السبت، أكتوبر 3

موسم الخروج من العزلة

موسم الخروج من العزلة
ترجمات القصة والرواية النسائية العربية

بقلم: اياد نصار*

"بالنسبة للمرأة العربية فإنني أرى أن هناك طريقاً واحدة لاختراق أي شيء: لنتحدث، لنتحدث بدون توقف عن الامس واليوم، لنتحدث بيننا...وننظر. لننظر الى الخارج، خارج الاسوار والسجون"! آسيا جبار من رواية "نساء جزائريات في شقتهن" 1980.

بدأت ترجمات القصة والرواية العربية الى اللغات الاخرى- وبالذات الفرنسية- منذ أواسط القرن العشرين، بينما تأخرت الى اللغات الاخرى الى ما بعد ذلك، وشملت بالدرجة الاولى عددا من الروايات، تليها وبدرجة أقل مجموعات قصصية لروائيات وقاصات من غالبية الدول العربية. وما تزال الأعمال السردية النسائية التي تترجم كل عام في ازدياد وتشمل أصواتاً جديدة. تناولت الروايات المترجمة مسائل عديدة مثل مقاومة الصور النمطية للمرأة، والبحث عن هوية، والتمرد، والمطالبة بحرية المرأة وحقوقها، ومقاومة الحط من مكانة المرأة وكرهها، والنظرة الاشكالية للمرأة في التراث، وإبراز صوت المرأة الداخلي، وبناء الهوية الوطنية، وتأكيد دور المرأة في أوقات الحرب والسلم، والاحتفاء بانجازاتها، ومشاركة المرأة في القضايا القومية، والدعوة الى علاقة جديدة بين الرجل والمرأة، وحرية التعبير عن مشاعرها المكبوتة...الخ. وقد تنوعت التقنيات السردية والبنى والاساليب والمدارس، من الواقعية الى الرمزية الى التاريخية الى السيريالية. كما تنوعت الاصوات الروائية التي شملتها الترجمة بشكل يعطي تمثيلا جيداً لحضور المرأة مكانياًً وزمانياً- من شمال افريقيا الى مصر والسودان الى منطقة الخليج الى العراق وبلاد الشام منذ خمسينيات القرن الماضي الى الان، مروراً بمراحل تطور الرواية النسائية العربية بما يعكس التغيرات الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية المختلفة.

ويجب في البداية التفريق بين الادب العربي المترجم، والادب العربي المكتوب بلغة أجنبية. وهناك الكثير من الاعمال من كل نوع. وتركز المقالة على الاعمال الروائية والقصصية النسوية العربية المترجمة الى لغات أوروبية، ولا تتناول الاعمال التي تكتب اصلاً باللغة الاجنبية مباشرة- مثل روايات الجزائرية آسيا جبار- إلا المترجم منها الى الانجليزية.

تلعب عدة عوامل مهمة دوراً في مدى انتشار أو انحسار ترجمة الاعمال الادبية النسائية العربية الى اللغات الاوروبية. هناك بلا شك، وكما في أي مشروع ثقافي يتداخل فيه الابداع بالمال، قوانين العرض والطلب، ومدى استطاعة الاديبة العربية كسر حاجر العزلة والخروج الى بلدان عربية وأجنبية من خلال الكتابات واللقاءات والمؤتمرات والنشر وبناء الصلات مع المثقفين في تلك الدول، وقدرة الاديبة على التحرر من القيود الاجتماعية المكبلة لها في اطار تجربتها في بلدها، ومدى نجاحها في فرض صورة مغايرة للتصورات الشعبية حول أدب المرأة، ومدى تغطية الصحافة العربية والدولية للنشاطات المتعلقة بالاديبات العربيات وتقديم أعمالهن للقراء. وهناك سبب آخر يتعلق باللغة ذاتها يتمثل في اختلاف تركيبة اللغة العربية وجمالياتها الاسلوبية عن باقي اللغات الاوروبية.

ازدادت في الآونة الاخيرة حركة الترجمة من الادب العربي الى اللغات الاخرى وبالذات الانجليزية. وهناك الان دور نشر غربية عديدة مهتمة بتوقيع عقود ترجمة الروايات العربية في فرنسا وألمانيا وانجلترا والولايات المتحدة وكندا واسبانيا وايطاليا وغيرها. وهناك حلقات بحث وملتقيات ومؤتمرات تقام في أماكن مختلفة، كالجامعات ومراكز الدراسات الاكاديمية المعنية بالمنطقة العربية، وعلى هامش معارض الكتب في العواصم الغربية والتي تولي ترجمة الاصدارات الجديدة من الرواية والقصة القصيرة العربية اهتماماً كبيراً.

ومما يلفت الانتباه إن أغلب ما تتم ترجمته هذه الايام بحسب المراقبين، هو روايات ومجموعات قصصية نسائية، وتشكل حوالي 80% من الادب العربي الذي يترجم للانجليزية. ومما قد يثير الاستغراب أن روائية مصرية شابة هي ميرال الطحاوي، والتي حققت شهرة كبيرة مفاجئة في وقت قصير منذ صدور روايتها الاولى "الخباء" عام 1996 والتي- ورغم أن روايتها ترجمت لغاية الان الى تسع لغات- ترى أن الادب العربي يبقى خارج كل المنافسات على حساب طغيان الأدب الصيني والياباني والهندي وغيره من الاداب!

قالت نوال السعداوي مستنكرة الاهتمام بالاصوات الروائية الشابة في حديث نشرته صحيفة العرب الدولية: "يهتمون بواحدة اسمها ميرال الطحاوي ويترجمون لها ويرفضون الترجمة لنوال السعداوي". وفي حوار آخر قالت بأن "النقاد المراهقين الذين تجاوزوا الستين يهتمون بالشابات الجميلات"! أما الروائية رضوى عاشور فقالت بأن الحنان الأبوي للنقاد يفسد كتابة الشابات اللواتي يتراجع مستوى ابداعهن بعد التدليل! وحاول الدكتور محمد زكريا عناني أستاذ الادب الانجليزي في جامعة الاسكندرية، تفسير سبب اهتمام الغرب بكاتبة شابة ظهرت فجأة وتُرجم لها لغاية الان روايتان هما: "الخباء" و"الباذنجانة الزرقاء" بأنه يعود الى "افتتان الغرب بسحر الشرق البدوي الذي تتبدى فيه المظاهر الانسانية قسوةً أو ليناً على طبيعتها العفوية البدائية والغامضة".

تظهر مفارقة ساخرة عند عقد مقارنة حول مسألة دعم الانتاج الادبي النسوي العربي بين الشرق والغرب. ففي حين أن دور النشر العربية المؤمنة بتحرير المرأة تظهر بصورة خجولة، وهناك واحدة فقط انطلقت في مصر عام 1996 (دار الشروق)، فإن دور النشر في الغرب قد اضطلعت بمهمة كبيرة طوال العقود الأربعة الماضية في اكتشاف الكتابات النسوية وتشجيع نشر أعمال الكاتبات وادخال هذه الاعمال في المناهج المدرسية والجامعية، غير أنه لا بد من الاعتراف بجهود مطبعة الجامعة الامريكية في القاهرة التي تعد رافدا مهما في طباعة الادب العربي الحديث بالانجليزية، وقد قامت بطباعة كل اعمال نجيب محفوظ. واذا كان يمكن لنا أن نمثل الاعمال المترجمة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات على مستوى العالم بقطرات، فإنها بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل صارت مثل سيل جارٍ، حيث يطبع سنوياً حوالي عشرين كتاباً من الادب العربي المترجم في الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر.

وفي حين تفتقر دور النشر العربية الى أقسام متخصصة بترجمة الروايات العربية الى اللغات الاخرى، مثلما تفتقد الى هيئات استشارية في الاداب العالمية، تقوم باختيار الاعمال ضمن برامج تهدف الى تقديم ما يجسد مختلف مراحل تطور تلك الاداب واتجاهاتها، وذات قيمة نقدية وتاريخية وفنية، وفي حين تخضع أغلب الاختيارات لرغبات فردية، فإن بعض دور النشر الاجنبية والمراكز الاكاديمية والبحثية التابعة للجامعات، تقوم بترجمة الروايات والقصص العربية ضمن خطة لتعريف القاريء الغربي بها واتاحة المجال للنقد لدراسة اتجاهات الادب العربي في تلك الفترة.

ومما يجدر ذكره أن مجلة دو الثقافية السويسرية كانت قد خصصت عددها لشهر آذار في العام 2007 للادب النسائي العربي تحت عنوان "الأدب العربي بأقلام بنات شهرزاد" وقدمت فيه عدداً من الكاتبات العربيات اللواتي حققن شهرة وصل صداها الى الآداب الاخرى، وتُرجمت أعمالهن الروائية الى لغات عديدة، وحصلن على جوائز تكريم في تلك الدول.

واشتمل العدد على مساهمات وحوارات مع عدد من الكاتبات من بعض الدول العربية مثل: سميحة خريس من الاردن، وسعاد عميري من فلسطين عام 1948، ولطفية الدليمي من العراق، وليلى العثمان من الكويت، وبشرى خلفان من سلطنة عمان وغيرهن.

هناك اهتمام متزايد بترجمة ما يصدر من أعمال سردية وشعرية عربية في العالم عموماً وفي الغرب خصوصاً، ولكن ما تحظى به الرواية من اهتمام لا تحظى به القصة أو الشعر بالدرجة نفسها، حتى تكاد تكون الرواية في نظر الغرب- وحتى في نظر العرب أنفسهم- ديوان العرب الجديد الذي يعبر عن شخصيتهم وهويتهم وقضاياهم ومشكلات واقعهم بعد أن كان الشعر كذلك ردحاً طويلاً. وتتوفر في بعض الدول الغربية مجموعة من المترجمين المحترفين البارعين مثل دينيس جونسون ديفيز وكاثرين كوبهام وكذلك من المستعربين المتخصصين بدراسة وتعلم اللغة العربية مثل الايطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو، الذين قدموا خدمات جلّى على صعيد ترجمة الكتب من روايات وقصص قصيرة وأشعار ومسرحيات قديماً وحديثاً.

يطرح كتاب "تقاطعات: الجندر والامة والمجتمع في الرواية النسائية العربية" الذي صدر العام 2002 من جامعة سيراكوز بالولايات المتحدة، أسباباً أخرى وراء الاهتمام المتزايد بترجمة الادب النسائي العربي وهو قيام الثورة الاسلامية في ايران وطرح قضايا الحجاب ومنع الاختلاط، بالاضافة الى أن الامم المتحدة قد خصصت العقد- منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين الى منتصف الثمانينيات- ليكون العقد العالمي للمرأة. وأظن أنه يمكننا ان نضيف الى السبب الاول تلك النماذج المتشددة من النظرة للمرأة التي جاءت بها الحركات السلفية والتي أخذت تحارب الادب النسائي الذي رأت فيها تحرراً يهدد قيم المجتمع الاسلامية.

وفي اطار الجهود التي تشهد اهتماماً غربياً بترجمة الاعمال القصصية والروائية العربية- وخصوصاً النسائية منها- تم في الصيف الماضي توقيع ستة عقود لترجمة روايات لكاتبات سوريات وأردنيات وفلسطينيات الى اللغة الالمانية من خلال مبادرة لاحدى دور النشر العربية في مدينة كولونيا الالمانية. وشملت عقود الترجمة أعمال الروائيات عبير أسبر، وروزا ياسين حسن، وسمر يزبك، ومي جليلي، ونعمة خالد بالاضافة الى الروائية الاردنية سميحة خريس. وذكر مدير الدار أن ما شاهده في مشاركته في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 قد أذهله فحجم الكتب العربية في المعرض وحجم الكتب المترجمة الى الالمانية كان يدعو للرثاء.

وترى القاصة والروائية الفلسطينية نعمة خالد، بأن الترجمة فرصة لاطلاع الاخر على المنتج الثقافي العربي، وفرصة لتغيير الصورة النمطية للمرأة "الحرملك" العاشقة للمنزل والخاضعة للرجل، والارهابية أحياناً. وتتهم نعمة الغرب والكتّاب العرب من الذكور بترسيخ هذه الصورة النمطية. أما القاصة والروائية السورية سمر يزبك فقالت لا بد للمرأة أن تواصل البحث عن ذاتها وحريتها، لأن خسارات الحرية أقل بكثير من خسارات العبودية.

ومن الكتب الهامة التي صدرت باللغة الانجليزية حول الروايات النسائية العربية كتاب صدر في العام 2003 عن مطبعة جامعة تكساس لمؤلفته نوار الحسن غولي تحت عنوان "قراءة السير الذاتية للروائيات العربيات: شهرزاد تحكي قصتها". وفيه توظف المؤلفة معرفتها باللغة العربية والانجليزية ودراستها في مؤسسات تعليمية في الشرق الاوسط والغرب، في مراجعة النصوص الاصلية العربية في الروايات بتلك النصوص في الترجمات الانجليزية، كما تفكر بعقلية القارىء العربي وهي تراجع النصوص المترجمة، تفادياً لأي سوء فهم في التعرف على جو النصوص نتيجة مشكلات الترجمة.

جاء في افتتاحية مجلة الثقافة السويسرية المشار اليها آنفاً "إن الفرق بين التركيبة اللغوية العربية وبين اللغات الاوروبية كبير، فبينما نميل نحن (في الغرب) الى الجمل القصيرة، تميل الجملة العربية الى استخدام الرموز والصور الجمالية، فاللغة العربية هي لعب بالكلمات تنبعث منها الموسيقى الى أذن المستمع. وتعرف اللغة العربية العديد من المصطلحات والتعابير والكلمات التي قد نحتاج الى جملة كاملة لترجمتها الى لغات أخرى، لذا فهناك صعوبة في الترجمة الى اللغات الاوروبية".

وهناك إشكاليات تتعلق بأصول وفنيات الترجمة- مثل الحذف- التي يعتبرها بعض المترجمين الغربيين تقنية ضرورية ومقبولة في عملية الترجمة للتخلص من الاطناب المنفر في الوصف، أو في الزوائد اللفظية التي تثقل النص، أو الاسترسال المفرط عند تجسيد الحالات النفسية للشخصيات، ويقابلها التوسع والإضافة- لأغراض توضيحية أو أسلوبية- نتيجة اختلاف اللغات والثقافات. وتذكر آمال عميرة في الفصل الثاني من كتاب "تقاطعات: الجندر والامة والمجتمع في الرواية النسائية العربية" والذي تناولت فيه بالدراسة أدب الكاتبة والناشطة المصرية نوال السعداوي أن هناك اختلافات جوهرية تتراوح بين الحذف والاضافة واعادة ترتيب الفصول بين النسخة العربية وترجمتها الانجليزية لكتاب "الوجه العاري للمرأة العربية"، بما يلبي حاجة الناقد الغربي عند دراسة الظواهر في المجتمع العربي. وإذا أقرينا بذلك، يجب ألا يتعدى حدود اللزوم واللياقة، وأن يكون بالتراضي مع المؤلف بعد مراجعة مشتركة لكل التعديلات، ويفترض عدم إلحاق خلل فادح أو فاضح بالنص الأدبي.

وقد تكون هناك اشكالية في الترجمة من الادب العربي الى اللغات الاخرى، اذا كان في أحد بواعثها هو كتابة الرواية أو المجموعة القصصية وفي ذهن الكاتبة أنها مشروع للترجمة قبل أن تولد، مما يعطي الانطباع بأنها تكتب لتقديم نماذج نسائية نمطية لاثارة فضول واهتمام القارىء والناقد الغربي المهتم بالاطلاع على الثقافة العربية، وما قد يعني ذلك من التركيز على قضايا حرية المرأة المسلوبة والقيود الاجتماعية والتابوهات وصور استغلال المرأة ومشاهد الجنس التي تقترن كثيراً في ذهن القارىء الغربي بالادب العربي.

عندما اختيرت الروائية الجزائرية آسيا جبار عضواً في الاكاديمية الفرنسية، شنّ الروائي الجزائري رشيد بوجدرة صاحب رواية "ألف عام وعام من الحنين" هجوماً قاسياً عليها واصفاً رواياتها بأنها متوسطة المستوى وهي "ما يطلبه الفرنسيون". وسبق له أن وصف روايات أحلام مستغانمي بأنها مثل "ساندويتش البطاطا" فيما عدّه النقاد نوعاً من الغيرة الشخصية!

وفي شهر نيسان من العام الحالي 2009 عقدت ندوة مهمة في المجلس الاعلى للثقافة في مصر تحت عنوان "أدبنا في عيون الآخرين" نظمتها لجنة الدراسات الادبية واللغوية، وقد شارك فيها عدد من اساتذة الجامعات والدارسين والنقاد. وطرحت الندوة موضوع الادب العربي المترجم، وأجمع المحاضرون على أن الجهات المترجمة تعتمد على معايير غير موضوعية أحيانا في اختيار الروايات والقصص التي يتم ترجمتها مثل العامل المادي والرواج التجاري أو العلاقات الشخصية والمعارف عن طريق أدباء آخرين.

وطرح في الندوة ما يشير الى أن الادب العربي المعاصر موجود بشكل جيد في الدول الاوروبية، وخصوصاً في فرنسا. وقالت الدكتورة غراء مهنا رئيسة قسم اللغة الفرنسية بجامعة القاهرة إن رواية "نجمة" للروائي الجزائري كاتب ياسين قد تم اعتمادها ضمن المنهاج الفرنسي ويدرسها طلاب المرحلة المتوسطة. وأضافت أن هناك حضوراً واضحاً للروائيات العربيات مثل آسيا جبار ورضوى عاشور ومي التلمساني وغيرهن، فلم تعد القضية وجود الادب النسوي العربي من عدمه، بل بكيفية بناء الثقافة، وتحويل الادب العربي الى عامل يسهم ايجابيا في تغيير النمطية التقليدية.


* نشرت في ملحق الثقافة في جريدة الدستور الاردنية يوم الجمعة الموافق 2/10/2009. يرجى الضغط على العنوان أعلاه للانتقال الى رابط الصفحة في الجريدة وتحميلها

الجمعة، أكتوبر 2

جذور النوفيلا في اللغة والادب



جذور "النوفيلا" في اللغة والادب

بقلم اياد نصار

تعرّف دائرة المعارف البريطانية "النوفيلا" novella على أنها سرد قصير محكم البناء، واقعي أو تهكمي النبرة في الغالب، نشأت في ايطاليا في العصور الوسطى وكانت ترتكز على أحداث محلية ذات طبيعة هزلية أو سياسية أو عاطفية، كما أثّرت في تطور الرواية في أوروبا في القرن الثامن عشر، وفي القصة القصيرة في القرن التاسع عشر وما تلاهما.

ويعرف قاموس ديكشنري دوت كوم المشهور النوفيلا على أنها حكاية أو قصة قصيرة من النوع الذي جاء في كتاب ديكاميرون للايطالي جيوفاني بوكاتشيو في القرن الرابع عشر. كما يقدم تعريفاً آخر، وهو سرد نثري خيالي أطول من القصة القصيرة وأكثر تعقيداً. يبدو في هذين التعريفين أربع حقائق: الاولى نسبتها الى أصلها الايطالي، والثانية درجة الطول والقصر، والثالثة التعقيد في العمل الذي لا يعني نقيض البساطة والسهولة وحسب، بل اشتمالها على درجة من جودة البناء الفني وترابط العناصر، والرابعة هو في كونها عملاً سردياً خيالياً.

أما قاموس التراث الامريكي للغة الانجليزية، فقد عرفها على أنها حكاية نثرية قصيرة تتسم في الغالب بالدرس الاخلاقي أو بالتهكم، وفي تعريف آخر وصفها بأنها رواية قصيرة.

وعرّفتها موسوعة ويكيبيديا، بأنها سرد خيالي نثري أطول من النوفيليت novelette ، وهي الكلمة الايطالية التي تشير الى القصة القصيرة ولكن أقصر من الرواية. وفي حين أنه ليس هناك إتفاق حول الطول الذي يمكن أن يعد مقياساً يحدد النوفيلا ، إلا أن جوائز نبولا Nebula لكتاب أمريكا للخيال العلمي والفنتازيا تعرّف النوفيلا على أنها تحتوي على كلمات يصل عددها بين سبع عشرة الف وخمسمائة كلمة وأربعين ألف كلمة.

وترى الموسوعة أن النوفيلا نوع أدبي أكثر شيوعاً في اللغات الاوروبية منها في اللغة الانجليزية. وقد ازدهرت في ألمانيا في القرن الثامن عشر وما بعده، خصوصاً على أيدي كتّاب أمثال: هنريخ فون كليست، وجيرهارت هوبتمان، وجوته، وتوماس مان، وفرانز كافكا. وكما في حكايات بوكاتشيو، فان تلك النوفيلات الالمانية ترتكز على حدث مأساوي مثل طاعون أو حرب أو طوفان سواء في الواقع أو في الخيال. ويروي الحكايات عدة رواة لاشغال المستمعين عن التفكير بالبلاء الذي حل بهم.

ومن الامثلة المشهورة التي يمكن ايرادها تحت باب النوفيلا في الادب المكتوب بالانجليزية: "عن الرجال والفئران" لجون شتاينبيك، و"التحولات" لفرانز كافكا، و"مزرعة الحيوان" لجورج أرويل، و"الرجل العجوز والبحر" لايرنست هيمنجواي، و"دكتور جيكل ومستر هايد" لروبرت ستيفينسون، و"الموت في البندقية" لتوماس مان، و"وداعاً كولومبس" لفيليب روث، و"قلب الظلام" لجوزيف كونراد، و"أوراق أسبيرن" لهنري جيمس.

وكلمة نوفيلا بالايطالية تعني حكاية أو إخبارية، ويدل أصل الكلمة على أنها كانت تعني أخبار البلدة والحياة في الريف التي كانت جديرة بالاعادة لغرض التسلية والتثقيف. وكان يتم جمع تلك الحكايات في مجموعات مع الاساطير والحكايات الغرامية، ولكن مع مجيء بوكاتشيو وفرانكو ساشيتي وماتيو بانديلو، فقد طوروا النوفيلا الى حكاية قصيرة أكثر رقة من ناحية نفسية وأكثر اتقانا من حيث التركيب، وكانوا في الغالب يستخدمون قصة كاطار يجمعون حولها حكايات ذات مغزى معين.

وفي هذا الاطار فإن كتاب ديكاميرون لبوكاتشيو الذي انتهى من تأليفه في العام 1353 يشتمل على نحو مئة نوفيلا ترويها سبع نساء وثلاثة رجال تركوا مدينة فلورنسا هرباً من الطاعون الذي ضرب المدينة، والتجأو الى بيت في الريف خارج المدينة وراحوا يسردون الحكايات لتسلّيهم وتلهيهم عن التفكير بالموت الاسود الذي ضرب وسط أوروبا وجنوبها بين العامين 1348 و1350 وخلف وراءه نحو مئة مليون ضحية، وتسبب في خفض عدد سكان أوروبا في تلك الفترة بحدود 45 بالمئة. ويروي كل شخص منهم حكاية للاخرين على مدى الليالي العشر التي قضوها في ذلك المعتزل.

ويؤكد الدكتور محمد عبيدالله أن مجامع اللغة العربية لم تتطرق الى ترجمة هذه الكلمة، مما يعكس اتجاها عاماً بأن النوفيلا في الادب العربي لم تترسخ بعد كنوع أدبي مستقل ضمن جنس السرد. بل إن اصحاب النوفيلات التسع الذين اختارهم في كتابه "الرواية القصيرة في الاردن وفلسطين: بنية الرواية القصيرة" (دار أزمنة،2007) لم يصنّفوا هم أنفسهم ما كتبوه ضمن هذا النوع.

ويورد في هذا المجال ما قام به الناقد نزيه أبو نضال من تتبع التصنيفات التي استُخدمت في وصف بعض النوفيلات سواء تلك التي قام بها أصحابها أو الناشرون عند إشارتهم لها. فابراهيم نصر الله أشار الى أن "الامواج البرية" رواية في معرض حديثه عن أعماله، وهاشم غرايبة يصف كتابه "رؤيا" نصاً قصصياً، أما رفقة دودين فكتبت على غلاف "مجدور العربان" بأنها نص قصصي شبه روائي، وأحمد الزعبي يصف "اختفاء شاعر" و"صم بكم عمي" بنصين روائيين، وسحر ملص تشير الى نوفيلا "اكليل الجبل" بكلمة: قصة.

وتكاد تتفق اللغات الاوربية على استخدام التعبير نفسه، لكن بالصيغة التي تحتكم اليها كل لغة أوروبية. ففي الالمانية والهولندية والدانماركية والنرويجية تدعى novelle أما في البرتغالية فتُستخدم الكلمة novela وفي الفرنسية تُدعى nouvelle.

وهناك اختلاف آخر عن الرواية يتمثل في عدم استخدام فصول في داخل النوفيلا، لأن الاصل أن تقرأ في جلسة واحدة، ولكن يمكن استخدام الفراغ أو الورق الابيض. وهي في الاساس يجب أن تخلق لدى القاريء انطباعا واحدا مثل القصة القصيرة، ولكن بعمق فيما يخص تطور الشخصيات فيها.

يقدم د. عبيد الله في دراسته المشار اليها، عملاً بحثيا ونقدياً ينطوي على نظرة مهمة للغاية في دراسة تطور هذا النوع الادبي، وربما تكون من الاعمال التي لم يسبقه اليها أحد في دراسة بنية الرواية القصيرة في الاردن وفلسطين منذ البدايات ولغاية الان. وقد أشار في مقدمته الى أنه يقصد تمييز وتفريد الرواية القصيرة نظريا وتطبيقيا لعلها تكون منطلقاً لدراسات أخرى متممة.

ولم يكتف بتقديم دراسة نظرية تبين مفهوم هذا النوع وخصائصه وحدوده، بل تعدى ذلك الى تقديم دراسة تطبيقية على عينة تتكون من تسع نوفيلات لكتّاب من الاردن وفلسطين بالتحليل والشرح، منهم غالب هلسا، وغسان كنفاني، وجمال ابو حمدان، ومؤنس الرزاز، وإلياس فركوح، ويوسف ضمرة.

قسم د.عبيدالله كتابه الى ثلاثة فصول رئيسية. قدّم في أولها نظرية الرواية القصيرة، وفي الثاني الدراسات التطبيقية، وفي الثالث أورد نصوص النوفيلات التي تحدث عنها في الكتاب. يكتسب الفصل النظري أهمية كبيرة لتطرقه الى اشكالية البحث عن اسم لفن يقع بين القصة والرواية، فتارة ينسب للرواية بصيغة أو بأخرى، وتارة ينسب الى القصة.

ويبدو أن مصير النوفيلا سيبقى معلقاً مفتوحاً في غياب الاسم الشائع المحدد في الادب العربي وفي غياب معايير واضحة لتسمية هذا النوع سوى تقدير الكاتب أو الناشر فيما يستخدمانه لتوصيف الرواية القصيرة.

وتتبّع د. عبيدالله بشكل ممتع ودقيق معاني الكلمة ومدلولاتها في اللغات الاوروبية ومقارنتها بعضها ببعض وبأصلها الايطالي، كما تطرق الى إشكالية التعريف عند دراسة هذا النوع الادبي من حيث لا بد من وجود معايير أخرى للحكم غير الحجم وعدد الصفحات. كما أورد نماذج قديمة من الاداب الايطالية والفرنسية والالمانية، ساهمت في نشوء النوفيلا. وقد حاول تقديم دراسة تاريخية لغوية عبر تتبع المصطلح في مصادره الاوروبية المختلفة، وأفرد قسماً للحديث عن تجارب النوفيلا في مصر.

ومما ذكره في كتابه نقلا عن الناقد خيري دومة الذي أفرد فصلا قصيراً في كتابه الذي حمل عنوان "تداخل الانواع في القصة المصرية القصيرة 1960- 1990" أن الاسم العربي يثير اشكالية في نسبة النوفيلا مرة الى القصة ومرة الى الرواية، لأن لكل منهما مناخاً دلالياً مختلفاً، ولهذا فقد فضّل استخدام الاسم الايطالي.

والمفارقة أن دومة تحدث عن النوفيلا في معرض حديثه عن أنواع القصة القصيرة، مما يوحي بأنه عدّها ضمنياً أقرب الى القصة من الرواية، ولكن عندما تطرق الى معيار الشكل فقد عدّها قريبة للرواية. ثم عاد مرة أخرى ونقض ما قاله سابقاً حين قال: "ويبدو أن اتساع المادة فرض على هذا الشكل من أشكال القصة القصيرة (النوفيلا) أن يختار ثيمات معينة، وأن يرتكز على العناصر التقليدية".


* اللوحة أعلاه رسم بالالوان على حجارة البحر للفنانة الاردنية سهام الموسى
** نشرت في جريدة الرأي الاردنية يوم الجمعة الموافق 2/10/2009. يرجى الضغط على العنوان أعلاه للوصول الى رابط الصفحة

الأربعاء، سبتمبر 23

شهرزاد القتيلة


شهرزاد القتيلة


اياد نصار

للنهارِ رائحةُ المطرِ فوق الترابِ الغريبْ

وللضبابِ غلالاتٌ تتسللُ فوق قصرِكِ وتغيبْ

يورقُ بهاؤك في المساء موسيقى

ترقص على رمل الشاطيء في وهج شفق مَهِيبْ

فتنة لا تحصى

ولا تعدْ

صوتُك عازفُ نايٍ من سمرقندْ

أذاكَ عذوبةُ ثغرِكِ أم تراه سحرٌ مريبْ؟

تغريني الحكاياتُ والشرفاتُ البعيدة.. فأصعد اليها

برغمِ العواصفِ والرقيبْ

ترسمُ لي من دهشةِ الكلمات درباًً

محفوفةً بموتٍ عجيبْ

لأعبرَ على جسرِ خوفي

الى جنةٍ من حروفِكِ وحروفِي

تجرّدني من حزنٍ أبدي

تحرّرني من ظلام ليلٍ وماضٍ كئيب

للنهارِ رائحةُ المطرِ فوق الترابِ الغريبْ

وللضبابِ غلالاتٌ تتسللُ فوقَ قصرِكِ وتغيبْ

ثلجٌ يذوبُ.. قطراتٌ تسيلُ على نافذتي

تكتب اسمَكِ.. أشعارَكِ بين العتمةِ والنورْ

أراك من خلفها تجلسين منذُ عصورْ

في سأمٍ رتيبْ

أركضُ اليك.. يصطدمُ رأسي بالجدارْ

تحاصرني جدرانُ القبيلةِ بالنارْ

حورية ً تجلسين على صخرةٍ وحيدة

كما كنتِ في البدايةْ

جاء اليك ولم ينتظر الحكايةْ

سيفهُ مشرعٌ على الاجساد يرسمُ

حدودَ النهايةْ.

فردوسُك وهمٌ لا يدوم سوى لحظاتْ

حلمٌ مبللٌ بأنّاتِ موتٍ قريبْ

تقتلني عيونُك الصامتةُ على مذبحِ عشتار

فأنحني

للموتِ .. للحزنِ.. للذكرياتْ.

للذكرياتِ مرارةٌ تترسبُ في قاعِ الروح

تثوي هامدةً ككتبٍ عتيقةْ

كزخرفةٍ خضراءَ مطرزةِ الحواشي

على جدرانِ مقامِ الوليّ

أو كآثارٍ غائرةٍ عميقةْ

في حنايا قلبٍ نازفِ الجروح.

كم تساءلتُ عن السر يا سيدتي..

كيف تركناها تموتُ بحدِّ السيفِ

بين أيدينا الحقيقةْ؟

لا أحدَ يعرفُ من قتلَ شهرزاد

تفرّقَ دمُها بين القبائلْ

وأنا في الوادي السحيقِ

أنتظر نهايتي كهلالٍ آفلْ

وكلُّ المنسيين بينَ صخورِ السفوح

يقطرُ دمي على حدِّ سيوفِ

من صادروا حلمَ الغدِ الماثل.

للسكونِ صدى خوفٍ قادمٍ من عمقِ التاريخْ

لم يبق سوى الجفافِ والترابِ الغريب.

رحلتْ.. فتلاشت من الأفقِ السنونواتُ وأضاميمُ الضياء

وقفتْ تودّع على حواف الظلالِ الصاعدةِ للسماء

سرّحتْ يديها فوق شَعَرِ الرياح وخيوطِ الشمسِ

بلا سناء

نزلتْ دمعةٌ فنبت زهرةٌ تحتَ شجرةِ عنّاب برية

هنا غنّتْ أغنيتها الاخيرة

فولدتْ ياسمينةٌ بيضاء

يولدُ الليلةَ نرجسٌ من كتبِ الطوفان القديمة

يرتدي البياضَ والماءَ وحصى الخلجان

ونظراتِ عاشقٍ ولهان

تسللتُ من القبيلة ووقفتُ عند الفنارْ

ذاتَ ليلةٍ يتيمة

لأرى ملامحَ وجهها الحزين

تشرقُ بالدمعِ كالامطارْ

لكنها غابت وراء سوادِ الامواج الليلية

أماتتْ شهرزاد؟

أراها في ورقي الذابل

طيفاً .. أسمعها في كلِّ قصةٍ شرقيةْ

صوتُها الآتي عبر أساطيري

ما زال يترددُ فوقَ الغيمِ

فلا يرجعُ سوى الصمتِ..

ولا يرجع سوى الغريب..

للمطرِ رائحةُ النهارِ والموتِ..


* الصورة أعلاه هي تمثال شهرزاد المنصوب في وسط بغداد للنحات العراقي الكبير محمد غني حكمت

الجمعة، سبتمبر 4

مقالة في جريدة الرأي الاردنية


القصة الانجليزية القصيرة

أصوات مهاجرة.. إرث اللغة وسؤال الهوية

بقلم اياد نصار


نشرت صحيفة الرأي الاردنية في ملحقها الثقافي الاسبوعي ليوم الجمعة الموافق 4/9/2009 مقالتي حول القصة الانجليزية القصيرة وآفاق مستقبلها في القرن الحادي والعشرين والتي تبحث في دور الأصوات القصصية الشابة المهاجرة الى البلدان الناطقة بالانجليزية في إعادة رسم ملامح القصة المعاصرة. هذه صورة الصفحة التي نشرت بها المقالة المعنونة "القصة الانجليزية القصيرة وآفاق المستقبل: أصوات مهاجرة .. إرث اللغة وسؤال الهوية". يرجى الضغط على العنوان أعلاه لتحميل الصفحة وقراءة المقالة.

القصة الانجليزية القصيرة وآفاق المستقبل


القصة الانجليزية القصيرة وآفاق المستقبل

أصوات مهاجرة.. إرث اللغة وسؤال الهوية

بقلم اياد نصار

بدأت أصوات جديدة شابة مهاجرة تشق طريقها في عالم الكتابة وتصنع لها إسماً وحضوراً في القصة الانجليزية القصيرة، الامريكية والانجليزية والكندية والايرلندية والاسترالية. وتتناول هذه المقالة أبرز هذه الاصوات السردية الشابة التي بدأت النشر منذ بداية القرن الجديد أو في السنوات الاخيرة من القرن العشرين وما تزال منهمكة في بناء مشروعها القصصي، وأخذت منذ ذلك الحين تحصد جوائز في القصة، كما استقطبت اهتمام النقاد وحجزت لإسمها ولأعمالها مكاناً في الكتب والمختارات القصصية والدراسات والموسوعات.

ولا شك أن هناك كتاباً معروفين يواصلون مسيرتهم الابداعية في القرن الجديد في تقديم فن قصصي رفيع المستوى يطرح قضايا الانسان والمجتمعات وقيم الحرية والاغتراب والهجرة والتكنولوجيا والحرب والازمات النفسية، ويوظف الفنتازيا والخيال والواقعية السحرية، ولكن هذه المقالة تركز على الكتاب الجدد وخصوصا المهاجرون منهم للدول الناطقة بالانجليزية، إنطلاقاً من أنهم سيشكلون مستقبل القصة في السنوات القادمة.

من المعروف أن اللغة هي أحد أبرز العوائق التي تحول بين الكاتب المهاجر وجمهوره المحتمل في بلد الاغتراب. وقد بدأت هذه المشكلة تتراجع مع انتشار وسائل الاتصال وعولمة الادب وارتفاع مستوى التعليم ليشمل تعلم اللغات الرئيسة في كثير من دول العالم. في الماضي برز جوزيف كونراد، ذلك الصبي البولندي الذي عاش فوق السفن الانجليزية في أماكن كثيرة من العالم، وانتهى في لندن ليصبح من أهم كتّاب الرواية الانجليزية، حتى إن نحو ربع سكان الكرة الارضية قرأ روايته قلب الظلام! وهناك الروائي الروسي نابوكوف الذي وصل أميركا في العام 1940 مع عائلته على ظهر سفينة هارباً من فرنسا، وأصبح أحد أهم كتاب أميركا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بل إنه قضى عقدين من الزمن يكتب القصص في سويسرا وهو يؤكد أنه أمريكي!

ماذا يعني لكاتب مهاجر أن يصبح كاتباً بريطانياً أو أمريكياً أو كندياً أو غيره؟ هل هي اللغة أم تمثيل الحياة في تلك الدولة الجديدة، أم شيء يستعصي على التعريف.. شيء يدركه القراء بحدسهم؟ لكن بعض الكتاب لم يصبحوا كذلك لا في اللغة ولا في المواضيع ولا في التزامهم بمصير ذلك البلد حتى بعد عقود من العيش فيه مثل اليكساندر سولجنيتسين الذي جاء لاجئاً الى أميركا في العام 1976 وعاد في العام 1994 الى روسيا.

وفي حين أن الولايات المتحدة مستقبلة للمهاجرين بحكم ماضيها، وبريطانيا ما بعد العصر الاستعماري لا تحبذ هجرة الاجانب، فإن المفارقة أن أكثر ما ينشر من أعمال قصصية وروائية والتي تلقى استقبالا شعبياً كبيراً في السنوات الخمس عشرة الاخيرة هي من كتابات المهاجرين مثل الكاريبي كاريل فيليبس، والباكستاني حنيف قريشي، والهندية سنيترا جوبتا والغوياني جان لو شاينبورن. ومعالجة هولاء لقضية ما كالهوية والانتماء ليس بالضرورة واحدة، بل يختلف كل منهم عن الاخرين في معالجتها.

لقد جذبت القصة القصيرة أفضل الكتاب وخصوصاً المهاجرون في أميركا الذين استخدموا هذا الجنس الادبي لطرح مدى واسع من الجغرافية والثقافة. وفي مجال الاسلوب وتقنية السرد فإنها تغطي ما يمكن تسميته "ما بعد فرويد" أو القصة السيكولوجية، وقصص الفانتازيا والخيال، وقصص الواقعية السحرية، وقصص الابعاد اللغوية التي تعبر عن نفسها بالحضور المادي الواضح للغة، وكذلك الواقعية المباشرة، وغيرها. وهناك تأثير الاقلام الجديدة المهاجرة أو الاقلام من أبناء المهاجرين من أصول اسبانية أو عربية التي تكتب القصة الانجليزية مثل ديفيد معلوف في أستراليا.

لكن لا بد من الانتباه الى تلك الثنائية الجدلية التي تدور في حلقة مفرغة. بالنسبة لكاتب مهاجر فان ترحيب الحياة الجديدة به كشخص غير معروف أمر يدعو للتحرر والاختناق معاً، لتنفس الصعداء وانقباض النفس في الوقت نفسه. فبلد مثل الولايات المتحدة يَعِدُ المهاجرَ بالكثير من الآمال. ولكنه لا يستطيع أن يقدم له مباشرة جمهوراً مستمعاً، وعندما تترجم كتبه وتنشر ويضع خطواته الاولى على طريق الانتشار، فإن قصص المهاجر تبدأ بتقديم حياة أميركية خاصة بها.

ويلعب الكاتب المهاجر دورا في توجيه وجهة النظر المتعلقة برؤيته للمجتمعات الانسانية في بلاد الهجرة الى شعوب تلك المجتمعات من غير المهاجرين. ويقدم نظرات نقدية وتأملات جديدة عن أناس "غرباء غريبي الاطوار" يميلون للبرودة واللاابالية. ولا شك أن هذه الكتابات ستدفع الناس في النهاية عندما تأخذ شكلاً عاماً الى محاولة تغيير الصورة النمطية المتوقعة عنهم.

كتاب القصة يدفعوننا للتفكير في الكثير من الحقائق المهملة والمغلوطة التي تؤثر في حياتنا كثيراً ولا بد من إعادة النظر فيها وتأملها: الاغتراب عن المجتمع، تجربة الاقليات، العلاقة بين الرجل والمرأة في ضوء تطورات العصر، العنف، قضايا المرأة، الهجرة أزمة الذات والهوية والانتماء، الاحساس بالتهميش، المعاناة بين نموذجين وعالمين، والكثير من المواضيع الاخرى.

في كتاب مختاراتها الضخمة التي تضم مجموعة من القصص الامريكية القصيرة التي تُعدُّ ممثلة بشكل رائع لكتاب القصة القصيرة الاميركية في القرن الحادي والعشرين والتي جاءت في 759 صفحة، قدمت القاصة والروائية الامريكية المشهورة جويس كارول أوتيس 48 قصة قصيرة كتبت كلها في القرن الجديد لقاصين وقاصات بحيث تعكس أطياف القصة المتعددة والمذهلة الجديدة، ومنهم: آيمي بندر، و تي سي بويل، ومايكل شابون، وايدوج دانتيكا، وجنوت دياز، وجومبا لاهيري، وشاك بالانيوك، وجورج سوندرز.

تبين المجموعة النماذج المختلفة للاساليب السردية، والمواضيع، وصوت الكاتب الداخلي، والمكان والزمان، ووجهة النظر خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد هيمنة الجانب السياسي مع استقطابات كبيرة، وتطرح فيها وجهات نظر سياسية متعددة حد التناقض او الاختلاف الجذري.

وفي الاجناس الادبية عموماً لا شيء أكثر مرونة وانفتاحاً على التعدد الجمالي من القصة القصيرة. فقصرها يدعو الكاتب لاستثمار أوجه التجريب كافة على نحو عملي أكثر مما يمكن أن تحتمله الرواية. فلا جنس أدبياً يستطيع أن يفعل أكثر من القصة في مواجهة تحدي تقديم شخصيات متفردة من خلال الحكي وسرد الاحداث بشكل موجز مقتضب وليس من خلال الوصف المسهب كما في الرواية، لأن الفن كما قال أحد الفنانين العظام ليس نظرياً.

تُعدّ افتتاحيات القصة من المؤشرات المهمة التي تميز عصرنا عن غيره. في القصة الجديدة يسود نوع من الافتتاحيات الفجائية أو القلقة نفسياً أو المضطربة أو التجريبية غير المألوفة في مطالع القصص، التي تبتعد عن القصة المسبوكة بحرفية ضمن تقاليد القصة التي نجدها في أعمال هنري جيمس، وجيمس جويس، وأنطون تشيكوف وايرنست هيمنجواي، كما يصاحبها نوع من الاستعجال اللفظي الذي يستمد أصوله من مصادر أخرى خارجية مثل المونولوج المسرحي أو فن التمثيل. ولكن ما تزال القصة التقليدية موجودة وبكثافة على الساحة كما في كتابات جون أبدايك الذي توفي مؤخرا ورَسِل بانكس، وريك باس، ودوكتورو، وتوماس ماكجوان، وديبوراه ايزنبيرغ، وغيرهم. ورغم تعدد الشكل فإن هناك المنظور الاخلاقي ما يزال قوياً في كثير من الاعمال.

القصة المعاصرة ليست قصة تيار الوعي التجريبي الذي ظهر في الستينيات والسبعينيات، ولكن رغم ذلك ما يزال هناك شكل غير مستقر للقصة تكتب به أقرب الى الملهاة الرومانسية وقصة الغموض والجريمة التي تستعصي على التجنيس أحياناً. كما أن هناك محاكاة وتناصاً لبعض الاعمال القصصية والروائية التي تستدعي الاطلاع على تلك الاعمال البارزة السابقة لكي يكون للقصة المعاصرة معنى من خلال استحضار تلك الاعمال كما في جريج جونسون ورتشارد فورد التي تستدعي معرفة أدب سيلفيا بلاث. كما أن كتابات القاصين ذوي الاصول التي تعود للاقليات بدأت تصبح أكثر قدرة على قراءة المجتمع والتعبير عن مشاكله.

في العقود الاخيرة بدأت المذكرات وكتابة المذكرات تطغى وتحل محل التجريب السردي. كما بدأ النقاد يلمسون أن جمهور القراء العاديين غير المتخصصين أصبحوا يعزفون عن الاعمال القصصية الصعبة التي تمتاز بالاضطراب والغموض وتوظيف أساليب وتقنيات مختلفة، ويفضلون عليها القصص التي تمتاز بتوظيف شكل الحوار والاعتراف كما في أعمال جنوت دياز.

إن اتجاهات القصة القصيرة المعاصرة هو النهايات المشرعة على الاحتمالات والاسئلة المعلقة والشخصيات المستقلة التي تسعى للتحكم بمصائرها برغم القوى القاهرة، وتحويل أمور الحياة الاعتيادية ووصفها البطيء الثقيل الى أبعاد رمزية تنشيء روابط مع القاريء الذي يجد فيها أكثر مما يبدو للوهلة الاولى.

يقول القاص والناقد ستيفن كنغ في مقالة له بعنوان (ما الذي يُمرض القصة القصيرة؟) نشرها قبل عامين في جريدة نيويورك تايمز: "الشكل القصصي ما يزال بخير، ولكم ان تطمئنوا الى ذلك! ولكن اذا ذهبتم للمكتبات فستجدون الصورة مغايرة.. إن صور وألبومات برتني سبيرز في كل ركن وكل زاوية في حين أعمال كاتب موهوب مثل وليم جاي أو راندي دي فيتا أو ايلين بولاك أو أرين كايل تكافح في ركن مهجور"! لقد صار الامر كما لو أن الكتاب يكتبون لما تبقى من هذا الجمهور القليل المنصرف عنهم، وأغلبهم من كتاب آخرين مثلهم يبحثون عن جمهور! وهولاء لا يقرأون لاجل متعة القصة ولكن لكي يعرفوا عما يباع في السوق. وهذا النوع من القراءة ليس القراءة الحقيقية.

وقال كنغ ايضاً: "لقد قرأت العشرات من القصص وشعرت أنها موجهة للذات وعنها، وبها تظاهر واضح وليست مسلية، كأنما هي مكتوبة للمحررين والمعلمين وليس لعموم القراء. لقد كان الامر في الماضي مغايراً. لقد كانت القصص التي تنشر في صحيفة ايفننغ بوست مثل ستاد رياضي، ولكنها الان بالكاد تستقطب جمهوراً أكثر من رواد مقهى. وباختصار إن القصة الامريكية المعاصرة حية ولكنها على وشك الانحدار في السنوات القادمة. هناك حديث يدور عن عزلة القصة المتمثلة في توجهها للنخبة وبما تمتاز به من صعوبة".

أصوات مهاجرة

ايدويج دانتيكا Edwidge Danticat قاصة وروائية وشاعرة أمريكية من أصل هايتي ولدت العام 1969 في بورت اوبرنس في هايتي. هاجرت الى الولايات المتحدة وعمرها 4 سنوات وسكنت مع أسرتها في حي بروكلين في نيويورك. واجهت صعوبة في التكيف في المدارس حيث لم تكن تعرف أي شيء عن اللغة الانجليزية ، مثلما واجهت عائلتها صعوبة في تلبية متطلبات الحياة. واجهت عنصرية من زملائها التلاميذ الذين كانوا يصفونها بامرأة القوارب او اللاجئة، وقد عانت من الشعور بالضياع. وقد وصفت ذلك بقولها: "فقدت طفولتي والناس الذين تركناهم خلفنا. كنت مثل طفلة في المهد ما تزال تتعلم كل شيء من الصفر". حصلت على بكالوريوس في الادب الفرنسي ، وانتظمت في مساقات للكتابة الابداعية. صدر لها مجموعتان قصصيتان بعنوان "كريك، كراك" العام 1996 و"محطم الندى" العام 2004 بالاضافة الى روايات من أشهرها "زراعة العظام" العام 1998. لقيت مجموعاتها القصصية ورواياتها استقبالا كبيراً لما تمتاز به من روح غنائية مكثفة وأوصاف حيوية للاماكن والناس في هايتي، والصدق في تصوير الالم والخوف. نالت عدداً كبيراً من الجوائز الادبية عن أعمالها المختلفة. وتهتم كثيرا بالمعاني المتعددة للشتات في اطارها الهايتي مستمدة مواضيعها من صعوبات الحياة للمهاجرين الذين يحسون بأنهم موزعون بين عالمين.

جنوت دياز Junot Diaz قاص وروائي أمريكي أصله من الدومنيكان ولد العام 1968 ، بدأ الكتابة منذ العام 1995 وفاز بجائزة بوليتزر للسرد للعام 2008 عن روايته "الحياة القصيرة العجيبة لاوسكار واو". ظهرت قصصه في مجلة النيويوركر التي عدّته أحد أهم عشرين كاتباً في القرن الواحد والعشرين. يعالج دياز في قصصه مشكلات التأقلم والتكيف في حياة المهاجرين من الدومنيكان الى نيوجرسي بالولايات المتحدة. ويغلب على لغته القصصية استخدام كلمات محكية هجينة من امتزاج الاسبانية بالانجليزية لدى المهاجرين. ولكن تبقى قضايا الهجرة، ومشكلات المجتمع الجديد، والحنين الغامض للوطن هي أبرز موضوعاته.

جومبا لاهيري Jhumpa Lahiri قاصة وروائية أمريكية من أصل بنغالي ولدت العام 1967. صدرت مجموعتها القصصية الاولى العام 1999 وحملت عنوان "مترجم الاضطرابات النفسية". فازت بجائزة بوليتزر للسرد العام 2000 عن روايتها "مسمى على اسمه" التي تحولت الى فيلم سينمائي. وصدرت مجموعتها القصصية الثانية العام 2008 وحملت عنوان "أرض غير مألوفة". وكما في حالة دياز، فإنها تتناول بلغة بسيطة مباشرة في عالمها القصصي والروائي المهاجرين من شبه القارة الهندية الى أميركا في انتقالهم بين القيم الثقافية لموطنهم وبلاد الاغتراب الجديدة. وتميل أعمالها الى استلهام حياتها الشخصية وتجاربها وتجارب عائلتها كمادة اساس لكتاباتها. وتركز على الجوانب النفسية والداخلية للمهاجرين وما تنطوي عليه من القلق والاضطراب والصراع والشعور بالتمييز ضدهم في محاولتهم بناء عائلة في بلاد الغربة. كما تعالج محاولات الجيل الاول من المهاجرين الى غرس قيمهم التقليدية في نفوس ابنائهم التي يعتقدون أنها ستوفر لهم الملاذ من صدمة الانتقال الثقافية. كما تركز كتاباتها بشكل واضح أيضاً على احتياجات الفرد الذاتية وقدرته على التكيف.

ديفيد معلوف David Malouf قاص وروائي وشاعر استرالي من أصل لبناني. ولد العام 1934 ولد في استراليا لأب مسيحي لبناني وأم يهودية برتغالية. نال عدة جوائز عالمية رفيعة عن أعماله السردية وخاصة روايته "تذكار بابل" التي صدرت العام 1993. رُشّح لجائزة بوكر الدولية. أصدر تسع روايات وثلاث مجموعات قصصية من أهمها "حلم" العام 2000. يركز في أعماله على الهوية الذكورية والبحث عن الروح. ويعتقد أن الاعمال السابقة التي قدمت الرجل كانت تربطه دائما بالجانب المادي والفعل وليس الجانب الروحي. لا يؤمن بفكرة أن يكون الكاتب ممثلاً عن مرحلة أو بلد ما، إذ إن القيام بدور النموذج أمر سيء بالنسبة له. ويقول إنه أكثر ما يكره أن يقال انه يمثل الوعي في استراليا.

شيماماندا أديشي Chimamanda Adichie قاصة وروائية نيجيرية ولدت العام 1977 وتعيش في الولايات المتحدة منذ العام 1996 حينما قدمت اليها وعمرها 19 عاماً للدراسة. درست الاتصال والعلوم السياسية في المرحلة الجامعية الاولى، ونالت الماجستير في الكتابة الابداعية من جامعة جونز هوبكنز. أصدرت مجموعة قصصية في العام 2009 بعنوان "ذلك الشيء حول عنقك". سبق ذلك صدور روايتين لها: الاولى في العام 2003 بعنوان "الخبيزة الليلكية"، والثانية في العام 2006 بعنوان "نصف شمس صفراء" التي نالت عنها جائزة أورانج للسرد النسوي. تقول أن نيجيريا ستبقى دائما وطنها ولكنها تحتاج أن تبتعد عنها أحيانا لتكون قادرة على الكتابة عنها بشكل أفضل. وتضيف أنها عندما ترجع لنيجيريا ستكتب عن ابناء وطنها المهاجرين في أمريكا.

تتحدث في أعمالها عن شخصيات تعاني ظروفاً قاسية في بلد يواجه الاضطراب السياسي. هناك الكثير من سيرة حياتها ومن نقل مشاهد الحياة اليومية التي تدعم رؤيتها ان الكتابة هي عن اولئك الذين عانوا ولم يتح لهم أن يقولوا شيئاً. فالكتابة صوتهم. كما تتحدث عن الدين وعن الصراع مع التراث الافريقي.

غيش جن Gish Jen قاصة وروائية أمريكية من اصل صيني وُلدت العام 1955. نشرت قصصها القصيرة ضمن أفضل مختارات القصة القصيرة الامريكية. أصدرت ثلاثة روايات ومجموعة قصصية واحدة. طرحت في أعمالها مفهوم اعادة تعريف الهوية الامريكية. وتناولت مفهوم الاسرة من خلال تناولها الاسرة الامريكية من أصل اسيوي. ورغم أنها تقدم في أعمالها شخصيات صينية أو أمريكية من اصل صيني إلا أنها لا تبتغي طرح صراع الهوية للمهاجرين بقدر ما هو هدفها طرح مفهوم اعادة صياغة الهوية الامريكية.

مويز غلام حسين فاسانجي Moyez Vassanji قاص وروائي كندي من أصل هندي. ولد في كينيا في العام 1950 حيث كانت عائلته قد هاجرت من الهند الى شرق افريقيا وعاش في تنزانيا. وفي مطلع العشرينيات حصل على منحة لدراسة الفيزياء النووية في الولايات المتحدة، وتخرج بدرجة الدكتوراه في الفيزياء النووية في جامعة بنسلفانيا. هاجر الى كندا واستقر فيها حيث عمل في محطة طاقة ذرية. وفي العام 1989 أصدر روايته الاولى "حقيبة القنب"، ومنذ ذلك الحين ترك العمل في الفيزياء وتفرغ للكتابة. أصدر في العام 2005 مجموعة قصصية بعنوان "عندما كانت ملكة". تناول في كتاباته الشتات الهندي الى افريقيا ثم الى اوروبا وكندا والولايات المتحدة.

ميشيل فيبر Michel Faber قاص وروائي وإعلامي من أصل هولندي يعيش في أستراليا. ولد العام 1960 في لاهاي. حقق شهرة أدبية رفيعة، ونال جوائز عديدة في القصة القصيرة في اسكتلندا واستراليا. رفض التقدم للحصول على الجنسية الانجليزية التي كانت تأهله للدخول في مسابقة البوكر للرواية بسبب تحالف بريطانيا مع الولايات المتحدة في الحرب في افغانستان والعراق. لا يقدم فيبر نفسه على أنه كاتب ينتمي لجنسية محددة بل يطرح مواضيع ذات بعد أوروبي. نشر مجموعته القصصية الاولى العام 1998 بعنوان "يجب أن ينزل قليل من المطر". وفي العام 2005 أصدر مجموعته الثانية بعنوان "توأم فهرنهايت". وعلى صعيد الرواية فقد أصدر خمس روايات ما بين العامين 2000 و2008. مر بتجربة مريرة في كتابة روايته الثانية إذ عرضها على الناشر فرفضها، ولكنه لم يتركها بل بقي يضيف اليها حتى بلغت 1500 صفحة وقد سببت له أزمة مالية لأنه كان قد قبض قيمة العقد مسبقاً كما شهدت تلك السنة طلاقه من زوجته الاولى، فعاش صراعا بين الاحتفاظ بالرواية وبين تركها كما نصحه اصدقاؤه. وأخيرا تخلى عنها ولكن من وحي تلك التجربة الفاشلة فقد ألف رواية أخرى حول معاناة روائي مع روايته الرابعة، وقد نالت الرواية الجديدة حضورا نقديا وشعبياً كبيراً.

ها جن Ha Jin قاص وروائي وشاعر امريكي من اصل صيني ولد العام 1956. كان أبوه ضابطاً في الجيش الصيني إبان الثورة الثقافية. درس اللغة والاداب الانجليزية في الصين حتى نال شهادة الماجستير ثم ذهب الى الولايات المتحدة لدراسة الدكتوراة في السنة نفسها التي شهدت حادثة ميدان تيانامين فقرر بعدها البقاء في الولايات المتحدة. كتب قصصه القصيرة ورواياته واشعاره باللغة الانجليزية واحتفظ بها منذ أن كان طالباً. بدأ ينشر أعماله في الولايات المتحدة منذ العام 1990. وقد أصدر ثلاث مجموعات قصصية ما بين العامين 1996 و 2000. كما أصدر خمس روايات ما بين العامين 1998 و2008. نال جائزة الاكاديمية الامريكية للفنون والاداب العام 2006. كما نال جائزة وليم فوكنر للرواية عدة مرات وجائزة ايرنست هيمنجواي للقصة وجائزة الكتاب الوطني.

وينا بوون Wena Poon قاصة أمريكية من أصل سنغافوري، أصدرت مجموعتها القصصية الاولى بعنوان "أسود في الشتاء" عام 2007. ويبدو الارتباط بموطنها الاصلي واضحاً من العنوان. فسنغافورة تدعى مدينة الاسود التي يتكون شعارها الرسمي من كائن نصفه الاعلى رأس اسد ومن الاسفل جسم حورية. وتركز القصص على حياة السنغافوريين المهاجرين الذين يعيشون في بلاد الغرب. رُشحت المجموعة لجائزة فرانك أوكونر الدولية للقصة القصيرة، وجائزة سنغافورة للادب لعام 2007.


الجمعة، أغسطس 28

مقالة في الدستور الثقافي.. عبد الستار ناصر مسرحياً


نشرت صحيفة الدستور الاردنية في ملحقها الثقافي الاسبوعي ليوم الجمعة الموافق 28/8/2009 مقالتي حول القاص والروائي العراقي عبد الستار ناصر والتي تتناول جانبا آخر لا يعرفه كثيرون من إبداعه وهو التأليف والنقد المسرحي. هذه صورة الصفحة التي نشرت بها المقالة المعنونة " الوجه الآخر للمثقف.. عبد الستار ناصر مسرحياً". يرجى الضغط على العنوان أعلاه لتحميل الصفحة وقراءة المقالة.

عبد الستار ناصر مسرحياً



الوجه الآخر للمثقف
عبد الستار ناصر مسرحياً
بقلم: اياد نصار

كتب القاص والروائي العراقي عبد الستار ناصر في إحدى قصصه القصيرة بعنوان دبابيس وأمراض: "على خشبة المسرح كان إمبراطوراً متوّجاً على نصف الكرة الأرضية يصغي إليه ملايين البشر وتخاف من سطوته وقسوته الشعوب. لكنه عندما عاد إلي بيته الفقير كانت زوجته تصرخ به وتسأل عن سبب تأخره كل ليلة؟ فأجابها بصوت منكسر خائف ذليل: لكنك تعرفين يا زوجتي أن الإمبراطور لا يموت إلا بعد الساعة العاشرة ليلاً!" وربما قليلون من يعرفون أن "إمبراطور" القصة العراقية لا يظهر بقناعه المسرحي الا للقلة الذين يعرفون مدى عشقه للمسرح أو لمن قرأ كتابه الذي أصدره عام 2007 بعنوان "مسرحيات عراقية: قراءات في المسرح العراقي المعاصر". وقليلون من يعرفون أنه نفسه قد ألف عدداً من المسرحيات ضمّن منها ثلاثاً في الفصل الخامس الاخير من الكتاب.

منذ أن أصدر مجموعته الاولى في بغداد بعنوان "الرغبة في وقت متأخر" عام 1968، فقد إستمر إبداع عبد الستار ناصر القصصي والروائي والنقدي والسيري منذ ذلك الحين ولم يتوقف حتى بلغ لغاية الان خمسين كتاباً تُرجم العديد منها وخاصة مجموعاته القصصية الى عدة لغات. لقد عرف عنه غزارة الانتاج الذي بلغ معدلاً يصل الى نشر كتاب كل عام رغم أنه أنتج في بعض السنوات ثلاثة كتب. وساهم حضوره السردي والنقدي في المؤتمرات والندوات وكتاباته المنشورة في الصحف والمجلات بتعزيز مكانته الادبية في الساحة الثقافية. لقد عُرف عبدالستار ناصر كأحد أهم الاصوت العراقية وخاصة في القصة في الربع الاخير من القرن العشرين. بل إن مساهماته في الادب العراقي المنفي خلال العشرية الاولى من القرن الواحد والعشرين التي شهدت خروجه من العراق عام 1999 وإنتقاله للاقامة في عمان والتي بلغت سبعة عشر مؤلفاً ما بين مجموعة قصصية ورواية وسيرة ذاتية ونقد لا تقل أهمية عن أعماله الاولى.

تميط هذه المقالة اللثام عن الوجه الاخر لعبد الستار ناصر ذلك العاشق الحقيقي للمسرح الذي تجلى في مداومته على حضور المسرحيات العراقية على خشبة المسرح على امتداد عشرين عاما، والناقد المتأمل بعيون تهتم بتفاصيل العمل المسرحي والغوص في أعماقه، مستنداً الى ثقافة مسرحية، تجلت في كتاباته النقدية بحسٍّ فني وتحليليّ عالٍ وجريء. لقد تابع عبد الستار تطور المسرح العراقي المعاصر تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً عن كثب من خلال لقاءاته ومناقشته للاعمال المسرحية مع فرق العمل من الممثلين والمؤلف والمخرج. وقد توج ذلك بخوضه تجربة الكتابة المسرحية حيث كتب ثلاث مسرحيات قصيرة من فصل واحد.

كتب عبد الستار عن المسرحيات التي كان يحضر عرضها مقالات نقدية قصيرة لا تخلو من النقد اللاذع أحياناً مثل مسرحية (بين المالك والمملوك، ضاع التارك والمتروك) لمؤلفها ومخرجها قاسم محمد الذي أمعن في نقدها وتشريحها ليس بدءاً من العنوان الذي لم يستسغه ولا نهاية بالمضمون الذي قال أنه لم يكن جديداً بل مطروقاً كثيراً من قبل المسرح العالمي أو المصري أو مأخوذاً من مسلسلات وأفلام سينمائية، أو مثل مسرحية (الرهن) لمخرجها عبد الامير شمخي التي يقول أن المخرج ذبحها من الوريد الى الوريد بينما هي تتكيء أصلا على قصة رائعة هي "الوجه الاخر" لفؤاد التكرلي. وهنا يؤكد على ضرورة التفريق بين نص جيد ومسرحية رديئة. كما لم تخل مقالاته من نقده القاسي حينما كانت تبدو له بعض الاخطاء أو السقطات في الاخراج المسرحي أو في اضطراب الرؤية لدى المؤلف وخاصة في المسرح التجريبي. كما تنطوي على نقد لبعض المسرحيات التي تسيطر عليها لغة الخطابة أو يؤثر الديكور سلباً على انطباع المشاهد بحيث لا يتيح له الوصول الى المعنى.

يعرض عبد الستار في هذه المقالات نظرته لمضمون تلك المسرحيات وأنواعها والقضايا التي تناولتها ونجاحها التمثيلي والاخراجي وهموم أبطالها كما ينظر إلى تفاصيل المشهد المسرحي ككل مثل لوحات المشاهد والصوت والمؤثرات والديكور والاضاءة ، ويتحدث عن أداء الممثلين وجوانب الابداع أو القصور فيه! لقد شكلت كتاباته هذه ذاكرة تاريخية تحفظ صفحات تكاد تضيع من مسيرة المسرح العراقي منذ نهاية الحرب العراقية الايرانية في أواخر الثمانينات وحتى نهاية التسعينيات مما حدا به الى نشرها في الكتاب الذي صدر في عمان عن دار ورد للنشر والتوزيع عام 2007.

إشتمل الكتاب الذي جاء في 230 صفحة على مقالات غطت إثنتين وثلاثين مسرحية عراقية طوال عشرين عاماً بالاضافة الى مسرحياته الثلاث في آخر الكتاب وهي: (أول حرب جميلة) عام 1993، و(الخمرة لا تسكر الموتى) عام 1999، و(جمهورية العوانس) عام 1993. وقد قسم الكتاب الى خمسة أقسام. تطرق في القسم الاول الى محاولات التجريب المسرحي العراقي في مقاربات المسرح التعبيري والمسرح الايمائي، وفي القسم الثاني تطرق الى عرض ونقد مسرحيات تركت تأثيراً في الذاكرة، وفي القسم الثالث الى نماذج من المسرح الشعبي، وفي القسم الرابع الى مسرحيات بلا جمهور. أما القسم الخامس فقد إشتمل على مسرحياته.

ويلاحظ أن كثيراً من المقالات في الكتاب تتسم بالقصر والايجاز بحيث لا تتوقف كثيراً عند تقديم عرض أو ملخص لأحداث بعض المسرحيات. وقد يكون ذلك مفهوما بالنسبة له أو لمن حضر تلك المسرحيات في تلك الفترة، وخاصة جمهور المسرح العراقي ولكن أعتقد أنه بالنسبة للقارىء العربي الذي يعتمد على الكتاب كمادة أساسية للتعرف على تلك المسرحيات فسوف يفتقد هذا الجانب، حيث إهتمت المقالات بتناول بعض الجوانب الفنية أو الاخراجية مباشرة دون تمهيد، مما يزيد من صعوبة الامر على القارىء الذي لم يشاهد المسرحيات.

يبدو في القسم الاول إهتمام عبد الستار بوضع القارىء في جو المسرحيات كالحزن والجنون. وهكذا يصبح بطل الحرب هو المجنون الذي يحاول أن يبدو عاقلاً، وكل شيء من حوله هو وهم، كما في مسرحية المونودراما (يا طيور). تقدم المسرحية مشاهد مجنونة من العبث البشري في مصير الانسان. وتصبح الحياة في مسرحية (أحزان مهرج السيرك) لعبة لا يبتسم فيها المهرج بل يبقى يموت ويولد في دورة متواصلة لتجسيد الشقاء الانساني الباحث عن الحرية، ويلعب صوت البيانو وحركات الممثل دورا كبيراً في المسرحية التعبيرية الصامتة. وفي (هاملت) لناجي عبد الامير لم يعد البطل هو هاملت الشكسبيري بقدر ما هو رؤية المخرج لشخصية هاملت كما يريد أن يتخيلها هو، فضاعت ملامح البطل الاساسية بين أكوام من الفوضى والصراخ، كما ضاع النص الشكسبيري الاصلي.

في القسم الثاني (مسرحيات في الذاكرة) يتحدث عن عودة بغداد الى التألق المسرحي بعد فترة الحرب العراقية الايرانية الطويلة وبعد حرب الخليج الاولى من خلال المهرجان المسرحي الثالث عام 1992. يتناول عبد الستار عشر مسرحيات مهمة مثل (ترنيمة الكرسي الهزاز) التي أعادت له الثقة بقدرة المسرح العراقي على تجديد نفسه والتألق بفضل تكامل إبداع فريقها. مسرحية تتحدث عن المجد الذي ضاع والحنين للماضي الذي لا يعود بل يخلف اليأس والانتظار والشوق من خلال قصة إمرأتين: واحدة مطربة مشهورة تحلم بمجد سابق، والاخرى تنتظر حبيباً غائباً لن يعود. ويشيد بشكل خاص بمسرحية رأى فيها انبثاقاً جديداً للمسرح العراقي بفضل الابداع والتكامل بين الكاتب والممثل والمخرج وهي مسرحية (نديمكم هذا المساء) للمخرج محسن العزاوي التي استطاعت أن تضحك الناس في زمن البكاء.

أما مسرحية (الباب) لمخرجها قاسم محمد وشاعرها يوسف الصائغ فقد أثرت فيه كثيراً. إنها مسرحية صراع الحياة مع الموت عبر أجساد مسجونة وآمال مخنوقة وجوع ورغبات عندما دخل البطل الى المقبرة على وعد من المدعي العام أن ينقذه بعد يومين ولكن الوعد بقي كذبة كبرى، حتى جاءت إمرأة ودخلت معه في تجربة القبر لتثبت ان إرادة الحياة أقوى من الموت.

يكتب عبد الستار بلغة نقدية تتناول مدى ارتباط النص كما وضعه المؤلف بالعمل المسرحي ليرى مدى نجاح المخرج في التعبير عن رؤية الكاتب ومدى ما يضيف المخرج من عمق للنص. وتدل مقالاته على الاحاطة بجوانب من تاريخ المسرح العالمي ومقولاته التي يستشهد بالكثير منها، كما تمتاز بالجرأة في النقد والطرح كما فعل في أكثر من مسرحية، ألا أننا نلاحظ أنه يعود ليصف بعض المسرحيات التي أشبعها ذماً واستغراباً لفشلها مثل مسرحية (الرهن) بأنها كانت ممتازة!

يعد الكتاب وثيقة نقدية تاريخية عن مسرحيات تلك الفترة التي تأتي على ذكر أغلب أسماء ممثلي وممثلات المسرح العراقي ومخرجيه. فتراه يشيد بأداء صلاح القصب وعوني كرومي ومقداد عبد الرضا وسامي قفطان وسامي عبد الحميد وعزيز خيون وعواطف نعيم وهناء محمد وسعدية الزيدي وعواطف السلمان وفاضل خليل ومحسن العزاوي وجواد الشكرجي وقاسم محمد وناجي عبد الامير وشفيق المهدي ويوسف العاني وخليل شوقي وغيرهم.

لا يمنع عبد الستار عدم رضاه عن أداء بعض الممثلين المنهك أو الخارج عن سياق الحالة المسرحية وجو المشهد أو التقليدية في موضوع المسرحية أو في اختيار العناوين المكرورة مثل مسرحية (الف حلم وحلم) من الاشادة حينما يجد ذلك لزاماً بمجمل العمل والنص وحرص المخرج على متابعة تفاصيل المسرحية أثناء البروفات. يقول في تأصيل منهج نقدي: "لعل أسوأ ما نفعله في نقدنا المسرحي هو أننا نطمر الاحساس بما رأيناه ونحاول أن نقول كلاماً لا علاقة له بالعمل الفني الذي رأيناه". ويرى أن المسرح العراقي يفتقد للنقاد الحقيقيين وأن كل ما يكتب هو مجرد إنطباعات عابرة وقصاقيص أفكار وحتى مقالاته هو يعتبرها نوعا من الانطباعات الشخصية ليعفي نفسه من أداء دور الناقد المسرحي وتبعاته.

وفي المسرح الشعبي تستوقفه أعمال محسن العلي الذي يضيف حساً ولوناً للوحة الشعبية التي يرسمها البسطاء من عامة الناس. يتحدث بلغة استبشارية عن مسرحياته (بيت وخمس بيبان) و(مقامات أبو سمرة) و(أطراف المدينة). يبحث عبد الستار عن معاني المسرحيات في لغتها ومشاهدها وديكورها ضمن الموروث الشعبي. لكنه يتطرق لهذا الجانب بايجاز سريع، حيث نراه مغرماً أكثر بالحديث عن أداء كل ممثل وممثلة، وفي أغلب المقالات هناك دائما حيز للحديث عن أداء الممثلين وخاصة الذين يشعر أنه يكتشفهم لأول مرة بفضل أدائهم المقنع.

أما في الفصل الرابع فهو يتحدث عن خمسة أعمال مسرحية بلا جمهور وذات قيمة فنية عالية. (الربح والحب) تعكس مدى تعب الممثل في ابراز الدور وإعطائه شيئاً من الروح. تتحدث المسرحية عن الاستغلال وتهريب العملة الى خارج القطر وامتهان كرامة المرأة لاجل الربح. (السيف والطبل) مسرحية تاريخية كبرى عن الصراع العربي- الفارسي أيام الاشوريين، ومسرحية (بيت أبو هيلة) عن الاحتلال الانجليزي للعراق والتطورات السياسية انتهاء بحرب الخليج، ولكنها لسوء الحظ لم تحظ بالوقت ولا بالمكان ولا بالجمهور الذي يناسبها لأنها جادة في خضم إنشغال المسرح بتقليد النماذج الرديئة من المسرح المصري.

سأتوقف عند المسرحيات الثلاث التي ألفها عبد الستار ناصر بشيء من التحليل لمعرفة كيف انعكست الافكار النقدية التي طرحها في كتابه على مسرحياته، نصاً بالطبع لكونها لم تمثّل. تفتتح المسرحية الاولى (أول حرب جميلة) بمشهد قصر أرستقراطي باذخ في نهاية حرب في مكان ما، ويضم كل خدم وحراس القصر وسيدته الوحيدة. يوظف عبد الستار في هذه المسرحية موسيقى الناي الحزينة لخلق الاحساس بالحزن والضياع والتشتت.

يجري الحوار بين شخصيتي المسرحية الاساسيتين وهما المرأة ساكنة القصر في الخمسينات من العمر والرجل الاربعيني الممتزج بالوسامة الغامضة. ويشعر الرجل بحسرة وألم من واقعه وهو يرى فخامة القصر. ولكن تأملاته للقصر ووقوفه قريباً منه تثير حفيظة السيدة وخادمتها. تحاول الخادمة تهديده ليترك المكان ، ولكنه يصر على البقاء. ثم تظهر السيدة وهي تدخن محاولةً إقناعه بذات الشيء. لكنه يبقى صامتا يتأمل في القصر. تحتار السيدة من يكون هذا الغريب الذي ينظر الى بيتها إن كان لصاً أم ماكراً أم تقياً ورعاً. ولكنه يؤكد بكل قوة وثقة إنه بسيط وحكيم. ولكن المرأة تستهجن أن يكون حكيما بملابس رثة. فتقول بلهجة ساخرة إن كان للبيع أم للشراء؟ ولكنه يؤكد أنه انسان طبيعي يكره المواعظ والحكماء. يلاحظ هنا الارتباط بالمكان والنزاع حوله لأنه يشكل قيمة كبيرة لكل منهما. ويلاحظ أسلوب السخرية والمنع من الوصول اليه الذي تقوم به السيدة مما يوحي بارتباط الرجل الروحي بالمكان.

تشعر المرأة بالاستياء لأنها يعاملها بطريقة توحي لها بأنها رخيصة. فهو يؤكد أنه رأى رجالا كثيرين يدخلون ويخرجون من عندها. وفي المقابل يوحي كلامه عن المعاناة أنها لم تعرف أو تعش معاناة كما عاشها واختبرها هو. وفي النهاية تطلب المرأة طرده من المكان لأنه تمادى، بينما هو يؤكد بصوت قوي واثق أن ذلك البيت هو بيت أبيه وجده.

واضح في هذا الحوار فكرة الصراع حول الارض والتمسك بها. فالسيدة في نظره لم تعرف معنى الحرمان ولا تبدد العمر بلا حلم. بل تسخر من أنات الاخرين وهي تنظر اليهم. ويظل الرجل يؤكد أن الارض التي عاش فيها طفولته وصباه له.

يبدو البعد الرمزي السياسي واضحاً في المسرحية في الايحاء باغتصاب فلسطين من قبل اليهود الذين احتلوا القصر الجميل ، والذين جاءوا من مختلف أنحاء الدنيا وأقاموا على الارض المغتصبة دولتهم التي صارت مثل سيدة القصر التي احتلته. يقول الرجل في أحد مقاطع المسرحية في إشارة لتوالي هجرة اليهود الى فلسطين: "رأيت الكثير من الرجال وهم يدخلون". ويؤكد الرجل أنه "يحب الزعتر والزيتون والزعفران" في إشارة للارض الفسطينية ومفردات رموزها. يؤكد بطل المسرحية الذي يرمز الى الشعب الفلسطيني أنه طالب حق: "لا أحب الغزوات .. أنا رجل بسيط " ويقول: "إنه بيتي أنا.. عشت فيه طفولتي وصباي".

وفي حوار يغلب عليه الكلام المؤثر الذي يصل حد البكاء من الحنين يقول الرجل إنه لا يعرف ماذ حل بشجرة الرمان على أيديهم. ويخشى أن يكونوا قد قطعوها في إشارة الى محاولات طمس الهوية الفلسطينية والتهويد والغاء كل ما يجسد علاقة الفلسطيني بأرضه.

تنساق لغة المسرحية أحيانا وراء الخطابة والمباشرة. يقول في هذا المقطع الذي غلبت عليه التقريرية والمعالجة التعبوية "كلا سيدتي في الحرب لا نقتل النساء. إننا نفكر في إعادة الحق الى أهله. إعادة الحق من مغتصبيه. وهذا البيت هو الحق الوحيد الذي أريد. بل وأعطيك الحق في البقاء فيه". في نهاية المسرحية ترمي المرأة المفتاح للرجل لكي يدخل ، ولكنه مندهش لا يصدق وتنتهي المسرحية حينما يضع مفتاح الباب فيه ليكتشف أن المفتاح بدون نتيجة للاشارة الى أن الصراع قائم وأن الحل السلمي مجرد وهم وأن العودة ما تزال غير ممكنة ورهن المستقبل.

في مسرحية (الخمرة لا تسكر الموتى) تبدو الاجواء العراقية الشعبية كالطابوق والشناشيل، ولكن كل شيء في المكان خَرِب مهدّم وممزق. رجال ونساء وأطفال يروحون ويجيئون في ملابس رثة وعلى عكازات خشبية ويبدو عليهم الغضب والخوف ، بينما يقف بينهم جنرال بنياشين وأوسمة وهو يضحك. ومن خلفه تبدو صورة زجاج مهشم وخلفها صورة للجنرال ذاته وهو يضحك وقد بدت أنيابه المفترسة. توحي الحركة والاصوات والانفجارات والحطام بأن حرباً ما تزال دائرة.

(الخمرة لا تسكر الموتى) مسرحية باللغة الشعبية العامية العراقية تنتقد إدعاءات النصر والبطولة والصمود التي لا تقنع أحدا لأن الكل ضحية لم تعد تعنى له النتيجة شيئاً سوى الموت. مسرحية سياسية ناقدة وساخرة وواقعية مباشرة حيث تبدو الاشارة واضحة الى الحرب على العراق في عهد صدام حسين. وقد كتبها عبد الستار عقب خروجه الى الاردن عام 1999. وقد جسد فيها أجواء الديكتاتورية والحرب والمعاناة والحصار والقصف الرهيب الذي عانى منه العراقيون بينما يبدو النظام في نشوة مجدٍ من التسلط.

تظل جميع الشخصيات تنظر بين حين وآخر الى السماء دلالة على الشكوى والمعاناة وغياب أي أمل في انقاذهم من الآخرين فلم يبق سوى انتظار السماء بما يذكرنا بالمسرح العبثي في مسرحية (في انتظار غودو) لبيكيت.

تبدو اللغة الساخرة في المسرحية واضحة ، فحين تسأل احدى النساء رجلاً إن كانوا قد خسروا الحرب أم لا، فيقول لها بسخرية أن النتيجة لم تحسم بعد رغم كل الخراب الذي حل!
هناك دور يقوم به شخص مجنون يرد على الاخرين يحاول نفي الهزيمة! تبدو السخرية والمفارقة واضحة بأن من يدعي النصر والصمود هو المجنون!

تبرز في المسرحية شخصية الحاج محمود الذي فقد أولاده الثلاثة بالحروب ولم يعد لديه أمل بالعيش ولم يعد يصدق كل ما يقوله الاخرون عن التفاؤل والنصر. بل ينتقد صمت الشعب الذي يساق أبناؤه الى الحروب بينما يبقى خانعاً في أجواء من الخوف والبوليسية. ولكن يتحرر الحاج محمود من خوفه وينادي بسقوط الجنرال فيتعبه الاخرون مرددين الشعارات ذاتها ، وهكذا تهتف المدينة بصوت واحد في إشارة الى التفكير بالثورة. ولكن مجموعة من العسكر الذين جاءوا من الخارج يفتحون النار على الجميع فيسقطون جميعهم مضرجين بدمائهم وتسقط صورة الجنرال بينما يُسمع طفل يولد ويأخذ بالصراخ بينما تسدل الستارة.

تفتتح مسرحية (جمهورية العوانس) بمشهد تعبيري جميل يطرح الأمل المنتظر الذي تبحث عنه المرأة العانس وسط ظلام الوحدة ووحشة الحياة. تظهر شمعة وسط ظلام دامس وبجانبها امرأة، يتبعها شمعتان وامرأتان، ثم ثلاث شمعات وثلاث نساء، وهكذا حتى تصبح تسع. ويدل منظر الوجوه على الحيرة والضياع والتيه. تعكس شخصيات النساء العوانس جميع أنماط النساء العوانس فهناك الطبيعية المنطقية، وهناك المرتبكة الخائفة، وهناك الحالمة، والمتسلطة، وصاحبة الصوت الحسن التي تغني وقت الازمات، والمتشائمة والحزينة واللامبالية، والمخطوبة من شهيد. بينما يوجد رجل وسيم أعرج واحد وهو هارب من السجن.

تطرح المسرحية مأساة الحرب وويلاتها التي تبدد النسيج الاجتماعي وتأكل الرجال فلا يبقى غير العوانس المستغرقات بالشكوى وفلسفة القضية. لاتحمل العوانس أسماءً بل أرقاماً تعرف بهن للدلالة على الاغتراب عن المكان وفقدان الاحساس بالذات والضياع وابراز أن المشكلة في جوهرها واحد وان اختلفت الارقام. يشكل قدوم الرجل الاعرج الهارب من السجن فرصة لكل واحدة من النسوة للبوح بمشكلتها. يمثل حضور الرجل إشكالية للنساء بينما يرى هو في ذلك سجناً من نوع آخر:
- من سجن الى سجن، لا فرق بين ما هربت منه وما جئت لأجله، لا فرق كلها سجون.

ولعل العانس رقم (7) تلخص القضية برمتها حين تقول: "دعونا نسأل الشهداء، إنهم يعرفون القضية كلها". تنتاب النساء أحلام يقظة فيتخيلن أن الاعرج قد صار حبيب كل واحدة. ولكن حتى في الاحلام تخطر لهن الخيانة والغدر .

تخرج العوانس من المسرح في إشارة رمزية الى غيابهن عن مسرح الاحداث الى زوايا النسيان، في حين يضاء المسرح ويبقى الرجل وحده الذي يحس أنه لا يستطيع العيش في النور. وفي مشهد رمزي يظهر فراش أبيض يغطي نصف المسرح ويتلوث بالدم وتسقط النساء عليه. ويقول الرجل إنه سيدخل سجنه الاخير وحينها يسمع صوت أطفال يولدون.

* صورة غلاف الكتاب

الثلاثاء، أغسطس 25

طقوس الكتابة والابداع في رمضان


طقوس الكتابة والابداع في رمضان

لقاء مع صحيفة الدستور أجراه الشاعر عمر أبو الهيجاء بتاريخ 25/8/2009

لرمضان عند كافة الناس طقوس خاصة يمارسونها بأشكال مختلفة ، وخاصة الكتاب والادباء لهم طقوس ربما تختلف عن غيرهم في رمضان من حيث قضاء اوقاتهم سواء في الكتابة او القراءة او ربما الاستراحة من التحبير في الشهر الكريم والتفرغ الى العبادة التواصل مع الآخرين في الامور الحياتية.


"الدستور" التقت بعض المبدعين الاردنيين وسألتهم عن طقوسهم الابداعية في رمضان وإيقاع هذا الشهر الفضيل بالنسبة لهم ، فكانت هذه الرؤى المختلفة في الاجابات:

اياد نصار: رمضان منجم للكتابة

رمضان منجم للكتابة بالنسبة لي وخاصة القصة القصيرة. إذ تفرض أجواء رمضان نفسها على الكاتب في كل مكان وفي كل وقت من يومه المعتاد. إن مشاهدة صور معاناة الناس التي تملأ شوارعنا ومحلاتنا وبيوتنا في جو حار تزيده الاسعار لهيبا تلهمني أفكاراً لا يمكنني أن أتفاداها طالما أن الادب في إحدى تجلياته هو التعبير الفني عن وطأة الواقع وآلام الانسان وغول الفقر الذي يسرق بهجة الناس في شهر يفترض أنه فرض بالاساس لاعادة البسمة الى وجوههم. وتولّد التقارير الصحفية عن حالات المعاناة الانسانية في الاردن ومشاهد رمضان الحزينة في بعض الدول المنكوبة بفقدان الامن كالعراق وفلسطين لدي إحساساً مريراً بالشقاء الانساني الذي ظل دائما دافعا للكتابة لدى أغلب المبدعين. كما يرتبط رمضان في ذهني دائما بالاعمال الدرامية التراثية وخاصة الاندلسية فأحس برغبة لا تقاوم في معايشة أجواء جميلة من ابداع اللغة والموسيقى مما يحفزني على اعادة قراءة ابداعات تلك المرحلة نثرا وشعرا والنظر الى تقنياتها الاسلوبية السردية بمنظور معاصر. لهذا إن اجمل أوقات الكتابة عندي في رمضان هو آخر الليل حينما يسود السكون بعد يوم حافل.


للاطلاع على الموضوع في الصحيفة يرجى الضغط على العنوان أعلاه

الجمعة، يوليو 24

الرواية الاردنية الانجلوفونية في الدستور الثقافي


نشرت صحيفة الدستور الاردنية في ملحقها الثقافي الاسبوعي ليوم الجمعة الموافق 24/7/2009 مقالتي حول الرواية الاردنية الانجلوفونية. هذه صورة الصفحة التي نشرت بها المقالة. بامكانكم الضغط على العنوان أعلاه لتحميل الصفحة وقراءة المقالة.

الاثنين، يوليو 20

أشياء في الذاكرة في "القدس العربي"



أشياء في الذاكرة

في "القدس العربي"

نشرت جريدة القدس العربي التي يرأس تحريرها الاستاذ عبدالباري عطوان والصادرة في لندن يوم الاحد 19/7/2009 مقالة نقدية حول كتابي أشياء في الذاكرة بقلم الاستاذ سليم النجار. وفي ما يلي نص المقالة (بالامكان الضغط على الصورة أعلاه لرؤية الصفحة التي نشرت فيها المقالة في جريدة القدس العربي):


أشياء في الذاكرة
سليم النجار

الفن القصصي هو تظهير دائم للاشارات التي يرسلها الشكل المعرف، وإذا ما تم نقل الشكل فقط تكون الكلمة القصصية عمياء، والتجريدي منها هو تظهير إشارات المجرد، مثلاً إشارات الزمن، القوة، الخلود، السحر، وخاصة الاسود منه، العدم، الغربة، العبث، الخ لأن التجريد لم يكن يوماً وفي كل الفكر تحطيم الشكل، بل استشفاف الاشارات المرسلة من المجرد.

الاستهداء بالمجرد للوصول الى الواقعي يشبه تحقيق القبل في أحلام اليقظة، فكيف إذا تحولت قُبَل اليقظة الى 'أشياء في الذاكرة' للقاص إياد نصار التي صدرت حديثاً في عمان عن دار فضاءات.

فالقاص، اياد نصار، اعتاد في نصه القصصي على تجريد المجرد الذي هو الصوت واللون واللغة باعتبارها من أكثر المجردات وضوحاً، إذ بها ومنها تتكون القصة التي هي الحالة المجردة لكل ما تعرفه، ولهذا تكتسي عملية إعادة صياغة اللغة أهمية عظمى، ولا نستطيع القيام بذلك دون استعدادنا لتقبل حالة النفي لكل ما تمت معرفته .. وإلا أين مساحة الحرية؟

في هذه اللحظات نستمع لصوت قصة 'هروب': 'كنت أقرأ تقريباً كل شيء! كانت الصحف المصفرة وسيلتي للمطالعة وقد أفادتني كثيراً! عرفت من خلالها أشهر أدباء العالم العربي وأشهر السياسيين. وعرفت تاريخ القضية الفلسطينية وأدركت أسباب الاحباط الذي يرزح تحته الانسان العربي!' إن تحول القص الى خطاب يفقد الحرية الكثير من حضورها، لأن الحرية هي الناموس المجرد للابداع، كما أنها المؤسس الاول والدائم لكل أشكال التجريد، فاللامكان الذي حدد نفسه أو حدده غيره يخرج من مساحة الحرية من خلال التكرار الذي صنعته الحدود، فكل ما هو محدد مسلوب من الحرية، وإذا ما اتخذ مكاناً ما في ذهن ما أفقد هذا الذهن المكان حريته عن السلب الكامن في حدوده، وهكذا يفقد القص حرية الوعي من خلال تدخله لتحديد ما يوعى، الى أن يتحول الوعي الى أداة تسرق قدرتها كلما سنحت الفرصة وغاب القص. وهذا ما حاول الابتعاد عنه القاص اياد نصار، الذي تبدى لنا، أنه يؤسس لوعي المكان، أكثر منه لوعي الجغرافيا، فالجغرافيا العربية بطبيعتها الحالية كافرة وطاردة.

(2)

الفروق الفردية بين البشر في كل شيء أحد أهم الاسباب لاستمرار عملية التوازن المفضلة فيهم، وفكرة إلغائها تشبه تماماً ما حلم به - كارل ماركس - حينما أعلن أنه سينزل الجنة الى الارض، ناسياً أن النار من أهم أسباب وجود الجنة، وإذا ما أنزلت الاثنتان بطل حلمه كما حدث ويحدث.

ولعل القاص اياد نصار صار على نفس المنوال، لكن برؤية جديدة، عندما اعتبر النار أساس التفرد، بغض النظر، عن نوعية هذا التفرد. ففي قصة 'النار' هنالك حالة استلاب لبطله - أياً كان اسمه، فالبطل هنا ليس الشخص بل الفكرة، التي تعالت على الجسد. ويقال عن بعض الذين فقدوا قدراتهم العقلية، أنهم مسلوبو الحكمة، بمعنى أنهم مأخوذون بواسطة القوى العليا، بينما الاستلاب الداخلي هو فقدان الانا أو ضياعها في الاخر، أو سلب هذا الاخر لها دون قصده. وهذا ما حاول التأشير عليه القاص نصار عندما روى:

- 'هل سبق أن رأيتم ناراً تشتعل هكذا؟

- كيف فعلت ذلك؟! هل هذا سحر؟!

- هل سبق أن رأيتم يداً لا تحترق بالجمر؟

- شيء غريب فعلاً!

- هل رأيتم أحدا من قبل يستطيع حمل النار بيديه؟

- كيف تقدر أن تحتمل الجمر من غير أن تحترق يداك؟'.

إن ما سعى اليه القاص هو إحداث علاقة بين الضوء والعتمة، بين الصوت والصمت، بين الانا والنحن، والهولاء والاخر، بين الزمن والآنية، والانسان بين هذه التراكمات من الأحداث يعيش وينمو، وفي أغلب الاعمال القصصية تتواجد - بشكل نسبي - هذه الحالات ولكن لا ينظر اليها عادة باعتبارها أهم المحاور التي تدور حولها القصة. ولم يكتف القاص نصار بذلك، بل ذهب الى أبعد من ذلك عندما حاول الاشارة الى أنه ثمة أمكنة في الفراغ المصنوع من غياب الدهشة لا يمكن دخولها دون منقوع الكسل أو خمر الذاكرة المعتقة في القص. فهل بالامكان خلق قصص جديدة تمد الانسان بالزهو والبهجة؟

(3)

الفقد لا يعامل حدود القيم باحترام.. فمن يستطيع أن ينفي أو يؤكد ذلك؟ وذلك هو الوطن وقد ارتدى الصوت واختفى بين الكلمات المغيبة في الاصوات المرتدية ثوب الشكل.. فأنت مأخوذ دون احترام لأداة الموافقة لديك.. منهوب الشكل الذي تحلم به بخجل... ذلك هو الشباب الذي يمضي ويعود.

وتتجلى هذه الرؤى في قصة 'لقاء قصير':سعد: يافا.. آه على أيام يافا. لا تذكريني.. أتذكر يافا وعمري عشر سنوات قبل النكبة. كنت الهو على شاطئ يافا. وكان أبي يصطاد لنا السمك من بحرها بالمراكب.

هذا الشريط القصصي إذا تم إعداده للتصوير سيقدم فيلماً وثائقياً يؤكد ضرورة اعادة النظر في فكرة - اللاشعور - باعتبارها مفتاحا لأبواب السلوك البشري...

إذا كان اللاوعي حالة مفترضة، أو موجودة، من خلال فكرة الاستكمال لمنظومة التناقض المحققة للتوازن الفكري، فكيف نستطيع تعريف اللاوعي بواسطة الوعي؟ لنقرأ مقطعاً آخر من قصته 'لقاء قصير':

ناديا: والآن معقول أن عمرك صار سبعين سنة؟

سعد: كان عمري عشر سنوات وقد توقف عند تلك السن من ذلك الوقت.

ناديا: يعني عمرك الآن عشر سنوات؟

سعد: نعم!

اللاوعي واللاوجود واللاشعور حالات تلغيها معرفة أضدادها وهي ليست كائنات، والإشكال الاساسي متأتٍ عن الخطأ في استعمال اللغة، فالكلمة إشارة وليست كينونة، فلم التخطي لحدودها وادخالها ضمن الكينونة العامة؟

(4)

الطريق الى يافا محفوف بالقبلات والذكرى.. و'أشياء في الذاكرة' مراكب الحكاية التي سيأتي يوم 'ينزل' منها الركاب الذين بقوا صامدين نهاية الحكاية.. ليصيدوا ليافا بحرها وسمكها وعشقها... ومن ذاك اليوم... تبقى 'أشياء في الذاكرة' وثيقة قصصية أقرب الى الرؤيا من تجريب المألوف.

الجمعة، يوليو 17

الرواية الاردنية الانجلوفونية







"عندما نغادر أوطاننا نقع في حب أحزاننا"
الرواية الاردنية الانجلوفونية

بقلم اياد نصار

على غرار الاعمال الروائية المغاربية والمشرقية التي يكتبها وينشرها روائيون عرب باللغة الفرنسية ضمن ما يسمى تيار الثقافة الفرانكفونية، تتناول هذه المقالة الرواية التي كتبتها روائيات أردنيات باللغة الانجليزية ونشرت خارج الاردن من قبل دور نشر عالمية سواء في دول الاغتراب المقيمات فيها أو في دول أخرى ناطقة بالانجليزية. ولا بد من الاشارة الى أن هذه الظاهرة التي سميتها مجازاً بالانجلوفونية ما تزال في طور تشكلها وبداياتها، وربما تزداد زخماً وتصبح ظاهرة أنجلوفونية ضمن سياق إبداعات أخرى لكتاب عرب غير أردنيين تزداد يوماً بعد يوم، وربما تبقى مجرد إبداعات فردية مغتربة ولكن مع ذلك فإن هذه الروايات القليلة حققت شهرة واسعة وحضورا في الغرب استقطب القراء والنقاد على السواء، ونالت بعض هذه الروايات جوائز أدبية.

تمثل الرواية الاردنية الانجلوفونية جهودا فردية، ولم ترق، وإن تعددت التجارب، الى مفهوم ظاهرة ثقافية ولغوية مثلما فعلت التجربة الفرانكفونية وأثارت بذلك إهتماماً وجدلاً كبيرين بين النقاد والدارسين. فما تزال هذه الرواية بعيدة عن المتناول المحلي للساحة الثقافية الاردنية. وقد لا يصنفها بعض النقاد رواية أردنية بالمعنى الخالص لمجرد اعتبار مضامينها الفكرية والاجتماعية الشرقية، أو شخصياتها ذات الاصول الاردنية وأمكنتها التي تتحرك بها، بل ربما يصنفونها رواية إنجليزية لمؤلف أردني أقرب في أساليبها ولغتها الفنية وجمهورها للروايات الاجنبية، باعتبار أن اللغة هي الوسيلة التي يكتسب بها الأدب هويته. ثم إن الكتابة الروائية الاردنية بالانجليزية لم تساهم بشيء يذكر بعد لغاية الان في إزدهار الأدب الاردني محلياً أو عربياً مثلما حصل مع الرواية الجزائرية مثلاً التي شكلت الروايات الفرانكفونية منها إضافة متميزة لمسيرتها.

وقبل الخوض في الموضوع أود التذكير بعجالة ببدايات الرواية العربية الفرانكفونية حيث تختزن الذاكرة الكثير من الاسماء الروائية المعروفة التي كتبت الرواية بالفرنسية منذ عام 1921 وهو تاريخ صدور أول محاولة روائية جزائرية بالفرنسية لمحمد بن الشريف بعنوان "أحمد بن مصطفى الخيّال"، أو عام 1940 حين ظهرت أول رواية بالفرنسية في تونس لمحمود أصلان بعنوان "عيون ليلى السوداء"، أو عام 1954 وهو تاريخ صدور أول رواية مغربية بالفرنسية لادريس الشريبي بعنوان "الماضي البسيط". كانت الرواية المغاربية العربية غريبة في محيطها في تلك المرحلة المبكرة وصولاً الى السبعينيات التي تعتبر بداية الازدهار للرواية وخاصة الجزائرية.

وفي المشرق العربي كانت بداية الرواية العربية بالفرنسية في مصر على يد قوت القلوب الدمرداش عام 1937 التي أصدرت ثماني روايات عن دار غاليمار الباريسية. وفي لبنان بدأت أعمال فرج الله حايك عام 1940 وامتدت حتى عام 1968 وقدم للمكتبة ثلاث عشرة رواية. وفي سوريا ظهرت متأخرة في منتصف الثمانينات على يد مريم أنطاكي وماري سورات.

تركز هذه المقالة على التعريف بالروايات الاردنية التي حققت نجاحاً وحظيت باهتمام من النقاد والدارسين ونالت شهرة وانتشاراً بين جمهور قراء الرواية في الدول الغربية وبالذات الولايات المتحدة وبريطانيا وتُرجم بعضها الى عدد من اللغات الاوروبية والاسيوية. وتتناول هذه الدراسة بشكل خاص أعمال الروائيات الاردنيات فاديا الفقير، وليلى حلبي ، وناديا أبو جابر.

واذا كان الاهتمام بترجمة الروايات الاردنية الى اللغات الاجنبية كالانجليزية والفرنسية والايطالية والاسبانية والالمانية والروسية والصينية قد بدأ منذ حوالي أواخر السبعينيات فقد إزدادت وتيرته في الاونة الاخيرة مع صعود نجم الرواية في العالم ككل، ومع انتشار الاهتمام بالرواية الاردنية في الدوائر الاكاديمية ودور البحث والنشر ومراكز الادب الحديث التي تعنى بالدراسات الشرق أوسطية ومنها المتعلقة بالاردن. ولكن موضوع ترجمة الرواية الى اللغات الاخرى ليس من ضمن مجال هذه الدراسة. كما ينبغي الاشارة الى أن هناك نصوصاً او محاولات روائية يتم طباعتها ونشرها في الاردن ولكنها تبقى محدودة بفعل ضيق الانتشار والتوزيع وقلة الاهتمام بالرواية باللغة الانجليزية من عموم القراء في الاردن الا من جانب بعض المتخصصين في الدراسات أو في هذه المنشورات.

إن جلّ من كتبوا ونشروا روايات باللغة الانجليزية والتي حققت صدى إعلامياً هن روائيات أردنيات يعشن في الخارج، إما ولدن في أسرة لأم أجنبية تتكلم اللغة الانجليزية، وإما درسن وعشن فترة طويلة في الغرب واكتسبن اتقان اللغة وحرفة الادب وتأثرن بالاساليب الروائية السردية المعاصرة. إن شهرة تلك الروائيات في الغرب تفوق شهرتهن في بلادهن. ويبدو الامر كأنما يبشر بقرب ظهور موهبة نسائية أردنية تحقق شهرة عالمية وتسعى للمقاربة بين مجتمعاتها التقليدية وتطوير واقعها او نقدها وتغييرها الى واقع آخر يلبي حاجاتها في المساواة والاستقلالية والحرية أو قد يعزلها عن مجتمعها فلا يكون لروايتها أي أثر على أرض الواقع سوى تغيير الصورة النمطية لدى القاريء الغربي وأظن أن هذا أحد الاسباب لولادة الرواية الاردنية الانجلوفونية في الاساس.

لقد أدى التفاعل والاندماج الى ولادة رواية أردنية ذات وعاء ووسيلة إنجليزية ولكن المضامين عربية شرقية وأردنية تقع تحت الاختبار نتيجة تلاقي او تصادم النماذج الحضارية، وتعبر عن قضايا وإشكاليات إجتماعية ترتبط بالثقافة والدين والعادات والتقاليد وصراع الهويات والحريات وانقسام الانتماء وتصادماته في بلاد الاغتراب بين الثقافتين وبين النموذجين العربي والغربي لأسلوب حياة الفرد والمجتمع. وتطرح هذه الروايات قضايا من صميم المجتمع الاردني مثل جرائم الشرف وتابوهات العيب والتقليدية المحافظة ومعاناة المرأة في البادية والريف والمدن من سيطرة قيم المجتمع الذكورية. فكانت هذه الروايات صرخة احتجاج وملاذاً رمزياً للخلاص.

لقد أرادت الرواية الانجلوفونية إعطاء مساحة أكبر من حرية التأمل ونقد الذات ونقد الآخر فيما يتعلق بالمرأة وأزمة هوية وثقافة المهاجرين وانتماءاتهم وصراع التكيف. وتتسم بثنائية المكان وتناقضاته ما بين المحيط الغربي وما بين المحيط التقليدي الاردني الذي تسعى الشخصية في الرواية للهروب منه او العودة اليه لاحقا بعد أن تكون قد خاضت تجربة التمرد والاغتراب والبحث عن الخلاص الذاتي. وتجسد مسألة العودة إلى الوطن والتي ترافقها صدمة نفسية بسبب التباين الفكري والاجتماعي نتيجة الإحساس بالمفارقة بين العالم الجديد وبين العالم التقليدي- الوطن- الذي تهرب منه. وهنا تبدأ المعاناة وصراع الانتماء والاحساس باضطراب الهوية. وسرعان ما تحس هذه الشخصيات التي تحلم بالمساواة والعدالة والتغيير وبناء الاحلام داخل المجتمع الغربي، وهي مشبعة بالتوقعات والآمال الكبيرة، بالتهميش، فتخرج من التجربة وهي تشعر بالمرارة، وفي ذات الوقت النبذ من مجمتعها الاصلي.

تعتبر الرواية الى حد بعيد سيرذاتية أو تنهل في جزء كبير من أحداثها من منبع السيرة الذاتية للروائية وسيرة عائلتها، كما توظف مرحلة الطفولة ومراهقتها وتجاربها، ولهذا تقدم بالضرورة بأسلوب المفارقة صورا ونماذج متضادة بين قصص الحب والزواج والنجاح او الفشل للمرأة الاردنية بين المكانين.

وإذا كانت الهجرة للغرب أفرزت في البداية الشعور بالنوستالجيا ومعاناة التأقلم والبحث عن الذات في محيط غير ودي في كثير من الاحيان ، فإن الأمر يصبح مقبولاً، أملاً في تحقيق الذات والتعلم واكتساب الاستقلال المادي والزواج حيث يبقى الخوف من العنوسة هاجساً كبيراً.
تعتبر الروايات الانجلوفونية متوجهة إلى"الآخر"، الغربي تحديداً، تريد أن تشعره أولاً بأن الانتلجنسيا الاردنية وخاصة النسوية قادرة على الكتابة الروائية. كما تريد أن تعكس نضال هولاء النسوة أنفسهن امام القيود التي تكبل طموحهن وتجعلهن أسرى الرجل او الاهل او العشيرة او المجتمع المتسلط. كما تريد بعض هذه الروايات أن تعلن التمرد الرمزي على التقاليد وروابط الدم والعشيرة وما تفرضه من التزامات اجتماعية ضاغطة قهرية أمام المفاهيم المعاصرة التي تلبي طموحهن في إحترام دور الانثى وحريتها ومشاركتها على قدم المساواة.

ما تزال الرواية الاردنية الانجلوفونية تخطو ببطء لتخرج من عباءة الواقعية، حيث شخصيات تتوافق مع نماذج اجتماعية وترمز لها، ووصف ذو وظيفة درامية وقيمة أخلاقية، وحبكة تنظم القصة، ورؤية موحدة للمؤلف – الرواية الكلية. ولا تزال تبحث عن الذات والتنظيرات الاجتماعية داخل البنى السردية، فالروائيات برغم ما يقال عن سيرتهن الذاتية، لم يعشن محنة الواقع الاجتماعي والفقر والشقاء والجنون والمرض والبؤس .كما لا تزال هذه الرواية برغم حساسية القضايا وخلافيتها لا تتمتع بجرأة عالية على صعيد طرح نقد جوهري لثقافة تقدس التقاليد، بل يتم تصوير معاناة الشخصيات واضطهادها، بنقد ضمني دون إحداث قطيعة مع المحددات والسياقات والقواعد الاجتماعية والدينية التقليدية.

وربما يتهم بعض النقاد هذه الروايات أنها تسعى الى تقديم الإثارة من خلال تناول الاشكاليات التقليدية في علاقة الرجل العربي بالمرأة بهدف الشهرة، أو أنها تلبي توجهات غربية في طرح المشكلات الداخلية خارجياً بدليل أنها موجهة للقاريء الغربي، وتلقى الترحيب لأنها تثبت قناعاتهم والصور النمطية عن العرب والمسلمين. ولكن الحقيقة أنها روايات ذات نكهة شرقية عربية أردنية وتتناول قضايا المجتمع بتفاصيل بعيداً عن الصورة النمطية في الادب والاعلام الانجليزي والامريكي المعاصرين. وقد نالت استحسان القراء على نطاق واسع في العالم الغربي بسبب مبادرتها الى طرح موضوعات مثل المعركة بين القديم والجديد، وبين التقدم والتقاليد، وبين الشرق والغرب والنظرات المتبادلة، يضاف إلى ذلك تصوير مؤثر للحياة في المجتمعات التقليدية كالبدو والفلاحين وسكان المدن.

فاديا الفقير: روائية وأكاديمية أردنية تعيش في بريطانيا منذ سبعة وعشرين عاماً وتكتب بالانجليزية. عاشت ودرست دراستها الجامعية الاولى في عمان، حيث حصلت على بكالوريوس في اللغة الانجليزية من الجامعة الاردنية ، ثم ماجستير من جامعة لانكستر عام 1985، والدكتوراة من جامعة ايست انجليا في الكتابة الإبداعية من بريطانيا عام 1990. عملت في عدة جامعات حتى استقرت في جامعة درهام في بريطانيا سنوات طويلة، وتعمل في قسم الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية وتعلم اللغة العربية والأدب العربي الحديث فيها. نشرت روايتها الاولى بعنوان "نيسانيت" عام 1990 عن دار فايكنغ/بينجوين المشهورة، ثم روايتها الثانية "أعمدة الملح" والتي صدرت عن دار كواتريت عام 1996، ونشرت روايتها الثالثة "إسمي سلمى" عام 2007 دار دبلليدي. كما كتبت عدداً من المسرحيات والقصص القصيرة.
قالت الفقير في حوار أجري معها انها كاتبة ثنائية اللغة والثقافة وتضع قدماً هنا تقصد في الاردن وقدماً هناك تقصد في بريطانيا. وتتوقع ان تصبح الكتابة ثنائية الثقافة هي المعيار الدارج بعد عشر سنوات من الان.

وفي موضوع تصنيفها كروائية أردنية أو بريطانية فتقول أنهم يصنفونها في بريطانيا كاتبة بريطانية، ولكنها ما تزال تصر على أنها كاتبة أردنية. ولكنها في الوقت ذاته تشعر بأنها عربية أكثر من أردنية، ولا تستطيع تصنيف نفسها أردنية فقط لأن رواية القرن الحادي والعشرين تغيرت، والكتاب يعيشون في مختلف بقاع العالم، وهناك هجرة وحركة للعقول، وكثيراً من هولاء وطنه الأصلي في مكان، ويسكن مكاناً آخر.

هناك جانب من السيرة الذاتية في كتاباتها. لقد استمدت شخصياتها وصورها من بيئة العشيرة ونمط حياتها البدوية. وعلى الرغم من الاختلاف بين الكيفية التي وصلت بها فاديا وبطلة روايتها الثالثة سلمى الى بريطانيا، إلا أن هناك أموراً مشتركة. ففي حين كانت فاديا تحمل شهادة اللغة الانجليزية، لم تكن سلمى حتى لتتكلم اللغة. الا أن الاحساس بالوحدة عند الوصول كان مشتركاً. كما شاركتها بطلتها فقدان ابنتها لأنها هي أيضا فقدت حضانة ابنها الذي كان عمره 13 شهرا من زواجها الاول. تطرح رواياتها كلها قضايا العائلة العربية باعتبارها عائلة قمعية تقوم على سيطرة الأب الذكوري بشكل عام. الرجل يعاني ، والمرأة تعاني، والاثنان يعانيان لأسباب مختلفة.
تسرد روايتها الثالثة "إسمي سلمى" حياة إمرأة أردنية تلجأ الى انجلترا هروبا من محاولة قتلها بداعي الشرف. وقد أطلق على النسخة الامريكية من الرواية اسم "صرخة الحمامة". وسيتم ترجمتها الى العربية والبرتغالية والدنماركية والهندية والاندونيسية والفرنسية والايطالية والاسبانية. وقد حظيت الرواية بتغطية اعلامية في فرنسا وايطاليا أكثر مما نالته في بريطانيا، بل إن الصحافة البريطانية تجاهلتها رغم ان مواضيع الرواية هي جرائم الشرف والمهاجرين. وقالت الفقير: "ربما أكون قد أصبت عصباً ولهذا يشعر البعض بالانزعاج من الطريقة التي صورت فيها بريطانيا".

تجد سلمى وهي فتاة بدوية من منطقة تدعى الحمة نفسها مهجورة وحيدة وهي حامل إثر علاقة حب تتعرض فيها للاستغلال الجنسي. تهرب من أهلها خشية موت محقق لغسل العار على أيدي أخيها، فيتم حبسها في سجن عدة سنوات الى أن تنقذها راهبات. ومن ثم يساعدنها على طلب اللجوء الى بريطانيا حيث تصل الى اكستر وتعمل في اعمال وضيعة مع المهاجرين وتحاول تعلم اللغة بكل مشقة. تعمل خياطة ثم نادلة حانة. ترمز الرواية الى رحلة الضياع والتحول من هوية الى هوية ومن مجتمع الى اخر ومن ثقافة الى اخرى من خلال سلمى التي يصبح اسمها في بريطانيا سالي. كما تلتقي بمهاجرين آخرين لديهم تجارب مماثلة في الهروب والنفي.

ورغم أن البطلة أصلها من مجتمع بدوي ، فإن اسم الاردن لا يذكر نهائيا في الرواية. وعندما سئلت عن سبب إغفال الاسم قالت: "تنسب جرائم الشرف دائما الى الاردن رغم أنها تحدث في أماكن أخرى من العالم. ولم أرد أن أكون جزءا من هذا التوجه".

أما "أعمدة الملح" فهي رواية حول محنة المرأة العربية بالاساس. تجري أحداثها في الاردن في الاربعينيات خلال فترة الانتداب البريطاني وما بعده. وتروي قصة إمرأتين أردنيتين تتبادلان القصص في مصحة للامراض العقلية، ونتعرف خلال الرواية على الطريقة التي أوصلت كل امرأة الى المصحة، وخاصة أن إحداهن هي أم لثمانية أولاد هجرها زوجها حتى يتسنى له أن يتزوج إمرأة أصغر منها. تفضح الرواية الظلم والاساطير والخرافات والمصاعب التي تتعرض له المرأة.

ليلى حلبي: روائية اردنية ولدت في بيروت لأب أردني وأم أمريكية. انتقلت للولايات المتحدة وعمرها خمس سنوات، ولكنها عادت فيما بعد ودرست في الاردن. وهي تتكلم أربع لغات. حصلت على ماجستير في الادب العربي. اصدرت روايتها الاولى "غرب نهر الاردن" في عام 2003 وقد نالت عليها جائزة أدبية. كما أصدرت في عام 2008 روايتها الثانية "ذات مرة في أرض موعودة". وقد حظيت الروايتان وخاصة روايتها الثانية باهتمام واسع من النقاد. تعيش في توسكان في ولاية أريزونا الامريكية مع عائلتها. ليلى حلبي روائية أردنية أمريكية تتكلم بصوتين وتفهم المحيطين.

"غرب نهر الاردن" هي رواية أربع نساء عربيات قريبات لبعضهن من فلسطين والاردن في مرحلة البلوغ. تستخدم الرواية اسلوب السرد بضمير المتكلم بشكل متناوب ومتعاقب بين الشخصيات. تعود هاله والتي أنهت للتو المرحلة الثانوية في أريزونا الى الاردن لقضاء بعض الوقت مع جدتها المحتضرة. وتجد نفسها في خلافات مع اختها الكبيرة المحافظة ووالدها، الرجل التقليدي الاكبر سناً من والدتها التي ماتت قبل سنتين. تثير تصرفات هاله حفيظة المحيطين حولها. وبينما تقضي بعضاً من الوقت في الاردن الذي شهد طفولتها، فإنها تقع في حب ابن عمها أشرف، وتواجه خيارات صعبة بخصوص مستقبلها. أما مَوال فقد بقيت في الضفة الغربية حيث تعيش مع أمها وتستمع الى الكثير من القصص عن اهل القرية والفلاحين والاقارب الذين غادروا الى الاردن أو الولايات المتحدة. أما خديجة فهي تحت رعب الحرية الجنسية لاصدقائها الامريكيين سواء حرفياً أم مجازياً بسبب سلوك والدها السكير الذي يستغلها. وتثير ثريا حفيظة أهلها بالرقص في مكان عام وملابسها الفاضحة، وتجد نفسها ضائعة في محاولتها الجمع بين تقاليد أسرتها والثقافة السريعة لشباب كاليفورنيا التي لا تستطيع مجاراتها.
تقدم حلبي قصة مؤثرة تكون نافذة على العالم العربي المعقد من خلال نسج هذه القصص وبلغة سردية غنائية، بحيث تتيح لنا أن نرى امرأة من خلال وجهات نظر متعددة.

يدور الكثير من الاشياء في الرواية حول مفهوم الضياع: الوطن، العائلة، التقاليد. كما تعالج مواضيع التصادم الثقافي وأزمة الهوية الفردية. وتركز المؤلفة على المصاعب التي تواجه حياة النساء العربيات أينما عاشوا، ولكن بشكل خاص عندما يحاولن الابتعاد عن القيود الابوية والتقليدية. كما تطرح الرواية صراعات أساسية على مختلف الاصعدة: فلسطين واسرائيل، الاسلام والغرب، والرجل والمرأة، وتصادم القيم سواء أكانت الاختيار بين التعليم والزواج أو بين الثوب والجينز.

لا تقدم ليلى حلبي اجابات ولا نهايات سعيدة لأزمات أبطالها بما يعني بأن العيش ينطوي على مصاعب ومتاهات، وخاصة بالنسبة للجيل الاول من المهاجرين، وتبتعد شخصياتها عن الصور النمطية للمرأة العربية في الادب الغربي.
"ذات مرة في أرض موعودة" تحكي قصة درامية حول الواقع القاسي والمعقد لحياة اثنين من الاردنيين الامريكيين في أعقاب عملية الحادي عشر من سبتمبر. تجسد الرواية هذا الانتقال الواقعي والرمزي من صحراء موطنهما الاصلي الى صحراء أريزونا. وعلى الرغم من أن الاثنين يعيشان بعيداً عن الموقع الذي انهار فيه البرجان في نيويورك، فإنهما لم ينجوا من تأثير تلك العملية على حياتهما. فحينما يقتل البطل صبياً مراهقاً ويدخل السجن، وتصبح زوجته متعلقة بحب شاب أمريكي غامض، فإن حياتهما في الاغتراب وزواجهما الهش يبدآن في التداعي.

يلف الروتين حياة جاسم حداد وزوجته سلوى الى أن يقتل الصبي بسيارته خطأ فحينها تخرج حياته عن مسارها، حيث يعيش بعيداً عن زوجته سلوى التي تعاني من اجهاض متعمد بعد أن حملت من علاقة عابرة مع شاب امريكي أصغر منها سناً. تنجح ليلى حلبي في تصوير الصراع بين رغبات سلوى وتمنّعها بشكل مؤثر. ويصارع كلا الاثنين الى ايجاد صيغة للتكيف مع الثقافة الامريكية. تبرز الرواية بشكل خاص البعد النفسي لابطالها.

ديانا أبو جابر: روائية ولدت في سيراكوز في نيويورك من أب أردني وأم أمريكية. حصلت على شهادة البكالوريوس والماجستير والدكتوراة في مجال الكتابة الابداعية من جامعة نيويورك ووندسور. تعمل حاليا بالتدريس في قسم اللغة الانجليزية في جامعة بورتلاند الحكومية. انتقلت وهي في سن السابعة الى الاردن وأقامت مع عائلتها لمدة سنتين. نالت عدة جوائز أدبية مثل جائزة هيمنجواي لاول عمل روائي، وجائزة الكتاب الامريكي وغيرها.

تعتبر روايتها الاولى "الجاز العربي" التي أصدرتها عام 1993 في نظر الكثيرين أول رواية تمثل تيار الرواية الامريكية العربية والتي نالت عليها جائزة كتاب أوريجون لعام 1994، وقد أعيد نشرها من قبل دار نورتون في عام 2003. كما أصدرت رواية ثانية عن دار نورتون في عام 2003 بعنوان "الهلال". وفي عام 2007 أصدرت روايتها الثالثة بعنوان "الاصل".
تسرد روايتها "الجاز العربي" وقائع عائلة أردنية تهاجر الى أمريكا وتندمج في المجتمع الامريكي، ولكنها مرتبطة كثيراً ظاهرياً بتقاليدها. أبطالها الاب معتصم رمود وابنتاه جيمورا وملفينا، وأخته فاطمة، وزوجها زيد. تبحث الرواية في أدوار المهاجرين في المجتمع الامريكي والوسائل التي يساهمون فيها في النشاط الاجتماعي والاقتصادي. وفي اشارة رمزية تنطوي على مفارقة ساخرة فإن سكن الاسرة يقع قريبا من منطقة مكب السيارات الخردة والتي تفتقد للماء ووسائل التصريف الصحي. كما تطرح موضوع أزمة الهوية التي يمر بها المهاجرون أو أبناؤهم ومشكلة الزواج والحب التقليدي في العائلة الممتدة في نيويورك.

يعيش الاب الارمل مع ابنتيه اللتين ولدتا في أمريكا، في بيت وسط حي شعبي وقد اقترب موسم اجتماع شمل العائلة الممتدة ولكن الهدف الاساسي هو ايجاد العرسان المناسبين لبناتهم. تقترب جيمورا من عامها الثلاثين، وتسيطر على عمتها فاطمة فكرة اصطياد زوج كي لا تبقى عانساً. من جهة فان الاب ما يزال متمسكاً بتراثه الشرقي، ولا يستطيع أن يتأقلم بعد وفاة زوجته فيصبح عازفاً لموسيقى الجاز، والوقت الوحيد الذي ينسى فيه أزماته الشخصية هو عند عزف الموسيقى في الحانة. ولا تجد الابنتان ذاتهما ومكانتهما ضمن الهوية الثقافية الا عندما يعود الاب في رحلاته للاردن والتي تساعده أيضاً أن يدرك أفكاره وتصرفاته بشكل اكبر.

وفي مقابلة مع ديانا ابو جابر حول روايتها الثانية "الهلال" فقد ذكرت أنها اعتمدت في جانب كبير في مادتها على سيرة حياة وزواج والدها الاردني من أمها الامريكية وهذا ما عكسته في قصة الحب التي جمعت الاستاذ الجامعي المنفي العراقي حنيف الايادي بسيرين تلك المرأة الامريكية العراقية الاصل التي تعمل طاهية في مطعم لبناني.

تدور موضوعات الرواية حول الحب والعائلة والتقاليد وقضايا الاستبداد والمعاناة والهروب. وهكذا ينعكس على شخصية سيرين التي تدرك ان الحب الحقيقي هو التوازن بين ادراك اللذة والالم. وتقول لها أم ناديا صاحبة المطعم اللبنانية: "عندما نغادر أوطاننا، نقع في حب أحزاننا".

* اللوحة أعلاه بعنوان نساء خلف الحجاب للفنان التشكيلي اليمني مظهر نزار.
** يرجى وضع المؤشر على صورة لوحة الروايات أعلاه لرؤية الاسماء والعناوين مكبرة

الأحد، يوليو 5

يوميات طفولية


يوميات طفولية

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار


في الصباح أعدت أمه له الشطيرة وهي تبكي. بكت طوال الليل حتى نامت على الكرسي. في تلك الليلة صرخ أبوه وهم على العشاء في وجه أمه بصوت عال وراح يهذر ويشتم. ارتفعت حدة صوته وزادت عصبيته ثم قذف فجأة بصحن العشاء الى السقف. ارتسمت خيوط خضراء في السقف وعلى الجدران والارض! خشي من ردة فعله، فبقي متسمراً مكانه من الخوف. بقي إخوته متجمدين في أماكنهم خشية أن يتحول غضبه اليهم. كانوا محظوظين على غير عادة تلك الليلة.. لم يصرخ في وجوههم بأي شيء!

***

في ذلك اليوم جاء المعلم علوان مبكراً بعد نهاية الحصة الاولى وقال لهم إنه سيأتي معه زائر من الوزارة، وأنه سيعيد شرح الدرس الذي شرحه لهم يوم أمس. قال بلغة فيها تهديد والعصا تتحرك في يده: "إياكم أن تقولوا أنني شرحت لكم الدرس بالامس". وأضاف: "أريد منكم أن تشاركوا في الاجابة على الاسئلة عندما تُطرح عليكم، وبالذات أنت". دخل معه الزائر وجلس في نهاية الغرفة. كان الاولاد ينظرون اليه بين الحين والاخر ولا يعرفون لماذا جاء وماذا كان يفعل وهو جالس في آخر المقاعد في الغرفة. ثم وقف أمامهم وأخذ يسأل أسئلة تذكروا أنهم سمعوها بالأمس. أجاب الاولاد عنها بنشاط وسرعة! لكنه أثار إعجاب الزائر بإجاباته. قبل أن يخرج الضيف أخذ يشكر الاستاذ علوان كثيراً وتوجه الى الطلاب وقال: "لديكم أفضل معلم في المنطقة كلها" وخرج.

***

يضرب العريف بعصا خيزران طويلة اللوح الطباشيري الاخضر بكل قوة والاولاد ينظرون الى استعراض عضلاته في جلد الجدار! وقعت الممحاة البيضاء الصغيرة من يده فركض من غير وعي وراءها. شعر أن الدنيا كلها تدور حوله والسماء حمراء برتقالية. أحس بألم حاد كلسعة لهب ينخز مؤخرة رأسه. غامت صور الجالسين في عينيه ووقع مكانه على الارض وغاب عن الوعي. هجم الاولاد يحاولون إيقاظه فكان مثل جثة هامدة. ركض أحدهم وأحضر بعض الماء من دورة المياه في يديه ورشه على وجهه. لكنه لم يستيقظ . شعر الاولاد بالخوف. هجم آخر على العريف وانتزع العصا من يده وأخذ يصرخ في وجهه. عاد ذاك الصبي مرة أخرى وأحضر ماءاً في يديه ورشه على وجهه. ارتسم خوف غامض على كل الوجوه وهي تترقب إشارة لعودة الوعي اليه قد يوحي بها وجهه أو نظرات من عينيه. بعد لحظات حرجة فتح عينيه فجأة، نظر في الجموع حوله ثم أخذ يصرخ من الالم ويضع يده على مؤخرة رأسه الذي إنتفخ مثل حدبة صغيرة.

***

يركض في أرض الساحة هارباً من بين أقدام الكبار وأحذيتهم ذات المسامير المدببة خشية أن تصطدم به الكرة. يقذفونها بكل قوة فتطير في الهواء كالصاروخ. خشي أن تصطدم في وجهه أو بطنه فربما ألقت به أرضاً أو سببت له عاهة. تعثرت قدمه في أرض الساحة المليئة بالحجارة والحصى فوقع على الارض وكُسرت سن في مقدمة أسنانه. لم يلتفت اليه أحد من اللاعبين. نهض والدم يملأ يديه ووجهه. أحس بحد السن المكسورة يؤلم لسانه بخشونته. التقط الجزء المكسور عن الارض وهو يبكي. لقد بقي أثر تلك الحادثة في وجهه كلما فتح فمه! مرت سنوات طويلة قبل أن ينسى الاحساس بقسوة القدر وسوء الحظ!


* اللوحة أعلاه بعنوان صبي حزين للرسام البولندي كريستوف ايوين