته في جريدة نيويورك تايمز عام 1999 رواية "السفر على قدم واحدة" بأنها رواية قصيرة متميزة، وقد يكون الحدث فيها قليلاً، ولكن تم تصوير وعي بطلتها ايرين بصورة رائعة حيث يصبح الهم السياسي هو الهم الذاتي.

أما رواية "أرض الخوخ الاخضر" التي كتبتها في العام 1994 فتعد عملها الاهم وألاكثر غنى من حيث تصوير الحياة تحت الديكتاتورية الرومانية حيث تربط بين طفولة الراوي المقموعة والاضطهاد القاسي للدولة.

تمتاز رواية "أرض الخوخ الاخضر"، كما يشير الى ذلك الناقد لاري وولف في مراجعته للرواية التي نشرها في صحيفة نيويورك تايمز عام 1996، بالتفاصيل الجغرافية الواضحة التي تسعى بواسطتها المؤلفة الى خلق ما يشبه الشعر الجميل من البشاعة الروحية والمادية للحياة في رومانيا. تبدو الرواية التي تصور دولة يحكمها لصوص يسرقون الخوخ كأنها حكاية خرافية عن الشر والجشع والغباء والقسوة. إن قدرة هيرتا لا تتبدى في تصوير الحياة في رومانيا تشاوشيسكو بل في اعادة انتاج تجربة النفي، فبعد أن تهرب الشخصيات الى ألمانيا فانه ما يزال يؤرقها الاحساس بغياب الحرية حيث كانت وبالاحساس المر بالاغتراب في مكانها الجديد.

* اللوحة أعلاه بعنوان الغجرية النائمة للفنان الفرنسي هنري جوليان روسو من المدرسة ما بعد الانطباعية البدائية (1844-1910)

** نشرت المقالة أعلاه في جريدة الدستور /الملحق الثقافي بتاريخ 16/10/2009.

الخميس، أكتوبر 15

هيرتا موللر: مفاجأة جائزة نوبل للاداب للعام 2009














هدية سويدية مفاجئة في ذكرى سقوط الستار الحديدي

هيرتا موللر: تكريم صوت الاقلية المضهدة أم تكريس لممارسات الحرب الباردة؟

نشرت جريدة الدستور الاردنية في ملحقها الثقافي الصادر يوم الجمعة 16/10/2009 مقالتي حول هيرتا موللر الاديبة الالمانية الرومانية الاصل الفائزة بجائزة نوبل للاداب للعام 2009. يرجى الضغط على الصور أعلاه لتحميل صفحات الجريدة وقراءة المقال.

اياد نصار