2010/02/28

إمرأة في بلاد الحريم


قراءة في ديوان "إمرأة في بلاد الحريم"
بقلم: اياد نصار

أجمل ما في ديوان الشاعر جهاد أبو حشيش الذي صدر عام 2007 هو قدرته المزدوجة على تصوير معاناة الشاعر الداخلية، حين يتورط في حب إمرأة مكبلة بتاريخ طويل من أعراف وقيود الحريم، منذ أن "طاولت نخلة بأعناقها زرقة السماء"، ولكنها بقيت مزروعة مكانها بالارض، حيث تراكمت حول جذورها كتل من التراب القاسي، فمنعتها من الحركة، وفي الوقت نفسه، تصوير معاناة المرأة العربية التي فقدت إحساسها بهويتها الانسانية عبر تاريخ طويل من القمع الصامت والاغتراب الذي حوّلها الى قطيع من الحريم، يعاني الانفصام والتمزق ما بين داخلي متفجر يضج بالحياة، وخارجي ينوء بنفاق إجتماعي يتمثل بكتل الثلوج الراكدة التي تطفيء حرارة الكلام.

نجح الديوان بطرح معاناة المرأة العربية، من خلال طرح معاناة الشاعر في البحث عن علاقة انسانية، تستشف رؤى الروح ولذة الجسد، دون أن يُصادر دورها واختيارها، مما يلخص معاناة المرأة في "بلاد الحريم" التي تصبح في الديوان مرادفاً للشرق. وهنا ينتقل بشكل جميل ما بين الخاص الداخلي بلغة شعرية رقيقة متوترة موسيقية الى الفضاء الانثوي الانساني في صراعه لتقديم جماله واستكشافه لمعاني الحب والعشق. ومن المفارقة أن يهدي الشاعر قصائده للمرأة البرية التي يبحث عنها فلا يجدها، لأن نساء الحريم صارت زبداً بلا هوية، فهي ضحية مثل الشاعر.

في التمهيد الذي يقف في مقدمة ديوانه، يقيم الشاعر بكلمات شاعرية أجواء المسرح الذي ستجري عليه حوارات العشق ومناجاته المفعمة باللذة والالم في آن معاً، ويحدد أطره الفكرية: إرتجاف دون اباحة، وحب يغسل النفس المذنبة، ونخل مارق، في اشارة بارعة الى تاريخ طويل من السكوت والخنوع، فتأتي القصائد معلنة التمرد والمروق. ليل طويل. وأي ليل؟ ليل الظلام والسواد وليالي العذاب، فالشرق حكاية، وكل ما قيل فيها لغاية الان قليل، وهذا ما يبرر مشروع الديوان أنه يقتحم عالماً غامضاً ساحراً، ولكنه مفعم بالألم والشكوى والرجاء يبحث عن وسائل للتعبير عن ذاته. هذا العالم هو بلاد الحريم الذي يقيم الشاعر في ديوانه مسرحاً لأجلها، يقدم فيه صوراً متنوعة للعلاقة المتوترة بين الرجل والمرأة.

تمتليء القصائد بمفردات عالم بلاد الحريم منذ القصيدة الاولى "عتقت روحي"، فهناك الأرائك والخيل والملك والنخيل والجنة، في قصيدة تعلن فيها امرأة أنها عتقت روحها لأجل من تحب، ولكن كل تفاصيلها توحي بقمة الاستسلام أمام الحبيب، فهو كالملك فوق نخيلها وفي جنتها. وفي قصيدة "شرق"، فإن المتكلم رجل يدعو المرأة لكسر حاجز الصمت. فهذا الشرق كما يقول أرض الطغاة التي قد تحولت فيه النساء الى مدن محرومة تموت على شفاها الكلمات والقبلات، وتمارس الصيام كناية عن الحرمان وادعاء الفضيلة. وفي عبارة مثقلة بالمعاني يقول "إكسري طوق النجاة"، فقوانين بلاد الحريم وأنظمتها الاجتماعية التي تطرح على المرأة كأطواق نجاة ما هي الا أطواق استعباد، ولم يبق مكان لحب رائع فيه، فقد رحلت الحوريات الى غير رجعة.

تسود القصائد لغة رومانسية رمزية، تقدم صوراً سيريالية مركبة مجزؤة، تعتمد توظيف مفردات البيئة الخاصة بالشر، لتقدم أشواق وهواجس عالم المرأة المثقل بالقيود والمحظورات. تطرح قصيدة "مؤامرة" بايقاع سريع مفهوم المؤامرة، فهناك مؤامرة يقوم بها الرجل لمصادرة أي تحرك تقوم به المرأة قبل البدء وقبل الخاتمة، وهناك مفهوم المؤامرة الذي يرى في أي تعبير للحرية لدى المرأة نوعاً من المؤامرة على المرأة. وبهذا تصبح المرأة مستودع الكبت الذي توأد فيه رغباتها ومظاهر فرحها وحزنها، وتتجمد دموعها وصمتها وشفاهها وخصرها وكل شيء فيها من برد القمع وثلوج العزلة:

شفاهُك التي أجَّلتْ قبلاتِها
وخصرُك الذي يغيب في ثلوج ِ نارِك
كقطة ٍ مشاغبة
ونهدُكِ الوحيدُ كالأبراج
في مدينة ٍ مسالمة
شرق من النساء
شفاهُها المؤامرة

وبلغة الحنين والأمنيات الضائعة، وبلحن موسيقي واضح، تقدم قصيدة "أريد أن" توق الشاعر الى التحرر من مدن الحديد والزيف، وحلمه في أن نقول ما نريد ونكتب ما نريد في عالم يقدر القصيدة التي تصبح التعبير الاسمى عن الحب. تقدم القصيدة الامنية تلو الامنية بعالم آخر يحلق فيه الانسان كالفراشة. ولكن القصيدة تطرح مفهوم ان تكون القصيدة نفسها هي المكان والتعبير الاسمى، فهي محارة الكلام التي ينام فيها الشاعر، وهي المذبح الذي يتطهر فيه بعيداً عن عالم العبيد والاسياد، فهناك تتماهى الفوارق والحدود فنكتب ما نشتهي.

توظف القصائد بصورة مبتكرة عناصر الطبيعة الاربعة التي اعتاد القدماء أن يقسموها بين الماء والنار والتراب والهواء بشكل متكرر. وتكاد لا تخلو قصيدة من توظيفة ما لأحد هذه العناصر، فهناك جدائل النار وآيتها، وهناك مدن الثلج وأشواكها، وهناك ماء الغزال الذي يتحول الى نجمة في الكلام، وهناك الجمال الابيض الذي يصبح تراباً أو قمحاً أو بعض إله. كما نلحظ في أغلب القصائد هذا الكم الهائل من حر الرغبة وينابيع الوجد التي تتجمد من ثلج الوحدة على الشفاه. ولا تقف نيران العشق عند أحلام العاشق بل هي نفسها تمور في صدر العاشقة وعلى خدودها، ولكن تموت خلف الشبابيك.

يعود صوت المرأة العاشقة مرة أخرى في قصيدة "أموت في انتظاره" في لغة تتجرأ فيها على قوانين بلاد الحريم، وتبوح فيها بكل شفافية وحرارة بشكل يذكرنا بتمرد العاشقة الاندلسية على قيم المجتمع العربي وتعبيرها عن عشقها بكل جرأة وصراحة. قصيدة تمتاز بتوظيف الاصوات والالوان والاحاسيس والمتضادات:

في دفتري الصغير
تنام ألف غيمة وغيمة
شقاوتي صِنّارة
مدينة من النساء في دمي تموج
أشتاق للحرارة
فبعض ناري جنّة
وبعضها اشعاره
وحينما يلمني من الغمام
في قصائده
أنوثتي مناره
فاعذروني أن هتفت عِشْقَه
ومتّ في انتظاره

ولكن هذه الجرأة في التعبير عن العشق الانثوي لا تنسى أن تبتديء بالاعتذار وتنتهي بالانتظار!
يوظف الشاعر جهاد أبو حشيش اسلوب المتضادات والمقابلة لتعميق مفهوم المعاناة واستحالة الوصل:

وفي لعاب صمتها
يذوب ما نقول
تهزني كالنار
إذْ تهزّ خصرَها الثلوجُ
فبردها مدينتي ونارها ولوج
تجيء في الغياب خلسة ً
تموجْ
تقبل احتراقَها فراشة ٌ
فتنثني المروج

وفي قصيدته الجميلة "في بلاد الحريم" التي أهدت للديوان عنوانه، يقدم الشاعر مستوى رفيعاً من أفكار لمّاحة وإشارات صريحة وضمنية. تطرح القصيدة مظاهر معاناة العاشق والعاشقة في بلاد ما تزال تنتهك انسانية المرأة وتحولها الى مجرد أسيرة للذة في قصور الحريم، وتسلب حريتها حتى في التعبير عن ذاتها، وتنقل صوراً للصراعات النفسية الداخلية بين الرغبة في الانطلاق والتحرر وبين الخنوع. وينتقل الشاعر فيها باسلوب سلس ما بين الخاص والعام بشكل متبادل وبلغة متوترة ذات جمل قصيرة استطاعت أن تضع القاريء في أجواء الديوان. وما يميز هذه القصيدة هو بناؤها، فهي تتألف من خمسة مقاطع ومقدمة على نحو يذكرنا بأننا أمام عمل روائي. وفعلا هناك لمسة روائية في لغة القصيدة، فهي تسرد حكاية من شرقنا يبتدأ بالقول أن كل شيء مباح في شرقنا. ولكن المفارقة تظهر عندما نعرف أن كل شيء مباح هو كل ما هو غير إنساني: الخيانة والخديعة وجراح الحب!

تلخص مقاطع القصيدة تغييب الشعور بالذات لدى المرأة، حيث تصبح مجرد جارية في خدمة أوهام سوداء لا تعرف غير الدم والعنف، وتفقد حريتها. وتصبح مصدر متعة حسية جسدية عبرت عنها بعبارة رائعة:

إذا اشتهى قيثارتي
أُحضّر العشاء!
وبرغم ذلك فهي كالفراشة التي تحوم حول مصيرها لا تستطيع له فكاكاً. برغم القهر والعذاب، فإنها مصرة أن ينتصر الحب، والقلب لا يتوقف عن الاحتراق والشغب:

تفاح قلبي يابس مما إعتراه
وبعض قلبي من شغب
إن يزرعوا حولي الحواة َ
حجرُ وصوتي من لهب

نجح ديوان "امرأة في بلاد الحريم" من خلال لغة شعرية مشحونة مليئة بالصور، والتي تطرح دلالات وعلاقات جديدة للمعاني، وفي رؤية معاصرة تستلهم بعض أهم قضايا المجتمع العربي قديماً وحديثاً، في توظيف واستلهام صور متعددة من التراث الممتد من قلب الصحراء الى حواف الماء فيما يخص قيمة ومكانة المرأة.  كما نجح في اظهار المفارقة الصارخة التي يمثل أحد جانبيها مكانة المرأة في عمق القلب والوجدان بالنسبة للرجل العربي الذي يعبر عن ذلك كثيراً بأشعاره حتى حد الالم والبكاء، وفي الوقت نفسه يجرد هذا الحلم الجميل من حريته وذاته حتى يبني مدينة الخراب!

* نشرت في مجلة "أفكار" الثقافية التي تصدرها وزارة الثقافة الاردنية، العدد 252 للعام 2009.

2010/02/26

عالم عدي مدانات القصصي



عالم عدي مدانات القصصي

القصة رسالة ضد استلاب انسانية الانسان

إيـاد ع. نصـار

ينتمي أدب عدي مدانات الى المدرسة الواقعية التي ترصد تحولات الطبقتين الدنيا والوسطى وصراعاتهما وتناقضاتهما على وجه العموم، ومدمني المعاناة اليومية والصامتين وأصحاب البؤس والاحلام المؤجلة وضحايا فظاظة الاقدار وأسرى العادات ثقيلة الوطأة التي تفتك بالروح على وجه الخصوص.


وقبل الخوض في عالم مدانات القصصي الذي يتشكل من ثلاث مجموعات قصصية هي "المريض الثاني عشر غريب الأطوار" 1983، و"صباح الخير أيتها الجارة " 1991، و"شوارع الروح" 2003، ومجموعة جديدة ستصدر قريباً بعنوان "حكاية السوار العتيق"، لا بد من الوقوف عند بعض المحطات المهمة والمؤثرات الرئيسة في حياته، والتي شكلت مناهل الفكر لديه، وحددت إطار تجربته الابداعية وخبراته في الحياة التي استمد منها مادة كتاباته.


تبرز في المقام الاول مهنة المحاماة التي يمارسها منذ زمن، ولعبت دورا كبيرا في اقترابه من مشكلات الانسان وهمومه، فصارت أحاديث الناس وحكاياتهم منجمه الذي ينقب فيه، وصارت هموم وشجون الفقراء والمعذبين والمهمشين وأسرى الرتابة اليومية التي تفرضها متطلبات الحياة البائسة ألوانه التي يرسم بها لوحات قصصه التعبيرية، ومراكبه التي يبحر فيها بحثاً عن جزر بشرية تعيش معاناة الوحدة والنسيان والعزلة وسط المجتمع، وتئن من الالم والضجر واليأس. ويمكن القول أن أدب عدي مدانات أقرب في جانب كبير منه للتعبير عن روح الطبقة الوسطى وأخلاقياتها ومشكلاتها من غيرها.


ورغم أن اهتمامه بالقصة والتأمل في فصول المعاناة الانسانية بدأ قبل أن يبدأ مشواره العملي في سلك المحاماة، وتمكن من تطوير أدواته وأسلوبه وزاوية الرؤية التي يقارب بها قضايا المجتمع، إلا أنه استطاع من خلال المحاماة أن يعاين ظروف عيش الناس، ويسبر أسباب إحباطاتهم، لينفذ الى دواخل نفوسهم وخفاياهم، ويلمس صفاتهم المتناقضة في آن معاً.


وثمة محطة أخرى مهمة في مسيرته الابداعية، هي أنه أحد مؤسسي رابطة الكتاب الأردنيين. فقد ولدت الفكرة في تلك الفترة المبكرة في بداية السبعينيات بعيد رحيل الاديب تيسير سبول الذي كان صديقاً لعدي. ففي ذلك اللقاء الحزين عشية تشرين عندما فُجع الاصدقاء بخبر انتحار تيسير احتجاجاً على انكسار الحلم العربي، ولدت فكرة إنشاء الرابطة لديهم وقد هزّهم الرحيل الدامي.


وإذا كان انتماء مدانات منذ أن تفتح وعيه على الواقع في بداية رحلة حياته، الى الحزب الشيوعي، قد لعب دوراً في تركيز اهتمامه على فئات المقهورين والمحرومين الذين تخذلهم أحلام الحياة، إلا أن قلمه استمر يهتم بهذه الفئات الى الان، حيث لم تنفك كتاباته القصصية والروائية عن تقديم معاناة الانسان تحت وطأة قسوة الحياة والفقر والتحولات الاجتماعية والمادية التي مرّ بها المجتمع، وصعود المظهر المادي الاستهلاكي بتأثير الثقافة الغربية على حساب الوعي والنضال والعمل السياسي.


ومما يثير الاعجاب، التزام مدانات بفن القصة واخلاصه له. وهو ينتقد الدعوات التي رفعت مسألة موت القصة القصيرة ، بل إنه أخذ على وزارة الثقافة تمويلها ندوات ومؤتمرات ترفع شعار التساؤل عن مصير القصة القصيرة مما يشي بافتراض موتها. ولعل مجموعاته القصصية المنشورة وأعماله المتواصلة في هذا الميدان ونشاطه في النشر بشكل شبه دائم، حتى يكاد لا يمر أسبوع دون أن تحمل الصفحات قصة له، دليل على اخلاصه لهذا الفن وإيمانه بدوره. فبالنسبة له: "كتابة القصص رسالة لفضح القبح والشر والمكائد واستلاب إنسانية الإنسان".


يلجأ مدانات من ضمن أساليبه، الى رسم صور متقابلة ومتناقضة من شخصيات عادية أو هامشية أو منسية في اطار ساخر تدير به مواجهاتها وصراعاتها. كما ينقل هذا الصراع الى مستوى أعمق، حين يطرح هموم الطبقات الدنيا في مناكفاتها اليومية، وكأن هذا الصراع اليومي بين نماذج من الطرفين، والذي يعكس التقارب والتجافي والاحتكاك والتناوش، والذي ينطوي على تجاذب وتنافر دائمين، هو زاد كافٍ للكاتب ليبرز حدود الحراك القائم. كما يركز الكاتب على ابراز تفاصيل المكان بواقعية شديدة تبتعد عن اللغة التأثيرية النفسية.


ويبدو عدي مأخوذا بنقل تفاصيل الامكنة بدقة شديدة في جمل طويلة مركبة. ويبدو ذلك واضحا في كثير من قصصه. لكن مدانات، رغم انغماسه الشديد بمشكلات الانسان العادي البسيط الذي تسلبه وطأة الحياة والفقر طعم العيش، يميل الى إغفال هوية المكان ، بل ينحو الى نوع من التجريدية في التسميات والاشارات والدلائل المكانية، أو البعد عن الاحتفاء بأمكنة معينة لها حضور في الذاكرة. فالاحداث يمكن أن تجري في أي مدينة عربية لولا تعابير وأحاديث شخصياته التي اكتست صبغة المكان الاردني.


أما على صعيد الأسلوب، فانه يكتب القصة المشهدية، حيث ينزع الى تقديم لوحة واسعة من مشهد مكاني تلتقي فيه الشخصيات وتدير حواراتها وصراعاتها ومناكفاتها، أكثر من نزوعها الى سرد الاحداث في حبكة متتابعة زمانياً ومكانياً. ويمكن عد قصته ضمن النسق الكلاسيكي للقصة الذي يركز أكثر على نبل القضايا وعدالتها من خلال الحوار، أكثر من تركيزه على الاساليب المشروعة في التجريب. ويوظف الحوار في غالبية قصصه كوسيلة لتقديم القضايا التي تدور في ذهن شخصياته، بدلاً من اسلوب القصة النفسية السيكولوجية او القصة المعاصرة التي تقوم على التشظي والهذيان والهلوسات ومناجاة الذات والكوابيس وعوالم الشك الرمادية التي لا يعرف أبطالها ماذا يريدون، غير أنهم يحسون بالاغتراب.


يبدو مدانات حريصاً في كثير من قصصه على استحضار ماضي الشخصيات كما يظهر من خلال حديثها عن نفسها، وهو يتتبع تاريخ الشخصيات من خلال سرد سيرتها. وفي كثير من الاحيان، وربما بحكم عمله محامياً وتماسه المتواصل مع قضايا الناس، يبدو في قصصه منشغلا بكبار السن والمتقاعدين والمرضى وخائبي الاحلام الذين يحسون بقسوة الحياة التي يبدو أنها وعدتهم بالكثير ولم تعطهم سوى القليل، من خلال توظيف ذكرياتهم وطرح خيبات أملهم. لهذا السبب يقدم العديد من قصصه أبطالا كباراً في السن يعانون وطأة العزلة والمرض والنسيان ومحاولات التكيف مع واقع الحياة الجديدة، ويعبر دائماً عن نظرتهم للحياة بلغتهم التي يعرفونها.


في خضم ذلك، بوسع المرء أن يرى وطأة الذكريات على شخصياته التي تبدو تعسة الحظ بائسة المصير. وحينما تهرب الى ذكريات ماضيها من حاضر شقائها، تصير موزعة بين واجب اجتماعي يطالبها بالالتزام، ورغبتها المستحيلة في أن تكون ذاتها كما تشتهي، فلا تجد سوى أن تعيش الوهم وشهقات البكاء. وحتى عندما تفكر شخصياته بايقاف الزمن واقتطاع ساعة منه لتعيش ذكرياتها في جو رومانسي عاطفي تجدد به أحلامها، تحدث أزمة في علاقاتها مع الاخرين المنهمكين بشؤون حياتهم، فليس لديهم وقت مستقطع لتجديد المشاعر والاحلام والذكريات.


في أغلب قصصه، تظهر شكاوي الناس العاديين بلغتهم وتعابيرهم الواقعية بلا رتوش، كما خبرها القاريء من واقع حياة المجتمع. وتكاد قصصه تكون التوثيق الادبي الدقيق لواقع المجتمع بكل مشكلاته وأطيافه وأحاديثه، فما يدور في الواقع من مسائل وقضايا شغلت بال المواطن في العقدين الاخيرين، كمشكلات السكن والايجار ومشكلات السوق والطريق ومنازعات الفقراء، تحضر في قصصه.


ويمكن القول بيقين أن موضوع الفقر والمعاناة أحد أكثر المواضيع التي تبرز في أدب مدانات، فشخصياته كثيرة الشكوى والتساؤلات التي لا تجد من يسمعها، ويحرمها الفقر من الاحساس بمتعة الحياة. شخصيات تحترف الحزن والانتظار والتذمر. ولكن قصصه تمتاز بتقديم بانوراما من القضايا الحياتية الضاغطة كالازمات الاسرية وغياب التواصل ولهاث الحياة والمرض والتعب.


يبدو مدانات ممن يؤمنون بتأثير السن والجنس والموقع الاجتماعي والحاجة في السلوك العفوي للانسان، الذي تتراكم عليه طبقات من تابوهات اجتماعية، فيصبح أسير مفاهيم وعادات تدخل الانسان في دوامتها. فكلما قلت مشاغله قل اكتراثه واحساسه بالهموم. وفي أثناء انشغاله بهذه القضايا فإنه لا يغفل عن الطقوس اليومية البسيطة للحياة او للحب كرمي وردة لفتاة أو مغازلة ساذجة مفتعلة أو تلفت فتاة وابتسامتها بخبث.


يهتم مدانات باختراع اسماء ثلاثية وهمية لأبطاله ليظهروا شخصيات حقيقية من الواقع، لكن حتى مع التعريف بالاسم الذي لا يخلو من غرابة أحيانا، كالاستاذ أحمد زكي المستطيلي، فإنها تبقى شخصيات مغمورة مهمشة. وهو يرصد بعين دقيقة شديدة الملاحظة تفاصيل الطقوس الحياتية اليومية التي تدل أن حياة أبطاله مستغرقة في دوامة خبيثة لا فكاك منها من المعاناة والتعب والرتابة. يبدو في هذا المشهد من قصة "الفجر لا يخفي عيوبه" اهتمام مدانات بأدق التفاصيل التي تزدحم بها حياة من يكتب عنهم. كل بيت في العالم القصصي لمدانات هو أزمة حياتية بحد ذاتها. فوضى وتراكم وضيق وتوتر وانحباس هي الصفات الاكثر تعبيراً عن عالم شخصياته. "غرفة جلوس العائلة الوحيدة في وسط المنزل تماما، وهي مركز النشاط العائلي، فعلى مقاعدها وفوق المشجب تتنائر الملابس وعلى طاولة الوسط تختلط الكتب المدرسية مع الأكواب وفتات الخبز وفيها ينتظر كل من أفراد الأسرة دوره في دخول الحمام وتناول الطعام".


يحرص الراوي عند الوصف وعند سرد الاحداث على ذكر أكثر التفاصيل الدقيقة ويثقل السرد والحوار أحيانا بجمل طويلة تنوء بكثير من التفاصيل التي يمكن الاستغناء عنها، وأحيانا يتكرر ذكر بعض التفاصيل نفسها ما بين الحوار والوصف كما في هذا المقطع الذي يرد على لسان أم أسامة في قصة "الفجر لا يخفي عيوبه": "أتخاطبني بهذا الكلام بعد عشرين سنة من الزواج؟! أفضل لي أن أغرب عن وجهك، فمن حسن حظي أن منزل والدي مفتوح لي وسأدخله معززة مكرمة، فهو خير من منزل لا أجد فيه سوى الوجوه العابسة والأشغال المكلفة، ابنك فج رأسه وانتفخ، ولا أعرف السبب، وهو يزعم أن أغرابا ضربوه، وهو بحاجة لمن يفحص رأسه، فتفضل: قم بواجبك كأب، أنا فعلت ما أقدر عليه، وضعت ثلجا على رأسه، غير أن هذا لا يكفي. ثوب ابنتك متسخ، ثمة بقعة كبيرة مصفرة، وهي لا تملك غيره، ومن غيره لن تذهب إلى المدرسة، فتفضل ونظفه لها، أما أنا فقد اكتفيت من حياة لم توفر لي ساعة صفاء واحدة، وقد صليت يدي بنار فرن الغاز المشتعلة وأنا منهمكة في معالجة الأمور التي تفوق طاقتي".


يركز مدانات على نقل تفاصيل المشهد بعيني الراوي بلا رتوش وبلغة قريبة من لغة القاريء العادي، لذا تخلو في كثير من الاحيان من ظلال التلوين النفسي والايحاءات والرموز. إذ يختلف مدانات عن كثير من كتاب القصة الذين يحبون القصص الموغلة في الرمزية والنفسية والايحاءات. وحتى في القصص التي يوحي عنوانها أنها قصة العالم الجواني للشخصيات في صراعها مع واقعها البائس، وما قد يفضي الى المناجاة والتأملات والوصف الايحائي المثقل باشارات نفسية. يظل مدانات يصر على لغة الشعب اليومية، فالاهم عنده هو المضمون الاجتماعي للقضايا التي يطرحها، وليس ابراز الجماليات الفنية والبراعات اللغوية والانزياحات الحداثية او الظلال النفسية للبوح. ويوظف مدانات تقنيات الحلم واسترجاع الماضي ومفاجآت النهايات المدهشة في قصصه التي تطرح عذابات الماضي الذي يبقى يلازمنا فنحس به ونعيشه ونتجرع مرارته وذكرياته كما في قصة "العيش في الماضي"، حيث تبدو الشخصيات غير قادرة عن تقبل حقيقة الواقع ولهذا تعيش على احلامها المنكسرة.


ورغم اهتمامه بتفاصيل السياق الواقعي للحدث خارج الشخصية، الاّ أنه يبدع حينما يقتحم عالم النفس الداخلي ليعبر عن الافكار المشوشة والهواجس والخواطر والافكار التي تزدحم في رؤوسنا في لحظات الخوف والقلق من المستقبل. وتصبح عباراته مثقلة بايحاءات الوضع النفسي العام الذي تمر به الشخصيات، غير أنه حينما يرسم صورة جميلة مفعمة بمشاعر الحب والتقارب والتعبير عن ما يجيش في الصدر من رغبات في تعويض الاخرين عن الحرمان، سرعان ما تتبدى سخرية الموقف المتمثلة في مشاعر الشك ونكران الجميل التي تتملك الطرف الاخر الذي ينظر بعين الريبة، وتحيل نهايات قصصه المفاجئة الحلم الى كابوس.
inassar98@hotmail.com

* اللوحة أعلاه للفنان التشكيلي الاردني وأحد رواد الحركة التشكيلية أحمد نعواش.
** نشرت المقالة في الملحق الثقافي لجريدة الرأي يوم الجمعة 26/2/2010.
 
رابط صفحة المقالة المنشورة في جريدة الرأي
 
رابط الصفحة الكاملة - جريدة الرأي
 

2010/02/19

سالينجر.. الموت يعيد روائي التمرد الاجتماعي الى الحياة




سالينجر: لم أمتلك الشجاعة لأقرر أنني لا أحد.
سالينجر.. الموت يعيد روائي التمرد الاجتماعي الى الحياة!


اياد ع. نصار
لن يبقى الستار مسدلاً على حياته كما أراد، ولن يُطوى فصل مملوء بالتمرد والاغتراب والعزلة وممارسة المعتقدات الشرقية الى الابد كما تمنّى، بل ستزداد وتيرة الكشف عن تفاصيل حياته وأعماله منذ الان بعد أن كافح طويلا في منع "الدخلاء" من انتهاك عزلته، وخاض نزاعات في سبيل إبعاد الاعلام والشهرة عن الطريق الى بابه في أروقة المحاكم. وربما يصبح أيقونة للتكهنات وافكار الدارسين المدفوعة بحب الفضول، وشهوة الباحثين عن الاسرار الخفية في حياة أديب ملأ الدنيا وشغل الناس برواية يتيمة حتى صارت من أشهر روايات القرن العشرين. ومما يثير الفضول فعلا أنه، برغم مضي ما يزيد على أربعة عقود منذ آخر عمل نشره والى لحظة وفاته، بقي حياً في ذاكرة الادب والصحافة رغم سعيه الذي لم يكلّ يوماً في أن يطويه النسيان.


توفي في السابع والعشرين من شهر كانون الثاني لهذا العام الكاتب الذي توقف قلمه عند رواية واحدة وعدة مجموعات قصصية قبل أكثر من خمسة وأربعين عاماً. عاش سالنجر ومات في عزلة مثل البطل الذي صنعه، لكنه بقي على الدوام رمزاً للتمرد والغموض، وألهب خيال أجيال من الشباب في سعيهم للوقوف بوجه المجتمع وازدرائه، وصارت روايته رمزاً للإغتراب والتمسك بالبراءة بعيداً عن عالم الكبار وزيفه المقنّع. لقد ارتبط اسم جيرومي ديفيد سالينجر المعروف اختصاراً باسم جي دي سالينجر بأدب التمرد الاجتماعي ولغة رجل الشارع العادي دون تشذيب، التي طالما أثارت الكثيرين ضد روايته "الحارس في حقل الشوفان".


ولد في مستهل العام 1919 في مدينة نيويورك لأب يهودي وأم مسيحية. كانت دراسته المتقطعة في جامعتي نيويورك وكولومبيا انعكاساً لحياة بطل روايته كما جسدها هولدن كولفيلد. كرس سالينجر شبابه للكتابة حيث نشر مع مطلع العام 1940 العديد من القصص القصيرة. ولم يقطع حماسته للكتابة سوى نشوب الحرب العالمية الثانية التي التحق بها مجنداً، ولما انتهت عاد مجدداً للكتابة، بخاصة في مجلة النيويوركر. أثار انتباه النقاد والقراء، مثلما أثار سخط الكثيرين من المحافظين بروايته التي نشرت في العام 1951. تسرد الرواية قصة طالب مدرسة داخلية متمرد يحاول الهرب من عالم الكبار "الزائف". تستمد الرواية أحداثها وشخصياتها من شخصيات قصتين من قصصه القصيرة اللتين نشرهما ما بين عامي 1945 و 1946 وهما "هذه الشطيرة ليس بها مايونيز"، و"أنا مجنون".


وعلى إثر انتشار موجة الرفض الاجتماعي التي جسدها الشباب في الغرب، والتي ظهرت، منذ النصف الثاني للقرن العشرين، بشكل جلي في صورة الاهتمام بالمعتقدات والاديان الاسيوية الشرقية، اعتنق سالينجر البوذية، كما صار بعد ذلك تلميذا مخلصاً لتعاليم سري راما كريشنا وهي نوع من التعاليم التأملية الهندوسية. وتحفل قصصه بالكثير من الاشارات الى هذه المعتقدات مثل مجموعته "تسع قصص" في العام 1953.


أصدر سالينجر مجموعة قصصية بعنوان "فراني وزوي" في العام 1961، كما أصدر في العام 1963 مجموعة أخرى بعنوان "ارفعوا عارضة السقف عالياً أيها النجارون". ومنذ ذلك الحين اختفى عن الساحة الادبية، وأسهمت عاداته في العزلة، والابتعاد عن الاضواء، ورفض المقابلات الصحفية، والتوقف عن النشر.. أسهمت في إحاطة حياته بالغموض الذي صار يغري بعض الباحثين والناشرين بالبحث عنه من أجل تقديم سيرة حياته أو أعماله. ولهذا فقد بيعت مؤخرا رسائل كتبها سالينجر الى فتاة أحبها في العام 1972 بمبلغ 156 ألف دولار في قاعة سوذبي للمزادات العلنية. كانت الفتاة التي تدعى جويس ماينارد آنذاك طالبة في الثامنة عشر في جامعة ييل (Yale) وقد تركت الجامعة وعاشت معه مدة تسعة أشهر.


تبرز الرسائل تعلق سالينجر المتزايد بالمرأة ورغبته الملحة في حماية مصدر ابداعه من وهج العالم الخارجي. وقد أصبحت هذه المرأة، في ما بعد، كاتبة،ً ونشرت رواية ساخرة بعنوان "الموت لأجله"، كما نشرت مذكرات أثارت الكثير من الجدل لكشفها عن علاقتها بسالينجر، وذكرت فيها أن سبب طلب سالينجر للعزلة قد نبع من رغبته في الخصوصية نتيجة علاقاته النسائية المتعددة، والتي قد يؤدي الكشف عنها الى تلطيخ سمعته الادبية. وذكر سالينجر في رسالة مؤرخة في العام 1974 الى مجلة نيويورك تايمز أنه مستمر في الكتابة لنفسه فقط، ولن يسمح لأحد إطلاقاً بالاطلاع على ما يكتب. ولعل جملته الشهيرة تلخص هذا الموقف: "لقد سئمت من حقيقة أنني لا أمتلك الشجاعة لأكون لا أحد مطلقاً"!


خاض سالينجر نزاعات قانونية عديدة للحفاظ على عزلته؛ فقد استطاع، ومن خلال القضاء، إجبار كاتب سيرته الادبية غير المصرح بها إيان هاملتون أن يعيد صياغتها ويسقط منها اقتباس الكثير مما أخذه من رسائله الشخصية. وفي العام 2009 خاض مع محاميه معركة قضائية ضد كاتب سويدي شاب ألف كتابا بعنوان "الخروج من الشوفان بعد ستين عاماً" ونشره في بريطانيا. لقد وجدت عبارة بطله هولدن: "إياك أن تخبر أحداً أي شيء. اذا فعلت ذلك، فإنك تبدأ ساعتها بفقدان الاخرين" تطبيقها العملي في حياة مؤلفها!


رواية الجنس والوهم والهذيان
لعل هذه الفقرة التالية من الرواية، والتي أعطت العمل اسمه، هي الاكثر شهرة فيها، وتعكس رمزية العنوان وقيمته الدلالية، حيث ينشد البطل هولدن كولفيلد أغنية حول حارس يراقب الاطفال في حقل شوفان. وكلمات الاغنية مأخوذة من قصيدة للشاعر الاسكتلندي روبرت بيرنز. ويتضح من النص رغبة البطل في أن يلعب دور المنقذ للاطفال، كأنما لسان حاله يقول أن بإمكانهم أن يستمروا في فعل ما يريدون ببراءة، ولكنه سيكون دائماً هناك ليتأكد أن لا أحد سيجتاز الحدود الخطرة:


"أبقى أتخيل كل هولاء الصبيان الصغار يلعبون لعبة ما في حقل الشوفان الواسع. الآلاف من الصبيان الصغار ولا أحد حولهم ، أقصد من الكبار، سواي. وأنا أقف على حافة المنحدر المجنون. ما ينبغي علي فعله أن أمسك بكل واحد منهم اذا اقترب من الحافة. أقصد إن بدأ بالركض ولم ينتبهوا الى أين يتحركون، فعلي أن أخرج من مكان ما وأمسك بهم. هذا كل ما ينبغي علي فعله. علي أن أكون حارساً في حقل الشوفان وكل مكان. أعرف أنه جنون، ولكن هذا هو الشيء الوحيد الذي أرغب فعلا في القيام به".


يفتتح الراوي هولدن كولفيلد الرواية بالتأكيد أنها ليست قصة حياته. تبدأ الرواية من نهايتها حيث نراه في مركز للرعاية النفسية يتذكر ما حصل معه العام الماضي في فترة الاحتفال بعيد الميلاد. هولدن طالب داخلي في مدرسة اعدادية، يبدو للآخرين غير مسؤول أو ناضج، وقد طرد من المدرسة لأنه رسب في أربع مواد من أصل خمس. ولم تكن هذه أول مرة؛ فقد سبق أن طرد من أربع مدارس قبلها. يخبره مدرس التاريخ بأن الحياة لعبة وعليه أن يلعبها وفقاً للقواعد. وفي ليلة خروجه يكتشف هولدن بأن زميله سترادليتر قد أقام علاقة جنسية مع صديقته جين غلاهر، فيؤدي ذلك الى عراك بينهما، ويترك هولدن المدرسة ويعود الى نيويورك، وفي الطريق وأثناء ركوبه القطار ينتحل اسم رودلف شميت. يقيم هولدن في فندق، وهناك يرى بعض الاشياء التي تثير فيه الرغبة في ممارسة الحب. ولكن النوادي التي يذهب اليها والنساء اللواتي يلتقيهنّ يثرن اشمئزازه بسبب سلوكهن المزيف.


بعد أن ترك الفندق، أخذ يبيت في محطة القطار حيث يلتقي راهبات ويتحدث معهن عن روميو وجولييت، ثم يلتقي صديقته سالي هيز، ومن دون مقدمات يعرض عليها الزواج. لكن سالي تخبره أنها تحب شخصا آخر، وعندما يسمعهما يشعر بالاشمئزاز من الاسلوب المصطنع الزائف للحوار. يدعو هولدن صديقته للهرب والعيش معه، ولكنها ترفض فيرد بطريقة جارحة تدفعها للبكاء.


يسيطر موضوع الجنس على تفكير هولدن الى درجة أن صديقه في جامعة كولومبيا يدعوه ان يراجع طبيبا نفسياً، ولكنه يشرب حتى يثمل في الحانة ويظن أنه مصاب بذات الرئة. يعود الى البيت ويخبر شقيقته فويبي أنه طرد من المدرسة وأنه ينوي السفر الى مزرعة في كولورادو، فتعنفه على هذه الافكار، ولكنه يقول لها إنه يريد أن يصبح حارساً في حقل شوفان لينقذ الاطفال من السقوط من منحدر. وعندما يعود والداه للبيت يهرب للاقامة في بيت أستاذه السابق السيد أنتوليني، الذي يقول له أن مصيره محتوم للسقوط، وأنه سيموت بنبلٍ في سبيل قضية لا تستحق. وعندما يستيقظ هولدن يحس بيد انتوليني تلمس رأسه، فيرتاب من أن في الامر تحرشاً فيسارع الى ترك المنزل. وبالطبع فإن فكرة التحرش الجنسي واغتيال براءة الطفولة تتردد كثيراً، حيث لا يفتأ البطل يمر بمثل هذه المواقف. يعود هولدن للنوم في محطة القطارات، وفي اليوم التالي يلتقي شقيقته ويصاب بحالة شديدة من الوهم والهذيان ويظن أنه سيموت. لكنه يرفض العودة للبيت مع أخته، ويأخذ في البكاء حيث تنتهي الرواية.


دلالة الاسماء وترميزاتها
ترمز الاسماء في الرواية الى معان عميقة. فعلى سبيل المثال يمكن تجزئة اسم البطل الى هولد ون كول فيلد والتي تعني التمسك بحقل البراءة. وكول الذي يظهر في اسم هولدن أو أخيه آيلي أو أخته فويبي يدل على البرنس أو الغشاء الذي يغطي رأس الجنين في الرحم، ليرمز الى براءة الطفولة العمياء التي لا تستطيع أن ترى تعقيدات عالم الكبار.


محاور الرواية
تطرح الرواية عدة محاور رئيسة مثل تجربة الالم، والتمرد والهروب، وفقدان البراءة، والزيف، والعزلة، والموت كما رأينا من خلال سرد موجز أحداثها. ولكني أود الاشارة الى موضوع الزيف والتمرد، إذ تتردد كلمة زائف كثيرا على لسان بطله. بل إنه يصف كل شخص آخر تقريباً بأنه زائف. وبنظره، فإن الشخص الزائف هو الذي يستجيب لكل متطلبات العالم الكثيرة، ويحاول أن يصنع شيئاً من لا شيء، مثل كل واحد يدرس في المدرسة، أو يتظاهر من أجل القيام بوظيفة أو تحقيق هدف.


تذكرنا رواية سالينجر برواية الاديب الامريكي من القرن التاسع عشر مارك توين "مغامرات هكلبري فَن" التي أثارت تعاطف القراء مع بطلها المتشرد الهارب من المجتمع، وكلا الروايتين عن الطفولة المغلفة بالبراءة وكراهية زيف المجتمع، لكن شخصياتها ليست بدائية او منفلتة كما يظن كثيرون، بل تعيش حقائق الحياة كما تفهمها بوعيها الذي لم يتلوث بعد.


مشكلات فنية في الرواية
لقد اثارت الرواية اهتماما واسعا بين الشباب والكبار بفضل مغامرات بطلها. وتطرقت الى الكثير من الافكار التي سبق أن أوردها المؤلف متناثرة في قصصه القصيرة قبل صدور الرواية. أما على صعيد الشكل الفني، فإن الرواية قد ولدت في الاساس فكرتها من رحم عدد من القصص القصيرة غير المترابطة. حيث سبق أن قدم الكاتب شخصيات عائلة كولفيلد في اثنتين من قصصه، كما أن عشق سالينجر للقصة يظهر واضحاً في سرعة السرد في الرواية، وفي غياب تتابع السرد واستمراريته في بعض الاحيان. كما لا يستمر المشهد الزمكاني أو الشخصيات اكثر من فصلين متتاليين عدا البطل هولدن الذي يستمر في الرواية لكونه الراوي. بل إن هناك شخصيات تظهر مرة واحدة في موضع واحد ثم تختفي مثل السيد انتوليني، أستاذ هولدن السابق للغة الانجليزية في المدرسة. كما أن كثرة ترديد القضايا نفسها في كل فصل، مثل شكوى هولدن من المزيفيين تدل على أن سالينجر عمل على كتابة فصولها بشكل منفصل كأنها قصص قصيرة.


تاريخ طويل من المنع
تعد الرواية واحدة من أكثر الامثلة الكلاسيكية في الولايات المتحدة خاصة، وفي الغرب عموماً، في موضوع العلاقة الشائكة المتوترة بين الرقابة والابداع، وتحديدا الاعمال الادبية، ومدى أحقية جهات ما في المجتمع في المطالبة بمنع او محاربة عمل أدبي بدعوى حماية المجتمع من عبث المؤلف أو صون الاخلاق العامة من الخدش! بل والانتقال من المطالبة الى تنفيذها وفرض عقوبات على الكاتب والكتاب بصور شتى تفيد كلها في نهاية المطاف اعلان الحرب على التعبير المتمرد عن المألوف والسائد، رغم أن الامر ينطوي على سخرية في أغلب الاحيان حيث تمضي الايام وتصبح هذه الاعمال من أبجديات الاعمال الابداعية، ولنا في رواية (عوليس) لجيمس جويس، وفي روايات الكاتب الانجليزي دي اتش لورنس ، مثلما لنا في رواية "أنا أحيا" لليلى بعلبكي و"الخبز الحافي" لمحمد شكري أكبر الامثلة.


لقد كانت الرواية أكثر الكتب منعا في المدارس الامريكية خلال الفترة بين 1966 و1975. بل وصل الامر الى طرد مدرسين لأنهم أوصوا تلاميذهم بقراءتها. كما فرضت كثير من المدارس حظراً على وصول الرواية الى غرفة الصف. وفي العام 1976 رفعت جماعة تؤيد حظر الرواية قضية في مدينة اوكلاهوما، واقاموا هاتفا ساخنا لتوجيه المطالبات الى الناشر الذي تنازل عن الكتاب خوفا من العواقب. وبعدها بعشر سنوات تجدد الجدل مرة أخرى حينما تم تدريس الرواية في احد الصفوف في مدرسة بولاية بنسلفانيا، مما أدى الى احتجاج الاهالي وتصويت مجلس المدرسة على حظر الكتاب. وتكرر الامر ذاته مرة أخرى في نيوجرسي تحت مسميات اللغة البذيئة والفاضحة وتشجيع الدعوة الى ممارسة الجنس والشذوذ والانحراف. بل إن بعض الاهالي قدم احصائية بكل مواضع "البذاءة" في الرواية! وآخرون اعتبروها مؤامرة شيوعية! ولا يزال المنع مستمرا حتى اليوم في عدد من الولايات! بل أن عددا ممن اغتالوا شخصيات عامة معروفة وُجد أنهم اقتنوا الكتاب وتأثروا به مثل قاتل الفنان الاسطورة جون لينون مؤسس فرقة البيتلز، والشخص الذي حاول اغتيال رونالد ريجان، وغيرهم الى حد اعتبر بعض الكتاب أن الرواية كتاب ضد المجتمع!

* اللوحة أعلاه بعنوان وعي مضطرب لعميد الفنانين التشكليين الجزائريين علي خوجة (1923 - 2010) الذي رحل قبل أيام قليلة
** نشرت المقالة في الملحق الثقافي لجريدة الدستور الاردنية ليوم الجمعة الموافق 19/2/2010.

رابط المقالة في جريدة الدستور
 
الصفحة الكاملة - جريدة الدستور

2010/02/05

صورة الانثى في مجموعة "قارع الاجراس"



ومضة القصة القصيرة

صورة الأنثى في مجموعة "قارع الاجراس"

بقلم اياد ع. نصار

تحترف القاصة سامية العطعوط القصة القصيرة جدا منذ أن "إمتصت الجدران صوتها" وتصر على التوغل فيها حتى أمكنها الان أن تكتب ما يمكن أن أسميه ومضة قصصية قصيرة! وقد نشرت مؤخراً مجموعتها القصصية المسماة "قارع الاجراس - أنثى العنكبوت" التي نشرت بدعم من أمانة عمان الكبرى. وتأتي قارع الاجراس بعد مجموعاتها القصصية الاربع السابقة: "جدران تمتص الصوت" عام 1986، و"طقوس أنثى" عام 1990، و"طربوش موزارت" عام 1998، و"سروال الفتنة" عام 2002 . ولعل طبيعة النصوص ومقدار التجريب واستخدام الرموز والاسطورة واسلوب الفانتازيا الذي تمارسه الكاتبة ما يجعل الحديث عن تقسيم المجموعة الداخلي ليس سهلاً بهذه البساطة. إذ تضم المجموعة خمسة تكوينات أو فصول هي: ثلاثيات، طرائد، مدونات، طقوس أفعى، وتكوينات. وتضم هذه التكوينات الخمسة في المجموعة ستاً وعشرين قصة ونصاً رئيسياً أو متعدد الانشطار يقارب الشعر حيناً والنثر حيناً آخر. وما بينها هناك ثمانية وستين قصة وأقصوصة ونصاً وومضة.

يظهر في المجموعة الاحتفاء بتمرد الانثى الذي يتخذ شكل طقوس معاصرة تستوحي ما كانت الحضارات التي ظهرت في هذا الجزء من العالم تجسده في إعتبارها إلهة ترمز للحب والحياة والخصوبة ، وتتخذ كتاباتها عن الانثى أشكالا ومضامين مختلفة ذات ايحاءات اسطورية تسعى لتفكيك تراكمات شعبية وإجتماعية قيدت الانثى وحطمت من هالتها الاسطورية. لذلك تفتح مجموعتها بقولها ولسوف تُروى الاساطير عني وعن نار أيقظتها من رماد. وهناك أنثى العنكبوت وطقوسها ، التي تستوحي صورة المرأة الناعمة الفاتنة ولكنها في ذات الوقت تفتك بمن يقع في حبائلها femme fatale ، وهناك أنثى المرآة. يتكرر حضور الانثى في معظم النصوص التي تعتمد على إعادة استكشاف وتوظيف دور ورمز المرأة عبر مسيرة الحضارات الشرقية وهي بذلك تقدم ملامح صورة المرأة من مختلف جوانبها التاريخية والاجتماعية والفكرية.

تحتل الأنثى مساحة كبيرة من المجموعة إما كبطلة أو كصوت راوٍ أو كموضوع رئيس للعمل رغم أن سامية العطعوط لا تذكر ولا توحي كتاباتها بأنها ترغب في أن تصنف مجموعتها ضمن الادب النسائي الذي إحتل مساحة كبيرة من الادب العالمي بمضامينه النسوية التي تتبنى قضايا المرأة ومعاناتها وآلامها ونضالها والدفاع عن حريتها ، ولو أن المجموعة بالقضايا التي تطرحها هي فعلا تندرج في هذا الباب، فسامية صوت قصصي وابداعي نسائي فعال يساهم حضورها بفعالية في لقاءات وندوات الاصوات النسائية على الساحة الاردنية.

كاشفة الاسرار

يروي أغلب القصص في المجموعة صوت إمرأة او فتاة صغيرة، وفي معظم قصص المجموعة ونصوصها فإن البطلة هي الانثى المتمردة التي تكتشف بشاعة عالم الرجل أو المتمردة التي تكتشف الاسرار التي يحاول الكبار إخفاءها او الاسئلة التي يحاولون تفادي الاجابة عنها، أو الانثى الرافضة لقيود وقضبان الواقع المغلفة وهماً بإسم الحب. أو هي تلك الضحية الصامتة التي لا تنتحب كثيراً على معاناتها ومآسيها وإحساسها بالمرارة من تسلط وخيانة الرجل بل تقدم الحدث كما هو وتترك للقاريء أن يحس بمعاناتها. وفي النهاية وكما هو واضح في كل أعمالها السابقة ، فإن عالم سامية العطعوط هو فضاءات الحب والكراهية والحرية والعبودية والحقيقة والزيف في علاقات الرجل بالمرأة الذي تضفي عليه لمسات رشيقة بفضل أسلوبها الموجز الذي ورغم تقشف الوصف او غياب الاسهاب السردي أو إيجاز الحوار وغياب أوصاف الشخصيات وأسمائها يبقى موحيا مؤثراً فعالاً. ورغم أنها لا تستخدم الا القليل من الكلمات في أعمالها إلا أنها تنجح وبامتياز في أن تقول كل شيء عن أنثاها وعن قضاياها وتنجح في وضعك مباشرة في وسط الحالة الشعورية والنفسية لأبطالها!

والانثى في هذه المجموعة هي حواء التي اشعلت النار ولم يستطع آدم لغاية الان إطفاءها، وهي تظهر في القصص بكل مراحلها من الوليدة الى الطفلة الصغيرة الى المرأة العاشقة الى المرأة التي أحرقتها نيران التجربة الانسانية الى العجوز وبكل حالاتها النفسية ورضاها وغضبها وبساطتها وسذاجتها وقوتها وتمردها.

في "أثنى العنكبوت" فإن أنثى سامية العطعوط ليست أنثى عادية ، إنها أنثى رقيقة لها سحر وجاذبية، وأدواتها واهية مثل بيت عنكبوت ولكنها في ذات الوقت قادرة ان تكون المرأة النموذج الذي سوف يحرر الرجل كما تقول. أما في قصة "مشاهد من مسرحية فكاهية"، فقد إتّبعت الكاتبة تقنية توظيف المشهد المسرحي ، ولكننا نلمح جمالية تتمثل في بدء القصة من نهايتها والعودة بها زمانياً في ثلاثة مشاهد. تبدأ القصة من نهايتها فالأنثى في حالة مأساوية تخرج أحشاءها بين يديها وهي في منتصف الطريق بينما يلهو الابن في رسائل خلوية مع الاصدقاء. أسلوب تخييلي غرائبي لبيان معاناة الانثى وسط انهماك الاخرين بالضحك. وفي المشهد الثاني حافلة يفجرها ملتحيان فتتطاير الاشلاء ويتلون الحديد بالدماء وصورة سيدة تمسك أحشاءها وتسير في الشارع، أما في المشهد الثالث تشتعل كل الاشياء في الدنيا وتشتعل الاسعار وكأن هذه هي الارهاصات التي تسببت في حدوث المشهدين السابقين اللذين يعسكان نمطاً من ملامح قلق المجتمع المعاصر المتمثل في العنف والارهاب.

في قصة "علاقات شائكة" هناك نقد ساخر لعلاقة الانسان العربي بالسلطة التي تقوم على الخضوع من طرف والازدراء من طرف آخر وقمع الانظمة للمواطن العربي من خلال استلهام قصة الخليفة الذي يفد الناس على قصره لتقبيل يده ولكن يشعر بالقرف من ذلك فيأمر بالتوقف عنه ويترك لهم حرية تقبيل الحذاء إن أرادوا. تعيد هذه القصة صورة المرأة التاريخية النمطية كخادمة لا علاقة لها بما يجري من حولها.

في قصة "استكانة"، تبدو الأنثى بصورة الضحية التي قضت الحرب على طفولتها وعلى أمومتها من خلال نموذجي الطفلة الصغيرة وأمها. تقدم القصة شهادة متكررة ساخرة متناقضة من عدة زوايا لوجهات النظر الى القضية ذاتها: قضية معاناة الانسان العربي في العراق من ويلات الاحتلال وانفجارت القنابل وغارات الطائرات. تبكي الفتاة الصغيرة في حضن أمها وترتعد خوفاً حتى تنام ، وفي الصباح يُخرج الناس الجثث من تحت الانقاض. وتروي القصة هذه الحادثة ذاتها بعدة روايات: مرة حسب الرواية العراقية ومرة حسب الرواية الأمريكية ومرة كما في رواية قاص عراقي ومرة أخرى كما يسميها الصوت الراوي بأنها القصة الحقيقية ولكننا نكتشف أنها متأثرة بوجهة نظره وبخياله القصصي في حين أن الحقيقة تموت مع الضحايا!

حين سكتت شهرزاد

يقدم فصل "حين سكتت شهرزاد" عدة قصص تطرح معاناة المرأة في الحب واستغلال الرجل للمرأة والخيانة. ويبدو هنا واضحاً استخدام المعنى الرمزي لتاريخ أسطورة شهرزاد. ففي قصة ابتسامة ، تفتتح القصة بصوت الراوي وهي إمرأة تتحدث عن ابتسامة إمرأة أعلنت القطيعة مع من كانت تحبه لأنها اكتشتفت حقيقته: حقير ميت الاحاسيس يفكر بها كالافعوان. وتصبح الابتسامة هي اللغز المحير عبر التاريخ الانساني منذ عهد شهرزاد الذي يفضح سطوة الرجل وعجزه في آن معاً، ورمز إدراك الأنثى لجمالها أو فتنتها كما في استحضار لوحة الموناليزا او جوليا روبرتس أو إبتسامة خجل الام في التعبير عن ورطتها في كشف الحقيقة الكونية او الجنسية أمام براءة الطفولة. "كانت ابتسامتها تشبه أبتسامة ما لا أذكرها تحديداً، ولكنها مرسومة في مخيلتي...كانت ابتسامة تعني الكثير، ذلك الكثير الذي لا استطيع تحديده في كلمة واحدة."

هناك توظيف فني جميل جدا للرمز في المجموعة في طرح القضية الانسانية التي تجسد معاناة المرأة الابدية بسبب خيانة الرجل كما في قصة "رائحة". فالرائحة النفاذة التي تدخل البيت من كل المسامات والتي تحاول المرأة التي تروي القصة بكل الوسائل منعها ولم تستطع هي الخيانة. خيانة الزوج وإمرأة الجيران. تصبح الرائحة مزعجة لها تصيبها بالهستيريا تؤدي الى تحطم أجزائها وكيانها واحلامها. نهاية القصة جميلة إذ لم تستطع المرأة تحمل الرائحة سوى بإغلاق أنفها وفمها وأذنيها وهنا واضح توظيف فكرة موت الانثى نفسيا وروحيا إذ لم يكن من الممكن قبول الرائحة إلا اذا اصبحت بلا قلب أو لسان أو أذن أو عين. ولكن رائحة الموت الذي خرجت عند موتها لم تلفت انتباه أحد ولم تزعجه. "بعد أيام كانت رائحة الموت تنتشر من بيتنا، وتخرج للجيران، رائحة نفاّذة لكنها لم تزعج أحداً!"

أما قصة "ملل"، فتطرح مرة أخرى موضوع الخيانة الزوجية. فالانثى كما يراها الراوي هي المرأة التي تثير الضجر والملل لأنها تمنع الرجل من ممارسة عاداته في اللهو والتلاعب والخيانة وممارسة ألاعيبه الصغيرة مع النساء. ومن المفارقة أنه لا يرى جمالها إلا وهي غائبة عن الوعي أو ميتة. ولكن طيفها يلاحقه وينغص عليه حياته فلم يعد يطيق الحياة بدونها ويردد أنه يشعر بالملل. واضح في القصة اكتشاف الرجل للحقيقة التي حاول تفاديها وهي أن حياته تتسم بالخواء الروحي والعاطفي بدون المرأة ولهذا يتجرع كاس النهاية الذي قدمه لزوجته.

أقفاص

في الفصل المسمى "أقفاص" تطرح الكاتبة موضوع سلب حرية المرأة في الحب ، فالعاشق يغمد خنجره في صدر حبيبته، وفي قصة "قضبان وحجارة" هناك إشكالية العلاقة الزوجية. يصبح القفص الذهبي رمزاً ورديفاً للسجن. وليس السجن المادي الذي يسلب المرأة حريتها ولكنه سجن روحي ونفسي إذ لم تعد قادرة حتى على استنشاق الهواء فتعلن التمرد عليه وتهرب منه. وحينما تنظر للوراء تراه كومة من قضبان وحجارة.

في قصة "قارع الاجراس" التي أعطت المجموعة عنوانها، توظف القصة أسلوب الحلم أو الكابوس لاعادة بعث الحنين الى الطفولة بكل آلامها وذكرياتها. "مات قبل أن يقرع الجرس .. في بيت من لحم.. هكذا حلمتُ بها ليلة الامس". ويمكن تناول القصة في بعدها الذاتي الذي يرتبط بشهادة الكاتبة الابداعية ، وفي بعدها العام الذي يطرح معاناة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال. قارع الاجراس ليس سوى كائن مات في بيت من لحم قبل أن يتمكن من قرع الجرس والخروج للدنيا. تسيطر على الصوت الذي يروي القصة وهي أنثى تعاني من هذا الحلم مشاعر متناقضة تجاه قارع الاجراس. فتارة تتخيله نحيلا وتاره أخرى سميناً ، ومرة تراه بثوب طفولته الناعم ومرة بثوب الراهب الاسود في إشارة للخوف والموت. وهكذا تحمل القصة خوف الانثى الذي رافقها طيلة حياتها من قارع الاجراس. هل كان يمكن أن يصبح سبب خوفها وقمعها المستقبلي أم كان سيصبح حلمها؟ أما في بعدها العام، فتطرح القصة معاناة الطفولة الفلسطينية أمام رصاص الاحتلال الذي يغتال الاحلام. وهناك إشارة الى راحيل اليهودية التي تضحك حينما قرأت في صحيفتهم عن موت قارع الاجراس بطلقة رصاص والتي تشعر بالسعادة حينما تقصف الطائرات سوق المدينة.

تقدم قصة "خارج المسرح"، الانثى بصورة ضحية جريمة الشرف. وتروي القصة بأسلوب واقعي موجز كيف يتم تداول الموضوع لدى الرجل! إذ يتبارى الاولاد في التطوع لقتلها، أمام الاب فلا يعنيه من الامر سوى غسل الشرف بسرعة! قرار القتل سريع وجاهز وموجز لا يعطي للانثى فرصة الدفاع عن نفسها. أما في الفصل الذي يحمل عنوان استنساخ، فيسيطر على القصص جو سوداوي كئيب يطرح جوانب من قضية الحرب ومعاناتها وخاصة الحرب على العراق. والانثى في هذا الجزء لا تبرز بشكل واضح كما في الفصول الاخرى، وهذا شيء طبيعي أن تختفي الفوارق الجندرية في ظل معاناة انسانية تطحن الكل برحاها.

تستوحي سامية العطعوط في بعض القصص مخزون الحكايا الشعبية وتوظفها في سياق قصصها كما في طقوس أفعى: "كانت لجدتي أخت جنية تدعى سليمة ... لم أكن تجاوزت السابعة من عمري بعد، حين كانت تظهر لجدتي في أحيان كثيرة على شكل أفعى". وكما في قصة سوق الحمّام: " رأتني صديقتي أندفع لأدخل الدكان تشبت بي ومنعتني. قالت إن المكان مسحور وإن ما نراه بأعيننا ليس حقيقياً فقد مات الكهلان منذ مئات السنين ومع ذلك ما زالا يظهران في المكان نفسه". أو كما في توظيف الارواح السائرة والودع والصندوق الخشبي المغلق كما في قصة" رائحة نائم".

مجموعة قارع الاجراس إضافة قيمة في مسيرة سامية العطعوط التي نجحت خلالها في بناء عالمها القصصي القصير جدا!


* اللوحة بعنوان أم ميتة للفنان النمساوي التعبيري إيغون شيل (1890-1918)

** نشرت المقالة في الملحق الثقافي الاسبوعي لجريدة الدستور الاردنية يوم الجمعة الموافق 5/1/2010. يرجى الضغط على الرابط التالي لقراءة المقالة في موقع الجريدة:

صورة الانثى في قارع الاجراس - جريدة الدستور

كما يمكنك رؤية الصفحة الكاملة بالضغط على الرابط التالي (يرجى انتظار تحميل الصفحة)

صورة الانثى في قارع الاجراس - الصفحة الكاملة