الأربعاء، أبريل 29

عندما تشيخ الذئاب


قراءة في نماذج الشخصيات
في رواية " عندما تشيخ الذئاب"

بقلم اياد نصار
تفتتح رواية "عندما تشيخ الذئاب" للروائي الاردني جمال ناجي التي صدرت ضمن سلسلة اصدارات التفرغ الابداعي لوزارة الثقافة عام 2008 بمشهد إذلال وتنتهي بمشهد كابوسي مريع وما بينهما تجري صراعات الحب والشهوة والاوهام والاحلام المكبوتة وفن الخداع تحت لباس التدين والفقر والمشكلات الاجتماعية والوصولية السياسية ما بين شخصياتها الرئيسية التسع (عزمي، سندس، الجنزير، رباح الوجيه، جبران، جليلة، فاطمة أم سندس، بكر الطايل، صبري أبو حصة). وتمثل الرواية في حقيقتها تداعي الذكريات على لسان بعض أبطالها الذين يروون تاريخهم لنكتشف أن هولاء الابطال هم الذئاب البشرية التي تدير معاركها بعناد وقسوة وخبث في سبيل تحقيق أهدافها غير أنها كلها تصبح في نهاية الرواية ضحايا بائسة مهزومة منكسرة. تمتاز الرواية التي تشد القاريء منذ السطر الاول بجمالياتها الفنية وبعمق التجسيد المتعدد الزوايا للجوانب النفسية والعاطفية والروحية والاجتماعية والسياسية للشخصيات وبإتساع أفق القضايا التي تثيرها عبر امتداد زماني ومكاني كبيرين. وأعتقد أنها واحدة من أجمل وأمتع الروايات التي صدرت في الاردن في السنوات الاخيرة باقترابها الجريء من ثلاثية الجنس والدين والسياسة حيث يبدو واضحاً أن معارك هذه الذئاب البشرية الذين تصفهم الراوية بأنهم " شياطين في ثياب رجال، لكنهم ظرفاء"! كلها تدور في هذه الفضاءات الثلاثة. والبناء الفني للرواية في هذا الاطار مناسب تماما لرسم شخصياتها وتقديم تفاعلاتها وأزماتها النفسية وطموحاتها وصراعاتها وتناقضاتها وتجاذباتها وتنافراتها. فالرواية هي أصوات هذه الشخصيات التي تحكي ذكرياتها عندما تكبر وتشيخ. وهو مناسب أيضا ليتعرف القاريء على الاحداث من زاوية كل راوٍ في ظل التباين والاختلاف والتناقض الفكري والنفسي والاجتماعي بين هذه الشخصيات. وتمثل أحداث الرواية تفاصيل معاركها العنيفة ، الدموية أحيانا، التي تخوضها على الصعد العاطفية والفكرية والروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما أنها في ذات الوقت تقدم صورة بانورامية مصغرة لتاريخ مدينة عمان وتطورها والتغييرات التي صاحبت ذلك بأسلوب نقدي ساخر أحياناً منذ نهاية الستينات وحتى منتصف العقد الاول من القرن الواحد والعشرين حيث تختتم الرواية أحداثها في نهاية عام 2004 وبداية عام 2005.

تستخدم الرواية أسلوب تعدد الاصوات الروائية التي تتعاقب وتتناوب على سرد الاحداث من وجهة نظرها وبلغة تعكس المستوى الفكري والاجتماعي والبيئة الثقافية لكل شخصية ، وهنا تتبدى إحدى نقاط القوة في الرواية حيث يمكن التمييز الواضح في تباين القدرة اللغوية لكل راوٍ من خلال استخدام مفردات تعكس طريقة تفكير كل شخصية ومستواها الاجتماعي والثقافي وكيفية نظرتها للدنيا. ولعل اللغة التي يستخدمها "رباح الوجيه" كاتب الاستدعاءات امام المحكمة والذي يمثل شخصية تقليدية من الطراز الاول بنظرته للامور الذي يستخدم في حديثه عن عواطفه أو مواقفه أو وصفه للشخصيات الاخرى كلمات وعبارات تقليدية تعيد الى الاذهان نمطا من الشخصية التقليدية التي سادت في مجتمع المدينة في فترة السبعينيات واوائل الثمانينات. فهو يتحدث عن المرأة تارة باسم الحريم والحرمة وتارة باسم النسوان وكثيرا من التشبيهات التي يبتكرها تقترن بأدوات الفلاحين حينما شبه خفقان القلب مثل دق القدوم أو الاشارة الى معانقة المرأة بقوله "عبطتها" أو وصف خبث رابعة زوجة جبران بأنها دودة! في حين يكتسي حديث الشيخ عبد الحميد الجنزير صبغة دينية واضحة في توظيف اللغة لايقاع أقوى تأثير في الاخرين ومداركهم ، وللهيمنة على عقولهم وتوجيه تصرفاتهم بأساليب السحر والجن والغموض والعزف على وتر العاطفة الدينية مما يعكس بصورة نموذجية أساليب الخطاب الديني. ونجد أن هذه اللغة المثقلة بإشارت دينية تلوّن نظرته للامور وتبدو منها مشاعر العداء والتشفي بأصحاب التيارات اليسارية الاخرى. وبرغم سياسة الجنزير القائمة على اقامة الصلات والحوار مع السلطة والمعارضة اليسارية الا أنه يبقى يستند الى تصوراته الدينية التي يطعمها بالايات القرانية والاحاديث. كما تعكس اللغة رغبة تلميذه بكر الطايل في تقسيم البشر الى مؤمنين وأشرار مع كثير من التزمت الساذج.
يلمس القاريء البراعة في ابراز المفارقة بين شخصية الشيخ الجنزير وبين تلميذه بكر الطايل. ففي حين أن الشيخ الجنزير يمثل قمة استغلال الدين من خلال تعزيز صورته ومكانته على أنه شخصية تكاد تصل مرتبة الاولياء في نظر الاخرين بفضل تصرفاته وأفعاله الظاهرية، الا أنه يمعن في حقيقة الامر في مخططاته وتحقيق رغباته الشريرة في النساء وسرقة أموال التبرعات للمساجد والسيطرة على الاخرين بطرق خبيثة لا تتورع عن ارتكاب المعاصي والاثام وقتل الاخرين من خلال توظيف الاتباع السذج لخدمة غاياته. بينما يمثل بكر الطايل نموذجاً شائعاً لشاب أصولي غر ليس له تجربة في الحياة يرى الاشياء إما باللون الاسود أو الابيض وهو عاجز عن تحقيق أي إنجاز اجتماعي او اقتصادي يبرر به سبب وجوده أو ينفع به أسرته التي تعيش فقرا مدقعاً فيلجأ الى الحقد على نجاح الاخرين ومحاولة قتلهم كما فعل مع عزمي أو في قتل من يعتبرهم أشرارا وخطرا على المجتمع من الفساد كما فعل بقتل الراقصة.

تروي خمسة أصوات متكررة أحداثَ وحكايات الرواية. وتمثل هذه الاصوات خمساً من الشخوص الرئيسية وهي سندس والشيخ الجنزير ورباح الوجيه وجبران وبكر الطايل بالاضافة الى جزء يتيم يرويه عقيد يسمى رشيد حميدات لم يكن لدوره اضافة مهمة تذكر كثيراً سوى ادخال عنصر الاثارة والتشويق في مطاردة البطل عزمي ومحاولات الايقاع والامساك به المتكررة الفاشلة التي تجعل منه هو أيضا ضحية حيث ينقل الى وظيفة أخرى نتيجة فشله في القبض عليه. ويبدو لي من خلال قراءتي للرواية أن جمال ناجي كتبها وفي ذهنه تصور سينمائي مستقبلي للرواية يحتاج بعض عناصر التشويق. فهناك دائما نهاية مفتوحة أو عنصر غامض تنتهي به معظم فصول الرواية.

برأيي أن أجمل ما في الرواية هو قدرتها على رسم شخصية البطل الاساسي وهو عزمي الوجيه رغم أنه ليس واحدا من الاصوات التي تسرد ذكرياتها ولكن من خلال أحاديث الرواة عنه وعن شخصيته بكل تعقيداتها وغموضها ومطامحها الكبيرة وقدرتها الهائلة على النضوج المبكر وتتبع تطورها وفهم اللعبة الدينية والسياسية وقدرتها في السيطرة على الاخرين مثلما فعل مع سندس أو أن يبقى لغزاً محيراً يفقد الاخرين الثقة في قدرتهم على إدراك مراميه مثل الشيخ الجنزير أو جبران.

تقوم فكرة بناء الرواية على سرد الاصوات الخمسة الرئيسية لحكاياتها أو ذكرياتها التي تربط الاحداث فيما بين شخصياتها بعلاقات متداخلة متوترة مأزومة متجاذبة تارة ومتنافرة تارة أخرى عبر فترة زمانية طويلة تمتد من بداية السبعينات في جبل الجوفة بعمان وحتى نهاية العام 2004 في مناطق مختلفة من عمان. وتكاد تكون الرواية عرضاً فنياً تاريخياً لمدينة عمان خلال هذه الفترة من خلال ابراز التغيرات التي طرأت على المدينة وسكانها. بل يمتد التناول الى ابراز تأثير العوامل الخارجية كالظروف السياسية المحيطة بالمنطقة والمتغيرات الدولية فهناك اشارات الى حرب لبنان وحصار بيروت، وهناك سقوط الاتحاد السوفياتي وما أحدثه من تراجع لدور الاحزاب والسياسيين اليساريين، وهناك الاحداث المستمرة في فلسطين والعراق وأفغانستان.

ولكن في حين يلاحظ أن بعض الاحداث أخذت حيزا مناسباً من وعي الشخصيات إلا أن هناك أحداثاً أخرى مرت عنها مرور الكرام وربما حتى لم تتطرق لها مثل قضية حرب الخليج الاولى وما أفرزته من تأثيرات ضاغطة على المدينة ماليا واجتماعيا وضغوطا اقتصادية هائلة، كما لم تحظ الحرب على العراق او أفغانستان بأي اهتمام سوى اشارة عابرة في معرض حديث الشيخ الجنزير عن بكر الطايل "كان بوسعي الخلاص منه واقصاؤه عن طريق متعهدي الجهاد في العراق أو افغانستان أو سواها".

تنطوي الرواية على مشاهد لاذعة وناقدة لمظاهر الحياة السياسية وفساد الاداء الحكومي بدءا من تأثير العلاقات الاجتماعية والنسائية على قرارات مصيرية تخص اختيار الوزراء كما حصل مع جبران أو مظاهر الفساد الاقتصادي او تحول مواقف السياسيين وتماهيهم مع مواقف السلطة ومبرراتها.

تبرز الرواية بشكل دقيق ومكثف ومتتابع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية التي طرأت على مدينة عمان التي أفرزت أناسا استغلوا الظروف ومارسوا الفساد حتى تمكنوا من الانتقال من شرق المدينة الى غربها وتنكروا لماضيهم أو بيئتهم التي خرجوا منها كما يظهر في أسلوب حياة جبران ذلك المناضل السياسي الذي صار يبرر التحول الحاد في مواقفه بالعقلانية أو الحكمة أو الواقعية في حين يتصف أسلوب حياته الجديد بالترف والفراغ والتقليد الاجوف للاخرين. تقدم الرواية نماذج لشخصيات طغاها الشر والرغبات المحرمة والفساد واستثمار نفوذها ومعارفها وتمكنت من الانتقال من حياة الفقر والبساطة والاحياء الشعبية التي وصفتها سندس بقولها أن "الانسان هناك ليس هو المالك الوحيد لبيته وفراشه. الملكية موزعة بينه وبين الكائنات الاخرى" الى عالم الغنى والصفقات والتهريب وسرقة الاموال كما فعل الجنزير وعزمي!

تحفل الرواية بذكر اسماء مناطق عمان المختلفة والكثير من محلاتها ومعالمها، وكأن الرواية تقدم صورة توثيقية للحياة في أحياء المدينة وما اعتراها من تغيير. وهناك واقعية كبيرة في نقل الاحداث بين احياء المدينة المختلفة. فهناك جبل الجوفة الذي تنطلق منه كل الشخصيات في مغامرات حياتها المختلفة وهناك أحياء عمان الشرقية مثل جبل التاج والاشرفية والقويسمة وماركا وهناك وسط البلد والمحلات الراقية التي كانت في فترة من الزمن قبل توسع المدينة في الاتجاه الغربي، وهناك الجامع الحسيني وهناك المحكمة في شارع السلط. وهناك جبل اللويبدة وتلاع العلي وإسكان الصحفيين في طبربور، وغيرها من الاماكن والمعالم. وتقدم الرواية صورا عديدة متقابلة متضادة للحياة في جبل الجوفة الفقير المكتظ ، في حين أن جبل عمان يمتاز بالهدوء الى درجة الرتابة والملل. وتقدم الرواية بعضاً من صور الحياة المترفة فتصبح القطة سنزي رمزأ للترف والفراغ والتقليد والمظهرية!

أكثر ما يلفت انتباه القاريء هو هذه الدرجة من الوصف الذي يثير الحواس والايحاءات المباشرة في نقل مشاهد حميمية بلغة مثقلة ملتهبة ولكن في إطار فني أدبي يعرف كيف يوظف الجنس في الكشف عن نوازع الذات الداخلية المكبوتة وفي تقديم صور من استغلال المرأة بطرق بشعة تقوم على الاذلال والسيطرة الى الحد الذي تستعذب فيه المرأة هذه التصرفات لأنها تثير مكامن الشهوة لديها وتعوضها عن حرمان الزواج أو فشله كما في مغامرات سندس مع عزمي ، أو في حديث الشيخ الجنزير عن رغباته الشهوانية واستغلاله لاساليب السحر في علاج النساء للاستمتاع باجسادهن والايقاع بهن كما فعل مع جليلة زوجة رباح الاولى والذي بقي سراً غامضاً يتكشف في نهاية الرواية حين نتفاجأ بأن عزمي ليس ابن رباح الوجيه فهو عاقر منذ الصغر، بل إن أباه هو الشيخ الجنزير ، وقد دمر هذا السر الخطير وأقلق حياة الكثيرين ممن كان لهم ارتباط بعزمي أو والدته.

وبرأيي إن الجانب الابداعي في رواية "عندما تشيخ الذئاب" هو قدرتها الفائقة على رسم وتجسيد الشخصيات ومتابعة تطورها بحيث يلحظ القاريء عملية نضوجها وتأثرها وتأثيرها في الشخصيات الاخرى من خلال الصراعات والازمات المستمرة في علاقاتها بين بعضها، وفي ذات الوقت قدرة الشخصيات في تقديم أزماتها الفردية كنماذج للقضايا التي شغلت الناس في مدينة عمان خلال هذه المدة والتغيرات على طرأت على قيم وسلوك الافراد والسلطة والمعارضة وبروز الجانب الديني وتراجع الجانب الوطني والقومي وسيطرة النزعة المادية الاستهلاكية على احلام وتفكير الفقراء والاغنياء على السواء.

ولا بد لي من الاشارة أنه يستوقف القاريء أن لا أحد من الشخصيات في الرواية يتحدث عن طفولته أو ماضيه البعيد بل ينصب الحديث عن الماضي القريب والحاضر، وباستثناء رباح الوجيه الذي يتحدث عن طفولة عزمي وباستثناء ذلك الموقف الذي خاف فيه عزمي خلال رحلة مع زملائه من الوقوف على مرتفع قرب نهر الاردن، فلا أحد يتحدث عن ماضيه. وهكذا تشعر أن الرواية أسقطت تأثير الطفولة بشقاوتها وعذاباتها وعقدها وحرمانها في أن يكون لها دور في توجيه وعي الفرد، رغم تركيزها على ماضي الشخصيات بدءا من مرحلة معينة.

توظف الرواية عنصر التشويق والغموض بشكل بارع. فنساء الحي ورجاله يحملون سندس مسؤولية موت جليلة، لأنها تزوجت من رباح فأصيبت جليلة بحزن وغم واكتئاب وتوفيت بعد زواج رباح مباشرة بعدة ايام. وتوحي روايات الشخوص الاخرى بأن هذا هو السبب الذي أدى الى وفاتها، لنكتشف فيما بعد أن سبب وفاتها هو كثرة استعمال المبيدات والمطهرات الكيماوية للتخلص من الحشرات حتى تلفت رئتاها. وفي هذا اشارة رمزية بالغة الاهمية وهو هوس جليلة المفرط بالنظافة والتطهر رغم أنها ارتكبئت الخطيئة مع الشيخ الجنزير وولدت عزمي الذي ظن الجميع باستثناء رابعة زوجة جبران أنه إبن رباح! لكن رابعة احتفظت بالسر! وهنا يأتي عنصر التشويق الاهم وهو حقيقة نسب عزمي الذي يتكشف في آخر الرواية فيكون بمثابة المفاجأة. وهناك عنصر آخر يتمثل في ثروة جبران المفاجئة التي ظن الجميع أن سببها هو عثوره على كنز من الذهب أو دوره المشبوه في امداد المقاتلين الفلسطينيين المحاصرين في بيروت بالطعام مقابل المال، لنكتشف فيما بعد كما يدعي أنها كانت حصته من إرث كبير لوالده ظهر فجأة ولم يكن يعلم عنه شيئاً. وذات الشيء في ثروة عزمي الذي ظن التلاميذ أنها كانت من أموال التبرعات بينما قدم له خاله جبران حصة أمه جليلة المتوفاة من إرث والدها!

وأود الحديث عن بعض الشخصيات الرئيسية في الرواية بشيء من التفصيل لابراز معالجة الشخصيات التي قدمتها الرواية ببراعة واحترافية فنية عالية:
سندس:
الصوت الاول في الرواية التي تفتتح بمشهد حديثها عن إذلالها من قبل حبيبها الاقرب الى ذاتها الذي بقيت طول عمرها تجري وراءه كالسراب. وهي الشخصية النسائية الاكثر جاذبية وخلافية في الرواية. ورغم أن عشاقها كثر مثل رباح الوجيه التي ظفر بها كزوجة في مرحلة كانت تعاني خوف الوحدة والعنوسة حين مضت خمس سنوات على فشل زواجها الاول، ومثل الجنزير الذي استمات في محاولة اقناعها بالزواج منه، وعزمي الذي بقيت على الدوام تتأمل الزواج منه رغم أنه في عرف الاخرين إبن زوجها ولكن معرفتها أنه الابن غير الشرعي كان يدفعها لتطارده للزواج منها من غير أن تقدر أن تبوح له بهذه الحقيقة! الكل يلعنها ويعتبرها فاسدة تجري خلف رغباتها. إمرأة مليئة بالانوثة المتدفقة التي تستعذب سيطرة الرجل ولكنها في ذات الوقت لديها اعتداد بذاتها وترفض الخضوع للقيم الاجتماعية. تعتبر سندس أن الرجال لم يفلحوا في السيطرة عليها لأنهم لم يمتلكوا سحر ترويضها أو سر اذابة كتلتها باستثناء عزمي الذي حطم قشرة الغرور لديها واستثار رغباتها الكامنة.

يتصف أسلوب سندس بالتقشف في سرد الحقائق بدون تلوين أو ظلال أو إسهاب في الحديث عن الجوانب النفسية للانسان. بل تهتم بالحركة والظواهر المحسوسة. ورغم ذلك تنجح في تقديم صورة مؤثرة للحياة في جبل الجوفة الذي يبدو أنها ولدت فيه منذ اواخر الستينات. تعاني سندس من نظرات الاهل والمجتمع التقليدية التي تكاد تفترس المطلقة وخاصة بعد فشل زواجها الاول قبل أن يتم "الرجال يحبون النوم مع المطلقات ولكن يحبون أن يتزوجوا من غيرهن!"

تعتبر سندس نفسها ضحية النساء فأحاديثهن عن الرجال في الفراش أشعلت ثورة الجسد لديها، كما أن نظرات الشباب وتحرشهم أشعرها بالحاجة الى وجود رجل يحميها، وهو ما ساهم في زواجها المتسرع من رباح الوجيه الذي كان في سن والدها. ولكنها شخصية محيرة ذات طاقة حامية لم يستطع احتواءها واكتشف عجزه إزاءها. لا يردعها عن مخططاتها شيء ، وإحساسها بالأنا وتحقيق الذات عالٍ مهما كان على حساب الاخرين. ترى أن حقها في الحياة والاستمتاع بها يبرر أفعالها ، ولهذا تكره القيام بدور الامومة. إن أكثر إنسان فهم نوازعها وحاجاتها الجسدية والروحية هو عزمي وقد قال لها ذات مرة: " أنت موهوبة إذا اعتبرنا الغواية موهبة".

تمتليء سندس بحب الحياة. تقول عن نفسها" هكذا الحياة، وأنا أريد أن أعيش". ولذلك تتعرض لتشويه سمعتها وصورتها لأنها ترتبط بعلاقة عاطفية مع عزمي الذي تلاحقه في سبيل إخماد ثورة الجسد. ويشعل رفضه وإهماله لها ثورتها المكبوتة. وهنا تبرز أهمية أول جملة تفتتح بها الرواية وهي إذلال عزمي لها ثلاث مرات، إلا أنها لا تحقد عليه، بل تستعذب إذلاله لها.

يفتح هروب عزمي من بيت زوجها عيونها على العالم. وهنا نشعر بأن هناك تحول مهم في إدراك سندس لأبعاد جديدة في الحياة خارج إطار بيتها "لا أدري ما الذي جرى لي بعدها، فقد بدا لي أن في الحياة ما هو أكبر من بؤس بيتي وزوجي الشارد وأمي ونساء الحي ولغوهن".

ولكن رفض عزمي المستمر لها وابتعاده عنها لم يدم أمام اصرارها وخاصة بعد أن تبدلت أحوال عزمي المادية، واحتفل بعيد ميلادها بطريقة رومانسية حسية بالغة وصفتها سندس باسلوب حميمي مثير للحواس كثيراً حتى شعرت أنها عادت للحياة من جديد. غير أن عزمي ظل يرفض فكرة الزواج منها حتى النهاية. ولكن عزمي إشترى لها سيارة وشقة ووظف زوجها معه في أعماله المختلفة. ويبدو لي أن قبول صبري شراء عزمي شقة وسيارة لزوجته غير مقنع برغم الحاجة وبرغم إقناع سندس له ليقبل بذلك!

إن البوح الذي تقدمه سندس وحميميتها في الحديث عن توقها لعزمي ورغباتها الجنسية فيه يبلغ حداً مفرطاً لا تبرره ظروفها بقدر ما يمكن تبريره في تكوينها النفسي. وهنا نشهد أكثر فصول الرواية حميمية وهي تحطم ركناً في الثالوث المقدس وتقدم وصفاً يمور بالحركة والايحاءات الجنسية القوية لتفاصيل اللقاء الملتهب بينهما!

أما الشيخ الجنزير فيرى فيها شيطان البدن وأدران رغائبه المحشورة! تستجيب أول الامر لنداء الرغبة حين تلمس يداه جسدها بحجة المعالجة وهنا تصبح كأنها شخصيتان حيث تنظر سندس الى نفسها وكأنها إمرأة أخرى للدلالة على الازدواجية التي تعيشها، أما هو فيزداد إصرارا على رغبته الفوز بها. ولكني أود أن أتوقف عند الجزء الخاص بزواج سندس من صبري ابو حصة للمرة الثانية. يشعر القاريء لوهلة بأن زواجها هذه المرة مفتعل. والمبررات التي تقدمها سندس لقبول زواجها للمرة الثانية من صبري لغرض الانتقام منه وإشغال نفسها بالزواج الى أن يعود عزمي ليست مقنعة كثيراً. وفي هذا الاطار نلاحظ أنها سردت قدوم صبري وعرضه الزواج منها وقبولها ووصف حفلة الزفاف ومن ثم رفضها العناية بأطفاله واعطائهما الى جدتهما لتعتني بهما بسرعة كبيرة غير متناسقة.

كما بدأت سندس تتحرر من أوهامها وأحلامها متأخرا بعد لقاء عاصف مع الجنزير في مزرعته وبعد لقائها بعزمي للمرة الاخيرة: "حين جلسنا في شقتي، أحسست بقوة غير مألوفة تسري في عروقي وتحررني من أوهام أو أحلام عبثت بي طويلاً". تنتهي رحلة سندس في البحث عن ذاتها وسعادتها وحريتها بعودتها الى بيت أمها منكسرة بعد أن تكشفت لها الحقيقة أن طريق الجسد لم تحقق لها ما كانت تصبو اليه فتبكي في حضن أمها كالطفلة من جديد! وهكذا تنتهي في عزلة ويأس وجفاف روحي!

عزمي:
رغم أنه غاب صوت عزمي الراوي شكلياً إلا أن حضوره طاغ في الرواية. يستأثر باهتمام جميع الشخوص الاخرى بفضل ذكائه وعلو همته ولماحية تفكيره وقدرته الفائقة على فهم نفسيات البشر وتطوره من مجرد فتى مشاكس كثير الاسئلة بما يكتنفها من جدلية وروح متشككة. تبدأ سندس حديثها عنه بطريقة غريبة غير متوقعة: "هو الوحيد الذي فعلها من بين كل الرجال الذين عرفتهم، ولا أدري كيف استعذبت إذلاله لي"! كما يفتتح الشيخ الجنزير حديثه عنه. خيط مشترك من الاهتمام به لدى كل الشخصيات حباً أو كرهاً يجعله الشخصية الابرز والاكثر جاذبية وإثارة للاهتمام. تمتاز شخصيته بالصمت والصبر كأنما يحمل الدنيا على ظهره كما وصفه جبران. وبالغموض والانغلاق على ذاته كما تصفه سندس. وبأنه لديه جسم شاب وعقل ابن ستين كما وصفه رباح الوجيه.

بدأت حكايته مع سندس عندما تزوجها أبوه رباح الوجيه بعد وفاة أمه جليلة في ظروف غامضة. وقد حمل كثيرون من نساء الحي ورجاله سندس مسؤولية قتلها لأنها السبب الذي أودى بحياة جليلة من القهر كون أن زوجها تزوج عليها، ولكن نكتشف فيما بعد أن هذا ليس سبب وفاتها. وصفته سندس بأن لديه من الكوابح ما يزيد عن اللازم، حتى أنها انفجرت ذات مرة قائلة له: "من أي عجينة أنت؟"

أما حديث الشيخ الجنزير عنه ففيه قدر من التشويق. لقد أثارت شخصيته فضوله وإعجابه، فهو شاب نبيه لا يكسر بسهولة مثل باقي الرجال، شديد الملاحظة، قوي الذاكرة، ولديه رغبة داخلية في التساؤل بعيداً عن المقولات الجاهزة. ومن ساعتها يبدأ الجنزير بالتخطيط لاستخدامه في مخططاته وألاعيبه، ويعتقد أن عقله النابه يمكن إسكاته بالنصوص والطقوس! ويلاحظ هنا النقد الذكي للأساليب التي تعمد الى اسكات أية بادرة للتفكير العقلي لدى اتباع بعض الجماعات كما يفعل الجنزير!

كان عزمي في طفولته محور الخلاف الدائم بين أمه وأبيه. فأمه حانية تريد تربيته تربية ارستقراطية مستمدة من تاريخ عائلتها العريق، أما رباح بثقافته التقليدية الشعبية فهو متسلط بخيل لا يرى في ذلك أي خير بل إفساد للصبي. ساهمت وظيفة رباح ككاتب استدعاءات وقناعاته من كثرة الحالات التي مرت عليه والتي يتنكر الشباب فيها لآبائهم ويبيعونهم في ترسيخ نظرته تلك تجاه عزمي.

ينضم عزمي لدروس الشيخ الجنزير، ويلاحظ أنه لديه قدرة مثله على قراءة الرجال وما تخفيه أحاديثهم وأقنعة وجوههم، وأنه يبقى متماسكا أمام نقد الاخرين أو محاولاتهم النيل منه فيطلق عليه لقب "رمح الله". وفي احدى الرحلات الخارجية الى وادي اليرموك يكتشف الجنزير أن عزمي يخاف من المرتفعات. كما يجد أن لديه قدرة غريبة على تذكر تفاصيل ماضيه وكأنه مشدود بعلاقة ما مع ذلك الماضي لدرجة أنه يتذكر كل آلام طفولته منذ الشهور الاولى حيث يقول: "الحياة خشنة. لم أشعر بنعومتها الا في الاشهر الاولى من ولادتي". ومثلما تثير الاماكن العالية الخوف والهلع لديه فإنها تذكره بماضيه حيث كان يحس أن المسافة بين كتف من يحمله وبين الارض عالية جدا، فيشعر بالخوف حتى ينزل للارض مرة أخرى، وفي هذا اشارة مبكرة نكتشف أهميتها في الرواية فيما بعد حين نعرف أصل عزمي. عندها يمكن فهم الامور على أنه كان لديه قلق نفسي غامض واحساس فطري منذ الولادة بأن مصيره معرض للخطر في أية لحظة بين أيدي هولاء اذا عُرف السر!

يتعرض عزمي لموقف خطير حاولت فيه فتاة إغواءه ليزيد من مبلغ المعونة الشهرية لعائلتها وخططت هي ووالدها للايقاع به واتهامه بالاعتداء عليها لو رفض. ولكن موقفه النبيل في تخصيص مبلغ أكبر مما كانت تظن أو تتوقع جعلها تنهار وتعرف حجم الخطأ الذي ارتكبته. لقد أذهله تصرف فاتن الريشة فقال مقولة تختزل الكثير من المعاني في فهمه العميق للحياة: "تلك الفتاة آية في الجمال، لكنه جمال مهان. أهانته الحياة ونكلت بصاحبته التي لم تبد مهزومة أمامي إنما حزينة، وبين الحزن والهزيمة مسافات.. لقد رايت في عينيها حينياً متكسراً للفرح، فأحسست بفداحة الظلم الذي تمارسه الحياة على أبنائها." ويظهر واضحاً أن نظرة عزمي للفقراء وأصحاب السوابق فيها نوع من التعاطف فهم ضحايا البيئة والفقر والمساكن المكتظة. ولهذا لا نفاجأ كثيراً في نهاية الرواية من زواج عزمي منها.

كان موقف الجنزير طوال الرواية محيراً يتسم بالدفاع عن عزمي وتفهم طبيعة تصرفاته. ويحس القاريء أن هناك شيئاً غامضاً ما لا يعرف له سبباً يجعل من الجنزير متعاطفا معه الى هذا الحد. وفي نهاية الرواية يدرك القاريء السر وهو ما يبرر إحساس الجنزير تجاه عزمي لأنه في نهاية المطاف ابنه الحقيقي!

يستوقف القاريء موقف عزمي من زملائه تلاميذ المركز الذي يقول عنهم: "أحبهم لكنهم ليسوا أهلاً للاعجاب ولا للثقة، فهم مستكينون لفقرهم.. مستسلمون لما ستؤؤل اليه أحوالهم ويعتقدون أن الله خلقهم كي يكونوا هكذا" وهو ما يعكس نظرته للحياة واهتمامه بتحقيق أحلامه في الثراء والنفوذ حتى يصبح شخصية لها وزنها في المجتمع، لكنه يثير حسد زملائه بأعماله وأشغال المقاولات التي يأخذها ويثير الارتياب بتجارة التهريب التي يمارسها ويعطي الجنزير في النهاية سبباً للايقاع به عن طريق تأليب بكر عليه وابلاغ الشرطة عنه التي تنجح أخيراً بعد محاولات مضنية عديدة في القبض عليه.

لعل أفضل وصف لشخصية عزمي هو ما قاله خاله جبران: "لا يقول كل ما عنده! حتى أنني في الفترة الاخيرة لم أعد قادراً على تصنيفه أو تحديد وجهته، فتارة أرى فيه رجلاً متمسكاً بايمانه وأخرى متحرراً، ثم محسناً، فمغامراً، أو صعلوكاً، أو باطنياً، أو مشروع عاشق، أو مرتبطاً بعلاقات غير مفهومة مع أناس لا أعرفهم، وأخيراً على علاقة غامضة مع زوجة أبيه السابقة، سندس!"

اصبح رفض عزمي للزواج من سندس مؤشرا على التحول الفكري الذي أصابه، فبعد أن كان يرفض الزواج منها لأسباب شرعية لم يعد يذكر هذه الكلمة بل أصبح فيما بعد يقول لأسباب قانونية! وتتصف لقاءاته الاخيرة بها بالتوتر والعدائية. تخبره بالحقيقة المرة التي لا يصدقها اول الامر ويظن أنها من الاعيبها، فيأخذ مجموعة من الاطباء لفحص والده فتتأكد له الحقيقة التي تصدمه. وفي مشهد الكابوس الاخير للشيخ الجنزير يقول عزمي أن بدنه هو الحي وأن الجنزير قتله للدلالة أن روحه قتلت وأن الجنزير هو من قتلها.

الشيخ الجنزير:
لعل أفضل وصف للشيخ الجنزير هو الذي جاء ضمن سياق لعبة الاسماء الطريفة التي قام بها جبران كردٍ على ما قاله الجنزير حين وصف جبران أبو بصير بأنه أبو بريص للاشارة الى أنه متسلق كالسحلية، فقلب جبران اسم الجنزير فصار الخنزير! ثم ضحك وقال: "الغريب أنك متدين، مع أن الخنازير لا تستطيع النظر للسماء."

يمثل الجنزير الصورة المقيتة لاستغلال قناع التدين في تقديم صورة خادعة عن الذات للآخرين في سبيل تحقيق رغبات النفس السوداء وأحلامها المريضة ومخططاتها التي تقوم على استغلال الاخرين من خلال تضليلهم ليكونوا ضحايا الغايات الشريرة بينما يحتفظ صاحبها بذات الوقت بصورته النقية الايمانية التي يرى فيها الناس قمة الخير والفضيلة.

يبدو الشيخ الجنزير في النصف الاول من الرواية شخصية في غاية الورع لا يتحدث سوى بلغة القران وقد أدى الحج ما يزيد عن سبع مرات والعمرة ثلاث عشرة مرة. بلغ الخامسة والثلاثين في السنة التي وقعت فيها حرب تشرين عام 1973. وتنتهي الرواية وهو في السابعة والستين من العمر. توحي تفاصيل بيته التي يرويها بأجواء الاولياء الصالحين وأصحاب الطرق الذين يلجأ لهم الناس لفك أعمال الجن والسحر.

يمارس الجنزير اشباع رغباته من خلال ممارسة علاج النساء بالطرق التقليدية في أجواء من الدخان والبخور والنحاسيات والخلطات واستخدام طرقه في التأثير على النساء من خلال إثارة أجسادهن باسم المداواة او ايهامهن بقدراته الذكورية. وهو رجل مزواج حيث تقدمه الرواية أنه متزوج من إثنتين. وقد استطاع إغواء وتطليق حليمة زوجة صديقه الشيخ حميد خلال مداواته له فتزوجها. ولا يكتفي بذلك بل يريد الزواج من سندس ولكنها بقيت ترفض حتى حطمت غروره واصابته بالاحساس بالوهن والانكسار.

ورغم أن الشخوص الاخرى يذكرون الشيخ الجنزير كشخصية أساسية في الاجزاء التي يروونها بالاضافة الى الاجزاء التي يرويها هو ، الا أننا لا نرى أي وصف لملامح الجنزير الا في مرحلة متأخرة نسبياً في جزء ترويه سندس. ولكنها فيما بعد تدرك حقيقة شخصياته المتعددة والاقنعة التي يضعها "وقد راعني أن الشيخ استعاد بسرعة عجيبة نظرته الوقورة السمحاء وملامح الكهل الحاني الذي توحي هيئته بالثقة والاستقامة".

تقدم الرواية صورة رمزية في لنقد الفكر الديني المشبع بنظرية المؤامرة واستغلال التفسيرات الغيبية الميتافيزيقية في تفسير الظواهر، فقد استطاع الجنزير تحويل النظر عن الفساد المالي في المركز في السنوات الماضية الى مسألة استيلاء عزمي على التبرعات في تلك السنة فصار الكل غاضبا منه حاقداً عليه! وهنا يلاحظ أن تأثير الجنزير الواضح على تفكير أتباعه فهم مشبعون بفكرة المؤامرة ضد الاسلام، ويحقدون على عزمي لأنهم يتصورون أنه يأخذ أموال المسلمين! ولكن يعرف عزمي في قرارة ذاته أن أستاذه الشيخ الجنزير ليس بالايمان والهالة التي كان يظنها عندما رآه في غرفته بالفندق في إحدى جولات جمع التبرعات من المسلمين في لندن وهو يخبأ نصف المبلغ لنفسه!

للجنزير طريقة في التقرب من الاخرين مهما اختلفوا معه. ففي الظاهر يبدو معادياً ومتعصباً ضد أصحاب المباديء الماركسية وغيرها، ولكنه يوظف كل علاقاته لمصلحته وزيادة نفوذه. ونلاحظ ازدواجية شخصية الجنزير فهناك وجه متشدد متطرف متمسك بالمباديء يظهر للعامة ويتخذ من المظهر الخارجي وسيلة لترسيخ هذه القناعة لدى الاخرين، ووجه داخلي لا يعرفه سوى من يلتقي بهم في مزرعته.

يعقد في مزرعته لقاءات دورية تجمع عدداً كبيراً من أصحاب القرار ورجال الاعمال والسياسيين من مختلف الاتجاهات. وهكذا تصبح المزرعة أشبه بصالون سياسي تدار فيه الاحاديث والاشاعات وتصنع فيه المواقف والقرارات وتتشكل القناعات في اشارة ناقدة للدور الغائب للمؤسسات السياسية والاحزاب الذي تعوض عنه المزرعة. ونلاحظ الصراع الدائم والمناكفة والمزاح المثقل بالاشارات بين الشيخ الجنزير وبين جبران. ونرى مقدار تشفي الجنزير بجبران بعد سقوط الاتحاد السوفياتي الى درجة أنه اتصل به ضاحكاً ليقول له "غلبناكم"!

يمتلك الجنزير عقلية محترفة تتقن التخطيط والاستفادة من قدرات كل من حوله في مشاريعه المستقبلية. ولهذا تجده يجمع حوله تلاميذ ذوي ميول واتجاهات وقدرات مختلفة بهدف استغلال كل واحد منهم في المجال الذي يتقنه عند الحاجة! يقول عن بكر الطايل: " آثرت الاحتفاظ به في قبضتي لأمر في نفسي"!

يتباهى الجنزير بقدراته الذهنية والفكرية واللغوية، ويعتقد أن مهارات الجمع بين الاضداد ومسايرة التوجه العام ظاهريا والاستفادة من كل الفرص في الخفاء هي التي تمكنه من النجاح والوصول. ويقول في هذا الصدد حول نظرته للحياة: " الحياة سهلة ميسورة في ظاهرها، لكنها معقدة في باطنها، وبين الظاهر والباطن توجد منازل الناجحين من الناس، لأنهم يرون الظاهر ويعرفون الباطن. يكفي أن يدخل المرء في روع الاخرين أنه مقتدر وممتد ومتنفذ حتى يلتفوا حوله، ويصير نافذاً من خلالهم هم وسواهم. لكن هذا لا يتسنى لكل الناس ، فهو نتاج نادر ونفيس لعصارة العقل المتوقد."

شخصيته منغلقة ذات براءة خادعة مثل عزمي الوجيه. إلا أننا نرى هشاشته وضعفه في فشله في السيطرة على سندس أو عزمي. بل إن سندس تصوره بأنه "صار أشبه بتنين هرم ينفث آخر ما تبقى في جوفه من لهيب". وفي فصل متأخر من الرواية نرى الشيخ الجنزير في جو صوفي مع تلاميذه مع ما يصاحبه من دروشة لكي ينسى رغباته وتعلقه بسندس ، ولكنه يشعر بالضعف والهزيمة فيسقط على الارض بين تلاميذه في مشهد رمزي بالغ المعنى يدل على سقوط المثل الاعلى الذي كانوا يرونه فيه، وسقوط النموذج الروحي الذي كان يحاول إظهاره للناس. لم يكن أمام الجنزير الذي بدا يائسا مهزوما منكسرا سوى الوشاية بعزمي فهو كما يقول خانه وعليه ان يدفع الثمن. ولعل صورة المشهد الكابوسي الاخير الذي تنتهي به الرواية دليل على سقوط نموذج شخصية الجنزير وما ترمز اليه حيث يبقى هاجس عزمي يطارده ويقض عليه مضجعه ويتحول الى كابوس يلاحقه.

جبران:
يمثل جبران أبو بصير المعارض والمناضل اليساري الذي يتخلى عن ماضيه وأفكاره وقناعاته ، وإذا كانت لا تموت القناعات كما يقول ، فانها تقبع خاملة ميتة في زوايا الذكريات. ويتحول جبران الى الاهتمام بطموحاته الشخصية وأسلوب حياته وسعادة أسرته بعيداً عن هموم الاخرين ومعاناتهم ويصبح مركز إهتمامه هو تجارته وأحلامه السياسية في الوزارة، ويتولى طوال الوقت تبرير نمط حياته الجديد الذي يتصف بالترف والتقليد والزيف بأنه من حق الانسان التمتع بالحياة ولكن فضول الناس يحرمه من هذا الحق!

يعتقد الناس وخاصة رباح الوجيه زوج شقيقته ، جليلة، أن جبران قد وجد كنزاً مدفوناً من الذهب في جبل الجوفة! ولهذا باع تاريخه وانتقل للعيش في جبل عمان وتغيرت طباعه رغم أنه أشبع الناس كلاما فارغاً عن الفقراء كما يقول!

في حديثه عن نفسه يروي جبران أنه تعرف على زوجته رابعة خلال احدى الندوات الادبية وقد أعجب بها لأنها تملك مقدمات ثقافية ولكنه وجد بعد الزواج أن اهتماماتها الثقافية قد فترت. ويمكن ملاحظة التغير في تفكير رابعة وأسلوبها الحياتي الذي يعكس هوساً بالنمط الاستهلاكي الغربي والغاء كل المظاهر الشعبية العفوية في علاقاتها بالجيران والنساء.

ينحدر جبران من عائلة ميسورة فأبوه كان تاجرا للاخشاب الذي خسر تجارته وأمه من اسرة عثمانية عريقة. يكتشف جبران بالصدفة أن والده ترك وراءه قطعة أرض كبيرة على طريق المطار لم يكن يعلم أحد عنها شيئاً، فباعها واستغل حصته وحصة أخته جليلة التي أعطته اياها ليستثمرها معه خوفاً من أن تقع بيد زوجها فيبذرها.

وفي خضم حصار بيروت في بداية الثمانينات وحين كان المزاج العام ثائراً ، ورغم أن عدداً من رفاقه اتصلوا به للمشاركة في تظاهرة ضد الحصار، إلا أنه تظاهر بالمرض لعدم المشاركة ومضت ايام طويلة لم يعرف الناس أين ذهب حتى خرجت اشاعات تقول أنه كان يمد المقاتلين بالمؤن مقابل مبالغ مالية كبيرة وهذا ما يفسر سبب ثرائه في حين أن الحقيقة كما يرويها من وجهة نظره أنه كان مشغولا بمتابعة الارض التي ورثها عن أبيه!

يصف جبران سنوات الانتماء السياسي بأنها كانت سنوات إنهاك ومعاناة حقيقية لا تنمحي من الذاكرة ، بل تبدو عبئاً على الحاضر تلقي بظلالها عليه وتعكر صفوه! ويبدو واضحا أنه يسعى لنسيان ذلك الماضي لكنه يستعصي عليه فيعيش صراعا بين ماضيه وحاضره ولكن تصرفاته وتطورات الاحداث فيما بعد تبين أن الماضي صار مجرد ذكريات لم تمنع صاحبها من ارتكاب كل الموبقات باسمها!

يظهر جبران في الرواية بمظهر الهاديء العقلاني الذي يتسم بتفكير منطقي يبرر الاحداث ويتفهم الدوافع .. "من حقه أن يقطف ثمار ما تطاله يداه في هذه الحياة" وكأنه بذلك يبرر لنفسه التحول الذي حصل في أفكاره وأسلوب حياته بشكل جذري نحو "الواقعية". ورغم أن جبران يحن في بعض الاحيان الى قناعاته القديمة ويحاول التشبث بها من خلال رفضه لبعض تصرفات زوجته في اقتناء قط شيرازي أو ممارسة الرسم إلا أنه يهادن ويقبل الامر الواقع، بل إن من السخرية أنه في نهاية الرواية عندما يفقد منصبه الوزاري لم يجد سوى القط "سنزي" ليسلي به وحدته!

تتكون لدى جبران قناعات راسخة هي بحد ذاتها نقد مباشر لمظاهر الحياة السياسية. فهو يرى أن اليساري او القومي يبقى محسوباً في نظر الاخرين على ذاك التيار طول عمره حتى لو اصبح من اركان الحكومة! وهكذا يصبح الماضي عبئاً لأن الناس تحاكم الشخص على ماضيه أكثر من حاضره!

يتبدى للقاريء الجوانب المشتركة في تفكير جبران والشيخ الجنزير رغم اختلافهما الايدولوجي الظاهر. فهما يتغاضيان عن خلافاتهما حين يكونان معا في المزرعة كنوع من المهادنة السياسية من أجل تحقيق مصالحهما ويظهران الخلاف والتباين امام الاخرين! يسعل كل منها لتحقيق رغباته وأهدافه الشخصية بكافة الوسائل النفعية والباطنية مع المحافظة على صورة معينة تستند الى الماضي أمام الاخرين.

في الجزء الاخير من الرواية حينما يبلغ الستين من العمر يواصل تبرير منجزاته ويعتقد أنه في أوج العطاء والحكمة لاقناع ذاته بأنه ما يزال له دور مهم برغم التحول الجذري. ولا نفاجأ بعد كل هذه التحولات التي طرأت عليه حينما يعترف أنه نال من ملذات الحياة الكثير وجمع ثروة هائلة الى حد "تخمة الترف". ورغم أنه يزعم أنه لم يكن يؤمن بكتابة المذكرات في هذه السن وأنه لا يرغب في تسلم حقيبة وزارية، إلا أن المفارقة تبدو جلية حينما يختم آخر جزء له بالحديث عن أنه يبحث عن ناشر لمذكراته! بعد أن استقال من الوزارة بسبب القاء القبض على عزمي مختبئاً في فيلته وتيقنه بعدم إمكانية العودة الى الوزارة مرة أخرى!

توظف الراوية مشهدا رمزيا بالغ الاهمية بنوع من السخرية يتمثل في الجلسة الصباحية بين جبران وزوجته قبل أن يصبح وزيرا يتمثل في قراءتها في فنجانه وهو ما يسميه الفنجان السياسي. وهو بذلك يتهكم على ما يجري على أرض الواقع حيث يصبح الاستيزار حلم الجميع وكأنه مسألة حظ ووقت!

مما يلفت النظر أن جبران تطرق مرتين في بداية ظهوره وقريبا من آخرالرواية الى مسألة سجنه في السبعينات بسبب مواقفه وانتمائه السياسي بشكل عابر كمرور الكرام، ولكنه لا يتطرق الى الحديث عن تلك الفترة نهائيا رغم أنه يتحدث بالتفصيل عن ماضيه وعن معاصرته للتحولات التي طرأت على المدينة!

ربما يكون جبران واقعيا الى حد مدهش حين وصف الجوانب النفسية التي يمر بها المعارض حين يصير وزيراً بقوله: "إن أول ما يلفت انتباه المعارض حين يصير وزيراً هو تلك الحيل النفسية التي تتكاثر وتتوالد لتخلق لديه يقيناً بأنه يستحق الوزارة بعد تاريخه النضالي الطويل". وهنا ترصد الرواية بشكل دقيق وطريف التغيرات اللفظية والنفسية والاجتماعية والخارجية التي يمر بها المعارض حين تغريه مناصب السلطة. بل إن جبران يمارس الفساد الذي كان ينتقده فقد توسط لشقيق زوجته ليصبح رئيس ديوان إحدى الدوائر شبه الحكومية!

مما يثير الانتباه هو هذه النهايات البائسة المنكسرة المهزومة التي تجد كل الشخصيات الرئيسية في الرواية أن مصيرها قد إنتهى اليها وهذا هو المصير الذي ينتظر الذئاب عندما تشيخ ولا تعود قادرة على اصطياد أو إمساك فريستها!

* لوحة غلاف الرواية أعلاه للفنانة العُمانية نوال بنت سعيد أحمد عتيق

الأربعاء، أبريل 15

أوراق ذابلة


أوراق ذابلة

اياد نصار

كالطفل ِ كان القلبُ في هواكِ
يفرحُ .. يضحكُ ويبكي
تحملهُ يداكِ
فيسكتُ وعلى الوجهِ ابتسامةٌ
من رضاكِ
تهدهده أشعارُك فيغفو،
تداعبه همسةُ الحبِ من شفتين
تمرُ ناعمة ً كنسيمِ صِباك
ملولٌ ينامُ ويصحو
يركضُ اليكِ .. تبتعدين في المدى
كسرابٍ..
كطيفٍ
هيهاتَ أن يراكِ


يا لبرودة القلبِ .. قلبـِكِ
أكنتِ تفرحينَ لعذابي
وانطفاءِ روحي
ببعدكِ؟
كم كان يعتصرني
من حُرقةِ الوجدِ بكِ
الاسى وأنتِ تزيدين في
احتراق ِ شبابي


صلّى القلبُ في معبدِك
صلاتَه الاخيرة ْ
وبكى من لوعتِهِ شوقاً
فترقرقتْ دمعتُه
وذبلتْ زهرتُه
النضيرة ْ
تنهّدَ القلبُ حسرةً
ثم ارتحلْ
أين مني يداك الحانياتُ
أين ضاعت ذكرياتٌ ماضياتٌ
وأملْ
هواكِ كان مطرَ الحياة
لاوراقي الذابلة ْ
ما عادت أمطارُ الشتاءْ
تهطلُ كلََّ بياتْ
ما عادت تعبرُ من سمائي
نجومُكِ الآفلة ْ
صيفُكِ قيظٌ طويلٌ بلا انتهاءْ
اصفرّتْ أوراقي
وتمايلتْ بلا لحنٍ أو غناءْ
معلقة ً في مهبِّ الريحِ
وحينَ يأتي أجلُ الدمعِ
ستسقطُ من بعد طول ِ جفاءْ


أسلمتُ القلبَ لوجعهِ القديم
لحزنهِ الابديّ
لارتعاشته الواهمة ْ
وانكساراتِه المتراكمة ْ
وشهقت جروحي زرقة ً
في اخضرار عينيك الآثمة
آه كم قتلتني وعودُك
التي لا تأتي
هل ترين في عيني
أيَّ سُهدٍ وجمرٍ لأحلام ٍ
نادمة ْ؟


كم ظننتُ أنّ الحبَ يدومُ
فصنعتُ لأهدابِ عينيكِ
سماءاً كلها نجومُ
ومن شعري وورودي
أزهاراً لحُمْرةِ خدّيكِ
ما كنتُ أحسبُ أن الفؤادَ
بلا أملٍ يرومُ
هواكِ
آه حينَ لا ينفعُ رجاءٌ
لديكِ
ولا بقايا من رماد تقومُ


قالتْ لي ساحرةٌ
وهي ترى في القدحِ
بقية ً من حزنٍ
مستحيلْ
طيفُك منفيٌّ وراء نافذةٍ مغلقة
مصلوبٌ على الجدران
كالقتيلْ
وتراءتْ صورتُها كسرابٍ
على دربٍ طويلْ
ورأيتُ قطرةً من دمكَ
في القدح تسيلْ
آه كم أدمتْ قلبكَ
أما آن للقلبِ الرحيل؟

* اللوحة أعلاه بعنوان اطار ذهبي للفنان البحريني خالد التهمزي، 2002

الجمعة، أبريل 10

محمود الريماوي.. بين الصحافة والادب


محمود الريماوي.. بين الصحافة والادب
قصص تعيد اكتشاف عمق تجارب الحياة اليومية بنزعة تأملية


بقلم: اياد نصار
محمود الريماوي كاتب قصة مخضرم وصحافي سياسي من طراز مهذب رفيع يعرف كيف يوصل فكرته الى القاريء بهدوء دون تهويل أو ضجيج. منذ أربعين عاما حينما إنطلق من الصحافة في بيروت وهو يكرس قلمه للقضايا العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية ولم تسرقه الصحافة من عشقه الادبي للقصة القصيرة التي أصدر منها لغاية الان تسع مجموعات قصصية كان آخرها مجموعته المعنونة "رجوع الطائر" التي أصدرها صيف عام 2008. وأخيراً استجاب لنداء الرواية فأصدر روايته الوحيدة الاخيرة التي صدرت منذ أيام عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان بعنوان "من يؤنس السيدة" وقد أقيم حفل توقيعها في رابطة الكتاب الاردنيين.

الريماوي واحد من الاصوات الحاضرة المشاركة بفاعلية في كل النشاطات الثقافية برغم انشغالاته اليومية. في ملتقى القصة العربية القصيرة الذي أقامته الدائرة الثقافية في أمانة عمان خلال شهر آب /أغسطس الحالي فقد بدا متفائلا في أن القصة ستكون أكثر استجابة من الرواية في الاستجابة لمتطلبات العصر وأكثر قدرة على استيعاب التجريب بفعل قصرها وتجاوبها مع انتشار وسائل الاتصال المختلفة. وفي آخر مؤتمر لجمعية النقاد الاردنيين والذي عقد في المركز الثقافي الملكي في عمان في الصيف الماضي حول واقع القصة القصيرة في الوقت الراهن، قدم رؤيته حول القصة وتحدث عن تجربته الطويلة فيها. واعتبر أن لا خوف على مستقبل القصة القصيرة من الدعوات التي تدعو الى إعلان وفاتها تحت تأثير مزاحمة الرواية لها. وقال إن الصحافة لها شهية كبيرة للقصة وتعطيها دفعة للامام ، وعالم القصة يخلق طبيعة مكثفة متكاملة تدعو الى إعادة رؤية الأشياء بعد نزع الرتابة والألفة عنها.

محمود الريماوي يكتب القصة بشهية كبيرة ويجد نفسه فيها أكثر لأن كتابتها تقوم على التكثيف وليس على الإفاضة. ويعلن ولاءه للقصة بقولته "عندما أشعر بأن كتابة الرواية حياة أو موت قد أعمد إلى كتابة الرواية"! في عالمه القصصي المتنوع تبرز المسحة التأملية والنزعة الفلسفية الاخلاقية التي تعيد اكتشاف تجارب الحياة المختلفة ويومياتها "المأساوية" التي تنتهي بالخيبة أو التشاؤم ولكن لا تخلو من لذة الاكتشاف ومتعة الغوص في عمقها بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والفنية والاقتصادية والفكرية والأسرية. وعالمه ملون واسع يمتد الى آفاق أرحب وليس يعج بالبشر وحسب، بل مليء بأجواء الموسيقى والشعر والصحافة وبالاشجار والأسفار والبحر والطيور والحيوانات التي يستنطقها ويراقب حركاتها وسكناتها ويتعلم منها برغم تجارب مشوار الحياة لأنه ما يزال هناك لديها بقية لتقوله، ولأنه يكتشف فيها ما لا تراه سوى عين القاص المتأملة بنظرات فلسفية نفسية عميقة، كأنه بافلوف في أبحاث الاشتراط النفسي.

يكتب القصة من واقع تجارب ومشاهدات وانطباعات الحياة اليومية العادية ولكنه يعرف كيف يلتقط اللحظة التي يسقط عليها أبعادها الرمزية ويحولها الى خبرة حياة أو الى درس في فن العيش الذي يرهف السمع ويحدق النظر في تفاصيل صغيرة وينقلها للقاريء ببراعة قلمه ومشاهداته الادبية. تستحضر قصصه أحيانا أسلوب تشيكوف في أحداثها البسيطة العادية التي يرى فيها ما يستحق الكتابة عنه. في قصصه مفارقات متعددة وسخرية لمّاحة. ففي قصته التي منحت المجموعة إسمها وهي "رجوع الطائر" نلاحظ النزعة الانسانية التي تستقريء معاني الحياة والحرية وتحدي التفاهم والصراع مع الاخر والرأفة ومعطيات الجمال والتنوع الثقافي واعادة اكتشاف دهشات الطفولة وتشكيل واقع الحياة بكينونات جديدة. تتألف القصة من ثلاثة عشر جزءاً قصيراً تفتتح مشهدها بقدوم كائن غريب جديد يحدث مفاجآت وردات فعل مختلفة في جو آمن فيه من الاعتياد والرتابة. وهكذا يصبح الببغاء القادم في قفص بألوانه الصفراء المزركشة بالاسود محط إهتمام الجميع في البيت ما بين القبول والرفض. موقف يستدعي التوقف والتأمل فهو ليس كائناغريبا كما يبدو للاخرين بل إن وجوده أساسي كأسلوب حياة في ثقافات أخرى. وهكذا يمنح الببغاء بمقتضيات متابعة أمور معيشته وإطعامه اليومية اضاءات واسعة في الفكر حول قيمة الاخر واستراتيجيات تعاملنا معه وقيمة عالم الطيور والحيوانات وحتى اختيار الاسماء، مثلما يطرح استجابات الابناء والزوجة المتناقضة التي تحمل معاني متعددة. ولكن الزائر الغريب الذي كان من المفترض أن يكون مصدرا للفرح يتسبب في إحداث نوع من الخوف حين تنتشر أخبار انفلونزا الطيور، فيتعرض الى حملة عدائية كبيرة ويصبح الاب في موقف لا يحسد عليه لكنه يستمر في انحيازه لحب الطائر ودفاعه عنه. وفي النهاية يتسبب في انشقاق بين الاب والابن الذي يهدد بقتله مما يشكل دعوة لاعادة التفكير بمكانه الطبيعي: الحرية والتحليق في بيئته الاصلية. وعندها تتبدى قيمة رجوع الطائر في مشهد رمزي لاطلاق سراحه بعد أن وفر تجربة حياة جديدة للاسرة.

ولد محمود لطفي الريماوي في بلدة بيت ريما القريبة من رام الله في الثاني من شهر تشرين اول /اكتوبر من عام النكبة 1948 الذي شكل هاجساً رئيسيا بالنسبة له فقد تفتح وعيه مبكراً على مأساة شعبه ورافقها يكتب عنها في كافة مراحلها وصورها من التشرد واللجوء الى الثورة والمقاومة والانتفاضة وتأكيد التمسك بالارض والهوية في كل مراحل حياته من أريحا الى بيروت الى الكويت الى عمان. عاش أغلب طفولته في مدينة أريحا قبل النكسة عام 1967 ثم درس اللغة العربية في جامعة بيروت العربية كما عمل صحفيا في بيروت لمدة سنتين خلال الفترة 1968 – 1969. انتقل بعدها للعمل في الكويت في الصحافة خلال الفترة 1973 وحتى عام 1987 حينما أبعد عنها. مارس العمل الصحفي كتابة وتحريراً وساهم بمقالاته وزواياه في العديد من الصحف والمجلات السياسية والادبية خلال تلك الفترة. عاد في عام 1987ليستقر في عمان وليتابع نشاطه الصحفي والادبي حيث كان يكتب عمودا يوميا في جريدة الرأي ولسنوات عديدة تحت إسم "رأي عربي". كما رأس تحرير صحيفة المشرق الاعلامي وعمل في فترة سابقة مشرفا لملحق "الرأي" الثقافي . ومنذ عام 2007 فقد اُختير ليكون رئيس التحرير المسؤول لصحيفة "السجل" الاسبوعية التي تصدر عن دار المدى للاعلام .

كرس الريماوي جانبا كبيراً من كتاباته لطرح معاناة الشعب الفلسطيني وبقي يواكب تطورات الاحداث في مقالاته التي أجمع العديد من الكتاب والقراء بمستواها الرفيع في تحليل الاحداث وابراز خفاياها وقراءة واستشراف المستقبل. كما كرس جزءا كبيرا من كتاباته لطرح قضايا الانسان العربي المعاصر في الحرية والديمقراطية وبناء مجمتع فاعل يساهم في صياغة مستقبله فيه بفاعلية. كما كرس جانبا كبيراً من قصصه القصيرة لطرح هموم ومعاناة الانسان الفلسطيني الذي تطحنه ذكريات التشرد والنفي والشتات والواقع الفلسطيني المتشرذم كما يقدم صورا بانورامية من واقع المجتمع الفلسطيني في أماكن وأزمنة مختلفة من تاريخ القضية.


أصدر تسع مجموعات قصصية لغاية الان حيث صدرت مجموعته الاولى في عام 1972 عن وزارة الثقافة والاعلام في بغداد وكانت بعنوان "العرى في صحراء ليلية" وآخرها "رجوع الطائر" عام 2008 التي تحدثنا عنها. كما صدرت الاعمال القصصية الكاملة في عام 2002 في عمان عن وزارة الثقافة الاردنية. وقد صدرت له مؤخراً في شهر آب/أغسطس 2009 روايته الاولى بعنوان "من يؤنس السيدة". ومن الجدير بالذكر أنه حصل على جائزة فلسطين للقصة القصيرة عام 1997. محمود الريماوي عضو رابطة الكتاب الأردنيين، ونقابة الصحفيين الأردنيين، واتحاد الصحفيين العرب ، واتحاد الكتاب والادباء العرب.


مؤلفاته في القصة القصيرة والرواية:
1. العرى في صحراء ليلية (قصص قصيرة)، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد 1972.
2. الجرح الشمالي (قصص قصيرة)، دار ابن رشد، بيروت، 1980.
3. كوكب تفاح وأملاح (قصص قصيرة)، دار الكرمل، عمان 1987.
4. ضرب بطيء على طبل صغير (قصص قصيرة) دار الثقافة الجديدة، القاهرة 1990.
5. غرباء (قصص) ، وزارة الثقافة، عمان 1993.
6. القطار (قصص قصيرة) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، عمان 1996.
7. شمل العائلة (قصص قصيرة) المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000.
8. لقاء لم يتم (مختارات قصصية)، أمانة عمان الكبرى، عمان 2002.
9. رجوع الطائر (قصص قصيرة)، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2008.

10. من يؤنس السيدة (رواية)، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2009

بالاضافة الى اصدارات تشتمل على نصوص أخرى:
- أخوة وحيدون (نصوص) دار أزمنة، عمان، 1995.
- كل ما في الأمر (نصوص) دار أزمنة، عمان، 2000.

* اللوحة أعلاه للفنان الفلسطيني عبدالهادي شلا بعنوان "لمن الازهار؟"

الاثنين، مارس 30

سيدة البحر


سيدة البحر

اياد نصار

قالتْ للحبِّ صورةُ الوردةِ على ساعدِكَ اليسارِ
وللهوى عنوانُ الفراشاتِ تطيرُ أولَ النهارِ
وللفجرِ صوتُ القصيدة يحملُ الجرحَ
ويشعلُ البوحَ
تبغاً لذيذاً في رمادِ موجةٍ
من صهيلٍ ونارِ
مزّقتِ الريحُ أشرعتي ونَثَرَتْها وراءَ البحارِ
وأطلقتْ أنّاتي في وشوشةِ الهمسِ
وغابتْ في رحمِ النهارِ.

تنزلُ حباتُ خوخك على جبيني كانهمارِ
وعناقيدُكِ الشّهيّاتُ متوردةٌ كالاقمارِ
نتقاسمُ السّهرَ والحمّى في اندغامٍ وانشطارِ
تنفصلُ الروحُ عند الوداعِ فتلتقي
في الاحلامِ في الف شهرزادٍ وشهريارِ
سأغزلُ من ضفائرِك الذهبيةِ منديلا موشّى
وسترقصُ خطواتُنا يا سيدةً سكنت الحشا
يشرقُ البريقُ في عينيكِ كشمسٍ من بين أمطارِ

سافرتْ سيدةُ البحر بلا انتظارِ
للغيابِ شهقةُ العذابِ وحزنُ الحروفِ
كالأقدارِ
وانطفاءُ شعاعِ النورِ في قلعةِ الفنار
حيرةٌ وضياعٌ وأنا الغريبُ في بردِ الظلام
للغرب رحلتْ مراكبُها قبل ولادةِ الكلام
على شفتي من ألقِ الانبهارِ
ماتتْ أغنياتي من وجعِ القلبِ
خلفَ أبوابِ الحزنِ المعتقِ والغبارِ.

تولدُ الأشواقُ في صمتِ البعدِ كسيرةً بلا قرارِ
وناديتُ طائرَ الروحِ المهاجرِ فكان الالمُ المستبدُّ
في انتظاري
وضاعَ بين زبدِ الموج وهديرِه سؤالي
والارض سكنها الوجومُ والحيرةْ
وتاهت في الطرقات حكايةُ أميرٍ وأميرةْ
كم هو موجعٌ الرحيل.. موجعٌ لحدّ الانكسارِ
هي الحياة تزفُّ مواكبَها المرتلةَ بالحزنِ والاخطارِ

وجهُكِ قمري يضيء ليلي وعيونُك زورقي
أبحرُ فيه بلا عودةٍ من أسفارِ
فلنرحلْ ففي السماءِ أوزاري وأسراري
في تزاحمِ الذكريات أعزفُ أغنياتي وأرسمُ أشعاري
نسكنُ النجومَ ونجمعُها عقداً نرصّعُ به الليلَ كالانوارِ
ضعي يدكِ على مساحةِ قلبي
لتورقَ الحكايا على الاشجارِ
وترتسمُ على جدرانِ القلبِ بقايا من صُوَرٍ وأعمارِ

يرشفُ القلبُ من الوجد فتغازلُ جفونُه سكون أفكاري
الليلُ يسمعُ النجوى ويصدحُ بالقول من أوتارِ
الليلُ عالمٌ سرمديٌ يمتليءُ بالحكايا وبالاسرارِ
الليلُ عالمنُا ..الليلُ موعدُنا
حلمنا فردوسٌ مفقودٌ وأرضٌ لا تخوننا
افتحي نافذتَكِ المطلةَ على البحرِ للنورسِ والازهارِ
أيةُ ربّةٍ للجمالِ أهدتكِ هذه الرؤى من السحرِ والافكارِ؟
يا من أحترقُ في أتونِك لأصبحَ أنقى
ترفقي بقلبي فالحب يطيح بقلاعي وأحجاري

اياد نصار
* اللوحة أعلاه بعنوان سفن عابرة للفنان الامريكي جين مانهايم (1863 - 1945)

الخميس، مارس 26

حياة طويلة - هيلين سمول

** الكتاب الفائز بجائزة ترومان كابوت للنقد الادبي لعام 2008


"حياة طويلة" – هيلين سمول
كبر السن في الادب والفلسفة

بقلم اياد نصار

يعد كتاب "حياة طويلة" أول عمل كبير يهتم بموضوع كبر السن في الفلسفة الغربية والادب منذ أن كتبت سيمون دو بوفوار "مجيء العمر" في عام 1970. وقد فاز هذا الكتاب الذي وضعته د. هيلين سمول الناقدة البريطانية وأستاذة الادب الانجليزي في كلية بمبروك في جامعة أكسفورد بجائزة ترومان كابوت للنقد الادبي لعام 2008 التي تمنحها جامعة أيوا في الولايات المتحدة وقيمتها 50 الف دولار. وتعد هذه الجائزة من أهم الجوائز التي تمنح لنقاد عن المساهمات المتميزة في مجال النقد الادبي منذ عام 1996.

ويعد كتابها الذي صدر في أواخر عام 2007 عن جامعة أكسفورد اضافة مهمة في مجال النقد الحديث وقد تم اختياره من قبل لجنة دولية من النقاد البارزين والكتاب وهم: تيري كاسل، جاريت ستيوارت، مايكل وود، جون كريجان، ايلين سكاري، وجيمس وود. وقد فازت هيلين خلال عام 2008 أيضا بجائزة رفيعة أخرى هي جائزة روز ماري كروشاي التي تمنحها الاكاديمية البريطانية للانسانيات والعلوم الاجتماعية عن ذات الكتاب.

وقبل الحديث عن موضوع الكتاب، فأشير الى أن د. هيلين سمول حصلت على درجة البكالوريوس في الادب الانجليزي من جامعة فيكتوريا في ولينجتون، وعلى درجة الدكتوراة من جامعة كامبردج. وقد وضعت كتاباً سابقاً صدر في عام 1996 بعنوان (جنون الحب: الدواء، والرواية، والجنون النسائي 1800 – 1865)، كما عملت محررة أو محررة بالاشتراك لعدة كتب منها (الادب والعلم والتحليل النفسي 1830- 1970).

يتناول كتاب "حياة طويلة" موضوع كبر السن في الادب والفلسفة الاخلاقية. ويدعو القاريء الى الانتقال الواسع ما بين كتابات أفلاطون مرورا بالاعمال الفلسفية المعاصرة لنقاد ومفكرين مثل ديريك بارفيت، وبرنارد ويليامز، واخرين ، ومن مسرحية شكسبير الملك لير مروراً بأعمال توماس مان، وأونوريه بلزاك، وتشارلز ديكنز، وصامويل بيكيت، وستيفي سميث، وفيليب لاركن الى الاعمال المعاصرة لصامويل بيلو الى فيليب روث الى ج. م. كوتزي.

وقد بنت كتابها كما ذكرت على محورين اثنين اساسيين هما الفلسفة والادب وناقشت أراء ومقولات أرسطو وغيره من الفلاسفة والادباء كما ذكرت آنفا. كما تعرض للطريقة التي تعامل فيها الانسان مع كبر السن والموت مثل الملك لير والملك بريام ، والموت في البندقية لتوماس مان. والكتاب يناقش الافكار ولكنه أيضا فيه جانب تأملي يتناول الجوانب الشخصية والاجتماعية لتقدم الانسان في السن.

إن التقدم في السن كما تؤكد مؤلفة الكتاب موضوع يؤثر في حياة كل انسان، ولكن أغلب الناس لا يودون التفكير فيه بعمق. ولهذا فإن كتابها قد أثبت كم هو مهم مقاربة هذا الموضوع الذي يكاد يكون من المحظورات. وإذا أردت التفكير في احتمالات وسيناريوهات الكبر في السن التي تمتاز بالرصانة والتفصيل والعمق الشعوري، فإن الادب هو أفضل مكان لذلك.

يقع الكتاب في 320 صفحة من القطع المتوسط، وتناقش هيلين سمول فيه فكرة مفادها أنه إذا أردنا أن نفهم مرحلة كبر السن (الشيخوخة) فيجب أن نفكر بطريقة أصولية عن ماذا تعني أن تكون إنساناً، وأن يكون لديك حياة، وأن تتمتع بحياة جيدة لتكون جزءا من مجتمع عادل. ماذا كان أفلاطون يقصد عندما ألمح الى أن كبر السن هو أفضل مكان تستطيع من خلاله ممارسة الفلسفة؟ أو ماذا قصد توماس مان عندما عرف كبر السن على أنه أفضل وقت لتكون كاتباً؟ وهل كانا على حق في ذلك؟ ولو فكرنا كما فعل أرسطو بأن الحياة الفضلى تتطلب البحث الحثيث عن الفضيلة فكيف ستتأثر نظرتنا للحياة المتأخرة بذلك؟ ولو فكرنا بأن اشكال الحياة والأشخاص موحدة مثلما يقال بأن القصص موحدة، فكيف سيختلف تفكيرنا عن مرحلة الشيخوخة عن تفكير شخص يظن بأن أشكال الحياة والاشخاص يمكن أن تكون منفصلة تماماً؟ في مجتمع عادل ما الذي يعتبر توزيعا عادلا للموارد المحدودة بين الشباب والشيوخ. وكيف يمكن للتطورات المعاصرة في نظرية مشهد الحواس أن تغير من تفكيرنا عن معنى أن تصبح كبيراً في السن.

يعد الكتاب إضافة هامة ويمتاز بعمق طرحه واتساع رؤيته ومن المأمول أن يغير من الطريقة التي يتحدثون بها وخاصة في الغرب عن أحد أهم التخوفات الاجتماعية في زماننا: زيادة أعداد الذين يعمرون حتى سن متقدم، وزيادة نسبة الكبار مقارنة بنسبة الشباب. أما محتويات الكتاب فتشتمل على الفصول التالية:
- العتبة الافلاطونية ( أفلاطون وتوماس مان)
- عند رؤية النهاية( أرسطو والملك لير)
- الوحدة السردية للحياة (الابيقورية، المشهد السردي، سول بيلو)
- قوة الاختيار (تخطيط الحياة الحصيف، فيليب لاركن، ستيفي سميث)
- حيثما يتوقف الاهتمام بالذات (ديريك بارفيت، بلزاك)
- الحياة المقدرة (ميتافيزيقيا أدورنو، ديكنز، بيكيت)
- الآن أو نهائيا (بيرنارد ويليامز، ج. م. كوتزي، فيليب روث)
- المشهد الحسي المتطور (نظرية التطور، محرمة ندبة مايكل ايجناتيف)
- الخاتمة

تصف هيلين كتابها بأنه عبارة عن مقالات وهو كذلك بطبيعة الحال. لاول وهلة يبدو الموضوع محددا ضيقاً بشكل منطقي: ماذا قال الفلاسفة وغير الفلاسفة عن مرحلة التقدم في السن، والذي في حقيقته لم يتغير كثيرا منذ العصور الكلاسيكية القديمة. لكنهم قالوا الكثير عن الحياة بشكل عام ومرحلة التقدم في السن هي جزء منها. وهي تبرز ما قالوه ولكنها تبذل جهدا وتبدي براعة تثير الاعجاب في توظيف ما قالوه بما يخدم غرضها.

وقد قالت في معرض ردها على سؤال حين علمت بخبر فوزها: "انا سعيدة وأتشرف بذلك. لقد كانت أبحاثي قبل حياة طويلة مكرسة للعهد الفيكتوري، ولهذا فإن هذا الكتاب شكل قفزة نوعية بالنسبة لي. لقد حصلت على اجازة زمالة للبحث منذ عام 2001 الى عام 2004 قضيت أغلبها كأستاذ زائر في جامعة نيويورك، وبدون تلك الفترة الطويلة للتفرغ الاكاديمي لم يكن بوسعي إنجاز مثل هذا العمل بهذا الحجم. ولهذا فأنا شاكرة الى اللجنة".

وقد قالت المؤلفة أن كتابها حظي بهذا الاهتمام لأن موضوعه مهم بشكل واضح لكل انسان، ولكن هناك القليل مما كتب عنه، مما يشجع الناس على وضع هذا الموضوع جانباً حتى وقت لاحق. إن "حياة طويلة" هو عن الطرق الاساسية التي نفكر بها في حياتنا، والشكل الذي تتخذه، والقيمة التي نعلقها عليها حينما نفكر أن الافضل لو نموت. إنه ليس فقط عن الكبار في السن ولكن عن كل واحد منا.

وقالت: "لقد بدا لي بأن ذلك أحد المواضيع العظيمة القليلة الذي لم يمس من قبل على الاقل من قبل الفلاسفة وباحثي الادب. إنه موضوع يؤثر في كل واحد منا، ولو تأثيرا محتملاً، إلا أن الكثير منا يتفادون التفكير به ملياً. ولكن هناك العديد من القضايا مثل ماذا يعني بالنسبة لنا أن نصبح كباراً في السن، كيف نتوقع ان تكون امكانياتنا الذهنية، وكيف سيكون شكل علاقاتنا بالاخرين. وما هو الجيد الذي سيكون في حياتنا عندئذ، وما هو السيء حينما نريد لها أن تنتهي! ولا تتفق هيلين مع الرأي الشائع القائل بأن العلم أكثر أهمية من الادب. بالنسبة لها فإن كتابها على درجة من الاهمية للمجتمع. تقول: "الادب بما في ذلك المسرح هو أحد الاماكن التي إهتمت بموضوع الكبر في السن منذ أيام سوفوكليس. إن مسرحية الملك لير مهمة على وجه الخصوص بالنسبة لنا، وما يزال لها ذلك التأثير في خيال الثقافة عن الكبر في السن. وبعكس مسرحيات شكسبير التراجيدية، فإن عيوب لير ليس الاّ سنه، وتلك الاحكام الخاطئة التي تقترن به وتقلب المزاج".

ومن الجدير بالذكر أنه تم الاعلان عن تأسيس جائزة ترومان كابوت في عام 1994 في مدينة نيويورك بمناسبة الذكرى الاربعين لنشر نوفيلا ترومان كابوت المسماة " إفطار في تيفاني" بناء على وصية كابوت وقد جعل الجائزة تخليدا لذكرى الناقد الانجليزي نيوتن آرفين الذي كان كابوت من المعجبين بكتاباته ولكنه فقد سمعته ووظيفته في كلية سميث في الاربعينيات حينما تم الكشف عن تورطه في علاقة جنسية مثلية. ومن بين من حصلوا عليها في السنوات السابقة الفائز بجائزة نوبل الاديب الايرلندي وأستاذ الشعر في جامعة اكسفورد سيموس هيني.

الثلاثاء، مارس 24

جولة في مواكب جبران


جولة في مواكب جبران

بقلم: اياد نصار

ألف جبران خليل جبران بإلهام الشاعر وبصيرة الفيلسوف وسحر ريشة الرسام وترفع وزهد الناسك قصيدة المواكب في عام 1918 بالعربية. تعتبر قصيدة المواكب بناء فنيا متكاملا ينطوي على مشروع فلسفي تأملي تحليلي ويقوم على أساس المقارنة بين عالم البشر من خلال تقديم صور تعكس جوانب ساخرة زائفة للمجتمع وبين عالم الطبيعة الذي يمثل الجانب الرومانتيكي الروحاني الصافي المفقود من حياة البشر في المجتمع وبين عالم الفنون الذي يمثل حلقة الوصل التي يمكن أن تردم الهوة بين الاثنين. تقدم القصيدة كثيراً من المقارنات لجوانب حياة الانسان في المجتمع بكل ضلالاته وزيفه ومظاهره الخادعة وبين عالم الطبيعة الساحر بصفائه ونقائه الذي يرمز للجانب الرومانتيكي. أراد جبران بهذه القصيدة البديعة البناء والمعاني طرح أهم القضايا المصيرية التي تحدد حاضر ومستقبل الانسان.. بل مصيره كله والتي رأى فيها التناقض الصارخ بين قيم هذين العالمين.

تتكون المواكب من حوالي مئتي بيت ويزيد ويغلب عليها السمة الرومانتيكية التي ميزت كثيرا من أعمال جبران سواء باللغة العربية أم بالانجليزية. وقد اراد جبران من خلالها تقديم مواكب شتى هي في حد ذاتها مسيرة البشر في المجتمع الذي يحفل بصور ضلالهم وزيفهم ومعتقداتهم التي تقتل أرواحهم. وهي في هذا دعوة إلى العودة لأحضان الطبيعة وبساطتها حيث أسبغ عليها من التجسيد صفات إنسانية تجعلها فردوس الانسان المهجور بدلاً من العيش في ظل القيم الزائفة للمجتمع.

وبداية فإن عالم البشر هو هذا المجتمع الذي يمور بالظلم والشر والحزن والقتل واستغلال الدين والنفاق والباطل والجهل والكراهية والبغض وثنائية الروح والجسد المشوهة وغيرها الكثير. في حين أن عالم الطبيعة بحيوانه ونباته وجماده هو ذلك العالم الذي اعتبره جبران عالم البراءة والنقاء الذي يمور بنقيض ما يمر به عالم البشر. وهذه المقارنة أراد بها جبران ساخرا إظهار كيف أن الانسان في تجربته قدم نموذجاً بشعاً للحياة والعلاقات الانسانية والقيم التي بنى عليها حياته. لقد انطوت قصيدة المواكب على نظرة متشائمة للغاية لعالم البشر فهو مستودع وأصل كل الشرور وكل مظهر للحياة فيه ينم عن أسوأ صورة للاستغلال وتشويه القيم المتعمد الذي يقوم به الانسان. وبهذا المعنى يصبح عالم الطبيعة والغابات هو الجنة المفقودة التي لم يتمكن الانسان من تحقيقها في حين أن المخلوقات الادنى منه قدمت نموذجاً أرقى لما يمكن أن تكون عليه الحياة فيها.

أما أحاديث الغناء ونداءات الناي فهي صور ترمز الى عالم الفنون التي يطرحها جبران كمخرج للازمة. هو الجسر الذي يمكن من خلاله الانتقال من عالم البشر البشع الى عالم البراءة والخير والنور وكل المعاني والصور والمظاهر الجميلة للقيم الانسانية في أروع تجلياتها. فإذا كان الانسان شقياً بائسا في عالم البشر ولا يتسنى له الوصول الى عالم البراءة والنقاء الذي يرمز اليه عالم الطبيعة فإن الفن هو وعاء الفكر وهوالوسيلة التي تخاطب أحاسيس وقلوب وعقول البشر. واذا كان عالم البشر بكل تناقضاته وصوره الصارخة في النهاية زائل فإنه الفن باقٍ خالد للابد. وفكرة خلود الفن الذي يخلد معه جمال الانسان كما ورد ذلك كثيرا في أعمال شكسبير وخاصة السونيتات ليست جديدة، بل إن جذورها يمتد في الزمن السحيق الى فكرة carpe diem التي تعني الاستمتاع باللحظة الزمنية قبل أن تفنى ، والى فكرة أن الزمن الهارب لا سبيل لايقافه او الامساك به الا من خلال تخليد اللحظة في لوحة فنية او عمل أدبي ابداعي او موسيقي او غير ذلك.

تنقسم قصيدة المواكب الى سبعة عشر بناءً شعريا متشابها متكررا تليه خاتمة هي الخلاصة التي يبرز فيها جبران أهمية عالم الفن. اما البناء الفني الذي يتكرر في القصيدة سبع عشرة مرة فهو على هذا النحو:
- أربعة أبيات ذات قافية واحدة تنقل مشاهد متشائمة تنطوي على صور التناقض والشرور والاثام والنفاق من عالم البشر
- أربعة أبيات ذو قافية مختلفة تنقل تشبيهات ومقارنات للصور الانفة ولكن من عالم الطبيعة وهي نقيض الصور في الاربعة أبيات الاولى. وتتضمن هذه الابيات الاربعة في آخرها بيتين أو أحياناً أخرى بيتاً من نفس القافية ينطويان على النتيجة التي توصل لها جبران عن اكتشاف سر الشقاء الانساني
- بيتان من قافية مختلفة كخاتمة يبرزان دعوة جبران للانسان للانخراط بعالم الفن والتسامي به نحو الرقي وهما يبرزان فكرة تفرد عالم الفن وخلوده

ولدلالة على ذلك نأخذ بعض المقاطع كأمثلة على هذا البناء الفني الفريد:
- أربعة أبيات ذات قافية واحدة تنقل مشاهد متشائمة تنطوي على صور التناقض والشرور والاثام والنفاق من عالم البشر:

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا ........... والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا

وأكثر الناس آلاتٌ تحركها ........................... أصابع الدهر يوماً ثم تنكسرُ

فلا تقولنَّ هذا عالم علمٌ ............................... ولا تقولنَّ ذاك السيد الوَقُرُ

فأفضل الناس قطعانٌ يسير بها .................. صوت الرعاة ومن لم يمشِ يندثر

- أربعة أبيات ذو قافية مختلفة تنقل تشبيهات ومقارنات للصور الانفة ولكن من عالم الطبيعة وهي نقيض الصور في الاربعة أبيات الاولى. وتتضمن هذه الابيات الاربعة في آخرها بيتين أو أحياناً بيتاً من نفس القافية ينطويان على النتيجة التي توصل لها جبران عن اكتشاف سر الشقاء الانساني
ليس في الغابات راعٍ ............ لا ولافيها القطيعْ
فالشتا يمشي ولكن .............. لا يُجاريهِ الربيعْ
خُلقَ الناس عبيداً............. للذي يأْبى الخضوعْ
فإذا ما هبَّ يوماً............... سائراً سار الجميعْ

- بيتان من قافية مختلفة كخاتمة يبرزان دعوة جبران للانسان للانخراط بعالم الفن والتسامي به نحو الرقي وهما يبرزان فكرة تفرد عالم الفن وخلوده
أعطني النايَ وغنِّ........... فالغنا يرعى العقولْ

وأنينُ الناي أبقى................. من مجيدٍ وذليلْ

وهذا مثال آخر عن الدين وتدين الانسان الذي يخفي من ورائه وطراً كما يراه جبران:
- أربعة أبيات تنقل مشاهد متشائمة تنطوي على صور الضلال والزيف والتناقض والشرور والنفاق من عالم البشر:
و الدين في الناسِ حقلٌ ليس يزرعهُ ......... غيرُ الأولى لهمُ في زرعهِ وطرُ

من آملٍ بنعيمِ الخلدِ مبتشرٍ ..................... ومن جهول يخافُ النارَ تستعرُ

فالقومُ لولا عقاب البعثِ ما عبدوا ........... رباًّ ولولا الثوابُ المرتجى كفروا

كأنما الدينُ ضربٌ من متاجرهمْ .......... إِن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا

- أربعة أبيات أخرى تنقل تشبيهات ومقارنات للصور الانفة من عالم الطبيعة وهي نقيض الصور الاولى. وتتضمن هذه الابيات في آخرها النتيجة التي توصل لها جبران عن اكتشاف سر الشقاء الانساني:
ليس في الغابات دينٌ .......... لا ولا الكفر القبيحْ

فإذا البلبل غنى ............... لم يقلْ هذا الصحيحْ

إنَّ دين الناس يأْتي ............... مثل ظلٍّ ويـروحْ

لم يقم في الأرض دينٌ .......... بعد طه والمسيح

- بيتان كخاتمة يبرزان دعوة جبران للانسان للانخراط بعالم الفن والتسامي به نحو الرقي والحديث عن فكرة تفرد عالم الفن وخلوده:
أعطني الناي وغنِّ ............ فالغنا خيرُ الصلاة

وأنينُ الناي يبقى ............. بعد أن تفنى الحياةْ

ويمكن تطبيق ذات التقسيم الرائع على هذه الابيات التي سخر فيها جبران من عدل الانسان الذي إعتبره كثلج اذا طلعت عليه شمس الحقيقة ذاب وتبخر!

والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا ...... بهِ ويستضحكُ الأموات لو نظروا

فالسجنُ والموتُ للجانين إن صغروا ........ والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبروا

فسارقُ الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ .............. وسارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطر

وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ ..................... وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ


ليس في الغابات عدلٌ......... لا ولا فيها العقابْ

فإذا الصفصاف ألقى............ ظله فوق الترابْ

لا يقول السروُ هذي............ بدعةٌ ضد الكتابْ

إن عدلَ الناسِ ثلجُ.......... إنْ رأتهُ الشمس ذابْ

أعطني الناي وغنِ ............ فالغنا عدلُ القلوبْ

وأنين الناي يبقى............. بعد أن تفنى الذنوبْ


وفي ختام المواكب يقدم جبران رؤيته للهروب من عالم البشر المليء بصور النفاق والتناقض الساخر ومن الاثام والالام والحقائق الغائبة الى عالم الطبيعة الارحب والاجمل بصفائه واقترابه من أصل الانسان وروحه. في هذا الجزء الاخير يقدم جبران رؤيته بنمط بنائي فني مختلف عن باقي القصيدة كأنما أرد بذلك إبراز أنها مختلفة. يرفض جبران قيم الانسان ويعتبرها هباء، بل إن الانسان ذاته ليس الا وهم مثل سطر كُتب بماء سرعان ما يجف ويتلاشى، ولا يبقى الا عالم الفن. ولكن هنا جبران يبرع في خلق التزاوج بين عالم الطبيعة وعالم الفن حين يدعو للغناء في حضن الطبيعة من خلال تقديم صور عذبة للعيش في عالم النقاء والصفاء النوراني الاثيري. بل إن جبران يقر في النهاية بعجزه عن تحقيق هذا الحلم حين تفرض أشواق الجسد نفسها عليه وحين تدفعه النفس الى مآرب دنيوية أخرى تبعده عن هذا العالم الصافي الجميل الخالد:

أعطني الناي وغنِّ .................. وانس ما قلتُ وقلتا

انما النطقُ هباءٌ ........................ فأفدني ما فعلتا

هل تخذتَ الغاب مثلي ............... منزلاً دون القصورْ

فتتبعتَ السواقي ..................... وتسلقتَ الصخورْ

هل تحممتَ بعطرٍ ........................ وتنشقت بنورْ

و شربت الفجر خمراً .............. في كؤُوس من أثير

هل جلست العصر مثلي ............... بين جفنات العنبْ

والعناقيد تدلتْ .......................... كثريات الذهبْ

أعطني الناي وغنِّ .................. وانسَ داًْء و دواء

إنما الناس سطورٌ ...................... كتبت لكن بماء


العيشُ في الغاب والأيام لو نُظمت ....... في قبضتي لغدت في الغاب تنتثر

لكن هو الدهرُ في نفسي له أَربٌ .............. فكلما رمتُ غاباً قامَ يعتذرُ

وللتقادير سبلٌ لا تغيرها والناس ........ في عجزهم عن قصدهم قصروا

اللوحة أعلاه للاديب والرسام جبران خليل جبران بعنوان تناغم فوق الذروة (1883 - 1931)

السبت، مارس 7

حديث الكلمات في حضرة الصمت


حديث الكلمات في حضرة الصمت

اياد نصار

مقدمة غير ضرورية:
تخامرني شكوك تمزق شرنقة السكينة التي أدعي كاذباً إمتلاكها
يخذلني الجسد حيناً والرغبة حيناً والملل حيناً آخر
أحرر ذاتي بالتلميح والايجاز
- تقول لي أبحر يا صديقي الى النهايات
- فأقول كيف يمكن النصر على المجهول
- لا بد من الاحتفال معا وشرب الانخاب على مائدة قصر روسي من الكريستال البوهيمي. فابحث لك عن رفيقة تلهمك بعض الجنون.
- أهذي .. نبوءاتك هي الوطن الذي تعيش به أما الذي تعيش فيه فهو منفى
- كلامك يؤنس وحشتي في الجزيرة النائية
- أحقا تسرّي كلماتي البائسة عنك؟ اليك عني. أمامك البحر فاختر حورية تخرج اليك كلما رغبت لتؤنس وحدتك.
- أراك تأخذني الى عالم لست أدري حقيقة جوهره من هرطقة ظاهره! ولكن لم يبق من برهة للسفر معك. لعلنا نسافر غدا!


نغترب ونحن فيك
يا وطن
يقتلنا الحنين فيحيينا
وعدُك
في إغفاءة الزمن!

[ جاءت معذبتي]
في ليلِ الشجنْ..
مهيبة َ الصمت
تنقش حروفها
على صدر الزمنْ
قلادة ً
وترسم بأناملها الليلكية
أجملَ وطن!

معذبتي قمرٌ لوحدة الروح
يطل كالصمتِ
مهيباً كالموتِ
في أماسي الشعر والنجوى
تثور الاشواق كليلة ً صرعى
ترتقي الاشارات والشروح
تتسامى
برغم نزف الجروح
فوق أشعارالهوى

أفردوسُكِ المفقودُ
صحوٌ أم حلم؟
في ليل اللقاء
يغيب.. يتبدى
ويسقط ثلج بلّوري
من قصائدِك
على أوراقي
في يوم شتائي
يتلألأ.. يتهادى
رأيته.. سمعته..
في روعةِ صوتكِ العذبْ
فيولدُ أنينٌ هامسٌ شفيف
يملأ حنايا القلب

وتتمردُ عاطفةُ الغواية
المهذبة
كطفلٍ شقي يدعي البراءة
المعذبة
نتفلسفُ كتصريح شهيدْ
ينتظر ساعة التنفيذ ْ
ويصمت عقل الرؤية المتمنّعة
المتعبة
أمامَ موجِ حروفك
المذهبة

يا حكيمة ً
تلهو بالصور الكبيرة ْ
لتصنع أغنية الضجرْ
على أنغام الوترْ
أنتِ لستِ مثل حكماء الذكريات
المريرة ْ
يدّعون حكمة،
وكرامات خطيرة ْ
يفسرون
أحلامَ النائمين
أضغاثاً
في عزِّ الظهيرة ْ

طال صمتُكِ يا ساحرة الرؤى
فمتى تشدو بالهوى
قمرية ُ الشعر
وتبني على شاطيء البحر
قصوراً من رمالْ؟
يثور في القلب
دائما
السؤالْ

نغترب ونحن فيك
يا وطن
يقتلنا الحنين فيحيينا
وعدُك
في إغفاءة الزمن

اياد نصار

* اللوحة أعلاه للفنان العراقي علي التاجر

الجمعة، مارس 6

الانطباعية: نشأتها وماذا بقي منها؟


الانطباعية: نشأتها وماذا بقي منها؟

بقلم اياد نصار


في عام 1986 كنا مجموعة من رفاق الادب والرسم الذين تستهويهم فلسفات المدارس الفنية لأن في فهم مبادئها وأهم ملامحها يمكننا متابعة تطور الفكر الانساني، ومن خلال إدراك مجالات الاختلاف والالتقاء بينها يمكنك أن تتلمس وتشهد كيف تصنع الافكار الجديدة التي تشكل معالم مستقبل الانسان، ولأنها الوسيلة التي تفتح لك آفاق الرؤية التي تمكنك أن تستوعب عالماً من البناء الفني الذي يقوم على مجموعة من مباديء الفكر والجمال والاحاسيس والتأثيرات النفسية لعناصر اللوحة. وقد شغلتنا بعض حركات الحداثة كثيراً كالانطباعية والرمزية والواقعية والدادائية والسريالية وغيرها.

سيطرت على الفن مرحلة طويلة تبحث عن الاتقان المثالي في نقل صورة الواقع بكافة تفاصيله الدقيقة ومحاكاة المشاعر والاحاسيس والالوان ومختلف الحالات النفسية التي تظهر معالمها على الانسان في صورته الخارجية. وكانت عظمة الفنان تأتي من قدرته على إختيار وتصوير هذه العناصر بدقة متناهية. ومنذ عصر النهضة في منتصف القرن الرابع عشر حين تم إعادة اكتشاف جماليات الابعاد الانسانية للفنون في الحضارة اليونانية والرومانية الى أواسط القرن السابع عشر فقد ظهر عدد من الفنانين العظام في أماكن متفرقة من أوروبا في ايطاليا وهولندا والمانيا وانجلترا الذين قدموا العديد من اللوحات والمنحوتات والتماثيل التي تنقل أدق وأجمل التفاصيل البشرية في جسم الانسان وفي تصوير المشاهد اليومية واللوحات ذات التأثيرات الدينية. ومن فليبو ليبي الى ليوناردو دافنشي الى رفاييل الى مايكل أنجلو الى جان فان ايك الى بيتر بروغل الى جان فيرمير ورمبرانت وفيلاسكويز وغيرهم انتشرت نهضة فنية امتد تأثيرها لاحقا خلال عصور الباروك والركوكو والكلاسيكية الجديدة حتى منتصف القرن الثامن عشر، حين بدأت تظهر تأثيرات المدرسة الرومانسية بالدعوة الى الاهتمام بالتعبير العفوي التلقائي عن المشاعر والخيال والاحاسيس ورفض القيم التقليدية وتمجيد الثورة والاهتمام بالطبيعة والدفاع عن المعذبين والمستضعفين وتمجيد النزعات الذاتية الفردية أمام سيطرة قيم المجتمع التقليدية.

في تلك الاجواء ظهرت الانطباعية التي كانت تهدف الى نقل الانطباع الحسي الذي يتولد في ذهن الفنان ببساطة دون الاهتمام بالمعايير الفنية المتبعة التي تنقل التفاصيل كما هي. كانت الانطباعية هي تأثير الاشياء على الفنان كما يراها في وعيه الحسي. ورغم أن الانطباعية لم تركز كثيراً على المضمون الفكري للوحات كما ظهر في المدارس التالية كالتعبيرية والرمزية والواقعية والسريالية وغيرها، إلا أن تركيزها على الجانب الذاتي لدى الرسام في رؤية الاشياء ومدى تأثير الالوان عليه والاهتمام بنقل حالات الطبيعة المختلفة ما بين الضوء والظلال والمطر والصحو والضياء وإحتفاء الانسان بهذه الحالات وتخليدها في لحظة هاربة من الزمن أعطاها حضورا متميزاً. لقد حفلت الفترة القصيرة منذ عام 1874 حين أقيم أول معرض إنطباعي وحتى 1889 حين بدأ يتشكل المذهب الرمزي وتتراجع الانطباعية وصارت الفكرة محل اهتمام الرسامين بدلاً من الاحساس الذي يخلفه تأثير الاشياء والالوان بتطورات عديدة وقيام معارض انطباعية عديدة وانضمام وانشقاق عدد كبير من أشهر الفنانين الذي ساهموا بدور كبير في انتشار المذهب الانطباعي.

لقد ساهمت الانطباعية في خروج الفنانين من مراسمهم الى حضن الطبيعة لنقل حركة أمواج البحر واشعة الشمس وتأثير ضوئها المتوهج والغيوم وتحركاتها وظلالها والمطر والثلج ونقل انطباعات الاثير والدخان والضباب في لحظات هاربة لا بد من تخليدها ليعيش ذلك الاحساس الذي تخلقه في وعي الفنان. وككل الحركات الفنية التي تشهد إفراطاً في استخدام مبادئها الى حد يبعدها عن عفويتها وبساطتها التي قامت عليها أساساً فقد أفرط الانطباعيون في نقل مشاهد انطباعات الضوء والحركة والالوان. وأخذوا ينقلون التحولات التي تطرأ على ذات المكان او الواجهات خلال ساعات النهار المختلفة.

لم تعد دقة التفاصيل وقواعد الاشكال الهندسية ووضوح الخطوط والالوان وتمايزها عن بعضها تعني الانطباعية كثيراً. فقد كانت تركز على درجات الالوان وإشراقاته. لهذا تحفل اللوحات الانطباعية بالالوان الزاهية المتداخلة كالاصفر ودرجاته المختلفة والازرق ودرجاته والاخضر ودرجاته ومن هنا كان تركيزهم على امتزاج هذه الالوان الزاهية كالفيروزي واللازوردي والرمادي والبنفسجي والبرتقالي. باختصار كانت العين وانطباعاتها الذاتية هي الاساس ولم يعد التفكير المنطقي العقلي بالاشياء وأبعادها الدقيقة ونقل جزئياتها هو الاساس.

وقد بدأت الانطباعية في الفن ثم انتقلت للادب والموسيقى. عكست أعمال الروائي والناقد الفرنسي مرسيل بروست وخاصة كتابه البحث عن الزمن الضائع وأعمال الاديب الفرنسي أندريه جيد وخاصة في كتابه قوت الارض دعوات الانطباعية، مثلما عكستها موسيقى كلود دو بوسي.

تعتبر لوحات الفنان جين ديلاكروا رغم أنه لا ينتمي للانطباعية ملهماً أساسياً لفناني المدرسة الانطباعية بتركيزه على تأثير مزج الالوان والظلال، ولو أن هناك مؤثرات أخرى غير مباشرة سبقت ديلاكروا مثل أعمال الفنانين فراغونار في فرنسا وكونستابل وتيرنر في إنجلترا، كما ظهرت مجموعة ممن عرفوا برسامي النور أو الضوء من منطقة بروفانس.

في تلك الاجواء التقى عدد من الفنانين بزعامة إدوار مانيه في محترف غلير في أحد ضواحي باريس. وقد شكل الحدث الابرز في مسيرتهم وقيام ما عرف فيما بعد بالانطباعيين هو المعرض الذي أقامه نابليون الثالث في قصر الصناعة في باريس عام 1863. وقد رفضت بعض الاعمال التي تقدم بها بعض الفنانين أمثال كميل بيسارو وبول سيزان ومانيه، فأقيم معرض آخر دعي بمعرض المرفوضين الذي إعتبره النقاد شيئاً مستهجناً ومجرد تلطيخ بالالوان. ومن اللوحات التي عرضت في ذلك المعرض لوحة مانيه الغداء على العشب التي اصبحت فيما بعد من أشهر اللوحات الانطباعية على الاطلاق. وقد حاول مانيه الاشتراك في عدد من المعارض بعد ذلك إلا أن عددا من لوحاته لم تقبل. وأمام هذا الرفض فقد إشترك عدد من الفنانين في إقامة معرض كان البداية الرسمية الاولى للمعارض الانطباعية في عام 1874 ومن أبرز من إشترك به كان: بول سيزان وكميل بيسارو وإدوار ديغا وكلود مونيه وبيير اوغست رينوار والفرد سيسلي ولم يشترك به مانيه. ويومها هاجم صحافي مغمور إسمه لويس لوروا المعرض ضمن موجة النقد والرفض التي جوبه بها الفنانون. وكان هو أول من استخدم كلمة إنطباعية في معرض سخريته من اللوحات وأساليب الفنانين الجديد في الرسم.

استمر الانطباعيون في محاولاتهم ودفاعهم عن مذهبهم الجديد في الرسم واقاموا عدة معارض وصلت الى ثمانية كان آخرها في عام 1889. تطورت أعمال الفنانين الانطباعيين ومرت بمراحل مختلفة من تطور مسيرتهم الفنية وشهدت في بعض الحالات خروجاً عليها ونقدها كما في حالة بول سيزان الذي بدأ يسير في إتجاه مغاير بدءاً من عام 1882 حين حاول الجمع بين تأثير المشهد على الحواس وربطه بالتفكير العقلي الذي ينظم وسائل التعبير. كانت لوحات كلود مونيه ورينوار وإدوار مانيه التعبير الاقوى والابرز عن مباديء هذه الحركة وقد مر كل منهم بتطورات في أسلوبه عرفت بالمراحل واشتق كل واحد لنفسه خطاً يتباعد عن البدايات. وهكذا بدأت تظهر مرحلة سميت بالانطباعية الجديدة التي قدمت الفنان جورج سورا تطور عنها فيما بعد الحركة ما بعد الانطباعية أو الرمزية في الرسم على يد بول غوغان وبوفي دو شافان وفي الادب على يد الشاعرين مالارميه وبودلير.

هناك العديد الكثير من اللوحات الانطباعية في تاريخ الفن التي قدمها الفنانون الذين وردت اسماؤهم في هذه المقالة وغيرهم من الاقل شهرة. حيث قدم كل منهم العشرات بل المئات من اللوحات التي اكتسبت شهرة واسعة وصارت من أركان معارض الفنون الحديثة وأصبحت لا بد عنها عند تقديم تاريخ الفن الحديث للدارسين والمهتمين. كما بلغت القيمة المادية لبعض هذه اللوحات في المزادات الفنية مبالغ باهظة لم تصلها من قبل.

والان وبعد ما يزيد على مئة عام على رحيل الانطباعيين الرواد الكبار، يظل السؤال الذي يلح على الخاطر: ماذا بقي من الانطباعية؟
ربما ليس كثيراً، فالانطباعية أبرزت الجانب الحسي الجمالي الفردي لكنها أهملت الجانب النفسي الداخلي الذي التقطته فيما بعد التعبيرية والسريالية، كما ركزت على الرؤية والحواس وتخليد الجمال اللحظي الهارب بمنظور ذاتي، ولم تهتم كثيراً بالجانب الفكري او الواقعي لمشكلات الانسان المعاصر.


* اللوحة أعلاه للفنان الفرنسي بيير اوغست رينوار بعنوان أختان على الشرفة، 1881.


الاثنين، مارس 2

ذات يوم شتائي


ذات يوم شتائي

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار

تهطل قطرات رذاذ من بقايا ليلة ماطرة. تتشكل دوائر في بقع المياة الراكدة في وسط الشارع. تكبر وتتسع ثم تتلاشى. تقف تحت عمود الانارة وهي ترتجف من البرد. بجانبها عمود قصير وضعت عليه لوحة خضراء صغيرة تحمل اسم الشارع. تحمل حقيبة أنيقة سوداء في يدها، وتلبس معطفاً طويلا خمرياً من قماش فاخر. تلف رقبتها بغلالة من الفرو وتلبس على رأسها قبعة سوداء يلفها شبر حريري أبيض يعطي القبعة شكلاً أنيقاً. تلبس حذاء نسائياً أسود اللون عالي الكعب مدبب الرأس. ترتدي فوق ساقيها جرابات طويلة شفافة رمادية. تمسك بيدها الاخرى القبعة خوف أن تطير. تهب ريح قوية فينفتح معطفها فيبدو فستانها الازرق الكحلي تحته. تنظر الى آخر الشارع ويداها ترتجفان من البرد.

السماء داكنة ملبدة بغيوم ثقيلة توحي بالكآبة والوحدة. من خلفها يمتد حقل واسع منحدر من الاعشاب والحشائش الخضراء. تلمع قطرات المطر على أوراق الحشائش. تركض فتاة صغيرة عبر وسط الحقل، بكنزتها الزهرية المونّسة بلون ذهبي وقبعتها الحمراء. تلبس بنطالاً رمادياً فضفاضاً. تحمل على كتفها حقيبة قماش سوداء ثقيلة منتفخة. يسير أمامها كلب أسود صغير الحجم غير عابيء بمياه المطر. تبدو البيوت العشوائية بعيدة صغيرة في نهاية الحقل الواسع بألوانها الباهتة. تنظر يُسرى الى آخر الشارع لعل سيارة تلوح بعد إنتظار طويل. يمر من أمامها رجال غير مبالين بالمطر، ونساء يحملن مظلات زاهية الالوان. أوراق الشجر على رصيف الشارع مثقلة بحبات المطر. تسقط القطرات وتتألق الاوراق لمعاناً.


يقف رجل يلبس معطفاً بنياً من الكتان ويلف وجهه ورأسه بشماغ مخطط بالابيض والاسود على حافة السور المقابل. يمسك بيديه طفلين يحملان حقيبتين على الظهر. ستمر الحافلة بعد قليل. ينظر الى سيل المياه الجارف الهادر عبر القناة خلف السور. مياه موحلة من الطين تضطرب وتندفع في القناة المكشوفة. ترتفع أمواجها ساحبة في طريقها كل شيء. ينظر برهبة الى المياه المندفعة ويسمع صوتها العنيف. تستغل يسرى لحظات إنشغاله. تنظر الى الطفلين وتبتسم لهما. يبتسمان لها أيضاً. ينظر اليها وهي تقف مرتعشة. تنظر اليه. تتلاقى العيون. تشيح بوجهها بعيداً. تمر سيارة مسرعة. تمد مظلتها كي تتوقف، لكن السيارة تستمر في سيرها. مرت سيارة أخرى فارغة رفعت مظلتها لكنها لم تتوقف. تنظر الى ساعتها بقلق وملل. تقف منذ حوالي نصف ساعة ولم تتوقف لها سيارة. كم تصبح المدينة كئيبة باهتة باردة القلب في الشتاء.


تنظر الى الفتاة الصغيرة تركض، والكلب أمامها وسط الحقل الاخضر. تتابعها بنظراتها. تبتعد وتصغر. تسرح بأفكارها. تنظر الى جهتي الطريق. تمر سيارات مسرعة ولا أحد يتوقف. ترشقها القطرات من عجلات السيارات.. تبتعد للخلف قليلاً. تشعر بالحنق وتلعن في داخلها لعنات مكبوتة. ستتأخر عن الدوام. من سيصدقها في المكتب؟ أنها تقف هنا منذ اكثر من نصف ساعة. لقد تأخرت في الايام الماضية رغماً عنها. لم يقل رياض لها شيئاً ، ولكن نظرات التكذيب بائنة في عينيه. شعور ينغص عليها يومها ويقتلها من الداخل. لا تريد أن يتجاسر عليها اذا استمرت تتأخر كل يوم. ربما يخرج عن صمته ويوجه لها ملاحظة قاسية. ستكون بداية تنذر بمعاملة أخرى. يكيفيها ما بها. لا تريد أن يزيد العمل من مراراتها المكبوتة. لقد استيقظت مبكرة هذا الصباح الماطر. ولكن الحظ يعاندها.


يسمع الرجل صوت الحافلة تقترب. ينظر الى ساعته. كل يوم ينتظرها في الصباح. صار سائق الحافلة يعرفه. تبدل السائقون منذ ثلاث سنوات، وهو يقف كل يوم مع الطفلين في ذات المكان. يصعد الطفلان الى الحافلة البرتقالية. تراقب يسرى الموقف بكل تفاصيله. تعود غصة من تجاويف الذاكرة، فتحس لها بطعم المرارة في الاعماق. تبلع ريقها. تنسى الاحساس بالبرد والوقت، وهي تتأمل منظر الطفلين يصعدان للحافلة. لم تعد تحس بشيء من حولها. تراه يلوح لهما بيديه مودعاً. تتحرك الحافلة وهو ما يزال ينظر اليهما. تتابعه بنظراتها. يلاحق الحافلة بنظراته حتى تختفي عند آخر الشارع. يعود أدراجه، فتبتلعه البناية. تنظر اليه يسرى وهو يختفي في رحم البناية المقابلة. تشرد بنظراتها الى الحقل المنحدر الواسع. لقد إختفت البنت الصغيرة. هدوء يسود المكان. تنتظر ملولة قلقة. ترتجف يداها من البرد. لكنها بقيت متسمرة مكانها. ربما يشفق عليها القدر فتتوقف لها سيارة. في آخر الشارع ينتظر كثيرون. لن تكون فرصتها أحسن حالاً. أحست بالضيق. لقد فات الوقت وهي ما تزال هنا. ستؤرقها نظرات رياض مثل كل يوم.


ما يزال رذاذ المطر يتساقط خفيفاً. تتسع الدوائر أمام ناظريها ثم تتلاشى. قصفة ريح تعبر وجهها فتحس بقشعريرة تسري في بدنها. توقفت حافلة برتقالية على الطرف الاخر. نزل منها طفلان يحملان حقيبتيهما على ظهريهما. نظرت اليهما. لم تصدق المفاجأة. لين بمعطفها الاحمر الغامق يلف جسدها وطاقية من الصوف المشغول باليد تغطي خصلات شعرها الذهبية. وعلاء يتلفع بمعطفة الكحلي الغامق من الجلد، وطاقية سوداء تغطي شعره الاشقر الناعم. وقفت مذهولة غير مصدقة. صرخت لين..علاء. التفت الطفلان اليها.. تبسمت.. بقي الطفلان صامتين. مشيا ناحية مدخل البناية. نسيت نفسها وهي تنزل الرصيف. غاصت قدماها في بركة ماء في الشارع. أحست بلسعة الماء البارد داخل حذائها. نادت مرة أخرى لين.. ماما.. علاء. قطعت الشارع من غير وعي. توقفت سيارة فجأة. كان صوت صرير عجلاتها مدوياً. ركضت اليهما. إحتضنتهما وهي تبكي. أخذت تقبلهما وتضمهما الى صدرها، وزفرات أنفاسها الحارة تخرج مع تنهداتها. أين كنتما؟ نظر الطفلان اليها بعيون مستغربة تملأهما الدهشة. بقيا صامتين. كانت تضمهما بكل حنان، وهما يشعران بحيرة.. لا يدريان شيئاً مما يجري.


لقد اشتاقت لهما كثيراً. لم ترهما منذ سبع سنوات. كل ليلة تحلم بهما. ما تزال صورتهما منطبعة في رأسها. إستقيظت في الليل على رائحة الغاز. اضطربت خوفاً. أيقظت غنام. نهض من فراشه وجرى للمطبخ. قفزت عن سريرها. لين نائمة في سريرها بكل هدوء، وعلاء في سريره الخشبي المشبك الصغير الى جانبها ووجه للاسفل على المخدة. انتابها خوف مرير مفاجيء. هزتهما بقوة. صرخت ماما.. ماما.. لم يستيقظا.. تسلل خوف مريع الى أعماقها .. رأت بوادر حركة على جفونهما المغمضة.. وأحست بأنفاسهما. إطمأن قلبها. جلست عند سريرهما تبكي. دخل غنام ووضع يده على رأسها وأخذ يهديء روعها.


ضمتهما الى صدرها أكثر. قالت والدموع في عينيها. أين كنتما. كنت أنتظركما كل يوم. هل نسيتما ماما؟ تحسستهما من معطفيهما أكثر. عادت الصور سريعاً كأنها تحدث الان. حين عادت للبيت في ذلك اليوم، لم تستطع فتح الباب.. كان هناك شيء ثقيل وراءه. بقيت تدفعه شيئاً فشيئا حتى إنفتح. لم تعرف ماذا جرى بعدها. حين فتحت عينيها كانت ممددة على السرير ومن حولها ستائر بيضاء. كانت أمها تمسك بيدها والممرضة تسجل في الاوراق على سريرها. لقد حطمتها الفاجعة. لم تحتمل بشاعتها. تعيش على المسكنات والابر المهدئة. لم تنهر أعصابها وحدها. لقد إنهار كل شيء في حياتها في غمضة عين. لا تزال الى الان ترفض التصديق. كيف طاوعه قلبه أن يفعل ذلك؟ أي بشر يمكن أن يفعل هذا؟ كيف استطاعت أن تسلبه تلك الاجنبية الشقراء عقله؟ كيف حولته الى وحش بلا قلب ليقتلهما بدم بارد؟ ما تزال صورة لين، وهي ترتمي على الباب، تحاول أن تفتحه قبل أن تلفظ أنفاسها، منطبعة في ذاكرتها. وعلاء يرقد على بعد خطوات منها مثل قطعة ثلج باردة.


أفاقت من شرودها على صوت ينادي عليها ويربت على كتفها. شكرا على إهتمامك بهما. أقدر كثيراً ما قمت به لاجل سلامتهما. كيف يتركانهما في الشارع هكذا؟ سأعرف كيف أتصرف معهم. ماذا لو لم أكن بالبيت؟ هذه المدرسة كلها فوضى. رن جرس مزعج قطع عليها حلمها. رفعت رأسها كان الظلام ما يزال يلف الغرفة والستائر مسدلة. فركت عينيها لم تتبين الوقت جيداً. حملت الساعة بين يديها. كانت الساعة الثامنة والنصف صباحاً! أحست بخيبة أمل. أسكتتها بقبضة من يدها، وعادت للنوم مرة أخرى. بقيت تتقلّب بقلق. وضعت رأسها تحت الفراش، وراحت تبكي في نشيج مكتوم متواصل.

* اللوحة أعلاه بعنوان صلاة لأجل المطر للفنان السوري الراحل فاتح المدرس 1922- 1999

الأربعاء، فبراير 25

الكتاب السري!


الكتاب السري!

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار

كنت أمشي خلفه من غير أن يحس بي. اتباطأ في سيري. أدعه يبتعد قليلا. أتلهى بالتوقف. أنظر حولي. أتطلع خلفي. أمشي على الجانب الاخر من الزقاق. رأيت نار الفرن مشتعلة في التنور. ما تزال ألواح الخشب مصفوفة فوق بعضها بعضاً. ترددت قليلا خشية أن يراني. رأيت أبي يمسك العجين، يرقها بيديه، ثم يرفعها في الهواء، ويفردها على سطح البلاط أمامه. مشيت ملتصقاً بالجدار على رؤوس أصابعي كي لا يحس بوجودي. اذا رآني سأمضي المساء في الفرن. تباعدت المسافة بيني وبين خليل، خشيت أن يتوارى قبل أن ألحقه. هكذا هي عادته أن يتسلل خفية بعد العصر ليلتقي بأصدقائه. يرفض أن يصطحبني معه. كلمات حاولت الذهاب معه، يصرخ علي. يشكوني الى أبي فيمنعني من اللحاق به. أسمع محاضرة ، أقضي المساء أحمل الارغفة وأرتبها على اللوح الخشبي. صرت ألاحقه متخفيا متسللاً حتى أفاجأه بين أصحابه. يثور ويزبد، ثم لا يلبث أن يقبل بالامر الواقع! في أحيان لم يكن يقبل. تلاحقني الحجارة حتى أهرب بعيداً!


أسرعت الخطى قليلاً. دخل خليل في زقاق ضيق. ركضت خلفه. وقفت على الزاوية. لمحت ظهره قبل أن يتوارى في آخر لحظة. ذهب الي اليمين. مشيت حتى وصلت نهاية الزقاق. كانت الطريق منحدرة للاسفل وعلى جانبيها سيارات وأشجار مزروعة على الرصيف. لم أره. لقد اختفى. أسرعت نازلاً الطريق. في نهايتها درج إسمنتي. أين ذهب يا ترى؟ بيت صاحبه علوان في نهاية الدرج. نزلت الادراج مسرعاً. كانت البوابة الحديدية مغلقة. لا يمكن أن يكون دخل بهذه السرعة. وقفت محتاراً. عدت أدراجي. بقيت أبحث عنه. ولكني لم أجد له أثراً. شعرت بخيبة أمل.


في الليل عاد الى البيت. نظر الي نظرة فيها ابتسامة التشفي. وأخذ يقهقه. شعرت بالغيظ. عرفت أنه أحس بي أسير خلفه فتوّهني. قمت من مكاني وهجمت عليه. سمعت صوت الباب الحديدي يُفتح. لا بد أنه أبي. ركنت الى مكاني وكظمت غيظي وسكت، وأنا أتوعده في الغد! بقي يضحك، ويكيدني بحركات من يديه، كي يشعرني بفشل خطتي! إذا عرف أبي بالامر سيفرغ غضبه الليلة في. لا أريد أن أسمع تأنيباً، فسكت على مضض، وتوعدت داخل نفسي ألا أدعه يغيب عن عيني غداً!


خليل في السابعة عشر وأنا في الرابعة عشر. لكنه المدلل بيننا. لا أعرف لماذا يحظى بهذه المفاضلة بيننا. نحن سبعة. أربع أخوات وثلاثة صبيان. لكن أبي يفضله في المعاملة علينا، رغم أنه نادراً ما يساعده في الفرن. يستطيع خليل الخروج من الفرن في أي وقت يشاء. لا يرد له في الغالب طلباً، ويخضع لرغباته، وأمي تحنو عليه وتدلّله أكثر منا. أبي يقول إنه ولي العهد ورجل البيت في غيابه. ولكني لا أسكت. لا أطيع أوامره. يحاول أن يفرض زعامته علينا فأعارضه. صرنا كثيري المشاغبة والاقتتال! لا تعارض أخواتي وأمي تصرفاته، ويقبلن تدخله في شؤون البيت. ولكنه يخشى من أختي الكبيرة. عندما تضيق ذرعاً به لا تسكت له. تضربه وتشكوه لأبي فيأخذ نصيبه من التقريع مثلي!


في اليوم التالي عندما عدنا من المدرسة، تناولنا الغداء وأخذنا ندرس ونسوي الواجبات المدرسية. قلت لنفسي: "سأنهي قبله وأتفرغ لمراقبته بطرف عين كي لا يغافلني ويخرج من البيت". بيت متواضع في حي فقير، بالكاد إشتراه أبي بالدين قبل خمس سنوات بعد أن باع ذهب أمي. درس أبي حتى الثانوية، ولكن لم تسمح له ظروفه أن يكمل دراسته. والفرن بالكاد يسد مصروف البيت. يعطيني أبي كل يوم مصروفا للمدرسة لا يكفي لشراء شيء! ولكن قروش معدودة خير من التحديق في أيدي الاولاد! أنزل على درج طويل من الشارع الى بيتنا. أشعر أن نفسي سوف ينقطع. أبقى ألهث وألهث حتى استرد أنفاسي من جديد. في بيتنا ثلاثة غرف لكي نحيا وننام ونمارس كل رتابتنا اليومية المملة فيها. في أسفل البيت يوجد غرفة وملحقاتها تعيش فيها فتاتان من الجنس الاصفر! وأعلى السطح يوجد غرفة هي أشبه ما تكون بالخزين. غرفة ضيقة وفي سقفها سدة. ملأت أمي الغرفة بكل عدة الشتاء. صوبات الكاز وجرارها والسجاد العتيق. وملأ أبي السدة بالعدد وصناديق الخشب والكتب القديمة!


رأيت خليل يتهمم بالخروج. فعرفت أنه ينوي على شيء! كان يخرج للبوابة ثم يعود. لن يغيب هذه المرة عن ناظري.. اذا صعد الدرج سأراه! مئة درجة كفيلة أن أراه قبل أن يختفي. رن جرس الهاتف. تظاهرت بالانشغال فلم أرد. بقي يرن وأنا جالس جنبه. جاءت أمي مسرعة من المطبخ. رأتني. هبّت في بصوتها العالي: "لماذا لم ترد؟ ماذا تفعل؟ ألم تسمع؟" قلت لها متحججاً: "كنت أقرأ في كتابي ولم أسمع". نهرتني: "رد بسرعة قبل أن ينقطع". كانت جارتنا أم محمد العامرية في الشارع الخلفي. بدا على وجهي التبرم. كم أمقت حديثها. كثيرة الكلام والفضول. لديها فضول يقتل كل القطط في حيّنا! بقيت تسألني عني وعن دراستي وتدعو لي بالتوفيق والنجاح! تخلصت منها بصعوبة، وناولت السماعة لأمي. عدت أمسك كتاب التاريخ. تذكرت خليل. رميت كتابي جانباً وقفزت من مكاني. اللعنة. كيف نسيته؟ تبّاً للعامرية!


فتشت عنه داخل البيت فلم أره. بحثت في كل الغرف وفتحت كل الابواب المغلقة! إختفى مثل شبح. خرجت من الباب. وقفت في حوش الدار، نظرت الى الدرج الطويل الصاعد الى الشارع. لم أر له أثراً. لقد غافلني وخرج. صعدت الدرج قفزاً. ما أن وصلت حتى كنت ألهث مقطوع الانفاس. لم يكن أحد في الشارع سوى سيارات متهالكة تقف على جانبي الطريق. لم أر خليل. أين سأفتش عنه؟ لم أرد أن أجهد نفسي في بحث عن شبح بلا طائل. خليل له أساليبه في التخفي. لا تعرف متى يخرج من البيت ومتى يعود. وأبي يفلقني بصبره عليه. عدت أنزل الدرج خائباً. أمسكت كتاب التاريخ. ليس فيه سوى أخبار الحروب والمعارك. كنت مستغرقاً في الكتاب، عندما رأيت خليل يدخل الغرفة وبيده كاس ماء يشرب منه. رفعت حاجبي وفغرت فمي من الدهشة. كيف عاد وأين كان؟ لم أحب أن أسأله كي لا يعرف أنني خرجت في إثره! عدت أدرس وأتشاغل عنه في كتاب آخر. كان يدخل ويخرج بلا قرار. أحسست أنه سيخرج مرة أخرى. بقيت متيقظاً وأذني مرهفة لأي صوت قد يصدر من الباب.


بعد قليل سمعت صوت الباب ينفتح ويغلق. تركت كتبي وقمت خلفه. فتحت الباب بسرعة فسمعت صوت خطوات على الدرج فوق البيت. تسحبت بكل هدوء خلفه وصعدت الدرج. سمعته يدخل غرفة الخزين، فمشيت حتى وقفت عند بابها. سمعت صوت تسلقه على السلم الى السدة. دخلت غرفة الخزين من غير أن يحس بي. كان في الاعلى داخل السدة. لم أستطع رؤيته، لكنني سمعت صوت الصناديق الكرتونية. هدأ الصوت وساد صمت. كان يبدو أثر الضوء فيها من حافتها. استغربت ماذا يفعل هناك. السدة مليئة بالواح الخشب التي كان يستعملها أبي في الفرن والعلب والاكياس والعدد التي لم نعد نستعملها. لا يحب أبي وأمي أن يتخلصا من شيء. لديهما غريزة قوية في الاحتفاظ بالاشياء التي إنتهى زمانها. ما زال أبي يحتفظ بكتبه المدرسية والكتب المصفرة منذ كان طالباً. ولكن ماذا يفعل خليل هناك؟ عرفت الان أين كان يختبيء مني في أحيان كثيرة مثل البرق كشبح. وماذا يفعل هناك. المكان ضيق كالزنزانة بوجود كل هذه الكراكيب. بعد قليل أحسست بصوت أنفاسه يتململ ويتحرك كأنما يريد النزول، فأسرعت خارج الغرفة، ونزلت الدرج ودخلت البيت.


إنتابني الفضول. أريد أن أعرف ماذا كان يفعل خليل بالسدة. بعد قليل خرجت، وصعدت الى غرفة الخزين. تسلقت السلم وأنرت السدة. كانت رائحة الهواء الرطب والعفن تنبعث منها. منذ مدة لم أصعد الى هنا. صارت ملأى بالاغراض فلا تعرف أين تضع قدمك. ماذا كان يفعل خليل هنا؟ أخذت أنظر في زواياها. لم يكن هناك شيء غير عادي. فتحت بعض الصناديق كانت مليئة بكتب قديمة مصفرة. أحسست أنها أعادتني عصوراً للوراء! جلست أقرأ فيها.. شعرت أنني في أيام معارك عنترة وشيبوب! رأيت "ين القصرين" و"السكرية". رأيت "شجرة اللبلاب" بأغلفتها ولوحاتها القديمة. كانت أوراقها مصفرة مثنية الجوانب. وفجأة وقعت عيني على كتاب آخر. لم أصدق. من الذي أحضره الى هنا؟ أمسكت به. كان ضخماً مليئاً بالصور والرسوم. شيء جديد أراه لأول مرة. هل هو لأبي؟ ولماذا يحتفظ به؟ أم لخليل وخبأه هنا؟ ودارت في رأسي فكرة. عرفت لماذا يتسلل خليل الى غرفة السدة ويجلس فيها. تملكني الفضول. أخذت أقلب أوراقه وأنظر في رسوماته. إشتعل الفضول أكثر، وثارت الغريزة مما أشاهده وأقرأه! كانت الكلمات أكثر مما يستطيع ولد في مثل سني أن يحتملها! شعرت بالخجل والخوف. خفت أن يأتي أبي فجأة، ويراني هنا أمسك الكتاب. ستكون فضيحة!


أعدت كل شيء مكانه خشية أن يكتشف أحد أنني كنت هناك! نزلت، ولكن لم يزل في البال شوق وإثارة لقراءة المزيد! بقيت أفكر به المساء كله. عدت في اليوم التالي وجلست كطفل مقرور فوق الصناديق، وأنا ألتهم الكتاب. كان ضخماً جدا وحروفه صغيرة. ولكن كلامه ورسوماته كانت لا تقاوم! أحسست أنني في عالم آخر. تكشفت لي اشياء لم يكن لي أن أعرفها سوى منه! لم اعرف لمن كان الكتاب. ربما لأبي ووجده خليل، وصار يأتي ليقرأ فيه بين حين وآخر مثلما أفعل الان! وربما أحضره خليل من عند أصحابه، وهرّبه للسدة! لم أعد ألاحق أخي مثل السابق. صرت مشغولاً باختلاس القراءة في الكتاب السري!


إستمر خليل يتردد على السدة فصرت أكثر حذراً من ذي قبل. خف اهتمامي بالامر بعد فترة من صدمة الاكتشاف. فعدت أطارد أخي مرة أخرى. وذات يوم فاجأته بين أصدقائه. نظر الي بغضب وعصبية. وقف وراح يشد بي من قميصي ويدفعني بقوة، ويهددني. تناول حجراً وأراد أن يرميه علي فهربت. أخذ يلاحقني وأنا أجري.. أصابني حجر في رأسي.. كان مؤلماً. وقفت أتحسس رأسي، فرأيت على راحة يدي بعض بقع من الدم. أخذت أصيح عليه ليتوقف، ولكنه إستمر. أخذت أبكي وأتوعده. رجعت وأنا حانق عليه. قررت أن أرد له الصاع صاعين! في المساء عندما عاد أبي متعباً من الفرن. أخبرته بما يفعل خليل في السدة.. لم يعر أبي الامر إهتماماً. ولكن عندما ذكرت له اسم الكتاب. فقد إنتابته نوبة غضب وتغير لون وجهه، وأصبح متورداً أحمر وعيونه تقدح بالشرر. عندما رجع خليل في الليل لم يهدأ أبي من الصراخ عليه. لقد سمع كلاماً حتى تمنيت لو أن أبي سكت! حلف أبي أن يغلق السدة بمفتاح والويل لمن يفكر بفتحها! لم يحر لخليل جواباً فبقي في زاويته يسمع وعيناه نحو الارض!


في نهاية العام أنهى خليل دراسته الثانوية. كنا نجلس ذات مساء نشاهد التلفاز، فطلب من أبي أن يأخذ مفتاح السدة. إستغرب أبي من الطلب. قال إنه يريد أن يأخذ الدنانير التي كان يخبئها هناك. نظرنا اليه باستغراب. قال إنه كان يخبيء مصروفه وكل ما كان يتجمع معه دينار أو اكثر يضعه في إحدى الصناديق الكرتونية. قام أبي وأحضر المفتاح الذي كان يخبئه، وأعطاه اياه وقال لي سراً: إذهب وإنظر ماذا سيفعل. لا بد أن هذه حيلة يريد بها شيئاً. ذهبت مع خليل وصعدنا لغرفة الخزين. صعد سلم السدة وصعدت خلفه. كان المكان ضيقاً ورائحته غريبة. لم نستطع الوقوف فيه لان السقف منخفض. فتح خليل أحد الصناديق الكرتونية. مد يده.. لم يكن هناك سوى نشارة من الورق. فتح صندوقا آخر كانت هناك ما تزال بعض الكتب المصفرة وقد أُلتهمت أطرافها.. لم يكن الكتاب السري هناك! سمعنا صوت جلبة بين الصناديق. فتح خليل صندوقاً آخر كانت هناك أربعة فئران تختبيء فيه وحولها نشارة من الورق!

* التشكيل أعلاه من البرونز للفنان العراقي عماد الظاهر